أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شهادة من قلب الذاكرة















المزيد.....

لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شهادة من قلب الذاكرة


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 15:03
المحور: القضية الفلسطينية
    


لوري كنغ، باحثة أمريكية دخلت أزقة شاتيلا برفقة ابن المخيم، واكتشفت في كتابه سجلاً تفصيلياً للضحايا والمفقودين، أُنجز بأكثر من عامين من البحث الميداني.

ليست كل الشهادات التي تُكتب عن المجازر متشابهة؛ فبعضها ينقل أرقاماً وأحداثاً من الكتب، وبعضها يستعيد شهادات الناجين، فيما تأتي شهادات أخرى من قلب المكان، حيث تتحول الأزقة والبيوت والجدران إلى ذاكرة مفتوحة على الألم، وتصبح أسماء الضحايا جزءاً من حكاية لا يجوز أن يطويها النسيان.

ومن بين الشهادات التي تستحق الاستعادة اليوم، ما كتبته الباحثة وعالمة الأنثروبولوجيا لوري كنغ عن مخيم شاتيلا في بيروت، وعن لقائها بمحمود عبد الله كلّم، ابن المخيم ومؤلف كتاب «صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»، الصادر عن دار بيسان في بيروت عام 2003.

في السادس عشر من أيلول/سبتمبر 2003، نشر موقع «The Electronic Intifada» مقالاً للوري كنغ بعنوان «21 Septembers Ago»، حمل عنواناً فرعياً هو: «Of Placeless Laws and Lawless Places: Does International Justice Have a Local Address?»؛ أي: «عن القوانين التي بلا مكان والأماكن التي بلا قانون: هل للعدالة الدولية عنوان محلي؟».

لم يكن المقال مجرد استعادة لذكرى المجزرة التي وقعت بين السادس عشر والثامن عشر من أيلول/سبتمبر 1982، بل كان بحثاً في العلاقة بين العدالة الدولية والمكان، وبين القوانين التي تتحدث عن حقوق الإنسان والواقع الذي يعيشه الناجون من الجرائم، وهم يحاولون انتزاع حقهم في المحاسبة بعد سنوات طويلة من الانتظار.

وفي سياق هذا البحث، خصصت لوري كنغ مساحة مهمة للقاء الذي جمعها بمحمود كلّم، وللعمل التوثيقي الذي أنجزه بشأن ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا.

تروي لوري كنغ أنها جاءت إلى مخيم شاتيلا بعد أن أوصى باحث فلسطيني بأن تمضي بعض الوقت مع محمود كلّم، وأن تقرأ كتابه الذي كان قد صدر حديثاً آنذاك.

وتعرّف لوري كنغ محمود بأنه ابن المخيم، ومؤلف كتابين؛ أحدهما عن رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، والآخر عن مجزرة صبرا وشاتيلا، ويحمل عنوان «صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم».

وتصف الكتاب بأنه عمل بحثي دقيق وشاق، يضم جداول تفصيلية بأسماء ضحايا المجزرة وأعمارهم وجنسهم وجنسياتهم وطريقة قتلهم، إضافة إلى ما وصفته بأنه أكثر قائمة شمولاً جُمعت حتى ذلك الوقت بأسماء الرجال والفتيان الذين اختفوا بعد المجزرة.

وتلفت لوري كنغ إلى أن هذا العمل أُنجز بجهد شخصي كامل واستقلالية تامة، من دون تمويل أو دعم من أي مؤسسة أو جهة.

ثم تكتب، في تقييمها للكتاب، أنه قد يكون «أدق سجل» لما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا المتجاورين بين السادس عشر والثامن عشر من أيلول/سبتمبر 1982.

هذه الإشارة ليست تفصيلاً عابراً في مقالها؛ فهي تسلط الضوء على طبيعة العمل الذي أنجزه مؤلف فلسطيني من أبناء المخيم، في ظروف محدودة الإمكانات، ساعياً إلى جمع المعلومات والتحقق منها، بدل الاكتفاء بتكرار الروايات المتداولة عن المجزرة.

