أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - الكرامة بين الشعارات وواقع الانسان














المزيد.....

الكرامة بين الشعارات وواقع الانسان


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 07:21
المحور: المجتمع المدني
    


انتشرت في المجتمع و لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي مفردة الكرامة بصورة واسعة حتى أصبحت حاضرة في معظم النقاشات السياسية و الأزمات الإقليمية و المواقف المتعلقة بالعلاقات مع الدول الأخرى.
غالبا ما تستخدم الكلمة بوصفها حكما نهائيا على المواقف مثل هذا الموقف فيه كرامة، ذاك تنازل، هذه الدولة عزيزة، و تلك تابعة.
لكن المشكلة ليست في أهمية الكرامة فهي من أسمى القيم الإنسانية و إنما في الطريقة التي يفهم بها هذا المفهوم و يستخدم أحيانا بعيدا عن معناه الحقيقي.

هناك من يختزل كرامة الإنسان و الوطن في مجرد رفض التفاهم مع قوة دولية حتى لو كان ثمن هذا الرفض انهيار الاقتصاد، انتشار الفقر، العزلة، و تعطيل مستقبل الأجيال.
كأن المواطن لا يملك سوى خيارين إما أن يعلن تحديه للعالم مهما كانت النتائج أو يكون قد فقد كرامته.
و هذا الفهم العاطفي للكرامة يحولها من قيمة تحمي الإنسان إلى شعار يمكن أن يستخدم لتبرير معاناته.

قد يقول البعض لا يهم أن نعيش في الحصار أو الفقر أو الأزمات المهم أن نحافظ على كرامتنا لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو أي كرامة نقصد؟؟
هل الكرامة أن يجوع الإنسان و لا يستطيع الحصول على علاج أو وظيفة أو تعليم جيد ثم يطلب منه أن يشعر بالفخر لأنه لم يخضع؟!
هل من الكرامة أن يعيش المواطن في بلد غني بالموارد لكنه عاجز عن تحقيق أبسط طموحاته إلا بالواسطة أو التوسل أو الانتماء إلى جهة نافذة؟!
و هل يصبح الإنسان حرا فعلا لمجرد أنه يرفع شعارا ضد التدخل الخارجي بينما هو في حياته اليومية عاجز عن قول لا للمتنفذ أو المسؤول أو العرف الاجتماعي أو الجماعة التي تفرض عليه ما يجب أن يفكر به؟!

المفارقة أن بعض من يتحدث كثيرا عن الكرامة لا ينظر إليها باعتبارها علاقة الإنسان بنفسه و وطنه بل يربطها بمصير مجتمعات و دول أخرى يوالونها لأسباب واعتبارات عديدة.
فإذا تعرضت تلك المجتمعات لأزمة شعر أن كرامته الشخصية قد تعرضت للإهانة و إذا انتصرت اعتبر نفسه منتصرا حتى لو كان وطنه يدفع الثمن.
و هنا تتحول الكرامة من شعور وطني و إنساني إلى نوع من الارتباط العاطفي الذي يجعل الإنسان يدافع عن مصالح الآخرين أكثر مما يدافع عن مصالح وطنه و مستقبله.

ليس المطلوب أن يكون الإنسان بلا موقف تجاه قضايا المنطقة أو تجاه الشعوب الأخرى فالتضامن الإنساني و السياسي أمر طبيعي لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح مصلحة الآخرين أهم من مصلحة الوطن الذي نعيش فيه.
لا معنى لكرامة تبنى على خراب بلدك و لا قيمة لشعار كبير إذا كان المواطن في داخله يشعر بالعجز، الإهانة، و عدم الأمان.

إن الإنسان قد يتخيل نفسه حرا لأنه يرفض أن يتحكم به طرف خارجي لكنه قد لا يلاحظ أنه أسير لأنماط أخرى من السيطرة.
قد يكون أسير نهج عشائري متعصب يمنعه من التفكير خارج حدود الجماعة أو أسير رواية دينية تجعل الآخرين يقررون نيابة عنه ما يجوز و ما لا يجوز أو أسير إرث تاريخي ينتقي منه ما يناسب مشاعره و يتجاهل حقائقه و تعقيداته أو أسير نفوذ سياسي فاسد يجعله مضطرا إلى البحث عن واسطة للحصول على حق يفترض أن يكون مكفولا له كمواطن.

الحرية ليست مجرد رفض سيطرة بعيدة انما هي أيضا القدرة على التخلص من أشكال السيطرة القريبة.
ما فائدة أن ترفض أن يتحكم بك الأجنبي بينما يسمح مواطن مثلك لنفسه أن يتحكم في مستقبلك بسبب انتمائه أو نفوذه؟!
ما معنى أن ترفع شعار الكرامة الوطنية و أنت لا تستطيع الحصول على وظيفة أو معاملة رسمية أو حق قانوني إلا بعد أن تبحث عمن يتوسط لك؟!
الكرامة لا تتجزأ، لا يمكن أن نرفض الإهانة في السياسة الخارجية و نقبلها في مؤسساتنا و حياتنا اليومية.

الكرامة الحقيقية تبدأ عندما يشعر الإنسان بأن له قيمة في ذاته و لا يحتاج إلى إذلال نفسه لكي يعيش حياة طبيعية.
هي أن يعامل باحترام، تحفظ حقوقه، حريته، خصوصيته، لا يكون عرضة للاستغلال أو الإهانة بسبب فقره أو ضعفه أو انتمائه.
و هي أيضا أن يمتلك القدرة على اتخاذ موقفه بنفسه لا أن يسمح للسياسي أو رجل الدين أو شيخ العشيرة أو الجماعة أو صفحات التواصل الاجتماعي بأن تفكر و تتحدث و تقرر نيابة عنه.

و لا تعني الكرامة أن يعيش الإنسان في صراع دائم مع الجميع فبعض الناس يخلط بين الكرامة و العناد، بين الاستقلال و العزلة، بين القوة و رفض أي تفاهم.
الإنسان الكريم يستطيع أن يتفاوض من دون أن يذل نفسه، يستطيع أن يعقد الاتفاقات من دون أن يبيع وطنه، يستطيع أن يعترف بالمصلحة من دون أن يتخلى عن مبادئه، ليست كل تسوية خيانة كما أن ليس كل صدام بطولة.

الكرامة أيضا مسؤولية تجاه الآخرين، لا يستطيع الإنسان أن يطالب باحترامه و هو يهين من يخالفه أو يطالب بحريته و هو يريد مصادرة حرية الآخرين.
هي تظهر عندما نقول لا للظلم حتى لو كان الظالم من جماعتنا عندما نرفض الفساد حتى لو كان الفاسد قريبا منا عندما نرفض الإهانة حتى لو اعتدنا عليها و أصبحت جزء من حياتنا.

ربما تحتاج مجتمعاتنا إلى إعادة التفكير في كلمة الكرامة بعيدا عن الشعارات و الانفعالات فالكرامة ليست أن نموت من أجل صورة نتخيلها عن أنفسنا لكن أن نعيش بطريقة لا يذل فيها الإنسان و لا يستغل و لا يجبر على التخلي عن حقه.
و هي أن يكون الوطن مكانا يستطيع فيه المواطن أن يحقق طموحه بعمله و كفاءته لا بتوسله للآخرين اضافة أن تكون مصلحة البلد ومستقبل أبنائه فوق الولاءات التي لا تعود بالنفع على الشعب.

الكرامة الحقيقية ليست كلمة نصرخ بها عند الأزمات لكن واقع نعيشه كل يوم أن تكون حرا في تفكيرك، محفوظا في حقوقك، محترما في وطنك، قادرا على رفض الإهانة، و الدفاع عن مصلحتك من دون أن تتحول إلى تابع لأحد. عندها فقط لا تصبح الكرامة شعارا نستخدمه ضد الآخرين بل قيمة نبني بها أنفسنا و وطننا.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإسلام السياسي وإشكالية الدولة
- 8/8 .. ذاكرة الصمود ومعنى الانتصار
- ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية
- هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي
- التحالف بين الشراكة والتبعية
- نظرية مالتوس وتأثير النمو السكاني في مستقبل المجتمعات
- نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي
- حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي


المزيد.....




- أمريكا.. اعتقال مؤثر يميني متطرف معاد للإسلام بعد تحول احتجا ...
- إيمان كريم: المجتمع المدني شريك أساسي في حماية وتمكين الأشخا ...
- قاضية أمريكية تلغي حظر تأشيرات المهاجرين من 75 دولة.. ومصر ض ...
- وزير مغربي يحمّل إسبانيا المسؤولية عن تدفق المهاجرين الجماعي ...
- الضفة.. إصابة 5 فلسطينيين واعتقال شابين بهجمات واقتحامات إسر ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في جازان وتكشف ...
- عاجل| المبعوث الأمريكي توم براك: الإسرائيليون يحتلون الجولان ...
- السودان.. الحصبة تحصد 50 طفلا والجوع يفتك بآلاف النازحين في ...
- إعلام الأسرى الفلسطينيين: 7 عمليات قمع استهدفت أسيرات الدامو ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في جازان وتكشف ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - الكرامة بين الشعارات وواقع الانسان