أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - حين تتراجع الأسرة وتتقدم الشاشة














المزيد.....

حين تتراجع الأسرة وتتقدم الشاشة


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 08:47
المحور: المجتمع المدني
    


لم يعد الخطر المرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي يقتصر على إضاعة الوقت أو الانشغال بالهاتف لساعات طويلة فهذه مجرد نتائج ظاهرة لمشكلة أعمق وأكثر تأثيرا.
يبدأ الخطر الحقيقي عندما يتراجع دور الأسرة في حياة الأبناء لتتقدم مكانه عائلة جديدة غير مرئية هي عائلة وسائل التواصل الاجتماعي.
هنا لا يعود الهاتف مجرد وسيلة للتسلية أو التواصل بل يتحول تدريجيا إلى مصدر للتربية، تشكيل الأفكار، القيم، السلوك، و الشخصية.

كثير من الآباء و الأمهات يلاحظون أن أبناءهم يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات لكن الملاحظة وحدها لا تعني دائما وجود اهتمام حقيقي.
فقد يتحول الأمر مع مرور الوقت إلى حالة من التجاهل أحيانا بسبب الانشغال بأعباء الحياة و أحيانا بسبب عدم معرفة الأهل بحجم المشكلة و أحيانا أخرى بسبب الاعتقاد بأن هذا هو حال جميع أبناء الجيل الجديد و لا يمكن تغييره. و هكذا يترك الطفل أو المراهق وحيدا أمام عالم مفتوح، واسع، مليء بكل شيء، الجيد و السيئ، الحقيقي و المزيف، المفيد و الخطير.

المشكلة أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تقدم نفسها للابن بوصفها معلما أو مربيا لكنها تؤدي هذا الدور بطريقة أكثر خفاء و تأثيرا.
فالابن يتابع شخصا يعجب به ثم يبدأ بتقليد كلامه و طريقة لباسه و آرائه و نظرته إلى الحياة فمع كثرة المتابعة و التكرار تتحول بعض الشخصيات المؤثرة إلى نماذج يحتذى بها حتى لو كانت لا تمتلك أي قيمة أخلاقية أو ثقافية حقيقية. في المقابل قد يتراجع تأثير الأب و الأم و المعلم لأن حضورهم في حياة الابن أصبح أقل من حضور الهاتف.

إن الطفل لا يحتاج فقط إلى من يوفر له الطعام و الملبس و التعليم انما يحتاج إلى من يشاركه التفكير و يسمعه و يجيب عن أسئلته و يراقب التغيرات التي تطرأ على شخصيته.
عندما تغيب هذه العلاقة يبحث الابن بشكل طبيعي عن بديل و في السابق كان البديل قد يكون الصديق أو الشارع أو الجماعة المحيطة به أما اليوم فقد أصبح العالم كله متاحا في جهاز صغير يحمله في يده.
هذا يعني أن الأسرة لم تعد تنافس محيطا محدودا بل تنافس ملايين الأشخاص و المحتويات و الأفكار التي تصل إلى الابن في كل لحظة.

و من أخطر ما في هذه الحالة أن عائلة السوشل ميديا لا تعرف الابن معرفة حقيقية و لا تهتم بمصلحته الفردية و لا تتحمل مسؤولية مستقبله.
الخوارزميات لا تسأل ما الذي يجعل هذا الطفل إنسانا أفضل؟! لكن تسأل ما الذي يجعله يبقى أطول وقت ممكن أمام الشاشة؟!
و لذلك قد يدفع تدريجيا نحو محتوى أكثر إثارة أو غضبا أو تطرفا أو سطحية لأن هذه الأشياء غالبا ما تجذب الانتباه.
هنا يصبح الابن مستهلكا دائما لما يقدمه له العالم الرقمي بدلا من أن يكون قادرا على الاختيار و النقد و التمييز.