لقد كان الهدف أن يُكتب اسم الضحية، وأن يُحدد عمرها وجنسيتها، وأن تُجمع المعلومات المتعلقة بوفاتها، وأن يُفصل بين من ثبت مقتلهم ومن اختفوا ولم يُعرف مصيرهم.

ففي مجزرة بهذا الحجم، لا يكفي أن نعرف أن آلاف البشر عاشوا المأساة؛ بل ينبغي، ما أمكن، أن نعرف من كانوا، وأين قُتلوا، وما الذي حدث لهم، وأي عائلات بقيت تنتظر معرفة مصير أبنائها.

تقول لوري كنغ إن كتاب محمود كلّم احتوى على مفاجآت، من بينها أن الفلسطينيين لم يكونوا وحدهم بين ضحايا المجزرة، وأن نصف الذين قُتلوا، وفقاً لبياناته، كانوا من اللاجئين الفلسطينيين.

أما النصف الآخر، فشمل لبنانيين وسوريين ومصريين وباكستانيين وأفارقة وتونسيين وإيرانيين وغيرهم من الأشخاص الذين كانوا يعيشون على هامش الاقتصاد والمجتمع في بيروت آنذاك.

وتكشف هذه المعلومة، كما عرضتها لوري كنغ، جانباً من الطبيعة الإنسانية والاجتماعية للمجزرة؛ فقد جمعت المأساة أشخاصاً من جنسيات وخلفيات مختلفة، كانوا يعيشون في بيئة مثقلة بالفقر والحرمان واللجوء، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة الموت.

وفي هذا السياق، تنقل لوري عن محمود كلّم عبارته:

« وين ما كان، الفقراء دائماً الضحايا».

وتورد العبارة بالإنجليزية: "Everywhere, the poor are always the victims."

وتربط لوري بين هذه الكلمات وبين ما تكشفه بيانات الكتاب عن أوضاع الضحايا، معتبرةً أن الموقع والمكانة الاجتماعية، إلى جانب الموقع الجغرافي، يؤثران في مصير الناس خلال المجازر وفي ما يليها من أحداث.

فالذين سقطوا في صبرا وشاتيلا، سواء كانوا لاجئين فلسطينيين أم مواطنين يحملون جوازات سفر أخرى، لم يكونوا في موقع اجتماعي أو اقتصادي يمنحهم الحماية أو القدرة على الدفاع عن أنفسهم.

ولعل هذه العبارة، التي نقلتها الباحثة عن محمود كلّم، تختصر رؤية إنسانية تتجاوز حدود المخيم؛ فالفقر لا يقتصر أثره على الحرمان من الغذاء والسكن والعمل، بل قد يجعل الإنسان أكثر عرضة للخطر، وأقل قدرة على حماية نفسه عندما تنهار وسائل الحماية وتغيب العدالة.

من أكثر المقاطع دلالة في مقال لوري كنغ وصفها لجولتها الطويلة داخل المخيم برفقة محمود كلّم.

تكتب أن محمود أمضى أكثر من عامين في التنقل من منزل إلى منزل داخل المخيمين، بهدف التحقق بدقة ممن قُتلوا، وأين وكيف ومتى وقعت عمليات القتل.

وتصف خريطة المجزرة بأنها محفورة في ذاكرته؛ فخلال تجوالهما، كان يشير بصورة عفوية إلى زوايا الطرق، ومداخل المحال التجارية، والتقاطعات، والأبنية، ويخبرها بأسماء الأشخاص الذين عُثر على جثامينهم في كل موقع.

وتقول لوري إن المعلومات التي كان يوردها باستمرار، خلال جولتهما الطويلة التي امتدت ساعات، أصابتها بالذهول، نظراً إلى كثافة التفاصيل المروعة التي كانت تتكشف لها مع كل خطوة.

لم تكن ذاكرة محمود كلّم للمكان مجرد معرفة جغرافية بأزقة المخيم وشوارعه؛ كانت ذاكرة مرتبطة بأسماء بشر، وبجثامين عُثر عليها في أماكن محددة، وبعائلات فقدت أبناءها، وبشهادات حاول أن يربط بينها وبين الوقائع التي أمكن التحقق منها.

