أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا















المزيد.....


جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 18:59
المحور: الادب والفن
    


لم تكن جيكور في شعر بدر شاكر السياب اسمًا لمكان ثابت ظل الشاعر يعود إليه بالصورة نفسها، ولم تكن مجرد خلفية سيرية تستدعي الطفولة والأم والنخيل والماء كلما اشتد عليه المرض أو الغربة. تكشف قراءة قصائد جيكور مجتمعة أن جيكور عاشت داخل شعره تاريخًا كاملًا من التحول؛ بدأت أصلًا ورحمًا وبابًا للميلاد، ثم دخلها الزمن فشاخت، واقترب منها الموت فتحولت إلى موضوع للرثاء، ثم حاولت الأسطورة أن تعيد بعثها فعجزت، ووقفت المدينة بينها وبين الشاعر كسور وجودي لا كمسافة جغرافية فحسب، ثم جاءت العودة لتكشف أن المكان الذي يريد الوصول إليه ربما لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة، قبل أن تنتهي السلسلة باتحاد جيكور بالأم والجسد والطفولة المفقودة في جيكور أمي. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للجيكوريات لا تكمن في أنها تصور مكانًا أحبه السياب، بل في أنها تكشف كيف يتغير معنى المكان عندما يمر عبر الزمن والفقد والمرض والموت واللغة.
كانت أفياء جيكور نقطة البداية الطبيعية لهذه الحركة، لأنها جعلت المكان سابقًا على الذات نفسها. يا باب ميلادنا الموصول بالرحم ليست صورة حنين عادية؛ إنها تمنح جيكور وظيفة الأصل. الإنسان يأتي من المكان قبل أن يستطيع التفكير فيه، ولهذا يسأل السياب عن الأزمنة التي عبرها وعن العدم والحياة المنسية، ثم لا يلبث أن يطرح سؤاله الفلسفي عن الزمن:
أنمشي نحن في الزمن
أم أنه الماشي
ونحن فيه وقوف؟
ومنذ هذه اللحظة المبكرة يتبين أن جيكور لن تكون مجرد قرية في الماضي، لأنها ارتبطت بالسؤال عن بداية الذات وبداية الزمن معًا.
لكن القصائد اللاحقة هدمت تدريجيًا أي تصور يمكن أن يجعل الأصل ثابتًا أو قابلًا للاستعادة. ففي جيكور شابت وجد السياب أن المكان نفسه قد دخل الزمن، وأن الصبا الذي كان يراه في الحقول والدروب والفتيات لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة. وحين يقول: إن ماضيَّ قبري وإني قبر ماضي، لا يعود الحنين اتصالًا بريئًا بما كان، بل يصبح علاقة دفن متبادل بين الإنسان وماضيه. فالذات تحمل الماضي وتحفظه، لكنها في الوقت نفسه تعلم أنه لا يستطيع أن يستأنف حياته خارجها. وهكذا انتقلت جيكور من كونها المكان الذي يمنح الذات أصلها إلى المكان الذي يكشف للذات أنها صارت مختلفة عن أصلها.
ثم جاءت مرثية جيكور لتوسع المأساة من المجال الشخصي إلى المجال التاريخي. فالقرية التي شاخت يمكن الآن أن تُقتل، وطائر الحديد الذي يلقي ظله عليها يجعل التاريخ الحديث والحرب والآلة والاستغلال والسلطة الاقتصادية، تدخل كلها إلى عالم جيكور. ولا تعود القرية في هذه المرحلة فردوسًا خاصًا بالسياب، لأنها تتحول إلى نقطة يرى من خلالها ما فعلته الحضارة الحديثة بالإنسان والمكان. ومن هنا ظهرت إحدى النتائج المهمة للدراسة:1 جيكور لا تصبح رمزًا للعالم عن طريق توسيع معناها حتى تفقد خصوصيتها، بل تصبح قادرة على كشف العالم لأنها تظل شديدة الخصوصية. موت بيت أو عرس أو وجه أو قرية قادر على أن يجعل العنف التاريخي محسوسًا أكثر مما تستطيع المفاهيم المجردة أن تفعله.