لا يعني ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي شر مطلق فهي أيضا مصدر للمعرفة، التعلم، التواصل، و اكتساب المهارات. المشكلة ليست في وجودها بل في الفراغ الذي تملؤه داخل الأسرة. فالابن الذي يمتلك علاقة صحية مع أسرته و حوارا مستمرا معها و اهتماما حقيقيا من والديه يكون أكثر قدرة على التعامل مع هذا العالم.
أما الابن الذي يعيش عزلة داخل بيته فقد يجد في الشاشة التعويض عن الاهتمام المفقود و الانتماء الغائب.

إن بعض الأهالي لا يكتشفون المشكلة إلا متأخرين، عندما تتغير لغة أبنائهم و سلوكهم و أفكارهم و علاقتهم بالمجتمع.
عندها يبدأ السؤال من أين جاء بهذه الأفكار؟! لكن السؤال الأهم هو من الذي ترك مساحة التربية فارغة حتى دخل إليها الآخرون؟!
لا تتوقف التربية عند سن معينة و لا يمكن تفويضها للهاتف أو الإنترنت و كلما تراجع حضور الأسرة تمدد حضور العالم الافتراضي.

نحن اليوم أمام جيل قد يعرف تفاصيل حياة أشخاص لا يعرفونه في بلدان بعيدة بينما لا يجد وقتا للحديث مع أفراد أسرته في البيت نفسه.
و قد يشعر بالانتماء إلى جماعة رقمية أكثر مما يشعر بالانتماء إلى عائلته أو مجتمعه الحقيقي و هذه ليست مشكلة تقنية فقط بل مشكلة اجتماعية و ثقافية و تربوية تمس مستقبل المجتمع كله.

لذلك لا يكون الحل بمنع الهاتف و مصادرته بشكل دائم و لا بالصراخ على الأبناء لأن المنع وحده قد يزيد المسافة بين الطرفين.
يبدأ الحل باستعادة الأسرة لدورها الحقيقي مثل الحوار، الاهتمام، المشاركة، وضع حدود واضحة و معقولة، متابعة ما يشاهده الأبناء دون تحويل البيت إلى سجن.
فالأبناء يحتاجون إلى من يرافقهم في هذا العالم الجديد لا إلى من يتركهم فيه وحدهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يدمن الأبناء وسائل التواصل الاجتماعي فحسب لكن أن يصبحوا أبناء لعائلة افتراضية لا تعرفهم و لا تحبهم و لا تتحمل مسؤوليتهم. عندما تتنازل الأسرة بقصد أو من دون قصد عن دورها التربوي سيجد دائما من يملأ الفراغ.
و عندها قد نكتشف بعد سنوات أننا لم نخسر أبناءنا للهواتف فقط انما خسرنا حقنا الطبيعي في المشاركة في تشكيل شخصياتهم و مستقبلهم.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكرامة بين الشعارات وواقع الانسان
- الإسلام السياسي وإشكالية الدولة
- 8/8 .. ذاكرة الصمود ومعنى الانتصار
- ميلغرام بين الطاعة والمسؤولية الأخلاقية
- هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي
- التحالف بين الشراكة والتبعية
- نظرية مالتوس وتأثير النمو السكاني في مستقبل المجتمعات
- نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي
- حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت


المزيد.....




- انتشال 11 جثة لمهاجرين غرق زورقهم قبالة تونس
- تونس: انتشال 11 جثة لمهاجرين غرق زورقهم قبالة السواحل الجنوب ...
- تايم: من ينقذ الأمم المتحدة؟
- ألمانيا وإيطاليا.. خلاف متصاعد بشأن استقبال المهاجرين
- استشهاد طفل في نابلس وتصاعد حملات الاعتقال والاستيطان بالضفة ...
- ليبيا.. تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 10 مدانين في قضايا إرهاب وا ...
- ليبيا: إعدام 10 مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات
- مقارنه حول مفهوم اليوم الاخر من منظور العقيده الاسلاميه والع ...
- الاحتلال يمدد اعتقال طبيبة فلسطينية رغم إصابتها بأزمة قلبية ...
- منع اللاجئين من توكيل المحامين يحرمهم من الحماية والخدمات ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - حين تتراجع الأسرة وتتقدم الشاشة