وتذكر لوري كنغ أيضاً أنها لاحظت أن غرفة الجلوس في شقة محمود كلّم كانت مخصصة بالكامل تقريباً للكتب وقصاصات الصحف والمجلات والصور المتعلقة بالمجزرة.

وخلال الزيارة، أخرج محمود ملفاً ورقياً قديماً يحتوي على شهادات وفاة لأشخاص كان يُعتقد سابقاً أنهم قُتلوا في المجزرة، لكنه أثبت، من خلال بحثه، أنهم لم يكونوا من بين الضحايا.

وهذه التفصيلة تكشف جانباً مهماً من طبيعة عمله؛ فالبحث لم يكن مقتصراً على إضافة أسماء إلى قائمة، بل شمل أيضاً مراجعة معلومات سابقة وتصحيحها، والتمييز بين ما ثبت وما لم يثبت.

إن توثيق المجازر مسؤولية تتطلب التحقق بقدر ما تتطلب جمع المعلومات، لأن الخطأ في اسم واحد قد يحرم عائلة من الحقيقة، وقد يؤدي تكرار المعلومة غير الدقيقة إلى ترسيخ رواية يصعب تصحيحها لاحقاً.

تناولت لوري في مقالها تقدير محمود كلّم لعدد ضحايا المجزرة، مشيرة إلى أنه توصل، من خلال بحثه، إلى أن عدد الشهداء كان أقل مما اعتقده كثيرون في ذلك الوقت.

وتكتب أنه كان يرفض الادعاءات التي تحدثت عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وتنقل عنه قوله:

«إن العدد الإجمالي للشهداء لم يتجاوز ألف شخص، وأنا متأكد من ذلك».

وتضيف إلى ذلك توضيحه أن هذا العدد لا يشمل الأشخاص الذين اختفوا بعد المجزرة، وكان كثير منهم قد اختفوا، وفقاً لما أورده، من محيط ملعب المدينة الرياضية.

وتذكر لوري كنغ أن مصادر مختلفة كانت تقدّر عدد المفقودين في المنطقة بنحو ألف شخص.

وهنا ينبغي التمييز بين ما توصل إليه محمود في بحثه وبين الأرقام التي وردت في مصادر أخرى. فتقديره لعدد الشهداء، وكذلك تقديرات أعداد المفقودين، يعكسان ما عرضته لوري كنع في مقالها عن نتائج البحث في ذلك الوقت، ولا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما حسماً نهائياً لجميع الأرقام المتعلقة بالمجزرة.

لكن أهمية هذه المسألة تكمن في أن محمود كلّم حاول الفصل بين الشهداء الذين أمكن توثيقهم والمفقودين الذين لم يُحسم مصيرهم، بدل جمع الفئتين في رقم واحد من دون تمييز.

فالأرقام ليست مجرد مسألة حسابية؛ إنها ترتبط بمصائر عائلات لا تزال بحاجة إلى معرفة ما حدث لأبنائها، وبذاكرة جماعية ينبغي أن تستند إلى البحث والتحقق، لا إلى التقديرات التي تتناقلها الأجيال من دون مراجعة.

ومن التفاصيل الأخرى التي تناولتها لوري في مقالها، ملاحظات محمود كلّم بشأن التوزيع الجغرافي للضحايا داخل مخيم شاتيلا.

فقد لفت انتباهها إلى ارتفاع نسبة الضحايا القادمين من الحي الجنوبي الغربي للمخيم، المعروف باسم حي عرسان.

وتوضح لوري كنغ أن محمود كلّم طرح في كتابه فرضية مفادها أن سكان هذا الحي ربما تعرضوا لاستهداف خاص، بسبب مشاركة شبان منه في احتجاز رياضيين صهاينة رهائن خلال دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972.