ومن هذا الموت نشأت ضرورة تموز. كان من الممكن أن تُقرأ تموز جيكور في إطار معروف سلفًا: موت يعقبه بعث، وجدب يعقبه خصب. غير أن القصيدة نفسها تقاوم هذا التفسير حين تجعل الدم لا يتحول إلى شقائق أو قمح بل إلى ملح، ثم تبني وعدًا كاملًا بأن جيكور ستولد قبل أن تنقلب عليه بـهيهات وتنتهي إلى العدم العدم والموت هو الموت الباقي. وبذلك لا تستخدم القصيدة الأسطورة لكي تهزم الموت، بل لكي تختبر مدى قدرة الأسطورة على الصمود أمام حقيقة الجسد المريض والزمن الذي لا يعود. وهذا هو أحد المواضع التي حاولت الدراسة أن تبتعد فيها عن الاستخدام الجاهز لمصطلح أسطورة الموت والبعث؛ فالأهم في تموز جيكور ليس حضور البعث، بل أزمة البعث.
وفي قلب هذه الأزمة ظهر ما أسميناه الانقلاب الجيكوري. في أفياء جيكور كانت الحركة من المكان إلى الإنسان: جيكور باب الميلاد الذي يأتي منه الشاعر. أما في تموز جيكور فتنعكس العلاقة حين يقول:
جيكور ستولد من جرحي
من غصة موتي من ناري.
صار الإنسان الذي ولدته جيكور يحاول أن يلد جيكور من جسده، وكأن المكان الأول لم يعد قادرًا على الاستمرار إلا إذا أعادت الذات إنتاجه. وهذه الحركة ليست صورة عرضية داخل قصيدة واحدة، بل مفتاح مهم لفهم الجيكوريات كلها؛ فكلما تعذر بقاء المكان خارجيًا، حملته الذات إلى الداخل، ثم حاولت أن تعيده إلى الخارج في صورة شعر.
لهذا كانت جيكور والمدينة لحظة حاسمة أخرى. فالمدينة تحرق جيكور في قاع روحي، وتلتف دروبها حول الشاعر حبالًا من الطين و حبالًا من النار. لقد تغير موضع القرية؛ لم تعد هناك فقط، بل أصبحت في الداخل. وهذا ما جعل الصراع بين جيكور والمدينة أعمق من التضاد بين الريف والحضر. المشكلة ليست أن المدينة قبيحة وجيكور جميلة، وإنما أن الشاعر يقيم في الأولى ولا يستطيع أن يسكنها وجوديًا، بينما يسكن الثانية في ذاكرته من غير أن يستطيع الإقامة فيها. وحين تصبح جيكور خضراء وراء سور وبوابة، نكتشف أن العائق بين الإنسان ومكانه الأول لم يعد قابلًا للتفسير بالجغرافيا وحدها.
ويظهر عمق هذا التحول إذا قارنا الباب في هذه القصيدة بالباب في أفياء جيكور. كان في البداية باب ميلادنا، ثم صار في جيكور والمدينة بابًا مغلقًا، ثم عاد في العودة لجيكور بوصفه طلبًا: جيكور مدي لنا بابًا فندخله. هذه التحولات الصغيرة في الكلمات المتكررة تكشف أهمية قراءة الجيكوريات بوصفها كتلة واحدة فالصور لا تكرر نفسها بل تتغير دلالاتها مع تغير علاقة الشاعر بالمكان. والباب مثال واضح على ذلك: من منفذ إلى الأصل، إلى حاجز عن الأصل، إلى رجاء باستعادة منفذ لم يعد متاحًا.
وكانت العودة لجيكور الامتحان الأكثر وضوحًا لفكرة الرجوع. تبدأ الرحلة على جواد الحلم الأشهب، لا على طريق واقعي، ويبحث الشاعر عن مولد للروح وعن منبع يروي لهيب الظماء. ومنذ البداية نعرف أن المطلوب ليس مكانًا وحده، بل إعادة ولادة. غير أن القصيدة تصل إلى عبارتها الأخطر: أواه يا جيكور... لو توجدين!. هنا تتغير طبيعة السؤال بالكامل. لم يعد: هل أستطيع العودة؟ بل: هل الذي أريد العودة إليه موجود أصلًا؟ وهذه العبارة كانت من أهم المفاتيح التي قادت الدراسة إلى التمييز بين جيكور الجغرافية وجيكور الذاكرة وجيكور الشعر.
