أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - ما القصة القصيرة الغنائية؟ مشكلة الاسم قبل مشكلة الشكل















المزيد.....


ما القصة القصيرة الغنائية؟ مشكلة الاسم قبل مشكلة الشكل


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 01:27
المحور: الادب والفن
    


حين نقول إن قصة قصيرة ما غنائية ، فإن أول ما ينبغي مقاومته هو ذلك المعنى السهل الذي يجعل الغنائية مرادفًا للغة الجميلة أو العبارة الشعرية أو كثرة الاستعارات والصور. فالقصة قد تكون مكتوبة بلغة شديدة الشاعرية، ومع ذلك تظل في بنيتها قصة تقليدية تقوم على الحدث والتعاقب والسببية والعقدة والحل؛ وقد تكون، على العكس من ذلك، مكتوبة بلغة مقتصدة تكاد تخلو من الزينة البلاغية، بينما يقوم شكلها كله على الإيقاع الداخلي والذاكرة والإدراك والانفعال. ومن هنا تبدأ الصعوبة الحقيقية: الغنائية في القصة القصيرة ليست، في المقام الأول، صفة للعبارة، وإنما احتمال مختلف لتنظيم التجربة السردية.
إنها تظهر عندما يتغير السؤال الذي تقوم عليه القصة. ففي الحكاية التقليدية نسأل عادة: ماذا حدث؟ ماذا سيفعل البطل؟ ماذا ستكون نتيجة فعله؟ كيف ستنتهي الأزمة؟ أما في كثير من القصص التي نصفها بالغنائية، فإن هذه الأسئلة لا تختفي تمامًا، لكنها تتراجع أمام سؤال آخر أكثر خفاء: ماذا فعل الحدث بالوعي الذي عاشه؟ وقد يكون الحدث نفسه ضئيلًا إلى حد يصعب معه تلخيص القصة بوصفها سلسلة من الوقائع، في حين تكون التجربة التي أحدثها هذا الحدث كثيفة وعميقة وممتدة. إن مركز الثقل ينتقل، بعبارة أخرى، من الواقعة إلى صداها، ومن العالم الخارجي إلى الطريقة التي يتشكل بها هذا العالم داخل الإدراك.
هذا التمييز هو نقطة البداية في الدراسة التي قدمتها إيلين بولديشويلر عن تاريخ القصة القصيرة الغنائية. فهي ترى أن تاريخ القصة القصيرة الحديثة يكشف عن مسارين متوازيين تقريبًا: مسار أوسع يمكن وصفه بـ الملحمي، تقوم فيه القصة على حدث خارجي يتطور منطقيًا، وتدفع الشخصيات الحبكة نحو ذروة وحسم؛ ومسار آخر أقل عددًا، هو المسار الغنائي، تتركز فيه القصة على التحولات الداخلية والمزاج والانفعال، ويأخذ تركيبها شكله من حركة الشعور أكثر مما يأخذه من منطق الفعل الخارجي. وفي هذا المسار تصبح النهايات المفتوحة والتكثيف والإيحاء والإيقاع واللغة المشحونة بالدلالة عناصر ذات أهمية خاصة.
غير أن أهمية هذا التمييز لا تكمن في أنه يمنحنا صندوقين نضع القصص داخلهما: قصة ملحمية هنا وقصة غنائية هناك. فالنصوص الأدبية أكثر مراوغة من التصنيفات. والأرجح أن قيمة التمييز تكمن في أنه يكشف تحولًا في مركز الجاذبية السردية. فالقصة لا تتوقف عن أن تكون قصة حين تصبح غنائية، ولا يختفي منها الحدث بالضرورة؛ وإنما تتغير العلاقة بين الحدث والتجربة. قد يبقى الحدث موجودًا، لكنه لا يعود الغاية التي تنتظم حولها جميع العناصر. يصبح وسيلة لإحداث تغير في الإدراك، أو استدعاء ذاكرة، أو كشف رغبة، أو تفجير إحساس ظل مستترًا، أو خلق لحظة يرى الإنسان فيها حياته بطريقة لم يكن يراها من قبل.
