أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتيب : عن الاقتصاد الإيراني وسرديات غوبلز الابستيني..خمس مقالات















المزيد.....



كتيب : عن الاقتصاد الإيراني وسرديات غوبلز الابستيني..خمس مقالات


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 10:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقال الأول

سردية ماركو روبيو: مضيق هرمز لم يعد كما كان… والأرقام لا تُجامل أحدًا

ها نحن في عالم ، تتكاثر فيه السرديات السياسية كما تتكاثر الطحالب في مياه راكدة، يخرج علينا بعض السياسيين الأميركيين ليعلنوا أن مضيق هرمز "عاد كما كان قبل الحرب"، وأن تدفقات النفط "طبيعية"، وأن السوق العالمي لا يعاني سوى من "ضجيج إعلامي". ولو أن الكذب كان فنًا يُتقن، لكان ماركو روبيو قد نال فيه درجة الأستاذية، لكن الكذب — كما تعلمنا الجغرافيا — لا يُحرّك ناقلة واحدة، ولا يُغيّر مسار برميل نفط، ولا يُقنع سوقًا عالميًا بأن يصدّق ما لا تراه الأقمار الصناعية.

يكفي أن نفتح سجلات التتبّع البحري لشركات مثل كبلر وفورتكسا وبلومبيرغ لنكتشف أن المسافة بين ما يقوله وزير الخارجية الأميركي وبين ما تقوله البيانات… ليست مسافة سياسية، بل هاوية. فقبل الحرب، كان المضيق يمرّر أكثر من عشرين مليون برميل يوميًا، في رقم أشبه بنبضٍ ثابتٍ في شريان الاقتصاد العالمي, لا يتغيّر إلا بقدر ما تتغيّر الفصول. ثم جاءت الحرب في الثامن والعشرين من فبراير 2026, فانخفضت التدفقات إلى مستويات لم يشهدها المضيق منذ عقود، حتى بلغت في بعض الأسابيع أقل من خمسة ملايين برميل يوميًا، أي إلى ربع ما كانت عليه.

لكن الرقم الحقيقي لا يكمن في القفزة من عشرين مليونًا إلى خمسة، بل في طبيعة التحوّل نفسه. فما حدث لم يكن "اضطرابًا عابرًا" يمكن تجاوزه بقرار سياسي أو ببيان صحفي, بل كان تحوّلًا بنيويًا في هوية النفط الذي يمرّ عبر المضيق، وفي القوة التي تفرض إيقاعه، وفي المعادلات التي تحكمه. وحين يقول روبيو إن المضيق "عاد كما كان", فهو إما لا يقرأ البيانات، أو يقرأها ويأمل أن لا يقرأها أحد غيره.

اليوم، في نهاية سبتمبر 2026, لا تزال التدفقات تتراوح بين ستة وثمانية ملايين برميل يوميًا في أفضل الأحوال، وفقًا لتقديرات متعاملين في السوق يراقبون حركة الشحنات. وهذا الرقم، حتى لو تجاوز في بعض الأيام حاجز الثلاثة عشر مليونًا كما يقول وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، يبقى أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. بل إن كبلر نفسها توثّق أيامًا يظهر فيها الرقم صفرًا, ليس لأن المضيق فارغ، بل لأن الناقلات المطفأة الإشارة — الأسطول المظلم — تمرّ بلا أثر، في لعبة جيوسياسية لا يمكن لواشنطن أن تضبطها.

والحقيقة الأكثر إزعاجًا لسردية روبيو ليست في الأرقام وحدها، بل في بنية التدفقات نفسها. فقبل الحرب، كانت ناقلات النفط الخليجي — السعودي والإماراتي والكويتي — تشكّل العمود الفقري للإمدادات العالمية، وكانت تتجه في معظمها إلى الأسواق الأميركية والأوروبية والآسيوية تحت مظلة أمنية أميركية. أما اليوم, فقد تغيّرت الخريطة. النفط الذي يمرّ عبر المضيق أصبح في غالبيته نفطًا صديقًا لإيران أو على الأقل غير معادٍ لها: نفط إيراني، روسي، فنزويلي، عراقي قريب من محور المقاومة، أو نفط يُنقل عبر ناقلات صينية لا تعترف بالعقوبات الأميركية. أما النفط الخليجي الذي كان يغذّي السوق الأميركي والأوروبي، فهو الذي يتعرّض للاختناق، أو يعاد توجيهه، أو يمرّ عبر خطوط بديلة بعيدًا عن المضيق.

