|
|
يوم السيادة من الاستقلال إلى الدولة
حسين علي محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 08:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ربما يكون السؤال الأكثر إرباكا في يوم السيادة ليس لماذا نحتفل؟! بل ماذا نعني بالسيادة؟! فالاحتفال بها حق طبيعي لأن السيادة حلم قديم في الذاكرة العراقية دفع العراقيون من أجله أثمانا كبيرة لكن ما يثير التأمل هو تعدد اللحظات التي قدمت لنا بوصفها لحظات للتحرر أو استعادة السيادة. في 9 نيسان 2003 قيل إنه يوم التحرير و في نهاية 2011 ارتبط خروج آخر جندي أميركي من العراق باستعادة السيادة، و في1 تشرين الاول 2026 نحتفل بخروج قوات التحالف من قواعدها. و لا ننسى في تاريخ العراق الحديث هناك أيضا 3 تشرين الأول 1932 يوم استقلال العراق حين انتهى نظام الانتداب و دخل العراق عصبة الأمم دولة مستقلة. فأي يوم هو يوم السيادة؟! قد يكون السؤال في ظاهره عن التاريخ لكنه في جوهره سؤال عن الدولة العراقية نفسها. ليست السيادة ثلاثة تواريخ، ليست جنديا يغادر قاعدة، و لا احتفالا رسميا، و لا بيانا سياسيا هذه كلها قد تكون علامات على مراحل مختلفة من تاريخ الدولة لكن السيادة بمعناها الأعمق هي أن يمتلك البلد قراره، تكون الدولة صاحبة السلطة و القانون، و أن لا يكون مستقبلها مرهونا بإرادة قوة أخرى و هنا تبدأ المسألة الحقيقية. إذا خرجت قوة أجنبية من أرض العراق فهذا أمر مهم لكن ماذا عن القوى الأخرى؟! هل السيادة تعني رفض النفوذ الأميركي فقط؟! أم أنها تعني أيضا رفض أي تدخل خارجي أيا كان مصدره؟! ماذا عن الوجود العسكري التركي؟! ماذا عن الجماعات المسلحة الأجنبية (حزب العمال الكردستاني التركي و أحزاب ايرانية معارضة كردية) موجودة على الأراضي العراقية؟! و ماذا عن أي قوة إقليمية تستطيع أن تؤثر في القرار العراقي؟؟ فالسيادة لا يمكن أن تكون انتقائية فهي مبدأ واحد ينطبق على كل قوة تتدخل في الشأن العراقي أو تنتقص من قدرة الدولة على إدارة أرضها و قرارها. لا يمكن أن نقول إن العراق سيد عندما يغادر جندي أميركي ثم نصمت عندما يتدخل طرف آخر في قراره. السيادة ليست موقفا من دولة بعينها إنما مبدأ يتعلق بحق العراق في أن يكون قراره عراقيا. لكن المشكلة الأكبر ربما ليست في الخارج وحده فحتى لو خرجت جميع القوات الأجنبية من العراق هل تصبح السيادة مكتملة تلقائيا؟؟ ماذا لو بقي السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة؟! ماذا لو أصبح القرار السياسي موزعا بين الدولة و أحزاب و قوى مسلحة و مراكز نفوذ؟! ماذا لو عجزت المؤسسات عن فرض القانون على الجميع؟! ماذا لو أصبحت الدولة نفسها عاجزة عن حماية قرارها من الضغوط الداخلية و الخارجية؟! كل هذه الأسئلة تقود إلى حقيقة واحدة أن خروج القوات الأجنبية لا يكفي وحده لإثبات اكتمال السيادة. فالسيادة لا تقاس فقط بغياب القوة الأجنبية إنما بقدرة الدولة على امتلاك قرارها، إدارة شؤونها، حماية مؤسساتها، فرض القانون داخل حدودها، حماية قرارها الوطني من الضغوط الداخلية و الخارجية. هنا نكتشف أن السيادة ليست قضية حدود فقط بل قضية بناء دولة. لقد عاش العراق هذه المسألة منذ أكثر من قرن حيث خرج من الحكم العثماني ثم دخل مرحلة الانتداب البريطاني و حصل على استقلاله 1932 لكن الاستقلال لم ينه صراع العراقيين من أجل امتلاك قرارهم. بعد ذلك جاءت الانقلابات و الصراعات و الحروب فأصبح تاريخ الدولة العراقية الحديثة مثقلا بالعنف و عدم الاستقرار. كانت المفارقة أن العراق لم يكن فقيرا بالموارد إذ كان يمتلك ثروة نفطية هائلة و كان يمكن لهذه الثروة أن تصنع بنية تحتية حديثة، تعليما قويا، صحة متقدمة، و مدنا أكثر ازدهارا. لكن عدم الاستقرار جعل جزء كبير من الموارد يذهب إلى الحروب و السلاح و الصراعات بينما بقي الإنسان العراقي يدفع الثمن. لهذا فإن سؤال السيادة لا ينبغي أن ينفصل عن سؤال آخر ماذا فعلنا بهذه الدولة التي دفع العراقيون كل هذه التضحيات من أجلها؟! فالسيادة ليست فقط أن ترفع الدولة رأسها في المحافل الدولية كذلك السيادة أيضا أن يكون لديها اقتصاد قوي، مؤسسات فعالة، قانون عادل، إدارة قادرة، قضاء يحمي الحقوق، و خدمات تحفظ للمواطن كرامته. قد يبدو غريبا أن نربط السيادة بالماء، الكهرباء، المستشفى، المدرسة، فرص العمل لكن العلاقة أعمق مما تبدو. الدولة التي لا تستطيع أن توفر لمواطنها أبسط مقومات الحياة، لا تستطيع أن تقنعه بسهولة بأن السيادة أصبحت واقعا كاملا. المواطن لا يعيش السيادة في البيانات الرسمية انما يعيشها في حياته اليومية. السيادة بالنسبة إليه أن لا يحتاج إلى واسطة للحصول على حقه و لا يخاف من القانون لأنه يعرف أن القانون يحميه و لا يكون المسؤول أقوى من المؤسسة كذلك أن لا تكون الثروة العامة ملكا لفئة و يكون القضاء فوق الحسابات السياسية. السيادة أن يكون المواطن حرا في وطنه، آمنا على رأيه، مصانا في بيته، و محفوظ الحقوق أمام القانون. من هنا تصبح السيادة الداخلية لا تقل أهمية عن السيادة الخارجية. الدولة التي تريد قرارا مستقلا في الخارج تحتاج أولا إلى دولة قوية في الداخل فحين تكون المؤسسات ضعيفة، القانون انتقائيا، السلاح متعدد الجهات، الاقتصاد هشا عندها يصبح القرار الوطني أكثر عرضة للضغط و التأثير. لهذا فإن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد الاحتفال بخروج القوات الأجنبية بل الاستفادة من هذه اللحظة لطرح سؤال أكثر جدية هل أصبح العراق قادرا على إدارة خلافاته و مصالحه من داخل مؤسساته؟! هذه هي المسؤولية التاريخية أمام الطبقة السياسية الحالية. فالعراقيون لم يقدموا كل تلك التضحيات طوال قرن كامل كي ينتقلوا من نفوذ خارجي إلى نفوذ خارجي آخر أو من قوة تفرض إرادتها بشتى الوسائل إلى قوى تتقاسم القرار المصيري للبلد. لم يكن حلم الأجيال السابقة مجرد خروج الأجنبي لكن كان حلمهم أن يعيشوا في دولة تمتلك قرارها و تحمي أبناءها و تصون كرامتهم. إذا وصلنا إلى 2026 و ما زال النقاش السياسي يدور حول الدولة و اللادولة، حول من يمتلك السلاح و من يمتلك القرار فهذا يعني أن معركة بناء الدولة لم تحسم بعد. نحن لا نحتاج إلى أن نبقى نحاول إلى ما لا نهاية انما نحتاج في لحظة ما إلى أن ننجز. أن تصبح الدولة أقوى من الشخوص، القانون أقوى من الاحزاب، المؤسسة أقوى من النفوذ، و المصلحة الوطنية أعلى من مصالح المحاور. عندها فقط يصبح ليوم السيادة معنى يتجاوز الاحتفال. فالسيادة ليست أن ينسحب جندي أجنبي من أرضك بينما يبقى قرارك موزعا بين العواصم. ليست أن تتغير أعلام القواعد العسكرية بينما يبقى المواطن عاجزا عن الوصول إلى حقه. و ليست أن تتحدث الدولة عن الاستقلال بينما يشعر المواطن أن مستقبله مرهون بعلاقة سياسية أو حزبية أو خارجية. السيادة أن يكون القرار عراقيا، أن تكون أرض العراق للعراقيين، قراره لمؤسساته، سلاحه للدولة، ثروته لشعبه، و قانونه فوق الجميع. عندها لن نحتاج إلى السؤال متى نحتفل بالسيادة؟! سنكون قد تجاوزنا السؤال نفسه لأن السيادة عندها لن تكون يوما في التقويم بل حقيقة يعيشها العراقي كل يوم. فالسيادة في النهاية ليست راية ترفع فوق وطن، لا شعارا تردده الأحزاب، و لا احتفالا ينتهي بانتهاء المناسبة. السيادة دولة قوية، قرار مستقل، قانون عادل، و مواطن كريم. فحين تجتمع هذه الأشياء يصبح العراق أخيرا قادرا على أن يقول للعالم و لأبنائه قبل العالم "هذا وطننا، هذا قرارنا، و هذه دولتنا."
#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تسبق الأسماء الأفكار
-
حين تتراجع الأسرة وتتقدم الشاشة
-
الكرامة بين الشعارات وواقع الانسان
-
الإسلام السياسي وإشكالية الدولة
-
8/8 .. ذاكرة الصمود ومعنى الانتصار
-
ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية
-
هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي
-
التحالف بين الشراكة والتبعية
-
نظرية مالتوس وتأثير النمو السكاني في مستقبل المجتمعات
-
نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي
-
حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
-
الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
-
هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
-
بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
-
الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
-
مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
-
الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
-
الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
-
الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
-
تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
المزيد.....
-
شركة -إل عال- تعمل على إجلاء إسرائيليين من دبي بعد تعليق -فل
...
-
ركاب يصفون تجربتهم على متن رحلة -فلاي دبي- بعد طعن طيّار.. م
...
-
-إنها معجزة-.. ضابط أمريكي سابق يكشف كيف فُتح باب قمرة قيادة
...
-
طيار فلاي دبي.. ماذا نعلم عن الكابتن سميت ماتشهار الذي أحبط
...
-
من تل أبيب إلى تبوك.. خريطة تكشف مسار رحلة -فلاي دبي- بعد تح
...
-
من 34 ألفًا إلى 16,600 قدم.. رسم يوضح الهبوط المفاجئ لرحلة -
...
-
الولايات المتحدة تجري تجربة كيميائية غير نووية تحت الأرض
-
خرافة أم حقيقة: هل يساعد وضع البصل النيّئ أسفل القدمين في عل
...
-
-التنين- على أبوب أوروبا ـ لماذا تراهن الصين على المغرب؟
-
ممثلون عن -الشاباك- الإسرائيلي يتوجهون إلى دبي
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|