فجيكور الجغرافية هي القرية الواقعية التي يمكن تحديد موقعها وزيارتها. أما جيكور الذاكرة فهي المكان الذي حمله السياب بعد أن غادره، والذي اختلطت فيه الطفولة بالأم والحب والخوف والماء والنخيل والفقد. أما جيكور الشعر فهي الكيان الذي صنعته اللغة من هذه العناصر بعد أن أعادت الذاكرة ترتيبها. ولذلك لم يكن من الدقيق القول إن السياب كان يحاول فقط أن يستعيد فردوسًا موجودًا ثم ضاع؛ فقد يكون الفقد نفسه جزءًا من عملية صناعة هذا الفردوس. الطفل الذي عاش في جيكور لم يكن يعيشها بوصفها الفردوس المفقود، لأن معنى الفقد لم يكن قد وُلد بعد. لقد أصبح المكان فردوسًا حين صار بعيدًا، أي عندما بدأ الحاضر يعيد بناء الماضي من خلال حاجته إليه.
ومن هنا كانت إحدى الفرضيات الأساسية لهذه الدراسة أن جيكور الشعرية ربما لم توجد بصورتها المكتملة إلا بعد أن فقد السياب جيكور الواقعية. وهذا لا يعني أن الشاعر اختلق مكانًا كاذبًا؛ بل يعني أن الذاكرة لا تحتفظ بالماضي كما تحفظ الصورة الفوتوغرافية المشهد، وإنما تعيد تنظيمه بحسب ما أصبح عليه الحاضر. فقدان الأم يمنح بعض صور الطفولة كثافة جديدة، والمدينة تجعل خضرة جيكور أكثر حضورًا، والمرض يجعل جسد الطفل القديم أكثر لمعانًا، واقتراب الموت يجعل البيت الأول يبدو أقرب إلى الرحم. لذلك فالقصائد لا تستنسخ الماضي؛ إنها تكشف كيف يعاد إنتاجه.
وتصبح هذه الفكرة أكثر وضوحًا في جيكور أمي، حيث يصل المسار إلى نقطة لا يعود فيها المكان مجرد استعارة للأم، بل يقال مباشرة: تلك أمي، ثم يأتي العائد إليها كسيحًا يلاثم الأزهار والماء والتراب. في هذه القصيدة تلتحم كل الخطوط التي توزعت على النصوص السابقة: الرحم الذي بدأنا منه، والماء، والأبواب، والجسد المريض، والنساء، والسنوات الخضر، والوداع. غير أن أهم لحظاتها ربما تقع في العبارة:
.....إنها جيكور
جنة كان الصبي فيها وضاعت حين ضاعا.
فهذه الجملة تحدد بدقة أن فقد المكان مرتبط بفقد الذات التي عاشت فيه. الجنة لم تكن خاصية في الجغرافيا وحدها؛ كانت علاقة بين الصبي وجيكور. ولذلك ضاعت حين ضاع الصبي، حتى لو بقي المكان.
وهذا يقود إلى النتيجة الفلسفية المركزية للدراسة: المكان الأول لا يظل هو نفسه حين تتغير الذات التي عاشت فيه. لا يعود الإنسان إلى المكان وحده، بل يعود حاملًا كل ما وقع له بعد أن غادره. وبالتالي فإن العودة لا تستطيع أن تعيد علاقة سابقة بين ذات قديمة ومكان قديم، لأن الذات عادت مختلفة والمكان نفسه دخل الزمن. ولهذا فإن الحنين ليس رغبة في قطع مسافة جغرافية، بل رغبة في التغلب على الزمن، وهي الرغبة التي تكشف الجيكوريات بالتدريج استحالتها.
ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الجسد بالمكان طوال هذه القصائد. في البداية كانت جيكور رحمًا، ثم صار الشاعر يطلب منها أن تلم عظامه وتغسل قلبه، وبعد ذلك صار جرحه مصدرًا مفترضًا لميلادها، ثم أصبحت يده في جيكور والمدينة عاجزة عن خرق السور، وفي العودة لجيكور تحول الجرح إلى خبز وماء يقدم للآخرين، قبل أن يبلغ الجسد في جيكور أمي حالة الكسيح الذي يسأل: كيف أمشي؟. ليست هذه مصادفات تصويرية؛ إنها تعني أن علاقة السياب بجيكور لم تكن ذهنية خالصة. إنه لا يتذكر المكان بعقله فقط، بل بجسد تغير ولم يعد قادرًا على أداء الحركات التي كانت تجعل المكان عالمًا معاشًا.
ولهذا كان حضور ميرلو-بونتي وكيسي وباشلار وبرغسون وهايدغر مفيدًا في الدراسة، شريطة ألا يتحول أي منهم إلى نموذج نفرضه على النص. فقد ساعد باشلار في إضاءة المكان الأول بوصفه حميمية وكونًا أولًا، وبرغسون في فهم استمرار الماضي داخل الحاضر، وكيسي في التمييز بين الموضع والمكان المعيش وبين الوصول والعودة، وميرلو-بونتي في فهم ارتباط المكان بالجسد القادر أو العاجز عن الحركة، وهايدغر في التمييز بين الإقامة والسكن. لكن القصائد دفعت هذه المفاهيم أحيانًا إلى مناطق أكثر قسوة؛ فالبيت الأول عند السياب ليس الحماية وحدها، بل قد يتحول إلى معيار دائم للفقد، واستمرار الماضي ليس عزاءً فقط، بل ألمًا، والعودة إلى المكان قد تزيد الإحساس بضياعه بدل أن تشفيه.
وفي الوقت نفسه، حاولت الدراسة ألا تجعل الحوار الفلسفي يحجب التاريخ النقدي الخاص بالسياب. فقد أظهرت قراءات إحسان عباس وعيسى بلاطة وغيرهما مركزية الأم والمرض وجيكور والأسطورة والمدينة في شعره، كما عالجت دراسات لاحقة المكان والأسطورة والمدينة و الجيكوريات من زوايا أسلوبية وسيميائية وموضوعية مختلفة. إلا أن القراءة المقترحة هنا تسعى إلى نقل مركز السؤال قليلًا: من ما الذي ترمز إليه جيكور؟ إلى كيف يتغير نمط وجود جيكور من قصيدة إلى أخرى؟. وبذلك لا تصبح الدلالة هي الموضوع الوحيد، بل يصبح التحول نفسه موضوعًا للتحليل.
وهذا التحول يمكن تتبعه أيضًا في لغة القصائد. ففيها شبكة متكررة من النداء والاستفهام والتمني والنفي: جيكور، جيكور، أين جيكور؟، فابعثيها وابعثيني، ستولد، هيهات، لو تسمعين، لو توجدين، نامي. هذه ليست مجرد أدوات نحوية متفرقة؛ إنها تشكل ما يمكن تسميته نحو الفقد في الجيكوريات. في البداية ينادي الشاعر مكانًا يبدو حاضرًا، ثم يسأله، ثم يطالبه بالبعث، ثم يعد بولادته، ثم يشك في إمكانها، ثم يتمنى أن يكون موجودًا، وأخيرًا يطلب منه أو من ذكرياته النوم. هكذا تتحول الصيغة النحوية مع تحول العلاقة بالمكان.
وتتغير شبكة الصور بالطريقة نفسها. الماء يبدأ نبعًا وجدولًا ونورًا، ثم يصبح شيئًا يُبحث عنه في العطش، ويختلط بالدم والملح، ثم يعود في جيكور أمي إلى جرة فخار باردة تقدمها يدان. الباب يبدأ ميلادًا ثم يتحول سورًا وبوابة ثم طلبًا بالدخول. الجرح يبدأ علامة على الجسد المريض، ثم يصبح رحمًا لجيكور وطعامًا للجائعين. الأم تظهر أولًا في القبر داخل أرض جيكور، ثم تنتهي جيكور نفسها إلى أن تصبح أمي. هذه التحولات النصية هي التي تجعل القصائد سلسلة متحركة، لا مجموعة تنويعات على موضوع واحد.