ولذلك فإن القول إن القصة الغنائية قصة بلا حبكة قول مضلل. الأدق أن نقول إن الحبكة نفسها تتعرض لإعادة تعريف. فبدل أن تكون سلسلة من الأفعال المرتبطة بعلاقات سببية واضحة، يمكن أن تصبح منحنى شعوريًا: يبدأ بإحساس خافت، ثم يتكرر أو يقاوم أو يتغير، إلى أن يصل إلى لحظة لا تحل المشكلة بالضرورة، لكنها تغير معناها داخل الوعي. وما يبدو، عند تلخيص القصة، حدثًا صغيرًا قد يكون في بنيتها الداخلية تحولًا هائلًا.
وهنا تبرز أهمية أنطون تشيخوف في تاريخ هذا الشكل. ففي عدد كبير من قصصه لا يحتاج القارئ إلى جريمة أو مغامرة أو مفاجأة ضخمة حتى يشعر بأن العالم قد تغير. يكفي أحيانًا لقاء عابر أو منظر طبيعي أو جملة يسمعها شخص أو ذكرى تعود فجأة لكي تبدأ حركة داخلية لا تستطيع الشخصية بعد ذلك العودة منها إلى موضعها السابق. وقد استعانت بولديشويلر، في قراءتها لتشيخوف، بفكرة البنية الموسيقية والمنحنى/المسار العاطفي: فبدل الخط المستقيم الذي ينتقل من سبب إلى نتيجة، تتحرك القصة في أقواس من الشعور، تتقدم وتتراجع وتعود إلى نغمة سابقة وقد تغير معناها.
وتقدم قصة السيدة صاحبة الكلب مثالًا بالغ الدلالة. فمن الممكن تلخيص الحكاية الخارجية ببساطة شديدة: رجل متزوج وامرأة متزوجة يلتقيان في يالطا، تنشأ بينهما علاقة، يفترقان، ثم يكتشفان أن ما ظناه مغامرة عابرة أصبح شيئًا لا يستطيعان التخلص منه. لكن هذا التلخيص، على صحته، يكاد يفقد القصة أهم ما فيها. فجوهرها ليس وقوع العلاقة، وإنما تغير معنى العلاقة داخل وعي الشخصيتين. ما يبدأ خفيفًا وعابرًا يتحول تدريجيًا إلى حقيقة داخلية ثقيلة؛ وما كان يمكن أن يكون نهاية للحكاية — انتهاء العطلة والفراق — يصبح في الواقع بداية التجربة الحقيقية.
هنا نستطيع رؤية الفرق بين الحدث والحركة الغنائية بوضوح. الحدث الخارجي يستطيع أن ينتهي، بينما يظل أثره يتسع. لقد انتهى اللقاء في يالطا، لكن التجربة لم تنته. بل إن غياب الآخر يجعله أكثر حضورًا. وهكذا تنقلب العلاقة المألوفة بين الخارج والداخل: لا يعود الداخل انعكاسًا لما يحدث في الخارج، وإنما يصبح الخارج نفسه خاضعًا للطريقة التي يعيد بها الوعي تشكيله.
ولهذا لا تصل قصة تشيخوف إلى حل بالمعنى التقليدي. فحين نبلغ النهاية لا نعرف كيف سيحل العاشقان مأزقهما الاجتماعي والأخلاقي، ولا تقدم القصة وصفة لخروجهما منه. لكن شيئًا آخر اكتمل: لقد أصبحا يعرفان أن حياتهما السابقة لم تعد كافية لاحتواء ما حدث لهما. إن النهاية، بهذا المعنى، مفتوحة من جهة الحدث، لكنها مكتملة من جهة الوعي. وهذه المفارقة ستكون من العلامات التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا في تحديد الغنائية.
وتشير بولديشويلر إلى أن تورجينيف وتشيخوف أسهما في نقل القصة من مركزية الواقعة الخارجية إلى الحالات الداخلية، بحيث لم تعد الحبكة تتجه بالضرورة نحو حل سببي، وإنما نحو إيقاع أخير تتجمع فيه المشاعر المتعارضة. وهي تربط هذا التحول بما تسميه نشأة القصة المفتوحة. لكن عبارة القصة المفتوحة تحتاج هي الأخرى إلى الحذر؛ فليس كل نص يترك مصير شخصياته مجهولًا نصًا غنائيًا، كما أن الانفتاح لا يعني غياب الشكل. بل قد يكون النص الغنائي شديد الانضباط، غير أن وحدته لا تأتي من حل العقدة، وإنما من اكتمال نمط من الصور أو الأصوات أو الذكريات أو الانفعالات.