هذا التحوّل ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لثلاث حقائق رسّختها الحرب. الحقيقة الأولى أن الأسطول المظلم الذي تديره إيران وشركاؤها لم يعد مجرد شبكة ناقلات متهالكة، بل أصبح شبكة بحرية كاملة قادرة على المرور بلا إشارات، وتبديل الأعلام، وتغيير المسارات، والاختفاء عن الرادار كما تختفي القصيدة في قلب شاعر لا يريد أن يبوح بها بعد. وتقديرات كبلر تشير إلى أن 72 من أصل 84 ناقلة نفط خام عبرت المضيق منذ السابع من يوليو قد أبحرت "مظلمة", أي بإشارات مطفأة، وربما سلكت طريقًا عبر المياه العمانية. والحقيقة الثانية أن الصين، المشتري الأكبر للنفط الإيراني، توفر مظلة سياسية واقتصادية تجعل مرور هذا النفط أكثر أمانًا من مرور النفط الذي يعتمد على حماية واشنطن. والحقيقة الثالثة أن إيران لا تغلق المضيق، بل تتحكم في إيقاعه: تسمح بمرور ناقلات صديقة، وتبطئ الناقلات غير الصديقة، وتخلق إيقاعًا متغيّرًا يجعل المضيق أداة سياسية لا مجرد ممرّ جغرافي.

ولو كان كلام روبيو صحيحًا، لانخفض سعر النفط إلى ما دون السبعين دولارًا، ولارتفع المخزون الأميركي، ولعاد السوق إلى استقراره القديم. لكن الأسعار بقيت بين ثمانين وتسعين دولارًا ومئة وخمسة دولار ، والمخزون الأميركي يهبط يوميًا، والسوق يتصرّف كما لو أن المضيق ما زال مختنقًا. وتقديرات كبلر نفسها تشير إلى أن أحجام الشحنات تتحرك في نطاق ضيق بين ستة وثمانية ملايين برميل يوميًا, في ما يشبه الاعتراف الضمني بأن العودة إلى ما قبل الحرب ليست على جدول الأعمال.

والحقيقة التي تتجاهلها السردية السياسية هي أن مضيق هرمز ليس مجرد ممرّ جغرافي يمكن قياسه بعدد البراميل العابرة. إنه مقياس توازن القوى في الخليج، ومقياس قدرة واشنطن على فرض إرادتها على الشريان الأكثر حيوية في الاقتصاد العالمي. وحين يتحدث روبيو عن "الطبيعية" وعن "التدفقات المعتادة", فإنه يتحدث عن عالم لم يعد موجودًا، وعن مضيق لم يعد كما كان، وعن قوة لم تعد تملك مفاتيح الإيقاع. السردية السياسية شيء… والواقع البحري شيء آخر. ومضيق هرمز اليوم ليس كما كان، ولن يعود كما كان، لأن من يمسك بإيقاعه لم يعد واشنطن ولا حلفاءها، بل قوة إقليمية تعرف كيف تُمسك بخيوط اللعبة دون ضجيج، ودون حاجة إلى إعلان الانتصارات على المنابر.

…….

المقال الثاني

النفط الذي يمرّ عبر هرمز اليوم… ليس نفطًا معاديًا لإيران

كيف يبدو المشهد النفطي الجديد، الذي يطل من مضيق هرمز ، اليوم ، لم يعد السؤال: "كم يمرّ عبر المضيق؟" بل أصبح السؤال الحقيقي: "لمن يمرّ هذا النفط؟" هذا التحوّل في السؤال ليس ترفًا تحليليًا، بل هو مفتاح فهم ما يجري في مضيق هرمز، وهو أيضًا مفتاح فهم لماذا يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الحديث عن "نفط يعبر المضيق" كما لو أن العبور وحده هو الإنجاز، بينما الحقيقة أن ما يعبر هو نفط غير معادٍ لإيران، وربما — في كثير من الحالات — نفط لا تمرّ عليه واشنطن أصلًا.

التدفقات التي ترصدها كبلر اليوم — سواء كانت أربعة ملايين أو سبعة أو حتى صفرًا — ليست تدفقات عشوائية، بل تدفقات ذات هوية سياسية واضحة. النفط الذي يمرّ اليوم هو في غالبه نفط صديق لإيران أو على الأقل غير معادٍ لها: نفط إيراني، روسي، فنزويلي، عراقي قريب من محور المقاومة، أو نفط يُنقل عبر ناقلات صينية لا تعترف بالعقوبات الأميركية. أما النفط الخليجي الذي كان يغذّي السوق الأميركي والأوروبي لعقود، فهو الذي يتعرّض للاختناق، أو يعاد توجيهه، أو يمرّ عبر خطوط بديلة بعيدًا عن المضيق.

وهنا يأتي المثال الأكثر دلالة على صمت الحكيم في مواجهة ضجيج الكذب: إيران لا تصرّح بأنها تسمح بمرور النفط الصديق وتمنع النفط المعادي، لكنها في الوقت نفسه لا تنفي ذلك. تترك السوق يكتشف الحقيقة، وتترك الأسعار تتحدث بدلًا عنها، وتترك واشنطن تتناقض مع نفسها. وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يقول إن 13 مليون برميل تعبر يوميًا، بينما وزير الخزانة سكوت بيسنت يقول إن صادرات النفط الإيراني عبر المضيق بلغت صفرًا. الرقمان ليسا متناقضين كما قد يبدو، لأن النفط الذي يعبر تحت الحراسة الأميركية هو نفط غير إيراني، بينما النفط الإيراني — الذي يمرّ عبر الأسطول المظلم — لا يظهر في الإحصاءات الرسمية أصلًا.