وفي ضوء ذلك يمكن صياغة الانقلاب الجيكوري بصورة نهائية. في المرحلة الأولى: جيكور تلد الشاعر. في المرحلة الثانية: الشاعر يحاول أن يلد جيكور من جرحه. وفي المرحلة الثالثة لا يعود الاتجاه أحاديًا، لأن كل طرف أصبح يحمل الآخر: جيكور موجودة في قاع الروح، والشاعر موجود داخل ذاكرتها وقبورها وطرقها، ثم يعيدها إلى العالم عبر القصيدة. وهكذا تتحول العلاقة إلى دائرة: المكان يصنع الإنسان، والإنسان يعيد صنع المكان.
لكن هذه الدائرة لا ينبغي الخلط بينها وبين دورة تموز؛ فهي لا تعني أن ما مات عاد كما كان. الشعر لا يعيد الطفولة، ولا يشفي الجسد، ولا يعيد الأم، ولا يعيد السنين الخضر. بل إن جيكور أمي تقول بوضوح: الصبا والزمان لن يرجعا بعد. لذلك فإن ما يفعله الشعر ليس القيامة، بل شيء أكثر تواضعًا: تحويل الفقد إلى حضور لغوي. وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن القول إن الشعر ينتصر على الموت سيكرر الوهم الذي حطمته تموز جيكور نفسها.
ما يستطيع الشعر فعله هو أن يمنع المفقود من أن يصبح غيابًا بلا أثر. الأم لا تعود، لكن اسمها يتحد بالمكان. الصبا لا يعود، لكن تفاصيله ــ جرة الماء، الفانوس، الرعد، الخطى بين التلال، الأشجار، الأبواب ــ تصبح قابلة للاستمرار داخل النص. وهذا هو المعنى الذي يمكن أن نعطيه لجيكور الثالثة، جيكور الشعر: إنها لا تعيد الأولى، لكنها تمنح ما فقدته الأولى وجودًا آخر لا يعتمد على قدرة الجسد على الرجوع إليها.
ولهذا كانت العبارة التي تقول إن جيكور الجغرافية هي التي وُلد فيها السياب، أما جيكور الشعرية فهي التي ولدها السياب أكثر من مفارقة لفظية. إنها تصف حركة النصوص الثمانية كلها. كان المكان سابقًا على اللغة في البداية؛ لكنه، بعد أن فقد حضوره الأول، احتاج إلى اللغة لكي يستمر. ولعل هذا ما يفسر المفارقة الأكبر في هذه القصائد : المكان الذي ظل الشاعر يخشى فقدانه صار، بفضل خوفه من فقدانه، أكثر بقاء في الشعر مما كان يمكن أن يكون لو ظل مجرد قرية عادية عاش فيها ثم مضى.
وهنا تظهر قيمة الخصوصية في تجربة السياب. فجيكور لم تصبح إنسانية لأنها فقدت اسمها أو تفاصيلها وتحولت إلى رمز عام، بل لأنها ظلت جيكور. ظلت بويب والنخيل والماء والأبواب ومحمود وهالة ووفيقة وإقبال والسنين الخضر. إن قدرتها على لمس تجربة القارئ تأتي من هذه الخصوصية، لأن القارئ لا يحتاج إلى أن يكون قد عاش في القرية نفسها لكي يعرف معنى أن يكون له مكان لا يستطيع العودة إليه كما كان. جيكور إذن ليست نموذجًا عامًا يحل محل الأمكنة الأخرى؛ إنها مثال على الطريقة التي يستطيع بها المكان الأكثر خصوصية أن يفتح سؤالًا إنسانيًا واسعًا عن الذاكرة والزمن والهوية.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الجيكوريات ترسم نوعًا من السيرة المكانية للذات. السيرة المعتادة تروي ما وقع للإنسان عبر الزمن، أما هذه القصائد فتروي ما وقع لعلاقته بالمكان وهو يتغير. جيكور نفسها تصبح سجلًا لتحولات السياب: فيها طفله وشابه وعاشقه وسياسيه ومنفيه ومريضه والإنسان الذي يقترب من الموت. ولذلك فإنها ليست فصلًا من سيرته إلى جانب فصول أخرى؛ إنها إحدى الطرق التي أعاد بها كتابة سيرته كلها في صورة مكان.
وتفسر هذه السيرة المكانية كذلك العلاقة العميقة بين المكان والهوية. فالذات في الجيكوريات لا تبدو جوهرًا مستقلًا ينتقل بين أمكنة محايدة؛ إنها تتكون داخل المكان ثم تحمل آثاره معها. حين يقول الشاعر إن جيكور في قاع روحه، لا يصف حنينًا عاطفيًا فحسب، بل يعلن أن المكان صار جزءًا من تركيب الذات. وهذا يعني أن فقد المكان لا يكون فقد شيء خارجي، بل فقد جزء من الطريقة التي يعرف الإنسان بها نفسه.
ومن هنا نفهم لماذا كان سؤال العودة مستحيلًا منذ البداية وإن لم يظهر بهذه الصراحة إلا لاحقًا. العودة الكاملة كانت تتطلب أن يعود المكان والذات والزمن في آن واحد. ولو عاد واحد منها دون الآخرين لما تحقق ما يطلبه الحنين. يمكن للقرية أن تبقى، لكن الصبي لا يبقى؛ ويمكن للذاكرة أن تبقى، لكن الجسد يتغير؛ ويمكن للشعر أن يعيد الصور، لكنه لا يعيد الزمن. لهذا لم يكن الفشل في العودة حادثًا طارئًا داخل الجيكوريات، بل النتيجة المنطقية لطبيعة الشيء المطلوب.
وإذا كان لهذا المسار من درس يتجاوز شعر السياب، فهو أن علاقتنا بالأمكنة الأولى لا تقوم على الملكية أو الإقامة وحدهما. نحن لا نملك المكان الذي صنع طفولتنا كما نملك بيتًا أو أرضًا؛ إنه يعيش فينا بالصورة التي عشنا بها فيه، وحين تنتهي تلك الذات لا يعود المكان قابلًا للاسترداد بالمفهوم نفسه. ولهذا ربما يكون الحنين دائمًا حنينًا مزدوجًا: نعتقد أننا نشتاق إلى مكان، بينما نشتاق في الوقت نفسه إلى الشخص الذي كنا عليه فيه.
وهذه هي، في النهاية، الحقيقة التي تجعل جيكور أمي خاتمة طبيعية للمسار. فحين يقول السياب إن جيكور جنة كان الصبي فيها وضاعت حين ضاعا، فإنه لا يرثي المكان وحده ولا الصبا وحده؛ يرثي العلاقة التي جمعتهما. وحين يقول بعد ذلك إن الصبا والزمان لن يرجعا بعد، يكون قد وصل إلى المعرفة التي حاولت الجيكوريات كلها تأجيلها: لا تستطيع اللغة أن تعيد الزمن، لكنها تستطيع أن تمنع ما فعله الزمن من أن يبقى بلا شهادة.
لهذا لا تنتهي هذه الدراسة إلى أن جيكور رمز للأم، ولا إلى أنها رمز للوطن، ولا إلى أنها الفردوس المفقود، مع أن كل هذه المعاني تمر فيها. النتيجة الأهم هي أن جيكور عملية شعرية مستمرة لتحويل المكان إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال عن الذات، والذات إلى لغة تقاوم الفقد من غير أن تدعي الانتصار عليه. لقد خرجت القرية من الجغرافيا ودخلت الزمن، ثم عبرت الجسد والمرض والأسطورة والمدينة والحب والموت قبل أن تستقر في القصيدة.
