أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي محمود - ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية















المزيد.....

ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 20:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليست كل أشكال الطاعة فضيلة كما أن التمرد ليس رذيلة في جميع الأحوال، فالمجتمعات لا تستطيع أن تستمر من دون قدر من الطاعة للقوانين و المؤسسات لأن النظام لا يقوم إلا بوجود قواعد يلتزم بها الجميع.
لكن التاريخ يخبرنا في الوقت نفسه أن كثيرا من الكوارث الإنسانية لم تبدأ بأشخاص أشرار بل بأناس عاديين نفذوا الأوامر من دون أن يتوقفوا ليسألوا أنفسهم هل ما يطلب منا صحيح؟! وهل هو عادل؟!

من هنا جاءت أهمية العالم النفسي الأمريكي ستانلي ميلغرام الذي حاول الإجابة عن سؤال ظل يؤرق البشرية بعد الحرب العالمية الثانية كيف يمكن لإنسان عادي يعيش حياة طبيعية من أن يتحول إلى أداة تنفذ أفعالا قد تتعارض مع ضميره لمجرد أن شخصا يملك سلطة طلب منه ذلك؟!

لم يكن هذا السؤال نظريا إنما ولد من واقع تاريخي مؤلم فقد هزت الجرائم التي ارتكبها النظام النازي ضمير العالم.
و كان الاعتقاد السائد أن مرتكبيها لا بد أن يكونوا أشخاصا مختلفين عن بقية البشر أو أنهم يمتلكون قدرا استثنائيا من القسوة.
لكن خلال محاكمات نورمبرغ كرر كثير من المتهمين العبارة نفسها "لقد كنت أنفذ الأوامر فقط."

لم يقتنع كثيرون بهذا التبرير و رأوا أنه محاولة للتهرب من المسؤولية أما ميلغرام فاعتبر أن إدانة هذا التبرير أخلاقيا لا تكفي وأن فهمه علميا أكثر أهمية.
لذلك قرر أن يختبر بنفسه إلى أي مدى يمكن للطاعة أن تدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده الأخلاقية.

في أوائل ستينيات القرن الماضي أجرى ميلغرام واحدة من أشهر التجارب في تاريخ علم النفس حيث أخبر المشاركين أنهم يشاركون في دراسة تبحث في أثر العقاب على التعلم. كان أحدهم يؤدي دور المعلم بينما يؤدي شخص آخر و هو في الحقيقة ممثل يتعاون مع الباحثين دور المتعلم.

كان المطلوب من المعلم أن يطرح أسئلة و كلما أخطأ المتعلم في الإجابة ضغط زرا يرسل صدمة كهربائية تزداد شدتها تدريجيا.
لم تكن هناك صدمات حقيقية لكن المشاركين لم يكونوا يعلمون ذلك إذ كانوا يسمعون صرخات المتعلم و استغاثاته و طلبه التوقف ثم يبدو في مراحل معينة و كأنه فقد الوعي تماما.
كلما تردد أحد المشاركين في الاستمرار كان الباحث الذي يرتدي معطفا أبيض يرمز إلى السلطة العلمية يطلب منه بهدوء أن يكمل التجربة مستخدما عبارات مثل "التجربة تتطلب منك الاستمرار" أو "ليس أمامك خيار آخر عليك أن تكمل."
كانت النتيجة صادمة فقد استمر عدد كبير من المشاركين في إعطاء الصدمات حتى أعلى المستويات رغم أنهم كانوا يشعرون بالتوتر، القلق، و الارتباك.
بعضهم كان يرتجف وبعضهم يتصبب عرقا و آخرون حاولوا الاعتراض لكنهم واصلوا التنفيذ لأنهم شعروا أن المسؤولية تقع على عاتق الباحث لا عليهم.

لم تعن هذه النتيجة أن الإنسان شرير بطبيعته لكن كشفت أمرا أكثر إزعاجا و هو أن الإنسان العادي قد يرتكب أفعالا قاسية عندما يجد نفسه داخل نظام يمنحه أوامر واضحة و يقنعه بأن المسؤولية ليست مسؤوليته الشخصية.

هنا تكمن الفكرة الأساسية في نظرية الطاعة للسلطة. فالسلطة لا تغير أخلاق الإنسان بالضرورة لكنها قد تعطل حكمه الأخلاقي مؤقتا فيصبح تنفيذ الأمر أهم من تقييمه و يحل الامتثال محل التفكير.

و قد وصف ميلغرام هذه الحالة بالمرحلة التي يبدأ فيها الإنسان بالنظر إلى نفسه على أنه منفذ للأوامر لا صاحب قرار.
عندها ينتقل الشعور بالمسؤولية من الفرد إلى الجهة التي تصدر الأوامر و يصبح الضمير أقل حضورا لأن الشخص يقنع نفسه بأنه لا يفعل سوى أداء واجبه.

تفسر هذه الفكرة كثيرا من الأحداث التي شهدها التاريخ سواء في الحروب أو في الأنظمة الاستبدادية أو حتى داخل المؤسسات المدنية حيث يتحول الأفراد إلى منفذين يعتقدون أن مسؤولية القرار تقع دائما على من هو أعلى منهم.

و لعل أخطر ما كشفته تجربة ميلغرام أن الطاعة لا تحتاج دائما إلى التهديد أو الإكراه فقد تنشأ ببساطة من احترام السلطة أو الثقة بها أو الخوف من مخالفتها.