وهذا التناقض في الخطاب الأميركي ليس مجرد خطأ في التنسيق بين وزارتين، بل هو انعكاس لمعضلة أعمق: واشنطن تريد أن تقول إنها تسيطر على المضيق، وفي الوقت نفسه تريد أن تقول إن النفط يتدفق بحرية. لكن السوق لا يصدّق الخطاب السياسي، بل يصدّق الأرقام. والأرقام تقول إن إيران تضخّ ما بين 1.65 و1.80 مليون برميل يوميًا من الخام والمكثفات في أوائل عام 2026، معظمها إلى المصافي الصينية المستقلة عبر أسطول مظلم من أكثر من 350 ناقلة تستخدم نقلًا من سفينة إلى سفينة قبالة ماليزيا وسنغافورة وبحر عمان. وخصومات النفط الإيراني على خام برنت اتسعت من 8 دولارات للبرميل في 2023 إلى ما بين 14 و17 دولارًا في 2026, لكن الحجم الإجمالي للصادرات ظل مرتفعًا, مما يعني أن إيران تخسر في السعر ولكنها تكسب في الكم، وتحتفظ بموقعها في السوق الصيني الذي لا يمكن لواشنطن أن تغلقه بسهولة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يصمت الحكيم؟ الجواب أن الصمت ليس ضعفًا، بل هو شكل من أشكال القوة. إيران تعرف أن أي تصريح رسمي منها عن "السماح بمرور نفط صديق" سيفتح عليها جبهة دبلوماسية جديدة، وسيُستخدم ضدها في مجلس الأمن، وسيُصوّر وكأنها "تعطل الملاحة الدولية". لذلك تختار أن تترك السوق يتحدث: أسعار النفط تلتزم بتصريحاتها الضمنية، لا بهلوسات روبيو وترامب. وحين يرتفع سعر برنت إلى ما فوق 125 دولارًا — كما حدث في أبريل 2026 عندما بدأت واشنطن تتحدث عن حصار طويل الأمد — فإن السوق يقول إن إيران لا تزال تمسك بخيوط اللعبة، حتى لو أنكرت المنابر السياسية ذلك.

والجزيرة والعربية والحدث — كل هذه المنابر الاستعمارية الغربية الصهيونية — تنقل ما يُقال في واشنطن كما لو أنه حقيقة، لكنها تتجاهل ما تراه كبلر على شاشاتها. فكبلر ترصد أيامًا تمرّ فيها ثلاث ناقلات فقط عبر المضيق, بينما كانت تمرّ قبل الحرب 140 سفينة يوميًا. وهذا الفارق ليس تفصيلًا إحصائيًا، بل هو دليل على أن المضيق لم يعد ممرًا طبيعيًا، وأن من يمرّ عبره يمرّ بإذن، وأن من يُمنع يختفي من الإحصاءات كما يختفي ظلّ في ليلة بلا قمر.

وهكذا، يصبح ما يمرّ عبر هرمز اليوم ليس مجرد نفط، بل رسالة: أن من يملك المضيق يملك القدرة على تحديد هوية النفط الذي يعبره، وأن الجغرافيا السياسية ليست خرائط، بل قرارات تُتخذ في غرف مظلمة، وتظهر آثارها على شاشات كبلر بعد ساعات. وواشنطن التي تتحدث عن "النفط الذي يعبر" تتجاهل سؤالًا بسيطًا: لمن هذا النفط؟ وهل يعبر لأنه صديق، أم لأن واشنطن لم تعد قادرة على منعه؟

……….

المقال الثالث

لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة فرض حصار فعلي على إيران؟

بين واقعية القيادة الإيرانية… وحدود القوة الأميركية

في كل مرة يلوّح فيها سياسي أميركي بفكرة "حصار كامل على النفط الإيراني", ترتفع الأصوات في واشنطن كما لو أن الأمر قرارًا يمكن تنفيذه بجرّة قلم. لكن السوق العالمي لا يعمل بالشعارات، بل بالأرقام، والأرقام تقول شيئًا واحدًا: أي حصار فعلي على إيران يرفع سعر النفط إلى 120–150 دولارًا، وهذا يدمّر الاقتصاد الأميركي قبل أن يضغط على طهران. والولايات المتحدة تعرف ذلك جيدًا. تعرف أن اقتصادها لا يحتمل صدمة نفطية جديدة، وأن المخزون الاستراتيجي يهبط يوميًا، وأن النفط الصخري وصل إلى سقفه الإنتاجي، وأن الناخب الأميركي لا يغفر ارتفاع أسعار الوقود.

وهنا يبرز دور "مستشار القيامة" الإيراني — كما تسميه بعض الدوائر الغربية — الذي يضع المسألة في إطارها الصحيح: لو طبّقت واشنطن حصار الموانئ فعليًا، فإنها ستدمر نفسها قبل أن تدمر إيران. هذا ليس تهديدًا، بل حساب بارد. فإغلاق المضيق يعني إزالة نحو 20 مليون برميل يوميًا من السوق العالمي, وهو ما يعادل خُمس الإمدادات العالمية. وعند هذا المستوى من الانقطاع، تتوقع مؤسسات مثل أكسفورد إيكونوميكس أن يصل سعر النفط إلى 190 دولارًا بحلول أغسطس إذا استمر الحصار ستة أشهر. وفي سيناريو أكثر حدة، تتوقع ستاندرد آند بورز أن يصل السعر إلى 200 دولار إذا بقي المضيق مغلقًا. وهذه ليست أرقامًا نظرية، بل سيناريوهات مبنية على نماذج اقتصادية حقيقية.