وربما لهذا لا يكون السؤال النهائي: هل استطاع السياب أن يعود إلى جيكور؟ فالقصائد أجابت عن ذلك مرات متعددة، والجواب هو أن العودة التي يريدها لم تكن ممكنة. السؤال الأكثر دقة هو: ماذا حدث حين فشلت العودة؟ حدث أن المكان بدأ يعيش حياة أخرى. ما لم يستطع السياب استعادته بالجسد أعاد تشكيله باللغة، وما لم يستطع الزمن أن يعيده صار الشعر قادرًا على حفظ أثره. وهكذا تنقلب حركة العودة في اللحظة الأخيرة: لم يعد الشاعر هو الذي يعود إلى جيكور، بل أصبحت جيكور هي التي تعود إليه وتستقر في صوته.
وبذلك يمكن أن نختم بما بدأت الدراسة تتجه إليه منذ صفحاتها الأولى: الإنسان لا يعود إلى المكان كما كان، لأن الإنسان نفسه لا يعود كما كان. لكنه يحمل المكان معه، ويعيد خلقه كلما تذكره، حتى يغدو ما فقده خارج ذاته جزءًا من بنائها الداخلي. وفي تجربة السياب بلغت هذه العملية حدًا جعل قرية صغيرة في جنوب العراق تتحول إلى واحد من أكثر الأمكنة كثافة في الشعر العربي الحديث؛ لا لأنها خرجت من التاريخ، بل لأنها حملت داخله تاريخ إنسان يحاول أن يفهم، وهو يقترب من الموت، لماذا لا يستطيع أن يعود إلى حياته الأولى، وكيف يمكن للغة أن تمنح تلك الحياة شكلًا آخر من البقاء.
وفي هذا المعنى الأخير وحده يمكن القول إن العودة حدثت فعلًا، ولكن بصورة لم يتنبأ بها الحنين. لم يعد السياب إلى جيكور، ولم تعد إليه طفولته، ولم تستيقظ السنوات الخضر. الذي حدث أن جيكور دخلت اللغة، وحين دخلتها لم تعد ملكًا للسيرة وحدها. صارت مكانًا يستطيع القارئ أن يدخله، ومكانًا يحمل داخله الأم والطفل والجسد والجرح والماء والسور والباب والزمن. ومن هنا تتكشف المفارقة الأخيرة للجيكوريات: لقد تعذر على الشاعر أن يعود إلى المكان، لكن الشعر جعل المكان قادرًا على العودة، مرة بعد أخرى، إلى كل من يقرأه.

1. دراسة تتناول ثمان من قصائد بدر شاكر السياب التي تحمل جيكور في عناوينها : افياء جيكور وجيكور شابت ( من ديوان المعبد الغريق) ومرثية جيكور وتموز جيكور و جيكور والمدينة والعودة لجيكور ( من ديوان انشودة المطر ) وجيكور وأشجار المدينة و جيكور أمي ( من ديوان شناشيل أبنة الجلبي )... و المقال يمثل مسودة خاتمة هذه الدراسة ....



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو أنطولوجيا الانكسار: رحلة البطل من قدسية الأسطورة إلى عبث ...
- أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
- قصص همنغواي القصيرة/2


المزيد.....




- إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن ...
- -سويوزمولتفيلم- يحتفل بتسعين عاما.. أفلام روسية تعبر الحدود ...
- مصر.. تطورات جديدة في مقتل الفنان سعيد مختار بعد اتهامه لزوج ...
- الفيلم الملحمي -الانتفاضة-.. حين يتحول الغضب إلى معركة لانتز ...
- رحيل الكاتب العُماني محمد بن عيد العريمي.. مسيرة أدبية بدأت ...
- مخرجون شباب من 9 دول بينها السعودية يجتمعون في موسكو لصناعة ...
- من كعكات القمر إلى رقصة الأسد.. كيف تحتفل آسيا بعيد منتصف ال ...
- الجزائر ترشح فيلم -رقية- للمخرج يانيس كوسيم للمنافسة على أوس ...
- رجل عصر النهضة في القرن التاسع عشر.. فلاديمير دال على طاولة ...
- تراجع غربي وصعود آسيوي في عالم الثقافة


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا