أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - حين تسبق الأسماء الأفكار















المزيد.....

حين تسبق الأسماء الأفكار


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 09:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن كلمتا "الوطنچية" و "الإسلامچية" تبدوان في ظاهرهما مجرد توصيفين لكنهما تكشفان عن مشكلة أعمق في طريقة اختلاف العراقيين و تعبيرهم عن مواقفهم.
فحين تتحول الكلمات من أدوات للتعبير عن الأفكار إلى وسائل للسخرية و التصنيف و الانتقاص من الآخرين يصبح الخلاف أقل ارتباطا بما يقوله الإنسان و اكثر ارتباطا بالاسم الذي نطلقه عليه.
يستخدم البعض كلمة وطنچية بصيغة تحمل السخرية أو الانتقاص من الأشخاص الذين يتحدثون عن الوطن أو يضعون مصلحة بلدهم في مقدمة اهتماماتهم أو يرفضون أن تكون انتماءاتهم السياسية أو المذهبية أو العقائدية مقدمة على مصلحة بلدهم.
بينما في المقابل البعض الاخر يستخدمون مفردة اسلامچية بالطريقة نفسها تقريبا و كأنها الرد المقابل على الوطنچية، لذا تحولت الكلمتان إلى جزء من سجال طويل لا ينتهي.
هنا لا تعود المشكلة في المصطلحين نفسيهما إنما في الطريقة التي نستخدمهما بها فبدل أن نناقش الفكرة نناقش صاحبها، و بدل أن نرد على الموقف نبحث عن صفة نضعها عليه و كأن تسمية الإنسان تكفينا عن مناقشة ما يقول.
قد يكون الإنسان وطنيا و متدينا في الوقت ذاته و قد يكون مختلفا مع تيار إسلامي في قضية سياسية من دون أن يكون معاديا للدين كذلك قد ينتقد بعض المواقف الوطنية أو القومية من دون أن يكون معاديا للوطن.
فالإنسان أكبر من التصنيف الذي نضعه عليه و الموقف السياسي لا يمكن اختصاره دائما بكلمة واحدة.
لكن المشكلة أن السياسة عندما تدخل في صراع الهويات تجعل التصنيف أكثر سهولة من الحوار فيصبح هذا وطنچي، ذاك إسلامچي، هذا تابع للخارج، ذاك تابع للداخل، هذا طائفي، و ذاك علماني.
و بعد فترة تتحول هذه الأوصاف من محاولة لفهم الآخر إلى ادوات لإلغائه.
هذه ليست مشكلة سياسية فقط بل مشكلة اجتماعية أيضا فعندما يتعود المجتمع على النظر إلى أفراده من خلال هوياتهم قبل أفكارهم تصبح المسافة بين الناس أكبر و يصبح المختلف خصما قبل أن يكون مواطنا.
قد يبدأ الإنسان برفض شخص لمجرد انتمائه أو الاسم الذي ألصق به من دون أن يعرف رأيه الحقيقي أو مواقفه الفعلية.
و الأخطر من ذلك أن هذه اللغة قد تنتقل من السياسة إلى الحياة الاجتماعية فالناس يتعلمون أن الاختلاف يعني الخصومة و الخصومة تحتاج إلى تسمية اضافة الى أن التسمية تحتاج إلى سخرية.
هكذا يصبح النقاش العام سلسلة من الألقاب المتبادلة بدل أن يكون مساحة لفهم المصالح و الأفكار.
و اللافت أن من يستخدم الإسلامچية للسخرية من خصمه قد يقع في المشكلة نفسها التي ينتقدها عند استخدام الوطنچية و العكس صحيح.
فكلاهما قد يستخدم اللغة بالطريقة ذاتها، اختصار إنسان كامل في كلمة ثم بناء موقف مسبق منه على أساس تلك الكلمة.
لكن السؤال الأهم ماذا تعني الوطنية أصلا؟!
و هل الوطنية مجرد رفع اسم العراق و الحديث عن سيادته؟!
أم أنها تعني أيضا احترام الدولة، القانون، الحفاظ على المال العام، رفض الفساد، احترام المواطن المختلف، و عدم تقديم مصلحة أي حزب أو جماعة أو دولة أخرى على مصلحة الدولة؟؟
لا تختصر الوطنية في الشعارات بل تظهر في احترام الدولة و القانون، رفض الفساد، احترام المواطن، و تقديم مصلحة الوطن على المصالح الأخرى.
كذلك ماذا يعني الانتماء إلى الفكر الإسلامي عندما يدخل المجال السياسي؟؟
هل يكفي رفع الشعارات الدينية؟؟
أم أن الأمر يرتبط أيضا بموقف الإنسان من الدولة، المواطنة، القانون، التعدد، و حقوق الآخرين؟!
لا يقاس الانتماء إلى الفكر الإسلامي بالشعارات لكن بالمواقف من الدولة، المواطنة، القانون، حقوق الآخرين و بما يحققه في الواقع.