لكن الحصار لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل يعني أيضًا انقطاع الإمدادات عن حلفاء واشنطن أنفسهم. اليابان وكوريا الجنوبية والهند وأوروبا — كل هؤلاء يعتمدون على نفط الخليج الذي يمرّ عبر هرمز. وإذا أغلقت واشنطن المضيق، فإنها لا تعاقب إيران، بل تعاقب حلفاءها. وهذا ما يفسّر لماذا لم تنفذ واشنطن حصارًا فعليًا حتى الآن، رغم كل التلويح والتهديد. تستطيع أن تعلن، أن تهدّد، أن تلوّح، أن تصدر بيانات، لكنها لا تستطيع أن تغلق المضيق, ولا أن تمنع الأسطول المظلم، ولا أن توقف الصين عن الشراء، ولا أن تمنع إيران من استخدام المضيق كأداة ضغط.

وفي المقابل، تظهر القيادة الإيرانية — كما تراها الأرقام لا الخطابات — بواقعية لافتة. إيران لا تغلق المضيق بالكامل، كي لا ترتفع الأسعار إلى مستويات كارثية تُغضب حلفاءها أنفسهم، وفي مقدمتهم الصين. ولا تفتحه بالكامل, كي لا تفقد ورقة الضغط. بل تسمح بمرور النفط الصديق، وتبطئ النفط المعادي، وتخلق إيقاعًا يجعل كل الأطراف مضطرة إلى التعامل معها، لا إلى تجاوزها. وقد أعلن المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي, في أبريل 2026 عن "فصل جديد" في إدارة المضيق، مؤكدًا أن إيران ستضع "قواعد قانونية وآليات إدارية جديدة" للخليج. وهذا يعني أن إيران لا تتعامل مع المضيق كأداة حرب، بل كأداة حكم. لا تريد أن تُغلق، بل تريد أن تُدير.

وهذا الفارق بين الإغلاق والإدارة هو الفارق بين الهلع والحكمة. من يُغلق يُخشى، ومن يُدير يُحترم. وإيران تعرف أن قوتها الحقيقية ليست في قدرتها على إغلاق المضيق، بل في قدرتها على جعله غير قابل للإغلاق الكامل من أي طرف آخر. فالناقلات التي تمرّ اليوم عبر هرمز ليست ناقلات "حرة", بل ناقلات تمرّ في إطار نظام تفرضه طهران ضمنا. ومن لا يلتزم بهذا النظام — كما حدث مع ناقلات خليجية ومنصات غاز قطرية — يجد نفسه مضطرًا إلى الالتفاف أو الانتظار أو الاختفاء.

وهكذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: "لماذا لا تحاصر واشنطن إيران؟" بل: "كيف استطاعت إيران أن تجعل الحصار مستحيلًا دون أن تطلق رصاصة واحدة؟" الجواب في الأرقام، وفي المضيق, وفي الأسطول المظلم، وفي السوق العالمي الذي يعرف الحقيقة حتى لو أنكرتها المنابر السياسية. وليس أمام روبيو وترامب والجزيرة والفاكس نيوز إلا الكذب ليل نهار، لأن الاعتراف بالحقيقة يعني الاعتراف بأن القوة التي كانوا يظنون أنها مطلقة، أصبحت الآن محدودة بمضيق لا يزيد عرضه على بضعة عشرات من الأميال، لكنه يفرض إيقاعه على العالم كله.

والدرس الأكبر من هذه الحرب ليس عسكريًا، بل معرفيًا: من يملك الجغرافيا يملك السياسة، ومن يُتقن إدارة الممرات يُتقن إدارة التوازنات. ومضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممرّ نفطي، بل هو مختبر للقوة في القرن الحادي والعشرين: مختبر يُثبت أن الحصار لم يعد سلاحًا فعّالًا في عالم متشابك، وأن الكذب لم يعد قادرًا على تغطية العجز. والحقيقة التي يعرفها كل من يراقب الشاشات والبحر معًا هي أن من يملك المضيق ليس من يُغلق، بل من يُدير.


المقال الرابع :

حين يلتقي العدم بالسلطة: ترامب، رأس المال المتطرف، ومصائر الأمم

تتشابك الخيوط الخفية للمال بالنزوات العلنية للسلطة، في مشهد سياسي امريكي عجيب ، يقف دونالد ترامب ليس كظاهرة فردية، بل كمرآة تعكس خللًا بنيويًا أعمق في جسد الديمقراطية الأميركية. إنه ليس مجرد رئيس سابق وايضا حالي، بل تجسيد لشخصية سياسية تتحرك في الفراغ الأخلاقي، وتتعامل مع القرارات المصيرية كأنها مقاطع صوتية عابرة، بينما تنسج خلفها شبكات رأس مال متطرف خيوطها بصمت ودهاء.


أولًا: الشخصية الإبستينية… حين يتحرك السياسي خارج الزمن

في الأدبيات الأكاديمية لعلم النفس السياسي، ثمة نمط من الشخصيات يقف على النقيض التام من القيادة العقلانية. إنها الشخصية التي تصفها الباحثة جيردا ليرنر بأنها "تفتقر إلى الوعي التاريخي، وتعجز عن إدراك عواقب أفعالها، وتتعامل مع السلطة كامتداد للغرائز لا كأمانة أمام التاريخ."

ترامب، في بنيته النفسية، يجسد هذا النمط بامتياز:

· لا يدرك وزن الكلمات، فيطلق التهديدات كما لو كانت مزاحًا في حانة، لا تصريحات تُحرك الأسواق وتُقلق الحلفاء وتُشعل الأعداء.
· لا يفهم قواعد الردع النووي، فيتعامل مع ترسانة تملك قدرة إبادة الحضارة كأنها ورقة تفاوض في صفقة عقارية.
· لا يستوعب تعقيدات القانون الدولي، فيرى في المعاهدات قيودًا يجب التخلص منها، لا ضمانات للحفاظ على الحد الأدنى من النظام العالمي.
· يرى العالم لعبة صفرية، حيث لا رابح إلا من يملك القوة، ولا خاسر إلا من يحترم القواعد.

هذه السمات ليست مجرد ملاحظات عابرة، بل تشكل — وفق تحليلات واسعة أجراها باحثون في جامعات هارفارد وييل — نمطًا خطيرًا حين يتقاطع مع سلطة تنفيذية غير مقيدة.


ثانيًا: مريام أديلسون… حين يصبح المال عقيدة

على الضفة الأخرى من المعادلة، تقف الصهيونية مريام أديلسون، أرملة الملياردير شيلدون أديلسون، كواحدة من أكثر الشخصيات نفوذًا في تشكيل السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. لكنها ليست مجرد ممولة سخية، بل مهندسة لمنظومة أيديولوجية متكاملة.

ما تفعله أديلسون يتجاوز التبرع السياسي التقليدي:

· تمويل الحملات الانتخابية بمئات الملايين، ليس لدعم مرشحين، بل لشراء ولاءات سياسية.
· توجيه جماعات الضغط نحو تبني مواقف صدامية، لا دبلوماسية.
· دعم منصات إعلامية تكرس خطابًا تعبويا يختزل العالم في ثنائية "نحن أو هم".
· تمويل مراكز أبحاث تنتج "معرفة" تخدم أجندة أيديولوجية محددة سلفًا.
· الدفع نحو سياسات خارجية لا تعترف بالدبلوماسية إلا كغطاء للقوة.

هذا النوع من رأس المال لا يبحث عن الاستقرار، بل عن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وفق رؤية ميسيانية لا ترى في القانون الدولي سوى عائق يجب تجاوزه، ولا في الشعوب سوى أدوات لتحقيق مشروع أكبر.


ثالثًا: الزواج المدنس… حين يلتقي الوعي الناقص بالقوة المطلقة

الخطر الأكبر لا يكمن في ترامب وحده، ولا في أديلسون وحدها، بل في التقائهما. حين تلتقي شخصية سياسية تتحرك بلا بوصلة أخلاقية مع رأس مال متطرف يملك بوصلة أيديولوجية صلبة، تنتج معادلة كارثية لا تُختزل في جدول ولا تُحصى في أرقام.

فالشخصية الاندفاعية تنتج قرارات غير محسوبة، ورأس المال المتطرف يفرض أجندة خفية، والإعلام التعبوي يضلل الجماهير، وغياب الضوابط الحزبية يخلق انعدامًا للمساءلة، والاستقطاب السياسي يؤدي إلى شلل مؤسسي. وهذه العناصر لا تعمل منفصلة، بل تتداخل ككيمياء سياسية مركبة، فيصبح القرار رهينة المال لا الدولة، وتصبح المؤسسات رهينة الولاء لا الدستور.

هذا المزيج ينتج:

· تهديدات غير عقلانية تضع العالم على حافة الهاوية.
· قرارات تخدم أجندات ضيقة على حساب الأمن القومي.
· صدامًا مع القانون الدولي يضع الولايات المتحدة في مواجهة حلفائها.
· تراجعًا في مكانة المؤسسات الأميركية ذاتها.

وقد دفع هذا الخطر بعض الإعلاميين الأميركيين، حتى من داخل التيار المحافظ، مثل تاكر كارلسون، إلى المطالبة بوقف هذا الانزلاق، وعزل الرئيس ترامب فورا ، ليس بدافع حزبي، بل بدافع الخوف من كارثة غير محسوبة.


رابعًا: المؤسسات الأميركية… بين النص الدستوري والواقع المأزوم

الدستور الأميركي، في نصه، يتيح أدوات لكبح جماح الرئيس:

· العزل عبر مجلس النواب.
· المحاكمة في مجلس الشيوخ.
· تفعيل التعديل الخامس والعشرين إذا عجز الرئيس عن أداء مهامه.

لكن السياسة الأميركية اليوم تعيش حالة استقطاب تجعل هذه الأدوات نظريًا ممكنة، وعمليًا شبه مستحيلة. فالحزب الجمهوري، الذي يعتمد على قاعدة انتخابية مؤيدة لترامب، لا يملك الإرادة السياسية لكبحه، حتى حين تتجاوز تصريحاته حدود المسؤولية، وحتى حين تتحول السياسة الخارجية إلى مسرح لنزوات شخصية.


حين يصبح القرار رهينة رأس المال لا الدولة

هذه المادة ليست هجومًا على شخص، بل تحليل لبنية خطيرة تتكرر في التاريخ: حين يصبح القرار السياسي في يد شخصية بلا مسؤولية، ويتحول العالم إلى مسرح تجارب لرأس مال متطرف، وتصبح الشعوب رهينة نزوات سياسية لا تعرف معنى المسؤولية.

ترامب ليس وحده في هذا المشهد؛ إنه جزء من منظومة أكبر، تقودها رؤوس أموال ذات نزعة قومية حادة، وتدفع نحو سياسات صدامية تتجاوز حدود العقل والدولة والقانون.

والسؤال الذي يفرض نفسه على وعي كل مراقب: إلى متى تظل الديمقراطية الأميركية رهينة هذا الزواج المدنس بين العدم والسلطة؟

…..


المقال الخامس :

الاقتصاد الإيراني والأمريكي بين الحقيقة والدعاية: قراءة في سرديات الانهيار المعلّبة

امتلأت الشاشات ، في الأسابيع الأخيرة، بتصريحات سياسية تتحدث عن "انهيار وشيك" في الاقتصاد الإيراني، تصريحات تتكرر بلهجة واحدة تقريبًا، سواء خرجت من فم ماركو روبيو أو من منصة إعلامية عربية تتبنّى الخطاب الأميركي كما لو كان قدرًا لا يُناقش.

لكن خلف هذا الضجيج، تقف حقيقة مختلفة تمامًا: اقتصاد يُحاصَر لكنه لا ينهار، وشعب يعيش تحت ضغط العقوبات لكنه لا يسقط، ودولة تدير منظومة دعم اجتماعي واسعة بينما يصرخ المواطن الأميركي من ارتفاع الأسعار.

هذه المفارقة ليست مجرد مقارنة بين بلدين، بل بين نموذجين اقتصاديين: نموذج يقوم على السوق الحرّ الذي يترك المواطن وحيدًا أمام الأسعار، ونموذج يقوم على دعم الدولة للأساسيات، بحيث لا يتحول الخبز والدواء والوقود إلى أدوات ابتزاز يومي.

أولًا: سردية الانهيار… صناعة سياسية لا علاقة لها بالأرقام

حين يقول ماركو روبيو إن "الاقتصاد الإيراني على حافة الانهيار"، فهو لا يستند إلى تقارير صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو وكالات الطاقة، بل إلى خطاب سياسي هدفه خلق صورة ضعف، وتبرير العقوبات، وإقناع الجمهور الأميركي بأن الضغط ينجح. في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، ادعى روبيو أن الاقتصاد الإيراني بلغ "مرحلة الانهيار والإفلاس"، مضيفًا: "أعتقد أنهم وصلوا إلى ذلك الآن، وهم يتجهون بسرعة نحو كارثة". وفي تصريحات لهيئة الإذاعة اليابانية NHK، حذّر من أن "اقتصادها سينهار" إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن.

لكن المؤسسات الدولية تقول شيئًا آخر. وفقًا لصندوق النقد الدولي، يُتوقع أن يحقق الاقتصاد الإيراني نموًا حقيقيًا بنسبة 0.6% في 2025، و1.1% في 2026، و2% في 2027. ويُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لإيران بنحو 300.29 مليار دولار في 2026، وفقًا لصندوق النقد الدولي. إيران تمتلك قاعدة صناعية واسعة، واكتفاءً ذاتيًا نسبيًا في الغذاء، حيث يشكّل القطاع غير النفطي نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، مع 50% للخدمات و30% للصناعة و10% للزراعة.

صادرات النفط، رغم القيود، شهدت تقلبات حادة لكنها لم تتوقف. في مارس 2026، سجّلت إيران 5.7 مليار دولار من إيرادات النفط، بارتفاع 37% مقارنة بالعام السابق. وحتى في ظل الحصار البحري، تجاوزت مبيعات النفط الإيراني في الأشهر الأربعة الأولى من العام 11 مليار دولار. نعم، تراجعت الصادرات في بعض الفترات إلى مستويات قياسية منخفضة، لكنها عادت وارتفعت في فترات أخرى، وهو ما يناقض فرضية "الانهيار الوشيك".

ثانيًا: المواطن الإيراني… حياة مدعومة في الأساسيات

في إيران، لا تُترك الحياة الأساسية للسوق الحرّ. البطاقة الذكية ليست مجرد بطاقة وقود، بل منظومة دعم كاملة. وفقًا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة، يوزّع برنامج الأغذية العالمي تحويلات نقدية تبلغ 5 ملايين ريال إيراني (5.4 دولار) للأسر التي يعيلها رجال، و6 ملايين ريال (6.5 دولار) للأسر التي تعيلها نساء. ووفقًا لدراسات مالية إيرانية، تُقدَّر اعتمادات الدعم في موازنة 1405 (2026-2027) بنحو 1,090 تريليون تومان، أي ما يعادل 18.5% من الموازنة العامة، بزيادة 18% عن العام السابق.

الوقود شبه مجاني: يبلغ سعر لتر البنزين 50 ألف ريال (نحو 4 سنتات) للمواطنين الذين يعبّئون الوقود دون بطاقة ذكية أو بعد استنفاد حصصهم المدعومة. الكهرباء والماء بأسعار رمزية، والنقل العام شبه مجاني، والعلاج شبه مجاني، والتعليم شبه مجاني. هذه المنظومة تجعل المواطن قادرًا على العيش حتى في ظل العقوبات، لأن الدولة تتحمل الجزء الأكبر من تكلفة الحياة. صحيح أن التضخم يلتهم جزءًا كبيرًا من هذه المكاسب، لكن نظام الدعم يمنع الانهيار الاجتماعي الذي تتنبأ به التصريحات السياسية.

ثالثًا: المواطن الأميركي… دخل أعلى، حياة أغلى

في الولايات المتحدة، الدخل الاسمي أعلى، لكن الحياة اليومية أغلى بكثير. متوسط قسط التأمين الصحي للفرد تجاوز 9,300 دولار سنويًا في 2025، بينما بلغ التأمين العائلي ما يقرب من 27,000 دولار سنويًا. ومن المتوقع أن ترتفع الأقساط بنسبة 26% في 2026. بعض الأميركيين شهدوا زيادة في أقساطهم الشهرية من 478 دولارًا إلى 1,262 دولارًا.

الإيجارات ارتفعت بنسبة تتجاوز 40% خلال خمس سنوات، وفواتير الكهرباء والماء باهظة، والتعليم الجامعي يكلف عشرات آلاف الدولارات. وفي مايو 2026، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك الأميركي إلى 4.2%، بينما أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير. الاقتصاد الأميركي نما بنسبة 2.1% في 2025، لكن inflationary pressures عادت للظهور. لذلك، رغم أن الأميركي يكسب أكثر، إلا أنه يدفع أكثر بكثير. الديون الطبية والطلابية تخنق الطبقة الوسطى، والدعم الحكومي للأساسيات غائب أو محدود.

رابعًا: لماذا تتجاهل بعض القنوات العربية هذه الحقائق؟

لأنها تتبنّى سردية سياسية جاهزة، لا سردية اقتصادية. الخطاب الإعلامي في بعض القنوات لا يناقش الأرقام، بل يعيد إنتاج الرواية الأميركية كما هي: "انهيار وشيك"، "اقتصاد يترنح"، "شعب على حافة الانفجار". لكن حين نعود إلى البيانات، نجد أن التضخم الأميركي أعلى من الإيراني في بعض الفترات، والمواطن الأميركي يصرخ من الأسعار، والمخزون النفطي الأميركي يتراجع.

المفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن بعض المنصات الإعلامية التي تتبنّى الخطاب الأميركي بخصوص "الانهيار الإيراني" هي نفسها التي تتجاهل الأزمة الاقتصادية الأميركية المتنامية. صحيح أن الاقتصاد الإيراني يعاني من تضخم مرتفع يصل إلى 42.4% سنويًا، لكن هذا لا يعني "انهيارًا"، بل يعني ضغطًا حقيقيًا يواجهه المواطن الإيراني. الفرق أن السردية الإعلامية لا تعكس الواقع الاقتصادي، بل تعكس التحالف السياسي.

خامسًا: الاقتصاد الورقي… حين يصبح الخطاب بديلاً عن الحقيقة

الولايات المتحدة تعتمد على السعر الورقي للنفط (العقود الآجلة)، بينما تعتمد إيران على السعر الحقيقي في البحار. في سبتمبر 2026، تجاوز خام برنت 107 دولارات للبرميل، مع استمرار اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز. وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، انخفض إجمالي مخزونات النفط والمنتجات البترولية في الولايات المتحدة إلى 1.57 مليار برميل، وهو أدنى مستوى منذ 2004.

وفي الوقت نفسه، بلغ المخزون الاستراتيجي من النفط 284.6 مليون برميل للأسبوع المنتهي في 18 سبتمبر 2026، وهو أدنى مستوى منذ 1982. ووفقًا لتقارير صحيفة فايننشال تايمز، حذّر محللون من أن الأسعار قد تصل إلى 200 دولار للبرميل إذا لم يُعاد فتح مضيق هرمز.

هذه الأرقام لا تُناقش في السردية السياسية. بدلاً من ذلك، نسمع تصريحات عن "60 مليون برميل عبرت هرمز خلال 72 ساعة"، بينما وكالات الطاقة تقول إن المتوسط الحقيقي أقل بكثير، وأيام كاملة تمر دون عبور ناقلة واحدة. السوق ينتظر القرار الإيراني، لا التصريحات الأميركية.