فالمعلم يطيع مدير المدرسة، الجندي يطيع قائده، الموظف يطيع رئيسه، الطالب يطيع أستاذه، و المواطن يلتزم بالقانون.
و كل ذلك ضروري لاستقرار المجتمع لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الطاعة إلى استسلام كامل للعقل فيتوقف الإنسان عن طرح السؤال الأخلاقي هل ما أفعله صحيح؟!

لهذا ما تزال نظرية ميلغرام صالحة لفهم كثير من الظواهر المعاصرة فكم من موظف برر فسادا إداريا لأنه تلقى تعليمات من مسؤول أعلى؟!
و كم من إعلامي نشر معلومات مضللة بحجة أنه ينفذ سياسة المؤسسة؟!
و كم من جندي أو رجل أمن أو موظف أو حتى فرد داخل أسرته مارس ظلما لأنه اعتقد أن الطاعة تعفيه من المسؤولية؟!
قد تختلف الأسماء و المناصب لكن الآلية النفسية تبقى واحدة.
لا تقتصر هذه النظرية على السياسة أو الجيش إنما تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية فكثيرا ما يوافق الإنسان على رأي لا يقتنع به لأن شخصية مؤثرة تبنته أو يتردد في الاعتراض على قرار خاطئ لأنه صادر عن شخص يحظى بمكانة اجتماعية أو علمية.
فالسلطة ليست دائما سلطة الدولة لكن قد تكون سلطة الدين أو التقاليد أو الشهرة أو المال أو الخبرة أو حتى سلطة الأغلبية.

مع ذلك فمن الخطأ أن نفهم نظرية ميلغرام على أنها دعوة إلى رفض كل سلطة أو التشكيك في كل قيادة، فالحياة لا تستقيم من دون مؤسسات و قوانين و تنظيمات.
و إنما تتمثل رسالتها الحقيقية في أن تكون الطاعة واعية لا عمياء و أن يكون احترام السلطة مصحوبا ببقاء الضمير حيا لا بإلغاء التفكير النقدي.
فالسلطة التي تخشى الأسئلة غالبا ما تخشى الحقيقة أيضا.

و قد تعرضت تجربة ميلغرام لاحقا لانتقادات أخلاقية بسبب الضغوط النفسية التي تعرض لها المشاركون كما ناقش بعض الباحثين مدى إمكانية تعميم نتائجها على جميع المجتمعات و الثقافات.
مع ذلك بقيت التجربة واحدة من أكثر الدراسات تأثيرا في علم النفس الاجتماعي لأنها كشفت جانبا خفيا من الطبيعة الإنسانية يتمثل في استعداد الإنسان للتخلي عن جزء من استقلاله الأخلاقي عندما يشعر بوجود سلطة يراها شرعية و تتحمل المسؤولية عنه.

إن القيمة الحقيقية لنظرية الطاعة للسلطة لا تكمن في تفسير أحداث الماضي فحسب بل في تحذير الإنسان من أخطاء المستقبل.
فالمجتمعات التي تشجع التفكير الحر، تحمل المسؤولية، و مراجعة القرارات تكون أقل عرضة للانزلاق نحو الظلم الجماعي.
أما المجتمعات التي تقدس السلطة إلى درجة تجعل الاعتراض خيانة فإنها تهيئ الظروف لتكرار الأخطاء نفسها مهما تغيرت الأزمنة أو تبدلت الوجوه.

لقد أثبت ميلغرام أن الخطر الحقيقي لا يكمن دائما في وجود قادة مستبدين إنما قد يكمن أيضا في وجود أفراد يتخلون بسهولة عن مسؤوليتهم الأخلاقية بمجرد أن يجدوا من يأمرهم.
لهذا فإن أفضل حماية للمجتمع لا تتمثل في كثرة القوانين وحدها لكن في بناء إنسان يدرك أن طاعة السلطة لا تعفيه أبدا من مسؤولية ضميره و أن السؤال الذي يجب أن يسبق تنفيذ أي أمر ليس من الذي أمرني؟! بل هل هذا الأمر عادل و صحيح؟!
فعندما يبقى الضمير حاضرا إلى جانب القانون تصبح السلطة وسيلة لتنظيم المجتمع، لا أداة لإلغاء إنسانية الإنسان.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي
- التحالف بين الشراكة والتبعية
- نظرية مالتوس وتأثير النمو السكاني في مستقبل المجتمعات
- نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي
- حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات


المزيد.....




- بعد حوادث مميتة.. إدارة الهجرة الأمريكية تتعهد بتزويد عناصره ...
- إيران تتحدث عن شرط جديد لإعادة فتح مضيق هرمز.. ما هو؟
- القانون الإطاري في تركيا: هل تُطوى صفحة الصراع المسلح للأبد؟ ...
- مصدر لـRT: عمان تعلن اتفاقا حول مضيق هرمز خلال ساعات
- أمير سعودي يرد على أكاديمي إماراتي وسط جدال حول -اتفاق مكة ل ...
- الأمن اللبناني يوقف ضابطا سوريّا رفيعا من جيش الأسد في بيروت ...
- مصر تبدأ بتنفيذ ممر عملاق يعيد رسم خريطة التجارة في إفريقيا ...
- رادارات رومانيا تفشل في رصد مسيرة اتجهت نحو بلغاريا
- سفير أمريكي سابق يكشف لـ -CNN- الأسباب الكامنة وراء توقيع ات ...
- أمين مجلس الأمن القومي الإيراني يحدد شروط بلاده على واشنطن ل ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين علي محمود - ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية