أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن ماركس وكتب البيان الشيوعي















المزيد.....

من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن ماركس وكتب البيان الشيوعي


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 02:15
المحور: الادب والفن
    


من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى لييج: سيرةُ كاتبٍ في مدنٍ مشى فيها التاريخ


I. الكهف: حين يبدأ المنفى من تحت الأرض

وصلتُ إلى بروكسل، وكان أوّلُ بيتٍ لي فيها كهفًا.

لا أقولها مجازًا. كهفٌ في شارع الكاردينال، في بلديّة بروكسل، غرفةٌ تحت مستوى الشارع، يدخلها الضوء متسلّلًا من نافذةٍ صغيرة تُطلّ على أرجل المارّة، فترى العالم من الأسفل: أحذية، وعجلات، وظلال تمرّ ولا تتوقّف. كنتُ أسمع خطوات الناس فوق رأسي، وأنا أكتب، فلا أعرف إن كنتُ أكتب في المدينة أم تحت المدينة.

لم يكن ذلك الكهف مسكنًا فحسب. كان درسًا أوّلًا في معنى المنفى: أن يبدأ الإنسان حياته في مدينةٍ عظيمة من تحت الأرض، لا من فوقها. وأن يتعلّم، قبل كلّ شيء، أن ينظر إلى العالم من زاوية منخفضة، كما ينظر إليه الذين لا يملكون شيئًا. وهناك، في ذلك الكهف الممتدّ على سنتين، تعلّمتُ أن الحجر إذا لامس الكتف طويلًا فإنه يصبح لغة. وأنّ الكتابة ليست فعلًا يحدث في غرفة مشمسة، بل يمكن أن تحدث في مكانٍ لا يعرف الشمس إلا من بعيد.

في شارع الكاردينال، كانت الساحة الكبرى على بعد خطوات، وكانت المقاهي التي عبرها ماركس وإنجلز في القرن التاسع عشر تفتح أبوابها كلّ صباح، كما لو أنّ أحدًا لن يعرف أبدًا كم من الأفكار مرّ من هذه الطاولات. وأنا، القادم من كهفٍ لا يظهر في أيّ دليل سياحي، كنتُ أكتب فيها أولى نصوصي التي تجرّأتُ على تسميتها أدبًا. كنتُ أكتب وأنا أعرف أنّني أسكن في الهامش، لكنّني كنتُ أرى المركز من تحت، وربّما كان ذلك أفضل. من تحت الأرض، يرى المرء الجذور لا الفروع.

وسنوات شارع الكاردينال هي التي علّمتني أنّ بروكسل ليست مدينةً واحدة، بل طبقات. وأنّ الطبقة الأولى منها، كما يقول المنطق الحجري، هي الصمت.




II. سان جوس… وشارع كوميون 31: على بعد أمتار من التاريخ

ثم انتقلتُ إلى سان جوس–تين–نود، وسكنتُ سنواتٍ في غرفتي في شارع كوميون رقم 31.

لم أكن أعرف، يوم حملتُ حقيبتي إلى تلك الغرفة، أنّني أُقيم على بعد أمتار من البيت الذي سكن فيه رجلٌ سيغيّر وجه الكوكب. لم أكن أعرف أنّ شارعًا يحمل اسمًا بسيطًا كهذا — شارع الكومونة — يخفي وراءه قرنًا ونصفًا من التاريخ المكتوب والممحوّ والمكتوب من جديد. كنتُ أقطع المسافة بين غرفتي والمترو كلّ صباح، خطوةً خطوة، على الرصيف نفسه الذي وطأته أقدام ماركس وابنتِه لورا، دون أن يدقّ في رأسي أنّني أمشي على زمنٍ لا على حجر.

الكتابة في مكانٍ ما ليست فعلًا جغرافيًا، إنها فعلٌ زمني. أنت لا تكتب في بروكسل، بل تكتب عبر قرنٍ ونصف من الأصوات التي مرّت من هنا. وكلّ جملة كتبتُها في تلك الغرفة كانت، بطريقةٍ ما، قد كُتبت من قبل، ثم مُحيت، ثم عادت لتُكتب على لساني.

كنتُ أكتب قصائدي الأولى وأدوّن تأملاتي على دفاتر صغيرة، بينما الريح القادمة من مادو تحمل صدى مدينةٍ تتبدّل: من حيّ عمّالي فقير، إلى عاصمةٍ سياسية لأوروبا. كنتُ أمشي، وكان ماركس يمشي في دمي دون أن يعرف أحد، ودون أن أعرف أنا نفسي.




III. لورا: الطفلة التي وُلدت في الغرفة المجاورة لذاكرتي

على بعد دقائق من بيتي، في Rue de l Alliance 5، وُلدت لورا ماركس سنة 1845. لم تُولد في مستشفى بعيد، بل في غرفةٍ صغيرة داخل شقةٍ متواضعة، في حيٍّ يشبه الأحياء التي تُولد فيها الأفكار قبل أن تُولد فيها الأطفال.

لورا، التي ستصبح لاحقًا واحدة من أشرس المناضلات الاشتراكيات في أوروبا، خرجت إلى العالم من المكان نفسه الذي كنتُ أمرّ به كلّ صباح في طريقي نحو مادو. لم تكن لورا مجرّد ابنةٍ لأبيها. كانت، في سنواتها الأخيرة، المرأة التي ترجمت أعماله إلى الفرنسية، والتي حملت اسمه إلى مؤتمرات الأممية الثانية، والتي أنهت حياتها مأساويًا في ظلّ ظروفٍ قاسية، بعد أن وهبت عمرها لقضيةٍ لم ترَ انتصارها كاملًا.

في تلك الغرفة الصغيرة لم تُولد لورا وحدها. وُلدت فكرة أنّ التاريخ ليس حكرًا على الرجال الذين يكتبون في المقاهي، بل أيضًا على النساء اللواتي يلدن في الغرف المجاورة، ثم يخرجن ليكملن ما بدأه الآباء. وأنا، الساكنُ الجديد في تلك الأزقّة، كنتُ أستعير من لورا شيئًا لا أعرف اسمه: الإصرار على الكتابة في مكانٍ لم يُكتب فيه لأمثالي.




IV. مادو: من محطةٍ متواضعة إلى برجٍ يطلّ على أوروبا

كنتُ أعبر نحو Métro Madou، قبل أن يتحوّل إلى برج مادو، مقرّ من مقارّ الاتحاد الأوروبي. لم يكن الأمر مجرّد طريقٍ إلى المترو؛ كان انتقالًا يوميًا بين زمنين.

زمن ماركس، الذي كان يكتب على طاولةٍ خشبية في إيكسل، وزمن البيروقراطية الأوروبية التي تكتب سياساتها في برجٍ زجاجي شاهق. ذلك التناقض كان يربّي في داخلي حسًّا أدبيًا خاصًا: أن تكون قريبًا من المكان الذي وُلدت فيه لورا، وأن تعيش في المدينة التي كتب فيها ماركس البيان الشيوعي، وأن تتردّد على المقاهي التي كان يجلس فيها مع إنجلز، بينما أنت تكتب قصائدك الأولى… هذا ليس مجرّد سكن، بل تجاورٌ مع التاريخ.

في الصباح كنتُ أرى موظّفي الاتحاد الأوروبي يهرولون نحو مكاتبهم بحقائب أنيقة، وفي المساء كنتُ أرى أبناء المهاجرين يلعبون كرة القدم في الساحات الصغيرة نفسها التي كانت تشهد، قبل قرن ونصف، نقاشاتٍ عن الطبقة والعمل والتحرّر. المدينة لا تنسى، لكنها تتظاهر بالنسيان. وأنا كنتُ أكتب لأمنعها من النسيان.




V. مقاهي ماركس… ومقاهي كتاباتي الأولى

في مقاهي بروكسل القديمة، تلك التي كان ماركس وإنجلز يتناقشان فيها، كنتُ أجلس أنا أيضًا، بعد أكثر من قرن، أكتب نصوصي الأولى. لم أكن أبحث عن أثرهما، لكنّ أثرهما كان يبحث عنّي.

في Le Cygne في الساحة الكبرى، وفي المقاهي الصغيرة بين سان جوس وإيكسل، وفي تلك التي كانت تفصل شارع الكاردينال عن أزقّة المدينة العتيقة، كنتُ أرى ما كان يراه ماركس: وجوه العمّال، ضجيج المدينة، رائحة القهوة التي تختلط بأحاديث السياسة، ودفاتر صغيرة تُكتب فيها أفكارٌ قد تغيّر العالم… أو تغيّر صاحبها فقط.

كان ماركس يكتب بحبرٍ أسود، وأنا أكتب بحبرٍ أزرق، لكنّ الورق كان واحدًا: ورق بروكسل، ورق المدينة التي تتقن فنّ الاحتفاظ بالأسرار. ولم تكن تلك المقاهي مجرّد أماكن للكتابة، بل مختبراتٍ للفكر. هنا، حيث كان ماركس يصوغ مفاهيمه عن الطبقة والصراع والتحرّر، كنتُ أصوغ مفاهيمي عن المنفى والانتماء والهوية. بين الفنجان الأول والفنجان الثالث، تتشكّل الأفكار كما تتشكّل الحجارة في مجرى النهر: ببطء، وبإصرار، وبلا رجعة.




VI. سان جيل… وشارع دو بارم 51: السنوات الثلاث الأخيرة

ثم جاءت السنوات الثلاث الأخيرة في بروكسل. انتقلتُ إلى سان جيل، وسكنتُ في شارع دو بارم 51، في بلديّةٍ ليست مجرّد مكانٍ على الخريطة، بل حالة اجتماعية كاملة.

سان جيل بلديّة العمّال، وبلديّة المهاجرين — الإسبان ثمّ المغاربة ثمّ من جاء بعدهم — وبلديّة المساكن الشعبية التي تحمل على واجهاتها آثار سنواتٍ من العيش المشترك، وبلديّة الساحة البلديّة التي بُنيت لتقول للعمّال: لكم أيضًا حقٌّ في الجمال. هنا تعلّمتُ أنّ الطبقة ليست مفهومًا، بل نبرة صوت: نبرة النادل الذي يعرف كم يترك الزبون، ونبرة الجارة التي تسأل عن ابنك لأنها تعرف أنه كان مريضًا، ونبرة الشابّ الذي يقف عند زاوية الشارع ينتظر عملًا لا يأتي.

في تلك السنوات الثلاث، عرفتُ ما لم أعرفه في شارع الكاردينال: أنّ الفكر الاشتراكي، الذي كتب ماركس بذوره في هذه المدينة، لم يكن فكرةً في كتاب، بل ممارسة يومية في أحياء مثل سان جيل: في تعاون الجيران، وفي الدفاع الجماعي عن سكنٍ رخيص، وفي الغضب الجماعي حين يُظلم أحد. اشتراكية بلا بيان، بلا منظّرين، بلا رموز. اشتراكية تعيش، لا تُكتب.

وفي شارع دو بارم 51، كتبتُ نصوصًا لم أكن أستطيع كتابتها في الكهف. نصوصٌ تعرف أنّ المدينة ليست مكانًا واحدًا، بل ثلاثة: كهفٌ في الأسفل، وبيتٌ في الوسط، وبلديّةٌ عمّالية في الضفّة الأخرى من الزمن. وهكذا صارت بروكسل عندي ثلاثًا: الكاردينال حيث تعلّمتُ الصمت، وسان جوس حيث تعلّمتُ التاريخ، وسان جيل حيث تعلّمتُ الطبقة.




VII. ثلاثة عشر عامًا في مدينة البيان الشيوعي

ثلاثة عشر عامًا عشتها في بروكسل، المدينة التي كتب فيها ماركس البيان الشيوعي. ثلاثة عشر عامًا كنتُ أرى فيها التاريخ يمشي بجانبي دون أن يتكلّم، لكنّني كنتُ أسمعه.

كنتُ أسمعه في:

· كهف شارع الكاردينال، حيث تعلّمتُ أنّ الكتابة يمكن أن تُولد من تحت الأرض.
· غرفة شارع كوميون 31، على بعد أمتار من بيتٍ سكن فيه رجلٌ غيّر وجه الكوكب.
· أبواب Rue de l Alliance، التي فُتحت لاستقبال طفلةٍ ستصبح صوتًا من أصوات أوروبا الحمراء.
· أزقّة سان جيل وشارع دو بارم، حيث كانت الطبقة نبرة صوتٍ قبل أن تكون مفهومًا.
· مقاهي Grand-Place، حيث كان الفكر يُطبخ على نارٍ هادئة قبل أن يخرج إلى الشوارع.
· صعودي اليومي نحو مادو، حيث يلتقي الزمن القديم بالزمن الجديد في محطة مترو واحدة.
· وفي صمت الليل، حين أكتب قصائدي الأولى، وأشعر أنّ ماركس يكتب معي، أو أنّني أكتب معه، دون أن نتبادل كلمة.

كنتُ أكتب لأنّ ماركس كتب هنا. وكنتُ أفكّر لأنّ إنجلز فكّر هنا. وكنتُ أعيش لأنّ لورا وُلدت هنا، في الحي نفسه الذي عشت فيه أطول سنواتي.

في بروكسل، لا يمكنك أن تكون كاتبًا محايدًا. المدينة تفرض عليك موقفًا: إمّا أن تكون مع التاريخ، أو ضدّه، أو خارجه تمامًا. وأنا اخترتُ أن أكون مع التاريخ، لكن من دون أن أرفع راية، بل من خلال الكتابة نفسها، من خلال الكلمة التي تُقال بهدوء، كما تُقال الأشياء الحقيقية.



VIII. لييج: المنفى الذي صار وطنًا

ثم جاء 2007، وانتقلتُ إلى لييج. ولم يكن الانتقال مجرّد تغيير عنوان.

لييج ليست مدينةً عابرة. لييج مدينة الفولاذ والفحم، مدينة العمال الذين صنعوا ثروة بلجيكا ثم دفعوا الثمن، مدينة الإضراب الكبير، ومدينة "المدينة المتّقدة" كما يسمّونها، لأنّ نار أفرانها لم تنطفئ قرنًا كاملًا. لييج مدينة حمراء بامتياز، مدينة الحركة العمالية الوالونية، مدينة الطبقة التي تصرخ ولا تصمت. لييج مدينة حمراء بامتياز، مدينة الحركة العمالية الوالونية، مدينة الطبقة التي تصرخ ولا تصمت.

وصلتُ إليها بعد ثلاثة عشر عامًا في بروكسل، حيث كنتُ أسكن على بعد أمتار من بيت ماركس، حيث وُلدت لورا، وحيث كتب الفكرُ الاشتراكي أولى سطوره. ووجدتُ نفسي في لييج أمام الحقيقة نفسها، لكن بصيغةٍ أخرى: هنا لا يكتب الناس الاشتراكية في الكتب، بل يسكنونها في المصانع وفي البيوت وفي الإضرابات وفي التعاضديات.

لييج علّمتني أنّه لا يمكن للمرء أن يعيش طوال عمره في هامش تاريخٍ كتبه غيره. في بروكسل كنتُ جارًا لماركس. في لييج صرتُ جارًا للعمّال الذين كان ماركس يكتب من أجلهم. وهذا فرقٌ جوهريّ: أن تنتقل من بيت الذاكرة إلى بيت المعنى.

منذ 2007 حتى اليوم، ولييج هي بيتي. ومنها أنظر إلى بروكسل، وأراها كأنّها بعيدة وقريبة في الوقت نفسه. أرى الكهف في شارع الكاردينال، وأرى غرفتي في شارع كوميون 31، وأرى شقّتي في شارع دو بارم 51. وأراهم جميعًا وكأنّهم غرفٌ في بيت واحد اسمه المنفى. لكنّني أعرف الآن أنّ المنفى، إذا طال، يصبح وطنًا ثانيًا. وأنّ الكاتب لا يسكن مكانًا واحدًا، بل يسكن كلّ مكانٍ كتب فيه.



IX. المدينة التي تتغيّر: من الفقر إلى البيروقراطية

لم تكن بروكسل التي عشت فيها هي بروكسل التي عاش فيها ماركس. المدينة تغيّرت، كما يتغيّر كلّ شيء تحت الشمس، لكن ليس بالطريقة التي كان يتمنّاها. الحي الذي كان فقيرًا، عمّاليًا، مليئًا بالغرباء والمنفيين، أصبح حيًّا يحمل في جيوبه مقرّات الاتحاد الأوروبي. البنايات القديمة هُدمت أو رُمّمت، والمقاهي الصغيرة تحوّلت إلى مطاعم سياحية، والعمّال الذين كانوا يسكنون هنا انتقلوا إلى الضواحي، بينما جاء البيروقراطيون ليسكنوا المكاتب الزجاجية.

رأيتُ هذا التحوّل بعينيّ، في ثلاث بلديّات، على مدى ثلاثة عشر عامًا. رأيتُ كيف تُرفع الإيجارات في سان جيل فيُطرد من كان يسكنها. رأيتُ كيف تُرمَّم واجهات شارع الكاردينال لتصبح متحفًا للسيّاح. ورأيتُ كيف تتحوّل سان جوس من حيّ للعمّال والمنفيين إلى عنوانٍ عقاري مرغوب، لأنّ الاتحاد الأوروبي قرّر أن يبني برجه هناك. ورأيتُ في لييج كيف يتحوّل الفولاذ إلى متاحف، وكيف تتحوّل المصانع إلى ذاكرة، وكيف يتعلّم العمّال أن يكتبوا إضراباتهم في الكتب لأنّهم لم يعودوا قادرين على كتابتها في الشوارع.

هذا التحوّل ليس فريدًا. إنّه التحوّل نفسه الذي حدث في كلّ مدينة كبرى في أوروبا: المدينة التي كانت تُنتج الأفكار أصبحت تُنتج السياسات. المدينة التي كانت تُصدّر الثورات أصبحت تُصدّر اللوائح. المدينة التي كانت مهدًا للفكر الاشتراكي أصبحت معقلًا للرأسمالية البيروقراطية.

لكنّ التاريخ لا يموت. إنّه ينام فقط. وفي زوايا سان جوس، وفي شرفات إيكسل، وفي أزقّة سان جيل، وفي كهوف شارع الكاردينال، وفي أحياء لييج، ما زال هناك من يكتب، ومن يفكّر، ومن يحلم. وما زالت لورا تُولد كلّ يوم في غرفةٍ صغيرة، في حيٍّ فقير، لتعطي للعالم ما لم يعطه أحد من قبل: صوتًا آخر، صوتًا لا يُشترى ولا يُباع.



X. الكتابة في المكان: امتدادٌ لسلسلةٍ طويلة من الأصوات

هذه المنطقة ليست مجرّد جغرافيا؛ إنّها تاريخٌ يمشي على قدميك. وحين يكتب المرء في المكان الذي كتب فيه ماركس، وحين يعيش في الحي الذي وُلدت فيه لورا، وحين يتردّد على المقاهي التي شهدت أولى شرارات الفكر الاشتراكي، فإنّ الكتابة لا تعود مجرّد فعلٍ فردي… بل تصبح امتدادًا لسلسلةٍ طويلة من الأصوات التي حاولت أن تغيّر العالم.

وأنا واحدٌ من هؤلاء الذين مرّوا في المكان، وتركوا فيه كلماتهم، كما ترك ماركس كلماته قبل قرن ونصف. لم أكن ماركس، ولن أكون. لكنّني كنتُ هناك، في الزمان والمكان نفسه، أكتب ما أستطيع، وأقول ما أعتقد، وأحلم بما كان يحلم به أولئك الذين سبقوني. مررتُ بكهفٍ في شارع الكاردينال، وبغرفةٍ في شارع كوميون 31، وببيتٍ في شارع دو بارم 51، ثم انتهيتُ في لييج. ولم تكن كلّ هذه الأماكن أماكن ماركس، لكنّني حملتُ في كلٍّ منها شيئًا من روحه، وشيئًا من روحي، حتى صار المكان مرآةً مزدوجة: يرى فيها التاريخ وجهي، وأرى فيها وجهه.

في بروكسل ولييج، تعلّمتُ أنّ الكتابة ليست اختيارًا، بل قدرًا. أنت تكتب لأنّ هناك من كتب قبلك، ولأنّ هناك من سيكتب بعدك. أنت تكتب لأنّ المدينة نفسها كتبتك: سطرًا بسطر، حجرًا بحجر، كهفًا بكهف، مقهاه بمقهى، قصيدة بقصيدة.

وهذا ما أردتُ أن أقوله: أنا لم أختر بروكسل، وبروكسل هي التي اختارتني، كما اختارت ماركس، وكما اختارت لورا، وكما اختارت غيري غدًا. ثم اختارتني لييج، أو اختارني التاريخ فيها، لأنّني كنتُ أحتاج أن أنتقل من بيت الذاكرة إلى بيت المعنى. وفي النهاية، لا يهمّ من كتب أولًا، ولا من كتب أكثر. المهمّ أنّ أحدًا ما كتب، وأنّ أحدًا ما سيقرأ، وأنّ الكلمة، مهما كانت صغيرة، ستبقى أكبر من كلّ الجدران التي حاولت أن تحبسها.




في حضرة ماركس، حيث ينتهي الكلام ويبدأ الأثر

في إحدى أمسيات نوفمبر، كنتُ أسير في Rue de l Alliance، بعد أن أنهيتُ كتابة نصٍّ طويل. كان المطر خفيفًا، والليل هادئًا، والشوارع شبه فارغة. توقّفتُ أمام الرقم 5، حيث وُلدت لورا، ونظرتُ إلى النافذة الصغيرة في الطابق الثاني. لم يكن هناك أحد. لم يكن هناك شيء. فقط الحجر، والصمت، والزمن.

لكنّني شعرتُ، للحظة، أنّ ماركس يقف بجانبي. لم يكن شبحًا، ولا خيالًا، بل كان حضورًا. الحضور الذي يشعر به كلّ كاتبٍ يعرف أنّه لا يكتب وحده، ولا يكتب لنفسه، بل يكتب لكلّ أولئك الذين سبقوه، وكلّ أولئك الذين سيأتون من بعده.

في تلك الليلة، فهمتُ شيئًا لم أفهمه من قبل: أنّ الكتابة ليست بحثًا عن الخلود، بل بحثًا عن الانتماء. أنت تكتب لأنّك تريد أن تنتمي إلى سلسلةٍ طويلة من الأصوات التي حاولت أن تجعل العالم أكثر عدلًا، وأكثر جمالًا، وأكثر إنسانية. وأنت تعرف أنّك لن ترى النتيجة، لكنّك تكتب، لأنّ الكتابة نفسها هي النتيجة.

في بروكسل، حيث مشى ماركس قبل قرن ونصف، وحيث وُلدت لورا، وحيث ما زالت المقاهي تفتح أبوابها كلّ صباح، تعلمتُ أنّ التاريخ ليس ماضيًا، بل حاضرًا يتنكّر في ثوب الماضي. وأنّ المكان ليس جغرافيًا، بل زمنيًا. وأنّ الكتابة ليست فعلًا فرديًا، بل فعلًا جماعيًا، تمتدّ فيه يدك لتلامس يد ماركس، ويد لورا، ويد كلّ من كتب، وكلّ من سيكتب، في هذه المدينة التي لا تنسى، والتي لا تموت، والتي لا تتوقّف عن الإنجاب: الأفكار، والقصائد، والأطفال، والثورات.

وقد مررتُ، في هذه البلاد، بثلاث بلديّات في بروكسل ثم بمدينةٍ رابعة: في شارع الكاردينال تركتُ صمتي الأوّل، وفي شارع كوميون 31 تركتُ دهشتي أمام التاريخ، وفي شارع دو بارم 51 تركتُ معرفتي بالطبقة، وفي لييج تركتُ اسمي كي يكبر مع أسماء العمّال الذين صنعوا هذه البلاد ثم دفعوا الثمن. وحيث يكتب ماركس، وحيث وُلدت لورا، وحيث يبدأ التاريخ من جديد كلّ صباح — هناك، في تلك الأزقّة، وفي كهفي القديم، وفي غرفتي في سان جوس، وفي بيتي في سان جيل، وفي لييج الآن، ما زلتُ أكتب.

…….

أحمد صالح سلوم، شاعر ومفكّر. عاش في بلجيكا منذ منتصف التسعينيات: بدأ في كهفٍ بشارع الكاردينال في بلديّة بروكسل، ثم انتقل إلى سان جوس–تين–نود وسكن سنواتٍ في شارع كوميون 31 على بعد أمتار من بيت ماركس، ثم قضى سنواته الثلاث الأخيرة في العاصمة في شارع دو بارم 51 ببلديّة سان جيل الملاصقة لبلدية اكسل ، التي كتب فيها ماركس ، البيان الشيوعي . وفي 2007 انتقل إلى لييج، حيث يقيم حتى اليوم.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
- مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
- النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم ...
- الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد ...
- صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا ...
- صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس ...
- بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
- سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
- نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
- الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
- حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول ...
- حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد ...
- مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف ...
- حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: ...
- شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل ...
- كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي ...
- “الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت ...
- مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
- باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات ...
- اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول ...


المزيد.....




- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...
- معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا ...
- الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا ...
- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن ماركس وكتب البيان الشيوعي