ومن هنا نصل إلى مسألة جوهرية: إذا تراجعت الحبكة التقليدية، فما الذي يمنع القصة الغنائية من أن تصبح مجموعة انطباعات مبعثرة؟
الجواب الأول هو: الإيقاع.
الإيقاع هنا لا يعني الوزن الشعري، ولا يعني أن النثر يتحول إلى قصيدة. إنه الطريقة التي تنظم بها القصة عودة الصور والكلمات والحركات والانفعالات. قد تعود صورة ظهرت في البداية قرب النهاية، لكنها تعود وقد اكتسبت معنى جديدًا. وقد يتكرر مكان أو صوت أو لون حتى يصبح محورًا خفيًا يجمع أجزاء النص. وقد تتقدم القصة بحركة من التوتر والانفراج أو القرب والابتعاد أو الذاكرة والنسيان. وعندئذ يقوم الإيقاع بجزء من العمل الذي كانت تقوم به الحبكة السببية.
وهذا ما يجعل الموسيقى أكثر من استعارة عابرة في الحديث عن القصة الغنائية. فنحن لا نقول إن القصة تشبه الموسيقى لأنها جميلة، وإنما لأن العلاقات بين أجزائها قد تقوم على التكرار والتنويع والتجاوب والتضاد بقدر ما تقوم على التعاقب السببي.
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا تصبح الصورة أكثر أهمية. فالصورة في القصة الغنائية لا تكون دائمًا وصفًا لما تراه الشخصية، وإنما قد تصبح مخزنًا لانفعال لا تستطيع الشخصية التعبير عنه مباشرة. وقد يكون الشيء الخارجي — شجرة أو بحرًا أو نافذة أو حديقة أو طريقًا — أكثر قدرة على حمل التوتر النفسي من صفحة كاملة من الشرح.
تظهر هذه الوظيفة بوضوح عند كاثرين مانسفيلد. ففي قصة مقدمة لا تعمل شجرة الألوة بوصفها عنصرًا طبيعيًا موضوعًا في خلفية المشهد فحسب؛ بل تتجمع حولها حالات متعارضة من الرغبة والنفور والخصوبة والعقم والقوة والعزلة، حتى تصبح الصورة الخارجية وسيلة لتنظيم ما يصعب قوله مباشرة عن التجربة الداخلية. وتلفت بولديشويلر تحديدًا إلى الوظيفة الرمزية التي تؤديها الألوة في عالم ليندا برنل وإلى اقترانها بالأحلام والطيور وبالتوتر بين الحب والكراهية.
وهنا ينبغي أن نميز مرة أخرى بين الصورة الشعرية والصورة السردية الغنائية. الأولى قد تكون تشبيهًا جميلًا يمكن حذفه من القصة من غير أن يتغير بناؤها. أما الثانية فلا يمكن حذفها بسهولة، لأنها تحمل جزءًا من تنظيم التجربة نفسها. إنها لا تزين الحدث؛ إنها تشارك في صنعه.
وتدفع فرجينيا وولف هذا الاحتمال إلى مدى أبعد. ففي قصة حدائق كيو يصبح من الصعب فصل الحكاية عن اللون والحركة والصوت والإدراك. البشر يمرون والأصوات تتداخل والتفاصيل الحسية تتحرك ولا يعود العالم خلفية ثابتة لحدث إنساني مركزي. إن الإدراك نفسه يصبح حدثًا. وتشير بولديشويلر إلى أن وولف ابتعدت عن الواقعة الخارجية المستقلة باتجاه الحياة الداخلية والتحولات الدقيقة في الوعي، وأن هذا التحول فتح أمام القصة موضوعات وبنى ولغة جديدة.
وهذا يقودنا إلى فرضية أكثر دقة من التعريف الذي بدأنا به: الغنائية ليست انسحابًا من الواقع إلى الداخل، بل إعادة بناء الواقع كما يُعاش في الوعي. فالحديقة عند وولف ليست أقل واقعية لأنها مكونة من اللون والحركة والانطباع؛ ويالطا عند تشيخوف ليست مجرد مكان خارجي لأنها تدخل في تشكيل تجربة الحب؛ والطبيعة عند تورجينيف ليست خلفية محايدة لأنها تشارك في تكوين المزاج الذي يمنح المشهد وحدته.
ومن ثم فإن القصة الغنائية لا تعارض الواقع بالضرورة. أن ما تعارضه، إذا جاز التعبير، هو الفكرة البسيطة التي تقول إن الواقع يتكون فقط مما يمكن أن نرويه في صورة أفعال متعاقبة.
فالإنسان لا يعيش حياته بهذه الطريقة وحدها. إنه يعيشها أيضًا من خلال ما يتذكره وما يتوقعه وما يخشاه وما يراه في الأشياء وما يعجز عن قوله وما يعود إليه بعد سنوات من غير سبب ظاهر. وفي بعض اللحظات يكون منظر عابر أكثر تأثيرًا في حياته من واقعة كبيرة، وتكون كلمة صغيرة أقدر على تغيير علاقته بالعالم من سلسلة كاملة من الأفعال.
وهنا بالضبط تبدأ ضرورة القصة القصيرة الغنائية.
إنها لا تلغي الحكاية، وإنما تكشف أن التجربة الإنسانية أوسع من الحكاية؛ وأن ما يحدث داخل الإنسان قد تكون له بنية وإيقاع وذروة، حتى عندما لا يستطيع الراوي أن يقدمه في صورة عقدة وحل. ومن هذه النقطة ينبغي أن يبدأ بحثنا الحقيقي في الشكل الغنائي: لا بالسؤال عما إذا كان النثر شعريًا، بل بالسؤال عن القوة التي تمنح النص وحدته حين لا تكون الحبكة التقليدية هي تلك القوة.
المصطلح موضع خلاف: من وحدة الأثر إلى وحدة التجربة
لا تبدأ مشكلة القصة القصيرة الغنائية مع كلمة غنائية وحدها؛ إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، من الصعوبة التي واجهها النقد كلما حاول تحديد ما يجعل القصة القصيرة جنساً أدبيًا متميزًا. فالتاريخ النظري لهذا الفن لم ينتج تعريفًا واحدًا مستقرًا، وإنما أنتج سلسلة من التصورات التي نقلت مركز الاهتمام، مرة بعد أخرى، من الحجم إلى الأثر ومن الحبكة إلى الشكل ومن الحدث إلى المعرفة ومن اكتمال الحكاية إلى طبيعة التجربة التي يتيحها النص القصير. ولهذا فإن الحديث عن القصة الغنائية لا يمكن أن يبدأ من افتراض وجود نوع أدبي مستقر يحمل هذا الاسم؛ بل ينبغي أن يبدأ من تاريخ الخلاف حول ماهية القصة القصيرة نفسها.
يمثل إدغار ألن بو محطة مبكرة لا يمكن تجاوزها في هذا التاريخ. فقيمة تصوره لا تكمن في أنه قدم نظرية للقصة الغنائية بالمعنى اللاحق، وإنما في أنه نقل النقاش من قصر النص بوصفه خاصية كمية إلى وحدة الأثر بوصفها مبدأ في البناء. فالنص القصير، في هذا التصور، يتيح للكاتب أن يضبط العلاقة بين أجزائه في اتجاه أثر مقصود، بحيث تعمل التفاصيل داخل كلٍّ فني مركز. وقد ظل هذا المبدأ حاضرًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في كثير من النظريات اللاحقة، حتى عندما اختلف النقاد مع إدغار ألن بو في طبيعة ذلك الأثر وفي درجة خضوع النص لقصد سابق. وليس من المصادفة أن يضع تشارلز مي في كتابه نظريات القصة القصيرة إدغار ألن بو و براندر ماثيوس في القسم الخاص بالنظريات الشكلية المبكرة، قبل الانتقال إلى مشكلات التعريف الحديثة عند نقاد مثل ماري لويس برات والان باسكو والمحرر مي نفسه .
لكن الانتقال من وحدة الأثر إلى القصة الحديثة أحدث تغييرًا أكثر عمقًا. فلم تعد الوحدة تعني بالضرورة أن الأحداث تتحرك نحو ذروة وحل، بل أصبح من الممكن أن تنشأ من شيء أقل ظهورًا: حالة نفسية أو إدراك مفاجئ أو نمط من الصور أو توتر لا يجد حلًا أو تجربة لا يستطيع النص اختزالها في نتيجة أخلاقية واضحة. وهنا تقع أهمية تشيخوف في كثير من نظريات القصة الحديثة؛ ولذلك يضع تشارلز مي دراسته تشيخوف والقصة القصيرة الحديثة قبل دراسة سوزان فيرغسون تعريف القصة القصيرة: الانطباعية والشكل ثم دراسة ايلين بولديشويلر القصة القصيرة الغنائية . هذا التجاور ليس برهانًا على تطابق النظريات الثلاث، لكنه يكشف أن مشكلة الغنائية تنتمي إلى نقاش أوسع حول التحول الذي أصاب مفهوم الشكل في القصة الحديثة.
وتكتسب سوزان فيرغسون أهمية خاصة هنا لأنها تجعل الانطباعية جزءًا من مشكلة الشكل، لا مجرد صفة أسلوبية. ففي قصة الإضمار قد يشعر القارئ بأن وراء القصة التي قُدّمت له قصة أخرى لم تُروَ كاملة، فيضطر إلى إعادة بناء حبكة افتراضية تربط الفجوات التي تركها النص. وقد لخصت دراسات لاحقة هذا الجانب من سوزان فيرغسون بالقول إن القارئ يبني حبكة افتراضية لكي يعقلن ما حذفه النص أو تركه ضمنيًا.
هذه الفكرة تغير المسألة جذريًا. فضعف الحضور الظاهر للحبكة لا يعني بالضرورة اختفاءها. قد تكون الحبكة محذوفة أو مضمرة أو موزعة في الفجوات، ويقوم القارئ باستعادتها. ومن ثم لا يجوز لنا أن نتخذ قلة الأحداث معيارًا كافيًا للغنائية؛ لأن نصين متشابهين ظاهريًا في الاقتصاد الحدثي قد يعملان بطريقتين مختلفتين تمامًا: أحدهما يجعل القارئ يعيد بناء قصة سببية غائبة، والآخر ينظم التجربة حول حركة إدراك أو انفعال لا يمكن تحويلها بسهولة إلى حبكة مستترة.
هنا تدخل بولديشويلر إلى النقاش، ولكنها تدخل بوصفها صوتًا داخل خلاف قائم. فهي تقترح التمييز المعروف بين اتجاه ملحمي يقوم على الفعل الخارجي والتطور السببي والنهاية الحاسمة، واتجاه غنائي يهتم بالتحولات الداخلية والمزاج والانفعال، ويجعل العناصر السردية خاضعة لتشكل التجربة الشعورية. وقد أصبح لهذا التمييز أثر واضح في النظرية اللاحقة، حتى إن كلير هانسون بنت جزءًا من تفريقها بين القصة القصيرة والعمل القصصي القصير على تقابل قريب منه: الأولى أقرب إلى القصة التقليدية القائمة على الحبكة، بينما تتراجع الحبكة في الثانية أمام الدراما النفسية الداخلية.
غير أن هذه السلسلة النقدية نفسها تكشف الخطر في المصطلح. فما إن يتحول الغنائي إلى فئة جاهزة حتى تبدأ الحدود في التصلب: الحدث في جانب والوعي في جانب؛ الحبكة هنا، والانفعال هناك؛ القصة الملحمية مغلقة، والقصة الغنائية مفتوحة. لكن النصوص الكبرى نادرًا ما تحترم هذه الحدود بهذه النظافة.
ولهذا يمثل دومنيك هيد مرحلة نقدية ضرورية في النقاش. فهو يعترف بأن الفارق الذي وضعته بولديشويلر تكرر في نظريات القصة، والذي وسعته هانسون الى فارق اصطلاحي بين القصة القصيرة والعمل القصصي القصير، لكنه يحذر من الجاذبية المضللة لهذا النظام التصنيفي حين ننتقل من النظرية إلى النصوص. فالتصنيف يبدو أنيقًا ما دام مجرد مخطط، ثم تبدأ مشكلاته عندما نسأل عن أعمال جويس أو وولف أو مانسفيلد الفعلية.
والاعتراض هنا ليس تفصيلًا جانبيًا، بل يمس جوهر كتابنا. فإذا كانت القصة الغنائية لا تستطيع أن تحتوي حبكة، فإن عددًا كبيرًا من النصوص التي اعتاد النقد وصفها بالغنائية سيصبح إشكاليًا. وإذا كانت النهاية المفتوحة شرطًا، فسوف نجد قصصًا ذات بناء غنائي قوي لكنها تحقق نوعًا من الإغلاق. وإذا جعلنا الداخل مقابل الخارج، تجاهلنا أن الإدراك الداخلي نفسه يتكون من الأماكن والأجساد والأشياء والأصوات والعلاقات الاجتماعية. وإذا جعلنا اللغة الشعرية معيارًا، اختلط علينا الشكل الغنائي بالنثر المزخرف.