هنا يصبح معيار الحكم على الإنسان مواقفه و ممارساته لا الاسم الذي نضعه عليه أو الشعار الذي يرفعه.
لا يحتاج البلد إلى أن يتفق أبناؤه على هوية فكرية واحدة و لا يمكن أصلا أن يكون مجتمعا بلا اختلاف فالاختلاف السياسي و الديني و الفكري أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى إلغاء و عندما تصبح الهوية وسيلة لمنح بعض الناس حق الكلام و سلبه من آخرين.
فليس كل من تحدث عن الوطن وطنچيا بالمعنى الذي يريده الساخرون و ليس كل من انتمى إلى تيار إسلامي اسلامچيا بالمعنى الذي يريده خصومه.
هناك مواقف متعددة داخل كل اتجاه و هناك افراد من الشعب يمكن أن يجمعوا بين أكثر من انتماء و قناعة من دون أن يروا بينها تناقضا.
السياسة العراقية مثل المجتمع العراقي تحتاج إلى الخروج من فكرة أن كل اختلاف هو معركة وجود.
فليس مطلوبا أن يتحول المختلف إلى عدو و لا أن يتحول النقاش إلى اختبار ولاء إذ يمكن للعراقي أن يحب وطنه، يحترم دينه، يختلف مع الأحزاب، ينتقد اداء الحكومة، يرفض التدخل الخارجي، و في الوقت نفسه يختلف مع عراقي آخر في كل هذه القضايا دون أن يتحول الاثنان إلى خصمين دائمين.
و لعل المفارقة أن بعض افراد الشعب قد ينشغلون أحيانا بالسؤال ماذا نسمي بعضنا؟! بينما السؤال الأهم هو ماذا نفعل لبلدنا؟!
هنا ينطبق المثل الشعبي "بين حانة و مانة ضاعت لحايانة". فقد ينشغل طرف بإثبات أن الآخر اسلامچي و ينشغل الطرف الآخر بإثبات أن خصمه وطنچي بينما تضيع بينهما القضية الأصلية مستقبل الدولة و مصالح الشعب.
لا تحتاج الوطنية إلى السخرية من المختلف كما ان الانتماء الديني لا يحتاج إلى احتقار من لا يشاركه القناعة نفسها.
و كلاهما يصبح أكثر قيمة عندما يتحول من كلمة إلى سلوك و من شعار إلى مسؤولية.
ربما حان الوقت لأن نختلف في الأفكار بدل أن نختلف في الأسماء و نحاسب المواقف بدل أن نحاكم الأشخاص مسبقا. فالكلمات قد تصنع خصومة لكنها لا تثبت حقيقة و اللقب قد يكون سهلا لكن فهم الإنسان و موقفه أكثر صعوبة و أهمية.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي من هو الوطنچي و من هو الإسلامچي؟! لكن من يستطيع أن يجعل انتماءه أيا كان جزء من بناء العراق لا سببا لتقسيم الشعب؟!
عندها فقط يمكن أن تتحول السياسة من صراع على التسميات إلى اختلاف على الأفكار و من معركة هويات إلى نقاش حول مستقبل بلد يشترك الجميع في العيش فيه و إن اختلفوا في الطريقة التي يرونه بها.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتراجع الأسرة وتتقدم الشاشة
- الكرامة بين الشعارات وواقع الانسان
- الإسلام السياسي وإشكالية الدولة
- 8/8 .. ذاكرة الصمود ومعنى الانتصار
- ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية
- هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي
- التحالف بين الشراكة والتبعية
- نظرية مالتوس وتأثير النمو السكاني في مستقبل المجتمعات
- نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي
- حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي


المزيد.....




- زيلينسكي: اتفاقية جديدة بشأن الطائرات المسيّرة جاهزة للتوقيع ...
- إنفانتينو يقترح إجراء مشاورات بشأن تحسين آلية صنع القرار داخ ...
- مترو موسكو يحدث 80% من أسطوله مع دخول قطارات -موسكو-2026- ال ...
- دراسة تحسم الجدل: تناول الحامل للبيض والفول السوداني لا يحمي ...
- شعر مبلل قبل النوم.. ما الأضرار التي يحذر منها الأطباء؟
- طبيب روسي يوضح حقيقة -الشيخوخة المفاجئة- للقلب بعد سن الأربع ...
- إعصار -دوجوان- يجتاح اليابان ويخلف قتلى
- -صداع لا شفاء منه وضربة لا مهرب منها-.. كوريا الشمالية تعلن ...
- التضامن :«التدخل السريع» يمنح مسنة بلا مأوى في منطقة الحسين ...
- وزيرة التضامن: الهوية الوطنية كيان حي يتشكل كل يوم.. وقوة ال ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - حين تسبق الأسماء الأفكار