وإذا صحت هذه الفرضية، بحسب ما عرضته لوري كنغ، فإنها تثير أسئلة بشأن طبيعة التنسيق والتعاون بين عناصر الميليشيات اللبنانية الذين نفذوا عمليات القتل، والضباط العسكريين للاحتلال الذين، وفقاً لروايتها، ساعدوا أفراد تلك المجموعات على عبور خطوط التماس، وقدّموا لهم الطعام والسلاح، إلى جانب الدعم اللوجستي، وأطلقوا القنابل المضيئة فوق المخيم ليلاً، لتسهيل عمليات القتل.

كما أشارت لوري إلى ملاحظة أخرى أوردها محمود، تتعلق بعدم تعرض مخيمي برج البراجنة ومار إلياس، القريبين من شاتيلا، لفظائع مماثلة في الفترة نفسها.

ورأت أن هذه الملاحظات تطرح أسئلة بشأن احتمال وجود دافع انتقامي، وأنها كانت تستحق البحث أمام محكمة مختصة.

ومن الضروري هنا التأكيد أن ما يتعلق بدافع الاستهداف والتفسير المحتمل للتوزيع الجغرافي للضحايا هو فرضية بحثية عرضتها لوري كنغ عن محمود كلّم، وليس حكماً قضائياً نهائياً أو حقيقة محسومة بمجرد ورودها في المقال.

غير أن أهمية هذه الملاحظات تكمن في أنها تُظهر أن عمل محمود لم يقتصر على جمع الأسماء والأرقام، بل امتد إلى محاولة قراءة أنماط توزيع الضحايا وفهم الظروف التي ربما أحاطت بوقوع المجزرة.

وفي وصفها للتجوال داخل المخيم، ترسم لوري صورة لأزقته الضيقة، والرطوبة والحرارة، ومياه الصرف الصحي المتجمعة في بعض المواضع، وتراكم النفايات، في مشهد يعكس استمرار المعاناة اليومية لسكان المخيم بعد مرور أكثر من عقدين على المجزرة.

وتشير إلى أن آثار الرصاص كانت لا تزال واضحة على الجدران وإطارات الأبواب، وأن المجزرة بقيت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، على الرغم من مرور السنوات.

وخلال جولتها مع محمود، كان يخبرها عن أشخاص فقدوا أمهاتهم أو أبناءهم أو آباءهم، وعن عائلات تعرضت لخسائر كبيرة.

وتشير إلى رجل كان يعتني بالمقبرة الجماعية، بعدما أزيلت النفايات التي كانت تشوّه المكان خلال زيارتها السابقة للموقع عام 1997، وتذكر أن هذا الرجل فقد نحو عشرين من أفراد أسرته.

إن هذه التفاصيل تنقل القارئ من مستوى الأرقام إلى مستوى الحياة اليومية للناجين؛ فالمجزرة لم تنتهِ بالنسبة إلى كثيرين بانتهاء أيام القتل، بل بقيت حاضرة في أجساد المصابين، وفي البيوت التي فقدت أصحابها، وفي العائلات التي انقطعت روابطها، وفي الأطفال الذين ترعرعوا وسط ذاكرةٍ لا يستطيعون الانفصال عنها.

ومن أكثر المشاهد الإنسانية تأثيراً في مقال لوري كنغ، حديثها عن طفلي محمود الصغيرين، اللذين كانا يتحركان في المنزل، ويضحكان ويلعبان، بينما تحيط بهما الكتب والصور والقصاصات المتعلقة بالمجزرة.

وتقول إنها لاحظت وجود نسخ من كتاب «صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم» على الطاولة، إلى جانب بقايا الطعام وزجاجات المشروبات.

وخلال الزيارة، سألت محمود عن العمر الذي يبدأ فيه أطفال المخيم بإدراك أن شيئاً مروعاً قد حدث في شاتيلا.

وتنقل عنه جوابه:

«بمجرد أن يصبحوا قادرين على المشي أو الكلام، يعرفون بالمجزرة. فكل عائلة تقريباً فقدت شخصاً».

هذه العبارة تختصر مأساة تتجاوز حدود الجيل الذي عاش المجزرة مباشرة؛ فالأطفال الذين ولدوا بعد عام 1982 لم يشهدوا عمليات القتل، لكنهم ترعرعوا في بيوت تحمل آثارها، وبين عائلات فقدت أفراداً منها، وفي مكان أصبحت فيه المجزرة جزءاً من الذاكرة اليومية.

لقد انتقلت المأساة من جيل إلى آخر، لا بوصفها حدثاً تاريخياً فحسب، بل باعتبارها جزءاً من التجربة الشخصية للعائلات التي بقيت في المخيم.

لم يقتصر عمل محمود كلّم، كما تعرضه لوري، على إعداد الجداول والبيانات المتعلقة بالشهداء والمفقودين؛ فقد أشارت أيضاً إلى الصور التي يضمها الكتاب، والتي تُظهر أشخاصاً قُتلوا في صبرا وشاتيلا.

وتصف إحدى الصور المنشورة مع مقالها محمود وهو يعرض صوراً لضحايا من المخيمين، دُفنوا في المقبرة الجماعية خلفه، وتشير إلى أن جهوداً محلية ودولية ساهمت في تنظيف موقع المقبرة وزراعتها بالورود وأشجار الزيتون الصغيرة.

وهنا تتضح وظيفة أخرى للكتاب: إنه لا يكتفي بتسجيل الأسماء، بل يحاول أن يعيد إلى الضحايا وجوههم الإنسانية، وأن يربط الصور بالأسماء والوقائع، حتى لا يتحول الذين قتلوا إلى أرقام مجهولة في صفحات التاريخ.

فالصورة التي تحفظ ملامح إنسان، والاسم الذي يحدد هويته، والشهادة التي تشرح ظروف قتله، كلها عناصر تساعد على إعادة بناء جزء من الحقيقة التي حاولت المجزرة أن تطمسها.

إن استعادة مقال لوري كنغ اليوم، في سياق العمل على الطبعة الثانية من «صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»، لا تعني الاكتفاء بما كتبته عن محمود كلّم، ولا التعامل مع شهادتها بوصفها بديلاً عن البحث المستقل في وقائع المجزرة.

إن أهميتها تكمن في أنها وثقت لقاءً ميدانياً مع مؤلف الكتاب، وقدمت وصفاً مباشراً لطبيعة بحثه، والوثائق التي جمعها، والطريقة التي تعامل بها مع أسماء الضحايا، والمفقودين، وأماكن العثور على الجثامين.

كما أنها نقلت للقارئ تفاصيل إنسانية لا تظهر عادة في الجداول والإحصاءات؛ من شهادات الوفاة التي راجعها محمود، إلى الأزقة التي كان يشير فيها إلى مواقع العثور على الضحايا، وصولاً إلى الأطفال الذين يعرفون قصة المجزرة منذ أن يبدأوا المشي والكلام.

وفي مقالها، لم تنظر لوري كنغ إلى المخيم باعتباره مكاناً توقفت فيه المأساة عند انتهاء عمليات القتل، بل باعتباره مساحة ما زالت آثار العنف والفقر والحرمان حاضرة فيها، وما زال سكانها ينتظرون العدالة.

وهذه إحدى النقاط الأساسية التي تربط بين بحثها في القانون الدولي وعمل محمود كلّم في التوثيق؛ فالأول يسأل عن قدرة القوانين على محاسبة المسؤولين عن الجرائم، والثاني يحاول أن يحفظ أسماء الذين وقعوا ضحايا لها، وأن يثبت ما أمكن إثباته من تفاصيل مصائرهم.

لقد أمضى محمود كلّم أكثر من عامين في البحث بين البيوت، وجمع المعلومات، ومراجعة الأسماء والوثائق، فيما جاءت لوري كنغ إلى المخيم لتدرس مسارات العدالة الدولية، فالتقت بعمل توثيقي حاول أن يجعل من ذاكرة المكان سجلاً مكتوباً.

وبعد مرور أكثر من عقدين على صدور الكتاب والمقال، تبقى هذه الشهادة جزءاً من تاريخ الجهود التي بُذلت لحفظ ذاكرة صبرا وشاتيلا، وإبقاء أسماء الضحايا حاضرة في الوعي العام.

فالمجزرة ليست مجرد تاريخ يُستعاد في كل أيلول/سبتمبر، وليست أرقاماً تتنازعها الروايات والتقديرات. إنها حكايات بشرية، وعائلات فقدت أبناءها، وأطفال ورثوا ذاكرة الألم، وأسماء تستحق أن تُكتب بدقة، وأن تبقى محفوظة من النسيان.

لقد رحل كثير من الشهود، وتغيرت ملامح المكان، لكن مسؤولية التوثيق لا تنتهي برحيل الذين عاشوا المأساة. بل تزداد أهمية كلما ابتعدت الأجيال الجديدة عن زمن وقوعها.

وإذا كان القتل قد غيّب أصحاب تلك الأسماء، فإن التوثيق يستطيع أن يحفظ حضورهم في الذاكرة، وأن يمنح أبناءهم وأحفادهم، وسائر الذين لم يشهدوا المجزرة، فرصة لمعرفة ما حدث.

فالأسماء ليست مجرد كلمات في جدول، والضحايا ليسوا مجرد أرقام في تقرير. إنهم بشر كانت لهم حياة، وكان لهم أهل وأحلام، ثم تركوا وراءهم غياباً لا يستطيع الزمن وحده أن يعوّضه.

......................

المصدر الأصلي:

Laurie King-Irani, “21 Septembers Ago: Of Placeless Laws and Lawless Places: Does International Justice Have a Local Address?”, The Electronic Intifada, 16 September 2003.

رابط المقال الأصلي:

The Electronic Intifada — 21 Septembers Ago



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة تنزف دماً… والخذلان العربي يكتب فصول العار
- عبد الهادي أبو شمسية.. رجل الخير الذي غيّبته القضبان
- وليد إبراهيم الهودلي… بالأمس كان يدعو لهم، واليوم ندعو له
- علاء الريماوي ونزار بنات... روحٌ مثقلة بالوداع
- ما سرّ عداء المستوطنين لشجرة الزيتون الفلسطينية؟
- نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال
- بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟
- ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»
- محمد سرور (أبو علي): دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبر ...
- «شاهدتُ بأمِّ عيني»: شهادةُ يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) ع ...
- سمر قاسم أبو حرب: نجوتُ من مجزرة صبرا وشاتيلا… لكن أهوالها م ...
- سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني ل ...
- عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا و ...
- بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم
- زكريا الزُبيدي... حين يصبح التصفيق مخزياً
- كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟
- حين حمل القميص فلسطين
- طلال سلمان… حين كانت «السفير» تصل إلى فرن المناقيش
- هل ما زالت منظمة التحرير للشعب… أم أصبحت لمن يملك المال والن ...
- الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع


المزيد.....




- الخطوط المغربية ترد على ما أثير حول عمل مساعد طيار -فلاي دبي ...
- بعض الدول عينها على -اتفاقية مكة- بين السعودية وتركيا وباكست ...
- نيويورك تايمز: قصف الجسور قد يسفر عن -كابوس لوجستي- لأوكراني ...
- وظيفة تقود إلى إيران.. إسرائيلي متهم بالتجسس استخدم تشات جي ...
- شريكة حياة إيلون ماسك تستخدم منصته -أكس-لاعلان انفصالها عنه ...
- القوات الحكومية اليمنية تعلن تنفيذ 257 عملية استهداف دقيقة ض ...
- -تلغراف-: مساعد طيار -فلاي دبي- درس في جامعة بريطانية
- ضربة أمنية عراقية تطيح بعدد من كبار تجار المخدرات الدوليين ف ...
- الذكرى الـ26 لإعلان الشراكة.. موسكو: العلاقات مع نيودلهي بلغ ...
- ليبيا ترحل 55 مصريا عبر منفذ أمساعد (فيديو)


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - لوري كنغ تكتب عن محمود كلّم و«صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم»… شهادة من قلب الذاكرة