بل إن مفهوم الحبكة نفسه يحتاج إلى مراجعة قبل أن نستخدمه معيارًا للفصل. يتحدث جون غيرلاك في دراسته للبنية والإغلاق في القصة الأمريكية، عن شبكة سردية كامنة يمكن أن تستمر في تنظيم النص حتى عندما لا تظهر الحبكة في صورتها التقليدية. وقد وضعت دراسات لاحقة مفهومه هذا إلى جوار تصور فيرغسون للحبكة الافتراضية وتصور بولديشويلر للعاطفة الناشئة التي تخضع لها العناصر السردية. وهكذا تظهر أمامنا ثلاثة احتمالات مختلفة على الأقل: حبكة ظاهرة وحبكة محذوفة يعيد القارئ بناءها وتنظيم سردي تصبح فيه الحركة الانفعالية نفسها مبدأً للوحدة.
هذا التعدد يمنعنا من تعريف القصة الغنائية تعريفًا سلبيًا. إنها ليست ببساطة قصة بلا أحداث ولا قصة بلا حبكة ولا قصة بلا نهاية. فالتعريف بالنفي لا يخبرنا بما يبني النص بعد تراجع هذه العناصر. والسؤال النقدي الأكثر دقة هو: ما المبدأ الذي يمنح القصة وحدتها؟
وهنا يمكن أن نبدأ في رؤية المسافة بين بولديشويلر وبعض النظريات الأخرى. فحين تجعل بولديشويلر العناصر السردية خاضعة لتشكل الانفعال، فإنها تقترح مبدأ إيجابيًا للوحدة، لا مجرد غياب للحبكة. وقد لخّصت قراءة نقدية لاحقة موقفها بفكرة العاطفة الناشئة التي تتجه العناصر الأخرى إلى خدمتها. أما فيرغسون فتجعلنا أكثر حذرًا، لأن ما يبدو غيابًا للحبكة قد يكون في الحقيقة حبكة مضمرة. و يدفع دومينيك الحذر خطوة أخرى، لأن الفصل الحاد بين القصة القائمة على الحبكة والقصة القائمة على الذاتية قد يعجز عن وصف النص الحداثي المختلط.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال في هذه المرحلة: هل توجد القصة الغنائية أم لا؟ بل: ما الذي نصفه بالضبط عندما نستعمل كلمة غنائية؟
هل نصف موضوعًا داخليًا؟ لو كان الأمر كذلك، لكانت كل قصة عن الذاكرة أو الحب أو الوحدة غنائية. هل نصف لغة شعرية؟ عندئذ يصبح المصطلح أسلوبيًا أكثر منه سرديًا. هل نصف ضعف الحبكة؟ لكن فيرغسون تنبهنا إلى إمكان استمرار الحبكة تحت سطح الحذف. هل نصف النهاية المفتوحة؟ لكن الانفتاح تقنية موجودة خارج المجال الغنائي أيضًا. هل نصف التكثيف؟ إنه من خصائص القصة القصيرة عامة بدرجات مختلفة. أم أننا أمام طريقة خاصة في توزيع الوظائف بين هذه العناصر كلها؟
يبدو الاحتمال الأخير أكثر قدرة على تفسير التعقيد، لكنه لا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى حكم سابق على النصوص. وما نستطيع قوله في هذه المرحلة أضيق وأكثر تحفظًا: إن مفهوم القصة القصيرة الغنائية لا يستقيم إذا عُزل عن تاريخ نظريات القصة القصيرة، لأن الغنائية ليست إضافة خارجية إلى شكل مستقر؛ إنها واحدة من الإجابات التي قدمها النقد عن السؤال القديم المتجدد: كيف تحقق القصة القصيرة وحدتها عندما لا تكون الحكاية السببية وحدها هي مركز تلك الوحدة؟
ومن هذه النقطة فقط يمكن الانتقال إلى السؤال التالي: إذا لم تكن الغنائية مرادفًا لغياب الحبكة ولا للغة الشعرية ولا للنهاية المفتوحة منفردة، فما العناصر التي تعمل مجتمعة على إنتاج البنية الغنائية؟



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا
- نحو أنطولوجيا الانكسار: رحلة البطل من قدسية الأسطورة إلى عبث ...
- أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5


المزيد.....




- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...
- معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا ...
- الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا ...
- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - ما القصة القصيرة الغنائية؟ مشكلة الاسم قبل مشكلة الشكل