|
|
الموت على الهواء مباشرةً.. مسرحية ساخرة في فصلين وخاتمة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 23:34
المحور:
الادب والفن
الشخصيات
· الحكواتي — راوي يخرج من صندوق خشبي، يمسك بيدٍ عصا، وبيدٍ أخرى جهاز تحكم. لا يموت، لأن الراوي لا يموت في المسرحية، بل يموت المؤلف. · صابر عبد الفتاح النَّدَّاهة — موظف أرشيف في "وزارة ما"، سبعة وأربعون عاماً، يخاف من الظل، ومن الظلّ الذي للظل. · أم نُصرة — زوجته، بائعة كعك على عربة. لسانها أمضى من أي فتوى، وقلبها أوسع من أي مذهب. · الشيخ بَرَكَة الله حَجّاج مبروك — الدجّال الكبير، صاحب "مكتب الاستخارة والمواعيد". عميل سابق في أكثر من جهاز، ورجل أعمال روحاني حالياً. لا يقرأ، لكنه يفتي. · فِرفِر عبد الحقّ — مُذيع نشيط، يقدّم برنامج "الموت على الهواء" على قناة "الغيب". يبتسم بأسنانه كلها، حتى في الجنازات. · جعجع الجعجعي — زعيم "الكتائب الجعجعية". غيّر ولاءه ثلاث مرات في هذا المشهد وحده، وواحدة منها وهو يقبض الراتب. · الشيخ عبد الوهّاب بن صَخْر — شيخ سلَفي، راتبه بالدولار، وفتواه بالريال، ووجدانه في سويسرا. · الأستاذ مُرشِد العام — مفكّر إخوانجي. يشرح "المشروع الحضاري" في المساء، ويدفع ثمنه الناس في الصباح. · القسّ هَرْمَجِدُّون — داعية مسيحي صهيوني. يبشّر بعودة المسيح، بشرط تأمين الحماية للمستوطنات. · الحاخام شلومو الوَعْد — حاخام صهيوني، يعتبر التاريخ كتالوجاً للعقارات، والأنبياء وكلاء بيع. · الموت (سيد الملفات) — موظف حكومي بملفٍّ أزرق. متعب، ويعاني من ضغط العمل، ويشتكي من قلّة الموارد البشرية. · الضمير — حمارٌ ناطق. موظف سابق، ثم مؤسسة، ثم أرشيف. · الرجل ذو الحقيبة — مستشار السفارة. يتكلم نصف كلمة عربي ونصف كلمة إنجليزي، ويوقّع بالنيابة عن الجميع. · السفير — لا يظهر في المسرحية أبداً. كرسيه حاضر على المسرح دائماً، فارغاً، وله لافتة ذهبية. · الجمهور — يُستدعى للتصويت في الفصل الثاني. لا يعرف أنه أيضاً شخصية.
ملاحظة للمخرج
تُقام المسرحية على مسرح خالٍ. لا ديكور، إلا ما يخترعه الممثلون أمام الجمهور. في أقصى يمين المسرح: كرسي فارغ عليه لافتة "السفير"، تُضاء عليه بقعة ضوء لا تنطفئ طوال العرض. وفي أقصى اليسار: ساعة جدارية كبيرة، عقاربها لا تتحرك، وقد كُتب على وجهها: "الآن دائماً".
تُقدَّم الأغاني بلحن شعبي مألوف، ويُفسد الممثلون اللحن عن قصد في كل مرة، لأن الكوميديا ليست في الكلمة، بل في الفجوة بين الكلمة واللحن.
الفصل الأول: سوق الغيب
المشهد الأول: الشارع
(يُضاء المسرح. شارع مصري. لا شيء يشبه الشارع، فقط جدار إسمنتي وحنفية تنقط. يدخل صابر حاملاً كيس خضار، ويبدو مرتبكاً من الإيقاع الذي يمشي به، كما لو أنه ليس متأكداً من أنه هو الماشي، أم أن الشارع يمشي به.)
(يظهر ثلاثة أشخاص بمعاطف سوداء، يحملون كاميرا مخفية، ويبتسمون ابتسامة من يظن أنه يخفي نفسه.)
الحكواتي (يخرج من الصندوق، يرتّب عمامته الوهمية): اسمعوا يا ناس. في مدينة لا تُذكر في الأخبار، ولا في بيان رسمي، ولا في دليل سياحي. اسمها الرسمي: مدينة الغيب. عاصمتها القاهرة، محافظتها دمشق، بلديّتها بيروت، ميناؤها عمّان، ومطارها... يُبنى من سنة ١٩٧٥ ولم ينتهِ. وفيها سفارة واحدة، عليها حراسة مشدّدة، لا يدخلها إلا من يحمل بطاقة "الخوف المعتمد".
(يضحك)
لا تصدقوني. أنا حكواتي. والحكواتي يكذب ليقول الحقيقة، ويقول الحقيقة ليكذب.
(يشير إلى الحمار المربوط بحبل في طرف المسرح)
هذا حمار. اسمه الضمير. لا تسألوني لماذا حمار. اسألوا الذين ركبوه.
الضمير (الحمار، بصوت إنساني متعب، متحفظ، كموظف بلدي): أنا لستُ حماراً. أنا مؤسسة. وُلدتُ عام ١٩٥٢، تقاعدتُ عام ١٩٦٧، أُعيد تعييني بالعقد، ثم صُفِّيت بقرار إداري، ثم رُجِّعت بمرسوم اضطراري، ثم نُقلت إلى الأرشيف. أنا موجود رسمياً، وغير موجود فعلياً. أنا مُلف.
الحكواتي: سكت. البلد مسرح.
(يدخل الممثل الأول. يقترب من صابر. يهمس في أذنه.)
الممثل الأول: أنت ستموت يوم الخميس.
(صابر يتوقف. يسقط كيس الخضار. تناثرت الطماطم على خشبة المسرح مثل قطرات دم بلاستيكية. الممثل الأول يختفي.)
صابر (وحده، يتحسّس رأسه، ثم صدره، ثم رأسه مرة أخرى): الخميس... أي خميس؟ الخميس القادم؟ أم الخميس الماضي؟ (يقف) أم كل خميس؟ (يجلس على الأرض) أم الخميس... بصفة نهائية؟
(من العدم، يظهر بائع متجول يحمل كشكولاً.)
البائع المتجول: تعويذة، تميمة، حجاب شرعي بالتقسيط، خارطة الجنة بالكيلومتر، عرض خاص للعائلات، تقسيط بدون فوائد، بنك إسلامي للمغفرة.
(يدخل بائع ثانٍ.)
البائع الثاني: كتاب "كيف تعرف يوم موتك قبل أن تعرف يوم ميلادك". طبعة مزيدة ومنقّحة. المقدمة بقلم شيخ أخذ عليها ثلاث فتاوى وجائزة.
(يدخل بائع ثالث.)
البائع الثالث: قناة "الغيب". البرنامج الذي يقرأ فيه المذيع أفكارك، ثم يبيعها لك.
الحكواتي (إلى الجمهور): لاحظوا معي: لم يقل أحد لصابر "عش". الكل قال له "اشترِ". هذه هي المدينة. هذه هي.
(الأضواء تنطفئ على المشهد. صوت تنفس ثقيل. ثم أغنية.)
………
أغنية الدجّال
(تُغنى على إيقاع مارش خفيف. يشارك الجميع، ثم ينسحبون واحداً واحداً حتى يبقى الدجّال وحده في الضوء.)
هو الدجّالُ، يا سادةْ يبيعُ لكم غداً سعيدْ ويشتري منكمْ الحقيقةَ بالأقساطِ... والتقسيطِ... والوريدْ
يبيعُ لكم صكوكَ غفرانْ وخارطةَ الجنانِ على الحِسانْ ويحتفظُ لنفسِهِ بالشيطانْ على حسابِنا... على حسابِنا.
هو الدجّالُ، لا تخشَوهْ فهوَ منكمْ، ومن أبنائِكمْ يبيتُ في بيوتِكُمْ ويستدينُ من رُفاتِكُمْ ويشترطُ على الأحفادِ فاتورةَ الحدادْ.
على حسابِنا... على حسابِنا.
………
المشهد الثاني: بيت صابر
(طاولة خشب، راديو، سجادة صلاة مطوية على الرف، التلفاز يعمل. أم نُصرة تعجن العجين. على الشاشة شيخ يبكي.)
الشيخ على الشاشة (بصوت مرتجف): الرزق مقسوم، والموت مكتوب، والعمر محدود، والدنيا فانية... (يبكي)... تبرعوا.
أم نُصرة (تعجن، وتتحدث إلى الشاشة كما تتحدث إلى جارتها): يا شيخ، الرزق مقسوم... ومقسوم لمين؟ أنا بخبز الكعك من الفجر، وابني بيموت في ليبيا، وابني التاني بيموت في الساحل، وابني التالت ما عنده شغل أصلاً عشان يموت. وأنت في التلفزيون بتقول لي "الرزق مقسوم". مقسوم إزاي؟ على كام؟ قسمة إيش؟ قسمة وراثة؟
(يدخل صابر. شاحب. مبلل. كأن الشارع أمطر عليه، والشارع لم يُمطر.)
أم نُصرة: مالك؟
صابر: أنا سأموت.
أم نُصرة (دون أن ترفع رأسها عن العجين): وكلنا.
صابر: لا. أعني. أنا سأموت الخميس.
أم نُصرة (ترفع رأسها): مين قال؟
صابر: راجل.
أم نُصرة: راجل مين؟
صابر: راجل... في الشارع.
أم نُصرة: وأنت تعرف الراجل؟
صابر: لا.
أم نُصرة: وأنت تعرف الشارع؟
صابر: إيش؟
أم نُصرة (تعود إلى العجين): لو الشارع يتكلم، كان زمانه قال لك "أنت ميت أصلاً من زمان، وأنت ماشي".
(صمت. صوت الحمار من الخارج، من الفناء.)
الضمير (من الخارج، بصوت متعب): قل لها: الموت ما بيموت، بس بيمشي على رجلين.
صابر (يستدير إلى الخارج): مين؟
الضمير: أنا. الحمار. الضمير.
صابر: الحمار بيتكلم؟
الضمير: أيوه. وفي العادة، أنت الوحيد اللي بيسمعني. وللأسف، أنت مش بتسمعني.
(صابر ينظر إلى أم نُصرة.)
صابر: سمعتِ؟
أم نُصرة: سمعت إيش؟
صابر: الحمار... الحمار قال...
أم نُصرة: الحمار قال إيش؟ الحمار قال لك تعال نمشي، أو الحمار قال لك أنت خرفت؟
(تسكت، ثم تنظر إليه لأول مرة مباشرة.)
أم نُصرة: صابر. اسمعني. الراجل اللي في الشارع ما قال لك "ستموت". قال لك "ستدفع". فرق كبير. الموت ما بيجيب فلوس. الخوف بيجيب فلوس. وأنت مش خايف من الموت. أنت خايف من اللي بيبيع الموت.
(صمت. ثم يدخل الممثلون الثلاثة مرة أخرى، بمعاطف سوداء، ويقفون في الخلف.)
الممثل الأول: سبق وأن قيل لك: الخميس.
الممثل الثاني: الخميس القادم. الساعة... (ينظر إلى ساعته، ثم إلى ساعة المسرح التي لا تتحرك)... "الآن دائماً".
الممثل الثالث: الآن. دائماً. الخميس. بصفة نهائية. يُرجى التوجّه إلى مكتب الاستخارة والمواعيد.
(الأضواء تنطفئ. يسمع صوت راديو يتشوش.)
………….
المشهد الثالث: مكتب الاستخارة والمواعيد
(استوديو مضيء بشكل مبالغ فيه. أزرق، أخضر، ذهبي. على الجدار لافتة كبيرة: "لا نشترط الإيمان، نشترط الدفع". وطابور طويل من البشر. في المقدمة سكرتيرة آلية بصوت إلكتروني.)
الصوت الإلكتروني: الرقم أربعمئة وسبعة وعشرون. الرجاء التوجّه إلى الشبّاك الأخير. الرقم أربعمئة وسبعة وعشرون. شكراً لتعاونكم. العمر المتبقي يُصرف نقداً، ولا يُردّ بعد الاستخدام.
(في الطابور: رجل أعمال يحمل ملفاً، امرأة عجوز تحمل صرّة، شاب يحمل هاتفاً، ورجلٌ ميت لم يعلم بعد أنه ميت، لكنه يقف بأدب في الطابور.)
المرأة العجوز (لصابر، بصوت هادئ): أنا هنا من سنة ١٩٩٤.
صابر: ومن ١٩٩٤ إلى الآن...؟
المرأة العجوز: ادّخرتُ. كل شهر، كل قرش، كل دمع. جئتُ أسأل: متى؟ قالوا لي: قريباً. جئتُ أسأل: كيف؟ قالوا: كده. جئتُ أسأل: هل أستطيع تفاديه؟ قالوا: نعم، بالتقسيط. فأنا الآن... (تنظر إلى يدها الفارغة)... لم أعد أسأل. أنا فقط... أدفع.
صابر: وتوقفتم عن السؤال؟
المرأة العجوز: توقفنا عن كل شيء. حتى عن الموت. نحن الآن... نؤجّل.
(صمت ثقيل. الشاب بالهاتف يصور نفسه مع المرأة العجوز.)
الشاب: تريند. تريند. الراجل اللي بيموت قبلي. ألف مشاهدة. ألفين. اشتركوا في القناة.
(يدخل الشيخ بَرَكَة الله حَجّاج مبروك. طويل، مبتسم، يرتدي جلباباً أبيض وبدلة سوداء فوقه، وساعة ثمنها يكفي لتشييع قرية كاملة. يجلس على كرسي بذراعين ملكي.)
بَرَكَة: أهلاً بكم في مكتب الاستخارة والمواعيد. نُقدّم خدمات روحانية عالية الجودة، بأسعار تنافسية، وبضمان شرعي. اسمي بَرَكَة. والبركة من عند الله. (يمسح على رأسه). ومن عندي.
(يستدعي صابر بإصبعه.)
بَرَكَة: الاسم؟
صابر: صابر عبد الفتاح النَّدَّاهة.
بَرَكَة: البرج؟
صابر: البرج؟
بَرَكَة: إيش برجك؟
صابر: أنا مش عارف. مواليد...
بَرَكَة (يقاطعه، ويرفع يده كمن يفتح كتاباً غير موجود): آه، لا تقلق. كلنا في هذا المكتب نحسب البروج بالأبحُر الشعريّة، لا بالأبراج الفلكية. أنت مولود في بحر الرمل، برجك صاعد في الكامل، قمرك في المتدارك، وطالعك في الوافر. وهذا يعني — لو حسبنا الحساب بدقة —
صابر: يعني؟
بَرَكَة: يعني أنك ستموت. لا شك في ذلك. أنا لا أبيع اليقين، أنا أبيع الموعد. اليقين عند الله، والموعد عندي، والفرق بينهما فاتورة.
(يفتح درجاً. يخرج منه كتالوج.)
بَرَكَة: عندنا عدة باقات:
باقة الموت الاقتصادي: تشييع بدون لبن، إمام بالحصة، وتأبين مدته دقيقتان. مناسبة للموظفين.
باقة الموت الفاخر: جنازة بمؤثرات صوتية، دخان، ولحظة صعود إلى السماء بالأسانسير. مع سيلفي.
باقة الموت الذكي: ننشر خبر موتك على فيسبوك أولاً، ثم تموت لاحقاً. ميزتها: تستمتع بالعزاء وأنت حيّ.
باقة إعادة الموت: للذين ماتوا ثم اكتشفوا أنهم لم يموتوا. مخصّص لها طبيب نفسي، ومحاسب.
(صابر يرتجف.)
بَرَكَة: وفي باقة خاصة، اسمها "باقة تفادي الموت" — لكن انتبه! العقد فيه شرط صغير. (يقلّب الأوراق). لا يشمل الموت المفاجئ، ولا الموت الناتج عن الفقر، ولا الموت الذي يقرّره أعداؤك في الخارج. أما الموت الذي أسبّبه أنا... فهو قابل للتفاوض.
صابر: وكم؟
بَرَكَة: الأسعار رمزية. (يبتسم). لكن الالتزام أبدي.
(يصفّق. تدخل فرقة موسيقية مكونة من ثلاثة أشخاص، يعزفون لحناً شرقياً حماسياً.)
بَرَكَة (يغني، والفرقة تتبعه، وصابر يرقص لأنه لا يجد طريقة أخرى ليعبّر عن خوفه):
لا تخفْ يا عبدَ الفتاحْ فالخوفُ كفرٌ... والفُتاحْ في جيبي، والسما في جيبي والرزقُ في الجيبِ المُتاحْ.
ادفعْ، ادفعْ، لا تتردّدْ فالحياةُ مؤقتةٌ... والعذابُ مؤبّدْ والموعدُ يُلغى إذاً إذاً الشيكُ يُوقّعْ... ويُمدّدْ.
(الفرقة تتوقف فجأة. صمت مطبق.)
المرأة العجوز (من الطابور، بصوت خافت): هل يمكن... هل يمكن أن يقول لي أحد... متى؟
بَرَكَة: قال لكِ التلفزيون "قريباً". ونحن مؤسسة دقيقة، لا نقول "قريباً"، نقول "بعد الفاتورة".
المرأة العجوز: وأنا... أنا لم أدفع كل هذه السنين؟
بَرَكَة: دفعتِ. ولم يبقَ إلا القليل. القليل جداً. عندك صرّة في يدك. صرّة صغيرة. لكنها... كافية. (يمدّ يده.)
(المرأة تنظر إلى الصرّة. تنظر إلى صابر. تنظر إلى الصرّة مرة أخرى. ثم إلى الجمهور.)
المرأة العجوز (بهدوء، بصوت يصل إلى آخر صف في المسرح): سبعون سنة. وأنا أدفع. أدفع، أدفع، أدفع. وكان الثمن يرتفع. في كل مرة أدفع، يقولون لي: صار الموت أبعد. وفي كل مرة، أدفع. حتى نسي أبنائي أنني كنت بائعة عيش. وصاروا يظنون أنني كنت أجمع الذهب. وفي الحقيقة... كنت أجمع الخوف. وكنت أُقلّبه كل ليلة، كما يُقلَّب الذهب. (تنظر إلى الجمهور). ولكنه لم يكن ذهباً. كان زجاجاً. وكنت أرى نفسي فيه، عجوزاً، وقد فقدت كل شيء، إلا العادة.
(تُلقي الصرّة على الأرض. تقف. تخرج. ترتجف، لكنها تمشي. الضمير الحمار يتبعها بنظره.)
الضمير: هذه واحدة. في مصر، اثنتان وستون بالمئة. وواحدة في كل اثنتين من النساء. والأرقام تتكلم عربي فصيح، لكننا نترجمها دائماً إلى طنطنة.
(صمت. ثم يبدأ المشهد التالي من دون فاصل.)
……….
المشهد الرابع: الاستوديو
(الاستوديو. لافتة: "الموت على الهواء". ألوان صارخة. شاشة كبيرة. فرفر يقف أمامها، ماسك ميكروفوناً وهاتفاً.)
فِرفر: مساء الغيب! مساء الغفران! مساء الغيب! (يضحك بلا سبب). نستضيف الليلة ممثلين كراماً عن كل الأطراف، في برنامجنا الشهير: "الموت على الهواء مباشرة". على الخطوط الآن: متى؟ وكيف؟ وهل هناك تقسيط؟ فاتصلوا! لا تنتظروا الموت! الموت لا ينتظر!
(يُشير إلى الضيوف. يدخلون واحداً بعد الآخر كأنهم في حفلة صاخبة.)
فِرفر: الشيخ عبد الوهّاب بن صخر! الأستاذ مرشد العام! القسّ هرمجدّون! الحاخام شلومو الوعد! والزعيم جعجع الجعجعي!
(تصفيق آلي.)
الشيخ بن صخر: الحمد لله. الخير في الأمة. الخير باقي. لكن يجب أن نقول الحق: عندنا الآن فتنة. والحل... الصبر والسمع والطاعة.
مرشد العام: عفواً، الشيخ يبسّط المسألة. المسألة ليست طاعة. المسألة مشروع حضاري. نحن نؤمن بالإسلام، لا كدين بل كـ مشروع. مشروع متكامل. السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة... وكل شيء. وثمنه... (يبتسم)... على الشعب، بالطبع. لأن النخبة تبني الحضارة.
القسّ هرمجدّون: أمين! نحن أيضاً عندنا مشروع! نحن نؤمن بالمسيح المخلّص، وسيعود قريباً. لكنه — وهذا مهم — لن يعود قبل أن تُبنى المستوطنات. عندنا في أمريكا، عندنا ٤٠ مليون صهيوني مسيحي يصوّتون. وهذه ديمقراطية! (يتّسع صدره).
الحاخام شلومو الوعد: تعال، يا قسّ. التاريخ ليس تاريخاً. التاريخ كatalog عقارات. الأرض التي أعطاها الرب لإبراهيم — أليست في السجل؟ وهذا يعني أن كل ما نحن نفعل، هو إخراج أوراق ملكية مؤجّلة. وبما أن الرب لا يموت، فالملكية لا تسقط بالتقادم. ولذلك، نسجّل كل يوم.
فِرفر: جميل، جميل. الآن، كل هذا كلام نظري. سؤالي للمشاهد: هل عندكم خلاف؟
(الجميع ينتظر بلهفة. كأن الجمهور ينتظر الخصام.)
الجميع (في انسجام، بلا أي تردّد): لا.
الجميع (في انسجام، بصوت واحد): خلافنا تحريري. ونحن شركاء في الخير.
(صمت. ثم يضحك الجميع بضحكة مصطنعة، ثم يسكتون فجأة. يدخل الرجل ذو الحقيبة. يرتدي بدلة رمادية. يحمل حقيبة جلدية. الجميع يقف.)
الرجل ذو الحقيبة (يمسح نظارته، ثم يفتح ملفاً واحداً، ليس فيه ما نراه، بل ما نعرفه): حسناً. نحن نادينا هذه الجلسة... لأجل التنسيق. الشتاء قادم. المواسم متقاربة. يجب ألا نتصادم في الفوترة. الفاتورة هذه السنة... كما هي. مع تعديل بسيط في التسويق. أرجو أن تُغيّروا المحتوى دون أن تغيّروا المضمون. التكتيكات تختلف، الاستراتيجية واحدة. الأسماء تختلف، صاحب العمل واحد.
فِرفر (يرفع الهاتف، ضاحكاً): لقد سمعتم! "صاحب العمل واحد"! دعوني أعرض على الشاشة...
(الشاشة تُظهر أربعة عروض أسعار، بأرقام مختلفة، وجميعها تعود إلى الحساب نفسه. الجمهور يرى الحقيقة، لكن الشخصيات لا تراها. الضمير الحمار وحده يرى الشاشة، ويبدأ بالغناء.)
أغنية الشركاء
(يغني الجميع، لكن كل واحد يبكي بلون مختلف عن الآخر.)
أربعةُ أسماءٍ، والحسابُ واحدْ أربعةُ أديانٍ، والدفترُ واحدْ أربعةُ شعاراتٍ، والبنكُ واحدْ والصوتُ واحد... والصوتُ واحدْ.
جعجعُ يغيّرُ مِعطفَهُ في الشارعِ، في المعطفِ، في الحانةِ والشيخُ يغيّرُ فتواهُ والقرضاوي في التلفازِ... والفاتورةُ.
نحن هنا، نحن هنا لكلّ ما يظهرُ من خارجْ ونحن أيضاً... لكلّ ما يبقى في الأدراجْ لأنّ الشعبَ عادةً... ينسى. فينسى. ويصوّت.
(الأضواء تنطفئ. في الظلام، يُسمع صوت فرفر.)
فِرفر (من العتمة): انتظرونا، بعد الفاصل! فاصل، ثم عودة، ثم حديث، ثم تصويت، ثم...
(يتوقف. صمت.)
الضمير (من العتمة): ثم...
(فاصل قصير.)
……….
المشهد الخامس: الشاشة
(يُضاء المسرح على شاشة ضخمة في الخلف. الحكواتي أمامها، يقلّب في أوراق لا تنتهي.)
الحكواتي: والآن، أيها السادة، ننتقل إلى الجزء الذي لا يحبه أحد. الفاتورة. هذه فاتورة عام ٢٠١٣. وهذه فاتورة ٢٠١٥. وهذه فاتورة ٢٠١٩. وهذه فاتورة ٢٠٢٣.
(تتطاير الأوراق.)
كلها، أيها السادة، بالتوقيع. وأنا سأترك لكم خياراً واحداً: أن تضعوا الأرقام بأنفسكم. لأنكم، في النهاية، تدفعون. وأنا كحكواتي، لا أريد أن أُفشي أسراراً. أريد أن أطرح سؤالاً فقط. والسؤال هو:
إذا كانت كل هذه الفواتير موجودة، فمن الذي يوقّع؟
(يترك الميكروفون ويمشي إلى الكرسي الفارغ. يمسح الغبار عن اللافتة: السفير. يضع الأوراق تحت الكرسي. ثم يخرج. الأضواء تنطفئ.)
(نهاية الفصل الأول.)
…………
الفصل الثاني: حضرة الموت
المشهد السادس: حلم صابر — مكتب الموت
(مسرح رمادي. مكتب صغير. طاولة خشب. رفوف أوراق. على الطاولة لافتة: "إدارة الملفات الآجلة — قسم: الموت". طابور من البشر، بملابس رسمية، يحملون ملفات. في خلف الطابور، يظهر صابر، ثم يرى الموت.)
الموت (موظف ببدلة رمادية، عينان متعبتان، ملف أزرق): رقمك؟
صابر: لا أعرف.
الموت: كيف لا تعرف؟
صابر: أنا لم أطلب موعداً.
الموت: الموت يُطلب؟ (يضحك بلا صوت). عزيزي، الموت لا يُطلب، الموت يُنظَّم.
(يفتح الملف.)
الموت: صابر عبد الفتاح النَّدَّاهة. الملف مُعلّق.
صابر: معلّق؟
الموت: نعم. مُعلّق. السبب: موافقة من فوق.
صابر: من فوق من؟
الموت (يرفع يده إلى السقف، بلا مبالغة): من فوق. لا أعرف. أنا موظف. أنا لا أقتل. أنا أُنجز. والقتل اختصاص إدارة أخرى. أنا آخذ الملف، أنجزه، أُدخله في النظام، وأُخرجه. إن كان لي موافقة، نمشي. إن لم يكن لي موافقة... (ينظر إلى الطابور)... واقفين.
صابر: واقفين من إمتى؟
الموت: من زمان. من ١٩٧٥. لم يأتِ تعميم. ولا تعليمات. وكلما همّ أحد بالمشي، أتت مذكرة من الخارج، تطلب إعادة النظر.
صابر: وهذا يعني؟
الموت: يعني أنني لا أستطيع أن أُنهي موتك قبل أن تُوقّع ورقة. والورقة موقوفة في قسم آخر. والقسم الآخر ينتظر مذكرة من جهة. والجهة تنتظر تعليمات. والتعليمات تنتظر ميزانية. والميزانية تنتظر توقيعاً. والتوقيع... (يبتسم بتعب)... التوقيع موجود في الحقيبة.
صابر: وأنا؟
الموت: أنت... حيّ. أعلم أن هذه ليست نتيجة مرضية، لكنها النتيجة.
(صمت.)
صابر: إذاً أنا لن أموت الخميس؟
الموت: لا. لن تموت الخميس. ولن تموت السبت. ولن تموت في يوم حدّده لك دجّال. ستموت، لكن هذا ملف آخر. ملف الحقيقة. وهذا الملف لا يُدرَّس في المدارس، ولا يُبَث في التلفزيون، ولا يُباع في المكتبات. الملف هذا... لا يُفتح بالفلوس. يُفتح بالوعي.
(صابر يصحو مذعوراً. الأضواء تتغير. نعود إلى بيت صابر.)
………..
المشهد السابع: صابر يرفض الدفع
(بيت صابر. أم نُصرة. صابر يدخل بسرعة.)
صابر: لن أدفع.
أم نُصرة (تتوقف عن العجين لأول مرة منذ المشهد الأول): ماذا؟
صابر: لن أدفع. الموت نفسه قال لي إن الملف معلّق. الموت نفسه ينتظر توقيعاً. الموت نفسه قرفان. أنا لن أدفع.
أم نُصرة: صابر!
صابر: اسمي صابر. وصبرت. وصبرت. وصبرت. وبعد كل هذا الصبر، وجدتُ أن الصبر أيضاً سلعة. يبيعونك الصبر، ويبيعونك الموت، ويبيعونك الجنة، ويبيعونك الانتظار. وأنا... سئمت.
(يدخل الشيخ بَرَكَة، وعن يمينه فرفر، وعن يساره المرشد، والزعيم جعجع يقف في الزاوية بمعطف مقلوب.)
بَرَكَة: يا صابر. لا تفهمني خطأ. أنا لا أبيع الموت. أنا أبيع الطمأنينة. وأنا صديقك. وأنت... صديقي. ونحن... أخوان.
صابر: أخوان؟ أنا لم أرَ أخاً في حياتي إلا في المظاهرات. وأنت لم تكن في المظاهرات.
بَرَكَة: أنا كنت في المظاهرات. لكن في الصف الأول، بجلباب. لا يُرى. (يبتسم). لكن لا تقلق. لا مشكلة. سنغيّر الاسم فقط. لا نسميه دفعاً، نسميه هدية.
صابر: وأنا لا أُهدي.
مرشد العام (يتقدم، فصيحاً): أيها الأخ. لا تنظر إلى المسألة بهذه السطحية. هذه مقاومة. المقاومة نظام، لا مشهد. ونحن النظام. أنت لا تدفع، أنت تُموّل. والتمويل... مقاومة.
جعجع (يغيّر معطفه): أنا ضد هذا الكلام. (يغيّر معطفه مرة أخرى). لكن أنا أيضاً معه. (معطف ثالث). لكن يجب أن نتفاهم. البلد يحتاج إلى تسوية. وأنا رجل تسويات. (يقف في المنتصف، بمعطف مقلوب). أنا حتى معك، ضدك.
فِرفر (يرفع الميكروفون): الآن! الآن! مباشر! عندنا حالة رفض! حالة إنكار! حالة تجديف! (إلى الكاميرا). اتصلوا! لا تنتظروا! الموت لا ينتظر! لكنه أيضاً لا يقبل البطاقات الائتمانية! فقط نقداً!
(صابر يتقدم إلى المقدمة. الجميع وراءه، يتحركون كالظلال.)
صابر: أنا لم أرفض الموت. أنا رفضت الوسيط. أنا رفضت من يبيع لي الخوف ويحتفظ بالبيت. أنا رفضت من يقول لي "ستموت"، ويمنع عني الحياة. أنا رفضت أن يكون الغيب تجارة، والدين مهنة، والتاريخ كتالوجاً، والوطن فاتورة. أنا رفضت أن أموت قبل أن أُولَد.
(صمت. الجميع يتوقف. حتى فرفر يخفض الميكروفون.)
أم نُصرة (تتقدم، تقف بجانبه): وأنا أرفض أن أدفع. وأنا أرفض أن أسمع. وأنا أرفض أن أخاف. أنا أُخبز. وهذا كل ما أعرفه.
الضمير (يدخل الحمار إلى المسرح، ويمشي ببطء أمام الجميع، ويقف في المركز): وأنا... الضمير. أنا لا أرفض. أنا موظف. ولو رفضت، لطردوني. ولو طردوني، لنسوني. ولو نسوني، لكان هذا تحرراً. لكنهم لا ينسونني. لأنهم يحتاجونني. الحمار الذي لا يتكلم، هو حمار مثالي. ولذلك، أنا أتكلم الآن.
(يتوجه إلى الجمهور.)
الضمير: ايها السادة. الحكاية ليست عن الموت. الحكاية عن العادة. عادة أن يُقال لنا "الغد"، فنصدق. عادة أن يُقال لنا "العدو"، فنصدّق. عادة أن يُقال لنا "لا تسأل"، فنسكت. عادة أن نُسمّي الوهم أملاً، والأمل خطراً، والخطر قدَراً. والحقيقة، أيها السادة، أن في هذا العالم من يموت قبل أن يُولَد. ويُدفن قبل أن يعيش. ويُحاسب قبل أن يُخطئ. وهذا... أسوأ من الموت.
(صمت.)
………..
المشهد الثامن: الحملة الإعلامية
(استوديو. لافتة: "الموت على الهواء — حلقة خاصة: من يخيف مصر؟" فرفر يرفع الميكروفون.)
فِرفر: مساء الغيب! مساء الغفران! عندنا الليلة حالة خطيرة: مواطن مصري يرفض أن يموت. نعم، نعم، سمعتم صح. يرفض. ويقول: "أنا لا أدفع". (يضحك). وكأن الحياة كارت شحن! يا سادة، الحياة ليس كارت شحن. الحياة اشتراك شهري. وأنت، يا من ترفض، ستُقطع.
(تدخل شخصيات: شيخ، مرشد، قسّ، حاخام، زعيم. كل واحد يمسك ورقة.)
الشيخ بن صخر: هذا الرجل يُفسد. الفساد في الأرض. يجب التوبة.
مرشد العام: لا. المسألة بنائية. الرجل رمز لمرحلة. يجب إعادة التأهيل.
القسّ هرمجدّون: أنا أقولها بوضوح. هذا الرجل ضد المشروع. والمشروع مقدّس. والمقدّس لا يُساوَم.
الحاخام شلومو الوعد: أنا لا أفهم لماذا نناقش. هذا الرجل عقبة. العقبة تُزال.
جعجع (يغيّر معطفه، ثم يتوقف): أنا لم أقرأ الملف. أنا مع الملف. (يغيّر المعطف). أنا ضد الملف. (يغيّر المعطف). أنا أقرأ الملف. (يُخرج ورقة، لا يقرؤها). تمّ.
فِرفر: عظيم! عظيم! الآن، الرأي العام. أيها المشاهدون، هل تؤيدون أن يُعاقَب من يرفض أن يموت؟ (يضحك). اتصلوا! لا تنتظروا! لأن الموت لا ينتظر... لكن المحكمة تنتظر!
(صوت تصفيق آلي. الأضواء تنطفئ.)
………..
المشهد التاسع: المحكمة
(مسرح يتحول إلى قاعة محكمة. لكن القاعة مزيج بين محكمة وبرنامج مسابقات. على الجدار شاشة كبيرة، وأضواء ملونة، وأجراس، وأزرار. في الوسط، منصة القاضي. لكن القاضي ليس موجوداً. الكرسي فارغ.)
الحكواتي (يدخل بصفته رئيس المحكمة، لكنه يضع قبعة طبيب نفسي أحياناً وقبعة مهرّج أحياناً أخرى): المحكمة مؤجّلة. القاضي غائب. لكننا سنعقد الجلسة على الهواء مباشرة، باسم الشعب. لأن الشعب، كما تعلمون، هو صاحب السيادة. وهو أيضاً هو المتهم. وهو أيضاً هو الجمهور. وهو أيضاً... هو الفاتورة.
(يضحك.)
اليوم، نحاكم: صابر عبد الفتاح النَّدَّاهة. التهمة: الإخلال بالخوف العام.
(تصفيق.)
الحكواتي: الشهود: الدجّال بَرَكَة. المذيع فرفر. الشيخ عبد الوهّاب. الأستاذ مرشد. القس هرمجدّون. الحاخام شلومو. الزعيم جعجع. (يتوقف). والضمير — الحمار.
(صمت. الحمار يدخل. يقف في مكان الشاهد. الجميع ينظر إليه. لا أحد يعترض.)
الحكواتي: الضمير. اسمك؟
الضمير: الضمير.
الحكواتي: مهنتك؟
الضمير: أنا مؤسسة.
الحكواتي: وما شهادتك؟
الضمير: شهادتي أنني كنت شاهداً على كل شيء. أنا كنت شاهداً على ١٩٥٢. و١٩٦٧. و١٩٧٣. و١٩٧٧. و١٩٨٢. و١٩٩٠. و٢٠٠٣. و٢٠١١. و٢٠١٣. وأنا سأكون شاهداً على ٢٠٣٠. وشهادتي هي نفسها في كل مرة، لكن لا أحد يستمع، لأنني حمار. والحمار لا يُصدَّق، لأنه لا يتكلم. ولو تكلم، يُقال له: "أنت مأجور". ولو قيل له "مأجور"، يُقال: "من أجّرك؟". فإن قلت: "لا أحد"، يُقال: "إذن، أنت عميل". (يتوقف). أنا عميل. عميل الضمير. وهذه أسوأ مهنة في البلد.
(صمت. فرفر يرفع الميكروفون، متردداً.)
فِرفر: جميل. جميل. الآن، التصويت. أيها الجمهور، من يوافق على إدانة صابر؟ ارفعوا أيديكم.
(الجمهور يتردد. بعض الأيدي ترتفع. بعضها لا. بعضها يرتفع ثم ينزل، ثم يرتفع، ثم ينزل — كأن الأيدي نفسها في حيرة.)
الحكواتي: حسناً. النتيجة: الجمهور منقسم. المحكمة غائبة. القاضي غائب. الحكم... مؤجّل.
(يتقدم صابر. يتقدم إلى المسرح. ينزع عنه ملابس الشخصية. يقف في الضوء، بلا ديكور، بلا كاميرا، بلا أغنية.)
………..
المشهد العاشر: خاتمة — صابر يصعد
(صابر يقف وحده. خلفه الكرسي الفارغ. أمامه الجمهور. الضمير الحمار يجلس على الأرض، رأسه على ركبتيه.)
صابر: أنا. اسمي صابر. وُلدت في مدينة لم أرها. تربيت في وطن لم يُبنَ. تعلمت في مدرسة لم تُعلّمني. وعملت في مؤسسة لم أكن فيها. وصرت أبا لثلاثة لم يجدوا ما أتركه لهم. أنا رجل عادي. لست بطلاً. لست شاعراً. لست زعيماً. أنا رجل عادي، ولهذا، أنا خطير.
(صمت.)
صابر: قيل لي: "ستموت". فخفت. وهذا طبيعي. الخوف ليس عيباً. العيب أن يتحوّل الخوف مهنة. العيب أن يُبنى على الخوف سوق. العيب أن يُقال لك: "الموت لا يُفاوَض"، ثم يأتي من يقول لك: "لكن موعد الموت... نعم".
(يبتسم.)
صابر: لم أدفع. لا لأنني شجاع. بل لأنني كرهت. كرهت أن يكون خوفي رزقاً لغيري. كرهت أن يكون موتي بضاعة. وكرهت أن يكون الغيب مصرفاً، والدين شركة، والتاريخ كتالوجاً، والوطن عقداً. ولو أنني دفعت... لكنت اشتريت تأجيلاً، لا حياة. ولو أنني صمتّ... لكنت متُّ قبل أن أموت.
(يتقدم خطوة.)
صابر: أنا لا أُبشّر. أنا لا أُفتي. أنا لا أُقدّم باقات. أنا فقط أقول: الموت حقيقة. والخوف حقيقة. لكن هناك فرقاً بين من يقول لك "ستموت، فاستعد"، وبين من يقول لك "ستموت، فادفع". الأول صادق، والثاني تاجر. والتاجر لا يريدك أن تعيش، لأنه لو عشت... لما اشتريت.
(صمت.)
صابر: أنا أعرف أنكم ستقولون: "هذا كلام شيوعي". وأنتم أحرار. لكن اسمحوا لي أن أسأل سؤالاً واحداً. في الصين، بعد ثلاثين سنة، صار عندهم مليار إنسان يتعلمون الرياضيات، لا الرُقى. ويتعلمون الطب، لا التنجيم. ويتعلمون العمل، لا الانتظار. هذا ليس لأنهم بلا روح، بل لأنهم بنوا روحاً. هذه ليست دعوة إلى دين، ولا دعوة إلى مذهب، هذه دعوة إلى العقل.
(يتوجه إلى الكرسي الفارغ. ينظر إليه.)
صابر: وهذا الكرسي. لماذا فارغ؟ لأنه لا يريد أن يجلس عليه أحد. لو جلس عليه أحد، صار مسؤولاً. والمسؤول... يُحاسب. لكن التاجر... لا يُحاسب. ولذلك، التاجر يترك الكرسي فارغاً، ويبيع لك الخوف من الكرسي.
(يضحك.)
صابر: حسناً. الآن، أيها السادة، انتهت المسرحية. وأنا سأغادر. سأذهب إلى بيتي، إلى زوجتي، إلى العجين، إلى الكعك. وسأمشي في الشارع. وربما يأتي غريب ويقول لي: "ستموت". وسأقول له: "أعرف. لكن موتي ليس مشروعك."
(يستدير، يخطو خطوة، ثم يتوقف.)
صابر: وأخيراً، أيها السادة. تذكّروا: كل يوم يمر، هو يوم لا يعود. فإما أن نعيشه، وإما أن ندفع لأحد كي يعيشه عنا. وأنا... لا أريد أن يعيشه أحد عني. وليس عندي ما أدفع.
(ينظر إلى الجمهور طويلاً.)
صابر: شكراً.
(صمت. لا تصفيق. لا موسيقى. ثم يبدأ التصفيق، ببطء، كما لو أن الجمهور كان خائفاً، ثم تذكّر أنه ليس في محكمة.)
الحكواتي (يعود إلى المسرح، يحمل الصندوق الخشبي، ويفتحه): انتهت الحكاية. أو... لم تنته. لأن كل حكاية لا تنتهي، لأنها تُروى مرة أخرى في مكان آخر. وفي كل مرة، يقول الحكواتي نفس الجملة الأولى: "اسمعوا يا ناس".
(يدخل الضمير الحمار. يقف بجانبه. الحمار ينظر إلى الجمهور.)
الضمير: اسمعوا يا ناس. أنا الحمار. واسمي الضمير. وأنا موجود. لكنني موظف. أرجو أن تُلغوا وظيفتي. أرجو أن تُعيدوني إلى الشارع. لأن الحمار في الشارع، أفضل من الحمار في مكتب.
(صوت ساعة. الساعة التي لا تتحرك، عقاربها تُصدر صوتاً لأول مرة. ثم تُشير إلى: "الآن". ثم إلى: "دائماً". ثم تنطفئ.)
الحكواتي (يبتسم): الآن. دائماً. دائماً. الآن.
(ينطفئ الضوء. يبقى الكرسي الفارغ وحده تحت بقعة ضوء. ثم تنطفئ أيضاً. المسرح أسود.)
(النهاية.)
………
ملحق: أغنية النهاية
(تُغنى من خلف الستارة، بصوت واحد، ثم تنضم الأصوات حتى تصير جوقة)
كلنا كنّا هنا في الحكاية، في الزحامْ كلنا كنّا نُغنّي للدجّالِ... وللسلامْ.
كلنا كنّا نُصدّق أن في الغيبِ رجالْ يكتبون الطالعَ ويشترونَ الأجيالْ.
غنّينا. دفعنا. سكتنا. غنّينا. دفعنا. سكتنا. واليوم... حانَ الوقتْ لكي نغسلَ وجوهَنا من رمادِ الحكاياتْ ونمشي في الشارعِ كما يمشي... الأحياءْ.
(تسقط الستارة.)
تمّت.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دموعٌ على محرّرٍ لم يأتِ.. قصة درامية ساخرة
-
من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن مار
...
-
ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
-
مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
-
النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم
...
-
الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد
...
-
صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا
...
-
صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس
...
-
بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
-
سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
-
نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
-
الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
-
حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول
...
-
حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد
...
-
مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف
...
-
حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات:
...
-
شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل
...
-
كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي
...
-
“الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت
...
-
مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
المزيد.....
-
بين -المواطن كين- والملياردير -ماسك-.. حين أغضبت السينما أصح
...
-
-تعليم بمليون دولار لا يكفي-… رحلة طبيب أمريكي من حيرة الرعا
...
-
بزخم أكاديمي من 5 قارات.. إسطنبول تُفتش عن -الحلول القرآنية-
...
-
التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية
...
-
احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م
...
-
من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة
...
-
موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور
...
-
-رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال
...
-
تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل
...
-
كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|