سادسًا: الحقيقة التي لا تُقال في الإعلام

الحقيقة ليست أن إيران تنهار، ولا أن الولايات المتحدة تنتصر في حرب اقتصادية. الحقيقة أن إيران تعيش تحت ضغط كبير، لكنها لم تنهَر. صحيح أن الحرب والعقوبات ألحقت أضرارًا جسيمة: انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10.1% في الربع الأول من العام الفارسي 1405 (مارس-يونيو 2026)، وانكمش قطاع النفط والغاز بنسبة 26.4%. لكن هذا الانكماش ليس "انهيارًا"، بل هو نتيجة حرب وحصار، وليس نتيجة فشل بنيوي في الاقتصاد الإيراني.

في المقابل، الولايات المتحدة تواجه تضخمًا يضغط على الطبقة الوسطى، ومخزونًا استراتيجيًا عند أدنى مستوياته منذ أربعة عقود، وأسعار نفط تتجاوز 100 دولار للبرميل. المواطن الإيراني يحصل على دعم واسع، بينما الأميركي يدفع ثمن كل شيء. السرديات الإعلامية لا تعكس الواقع، بل تعكس التحالفات السياسية.

خاتمة: بين الحقيقة والدعاية

في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام، يصبح من الضروري أن نعيد بناء الصورة بعيدًا عن الضجيج. ليس المطلوب الدفاع عن دولة أو مهاجمة أخرى، بل استعادة الحق في رؤية الواقع كما هو، لا كما يُراد لنا أن نراه.

سردية "الانهيار الإيراني" ليست تحليلًا اقتصاديًا، بل أداة سياسية. وسردية "الاقتصاد الأميركي القوي" ليست حقيقة مطلقة، بل خطاب يحتاج إلى تدقيق. بين هاتين السرديتين، يقف المواطن — الإيراني والأميركي — أمام سؤال واحد: من يملك الحقيقة؟ ومن يملك القدرة على قولها؟


ملحق: لو دفع الإيراني فاتورة "البطاقة الذكية" بالأسعار الأميركية

لو حاول مواطن أميركي شراء ما تقدمه البطاقة الذكية الإيرانية لأسرة من أربعة أفراد، لكانت الفاتورة الشهرية كالتالي: الوقود: 190 لترًا بسعر 4.4 دولار للغالون تعني نحو 220 دولارًا شهريًا. الكهرباء: 880 كيلوواط/ساعة بسعر 17.45 سنتًا للكيلوواط تعني 153 دولارًا شهريًا. الماء: قبض متوسط 100 دولار شهريًا. النقل العام: تذكرة شهرية بنحو 65 دولارًا للفرد. التأمين الصحي: 752 دولارًا شهريًا للفرد قبل الدعم، أي ما يتجاوز 3000 دولار لأسرة من أربعة أفراد. الخبز: 2.81 دولار للرغيف، أي نحو 84 دولارًا شهريًا لاستهلاك أسرة عادية. المجموع التقديري: أكثر من 3600 دولار شهريًا — أي ما يقارب 43 ألف دولار سنويًا — يدفعها المواطن الأميركي مقابل ما يحصل عليه الإيراني بجزء ضئيل من هذا المبلغ، إن لم يكن مجانًا في بعض بنوده. الفارق ليس في القدرة الشرائية، بل في من يتحمل الفاتورة: الدولة في إيران، والمواطن في أميركا.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الروايةُ كمرآةٍ مكسورة: قراءةٌ في روايتي «دارِ الأبديّة» وسي ...
- الموت على الهواء مباشرةً.. مسرحية ساخرة في فصلين وخاتمة
- دموعٌ على محرّرٍ لم يأتِ.. قصة درامية ساخرة
- من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن مار ...
- ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
- مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
- النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم ...
- الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد ...
- صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا ...
- صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس ...
- بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
- سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
- نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
- الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
- حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول ...
- حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد ...
- مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف ...
- حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: ...
- شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل ...
- كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي ...


المزيد.....




- المراقب الجوي.. صوت خفي يقود الطائرة من الإقلاع حتى الهبوط
- شاهد.. نجم سابق في برنامج -أمريكان آيدول- ينهار بعد إدانته ب ...
- مصدر لـCNN: نتنياهو أطلع رئيس الإمارات على معلومات بشأن برنا ...
- لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد.. أبرز ردود الفعل في الإما ...
- لحظة بلحظة.. الاشتباه بتعرض طائرة متجهة من الإمارات إلى إسرا ...
- طهران تتلقى الرد الأميركي.. قطر تطرح مقترحًا جديدًا ومفاوضات ...
- -الرحلة الأكثر قذارة-.. طاقم طائرة أمريكية يوثق ما خلفه المس ...
- إصابة 3 جنود لبنانيين في غارة إسرائيلية استهدفت الجنوب
- البنتاغون يختار -بوينغ- لتطوير جيل جديد من المقاتلات
- طائرة متجهة من الإمارات إلى إسرائيل تفعل نداء الاستغاثة ومخا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كتيب : عن الاقتصاد الإيراني وسرديات غوبلز الابستيني..خمس مقالات