محمد المحسن
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 09:21
المحور:
الادب والفن
ثمة نصوص لا تنتهي عند آخر سطر فيها،بل تبدأ حياتها الحقيقية حين تجد قارئا ينفذ إلى ما وراء الكلمات،ويلتقط من صمتها ما عجزت اللغة عن قوله.
وقد أسعدني أن أتلقى هذا التفاعل الأدبي العميق من الكاتب الشاب،وابن تطاوين البار،المقيم بفرنسا،الأستاذ فتحي فرهود،إثر مقالي الموسوم بـ"تطاوين يا مهد الأجداد..لا أطلب منك سوى خريف مشمس..يليق بما تبقى من العمر".
لقد قرأ فتحي النص بقلب الشاعر وبصيرة الكاتب، فلامس وجعا يتجاوز حدود التجربة الشخصية، ليصبح مرآة لجيل كامل أثقلته الخسارات،وأتعبته الأحلام المؤجلة،وما زال،رغم انكساراته،يتشبث بقبس من الضوء.
وإذ أنشر تفاعله كما وردني،وفاء لقيمته الأدبية وصدقه الوجداني،فإنني أحيّي في صاحبه هذه القدرة المبكرة على النفاذ إلى أعماق التجربة الإنسانية،وأدعوه بمحبة إلى جمع إبداعاته ونصوصه في كتاب يكون باكورة مشروعه الأدبي، وبداية لغيث إبداعي نرجو أن ينهمر في المدى المنظور.
وهذا نص تفاعله:
حين يرثي الإنسانُ نفسه،لا يبقي له حتى دفء الشمس.
الأستاذ محمد،حين رثى ابنه غسان،منحنا فسحةً من الأمل،ووهب نفسه حقّ البكاء على يقين اللقاء في الحياة الأبدية.أمّا حين رثى نفسه،فقد سلبها حتى ذلك القبس الدافئ،فبقيت وحدها مع حلمٍ لا يَعبُرُ ليلَها،وشمسٍ لا تدنو من روحها.
فإذا كان رثاءُ الأحبة جرحًا يندمل بذكرهم، فإنّ رثاءَ النفس جرحٌ لا يندمل، لأنّه يترك الروح وحيدةً بلا دفء، وبلا وعدٍ بلقاء.
ولعلّ هذا ما يجعل نصّ الأستاذ محمد مرآةً لا تُرحم: نرى فيها وجعَ جيلٍ ما زال يكتب مراثيه، ويخبئ بين السطور ما تبقّى من أحلام مؤجّلة، ويطلب من تطاوين،ومن الحياة،شيئًا بسيطًا: خريفًا مشمسًا،وقبَسًا من شمسٍ يشرق على ما تبقّى من الروح،قبل الصمت الأخير."
شكرا لكم من القلب على هذا النصّ الذي لا يكتفي برثاء الفقد،بل يحوّل الألم إلى معنى،والدمعة إلى شهادة،والغياب إلى حضورٍ أدبي لا ينطفئ.
وإنّ الأستاذ فتحي فرهود،بهذا الحسّ المرهف واللغة الصادقة،كاتبٌ تطاوينيّ واعد،وقلم مهاجر يحمل تطاوين في وجدانه،ويكتب من الضفة الأخرى للمتوسط بمداد الحنين والانتماء.
فهنيئا لتطاوين بهذا القلم،ولتحتضن وتحضن أبناءها المبدعين أينما أقاموا،وأن تفتح ذراعيها لغيره من المواهب المقيمة هناك،حتى تظلّ صلتها بهم حيّة،ويظلّ إبداعهم جسرا مضيئا بين الوطن والمهجر،وبين الذاكرة والحاضر،وبين تطاوين والعالم.
#محمد_المحسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