|
|
الروايةُ كمرآةٍ مكسورة: قراءةٌ في روايتي «دارِ الأبديّة» وسياساتِ صناعةِ الكراهية
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:56
المحور:
الادب والفن
١ — مدخل: لماذا روايةٌ عن الكراهية في زمنِ التحريض على الحرب؟
هذه روايةٌ صعبة. لا لأنّ لغتها صعبة، ولا لأنّ بنيتها معقّدة، بل لأنّها تختار أن تُقيم في المنطقة التي يتهرّب منها الأدبُ السياسي عادةً: المنطقة التي تتقاطع فيها البيروقراطيةُ مع الميتافيزيقا، والمنهجُ الدراسيّ مع الجريمة، والجرةُ الزجاجيةُ مع تاريخ الحروب. إنّها روايةٌ لا تكتب عن الشرّ كحدثٍ، بل عن الشرّ كمهنة. لا عن الكراهية كانفعال، بل عن الكراهية كميزانية. وهذا اختيارٌ جماليّ وأخلاقيّ في الوقت نفسه: أن تُنزَع من الشرّ هالته الشيطانية، وأن تُوضَع على طاولة محاسبٍ في برجٍ زجاجيّ في زيورخ.
إنّها، في هذا المعنى، روايةٌ مضادّة لسردية القرن العشرين كلّها. القرن الذي علّمنا أن الشرّ يأتي من الأيديولوجيا، من الفوضى، من الهمجية، من الشرق، من الجنون. أما هذه الرواية فتقول شيئاً آخر: الشرّ يأتي من قسمٍ إداريّ. يأتي بخطابٍ رسميّ، وبمذكّرةٍ داخليّة، وباجتماعٍ في الطابق الثالث عشر. الشرّ ليس انفجاراً؛ الشرّ إجراء. وهذه الفكرة، في جوهرها، ليست جديدة في الأدب العالمي — هي فكرة كافكا، وفكرة هاسيك، وفكرة بولغاكوف، وفكرة فرانز فانون حين كتب عن «العنفِ الذي يُصنَّع في الميتوبول»، وفكرة مدرسة فرانكفورت حين حلّلت «صناعة الثقافة». لكن الجديد هنا أنّ هذه الفكرة تُنقَل من المقاربة الفلسفية إلى المقاربة الروائية العربية، ومن التحليل النظري إلى الحبكة، ومن التشخيص إلى الجرة.
٢ — البنيةُ السردية: بين السخريةِ والواقعيةِ السحرية
تشتغل الروايةُ على ثلاث طبقات سردية متداخلة. الطبقة الأولى هي طبقةُ السخرية البيروقراطية: عالمُ «ميريديان»، برجُ علامة الاستفهام في زيورخ، السكرتيرةُ البولندية التي تكره وظيفتها، «الدليل الأخضر» بأقسامه، «موظّف الشهر»، الملاحظاتُ الرسميةُ على المسوّدات. هذه طبقةٌ مستلهمةٌ من هاسيك («الرجل الطيّب الصالح في الحرب العالمية»)، ومن غوغول («المعطف»، «الأنفس الميتة»)، ومن سالتيكوف-شيدرين. لكنّ الرواية لا تسقط في السخرية المغلقة: السخريةُ عند هاسيك كانت سلاحَ نجاةٍ من التاريخ؛ وهنا السخريةُ سلاحُ فضحٍ لبنيةٍ تصنع التاريخ.
الطبقة الثانية هي طبقةُ الواقعية السحرية: الأرشيفُ الحيّ، الجرارُ التي تحمل أسماءَ البشر، مدام فيرا التي لا تُدخّن سيجارةً بلا دخان، الأرشيفُ الثاني الذي لا يدخله حيّ إلا وخرج مطفأً، النبتةُ التي تُشير بإصبعٍ لا تملكه. هذه طبقةٌ مستلهمةٌ من ماركيز، من بورخيس، من غوغول في «الأنف»، ومن بولغاكوف في «المعلّم ومرغريتا». الوظيفةُ الجماليةُ لهذه الطبقة ليست الزينة، بل هي البنيةُ الحاملةُ للفكرة السياسية: فإذا كانت الكراهيةُ تُصنَع في مكاتب، فإنّ ذاكرتها تُخزَّن في جرار. وإذا كانت الجرةُ وعاءً، فهي أيضاً تابوتٌ وصندوقُ بريدٍ ومستودعُ احتمال. الجرةُ كائنٌ نقديّ في الرواية: هي في الوقت نفسه السجلُّ المدنيّ، والسرديةُ القومية، والمنهجُ الدراسيّ، والذاكرةُ الجماعية. أن تفتحها، يعني أن تُصبح احتمالك واقعاً؛ وأن تُغلقها، يعني أن تُحوّل الماضي إلى متحف. هذا تصوّرٌ مذهلٌ للعلاقة بين السلطة والذاكرة، ويستحقّ أن يُقارَن بما كتبه بول ريكور عن «الذاكرة، التاريخ، النسيان»، وبما كتبته سوزان سونتاغ عن «الألم كصورة».
الطبقة الثالثة هي طبقةُ الأدب الروسي الكبير: ظلُّ دوستويفسكي حاضرٌ في كلّ صفحة. في مسألة الذنبِ الجماعي، في الطفلِ الذي يحمل وعيَ الكبار، في فكرة «الجملة الواحدة» التي تكفّر عن عالم، في حوارات يان كاسك مع نفسه (وهي حواراتٌ مستلهمةٌ من إيفان كارامازوف)، في النبتة الخضراء الوحيدة على الحافة (وهي استعارةٌ تذكرنا ببستان الكرز عند تشيخوف). الروايةُ تدرك أنّ الأدب الروسي ليس «سلطةً» كما قالت اللجنة الاستشارية في الفصل الثاني، بل هو مختبرُ السؤال الأخلاقي. وهنا تكمن المفارقة الساخرة الكبرى: الروايةُ تجعل من المدرسة الإستونية التي ترفض تدريس الأدب الروسي، تُنتج بالضبط ما حذّرت منه الروايةُ الروسية.
٣ — الحبكةُ: الصراعُ بين الجملةِ والميزانية
في المستوى الدرامي الصافي، الحبكةُ بسيطةٌ إلى حدّ الألم: رجلٌ يُكلَّف بكتابة منهجٍ يُعلّم أطفالاً أن يكرهوا شعباً؛ فيكتشف، من خلال ملفٍّ ورثَه عن ميّت، أنّ الكراهيةَ صناعةٌ لها عنوانٌ بريديّ؛ فيقرّر أن يقاوم، لا بمظاهرة، ولا بثورة، ولا بحزب، بل بجملةٍ واحدة يزرعها في هامش منهجٍ رسميّ. الصراعُ ليس بين خيّرٍ وشرّير، بل بين الجملة والميزانية. بين كائنٍ صغيرٍ حيّ وبين آلةٍ لا تشعر. وهذا اختيارٌ دراميٌّ عنيدٌ، لأنّه يحرم الروايةَ من اللذّة البدائية لكلّ حكايةٍ سياسية: لحظةَ الانتصار. لا انتصارَ في «دار الأبديّة». لا سقوطَ لبرج. لا هزيمةَ لڤايغر. البرجُ ينشقّ، لكنّ الموظّفين يبقون في مكاتبهم يكتبون. وهذه، في نظري، أقوى نقطةٍ في الرواية: أنها ترفض النهايةَ الهوليوودية التي كانت السرديةُ الغربيةُ نفسها ستفرضها عليها، لو كانت هي المنتَجة.
الدراما تتصاعد عبر بنيةٍ من الاكتشافات المتدرّجة (الأناغنوريسيس): إلياس يكتشف أنّ أمّه كانت «هدفاً» في حملة، ثم يكتشف أنّ الرجل الذي في الطابق الرابع مات منذ ست سنوات لكنّه ما زال يعمل، ثم يكتشف أنّ الأرشيفَ الثاني يحتوي على جرةٍ باسمه هو، ثم يكتشف أنّ ابنة أخته غير المولودة هي أمُّ الطفل الذي قال في الفيديو إنّه يريد محوَ روسيا. هذه البنيةُ الدراميةُ تقوم على مبدأٍ أرسطيّ قديم — مبدأ التعرّف — لكنّه يُستخدَم هنا لأغراضٍ سردية معاكسة: التعرّفُ لا يُحرّر البطل، بل يُثقله. كلُّ اكتشافٍ يُضيف مسؤوليةً لا حرّية. وهذا تحويلٌ ذكيّ لبنية المأساة الإغريقية: البطلُ لا يكتشف قدره، البطلُ يكتشف أنّ القدرَ كان مكتوباً في ملفٍّ إداريّ.
٤ — الشخصيات: خريطةُ القوى الرمادية
تتوزّع الشخصياتُ على أربع فئاتٍ دلاليّة:
فئةُ المُنتِجين: ڤايغر (المديرُ التنفيذيّ للكراهية، الرجل الذي دخل الأرشيفَ الثاني ورأى جرته، فصار ما صار)، والدار التي لا اسمَ لها. ڤايغر ليس شخصيةً مدوّرةً بالمعنى الروائي التقليدي — هو أقرب إلى نموذجٍ (type) في مسرح بريخت. لكنّه مدوّرٌ في نقطةٍ واحدة: مشهد المرآة في الفصل الرابع. هذه اللحظةُ تُنقذ الشخصيةَ من أن تكون كارتوناً، وتُعيد إلى الرواية سؤالَها الأخلاقي الحقيقي: هل الشرّ اختيارٌ أم قدر؟ وهل من رأى نفسَه في جرةٍ يُعفَى من مسؤوليته؟
فئةُ الوَسَطاء: إلياس، مديرٌ إبداعي، رجلٌ بين عالمين. هو الجسرُ الذي يحمله ڤايغر، وهو الجسرُ الذي يهدمه في النهاية. إلياس شخصيةٌ مدوّرةٌ بالمعنى الفلوبرتي: له ضعف، له بيانو، له دفترٌ أسود، له أمّ. وهو في الوقت نفسه نموذجٌ للـ«مثقّف المأجور» الذي حلّله غرامشي، وللـ«موظّف الأيديولوجيا» الذي حلّله ألتوسير. قصّتُه هي قصّةُ من يكتشف أنّ يده كانت على الزرّ دون أن يعرف، فيقرّر أن يرفعها.
فئةُ الضحايا-الشركاء: يان كاسك (الطفلُ الذي لم يكبر)، مارتا ألتو (المعلّمةُ التي طُردت لأنّها رفضت)، ليندا (الموظّفةُ التي قرأت كلمة «الميزانية»)، مدام أوزغه (عاملةُ النظافة التي رأت الشرخَ ولم يُصدّقها أحد)، تاديوش البولنديّ (الحكيمُ السكّير الذي بعَتَ اسمَ أبيه في ١٩٦٨). هذه شخصياتٌ صغيرةٌ في الظاهر، لكنّها تُشكّل الوعيَ الجماعيّ المضادّ في الرواية. ومن دونها، لكانت الروايةُ حواراً بين إلياس وڤايغر، أي سجالاً ثنائياً بين خائنٍ ونادم. مع هذه الشخصيات، تصبح الروايةُ نسيجاً من الأصوات الصغيرة التي تُنقذ التاريخ.
فئةُ الأسماء-الرموز: مدام فيرا (الأرشيفُ الحيّ)، ماركوس (الطفلُ الذي يقول إنّه يريد محوَ روسيا ثم يتراجع)، لينا كاسك (الطفلةُ التي لم تُولَد). هذه الفئةُ هي التي تُمنح الروايةَ بُعدها الرمزيّ. واللافت أنّ الروايةَ لا تجعل من ماركوس شريراً، ولا تجعل من لينا قدّيسة. ماركوس ضحيةٌ، ولينا احتمال. وكلاهما — وهذا هو الأهمّ — قابل للتحوّل. وهذا ما يُفرّق روايةً عن أخرى: أن تُمنح الشخصياتُ الرمزيةُ إمكانيةَ التغيير. فالرمزُ الذي لا يتغيّر هو شعار؛ والرمزُ الذي يتغيّر هو إنسان.
٥ — الإسقاطاتُ السياسية: الدارُ كبنيةٍ فوق وطنية
هنا يجب التوقّف. الروايةُ لا تكتب عن روسيا، ولا عن إستونيا، ولا عن أوكرانيا، ولا عن الاتحاد الأوروبي بوصفها أطرافاً متساوية. الروايةُ تكتب عن بنيةٍ فوق وطنية تُنتج خطابَ العداء لكلّ الأطراف. «الدار» ليست دولةً، وليست حزباً، وليست إمبراطورية. «الدار» هي شبكةُ مصالح مالية-إعلامية-تعليمية تنتفع من استمرار العداء. في هذا المعنى، الروايةُ تُقدّم قراءةً نقديةً للرأسمالية المتأخّرة، لا كفاعلٍ اقتصادي فقط، بل كفاعلٍ ثقافيّ وأخلاقيّ. وهذا ما كتب عنه جيرار ديليوز ومانويل غويتاري في «المستوى الألف»، وما كتبه نعوم تشومسكي عن «صناعة الإجماع»، وما كتبه بول فيريليو عن «الحرب كترفيه».
الروايةُ لا تكتفي بتحليل «الدعاية الغربية»، بل تُحلّل أيضاً «الهيمنة الثقافية» (غرامشي). إنّها تُشير، بمهارة، إلى أنّ الحملاتِ الكبرى في التاريخ لم تُنتَزع بالقوة، بل بالتعليم. الحملةُ الإستونية على روسيا في الرواية ليست ميدانَ معارك، بل ميزانيةَ وزارة تربية. الحملةُ الوهابية في السبعينيات كانت ميزانيةَ مناهج. الحملةُ الصهيونية على «العدوّ العربي» كانت ميزانيةَ كتب أطفال. هذا هو الاكتشافُ الذي يبني الروايةَ درامياً: الكراهيةُ لا تُفرض، بل تُدرَّس.
وهنا يأتي الإسقاطُ السياسيّ الأخطر: إنّ الخطابَ الذي يحوّل روسيا إلى «عدوّ وجوديّ» لا يُنتج فقط عداءً، بل يُنتج حرباً بالوكالة، وحرباً بالوكالة لا تستمرّ بلا خطابٍ يُبرّرها، ولا خطابَ بلا بنيةٍ تُموّله، ولا بنيةَ بلا طبقةٍ تنتفع. هذا هو المسارُ الذي حلّله الطيفُ الكامل من المدرسة الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية (مورغنثاو، ميرشايمر، والتز)، ومن المدرسة النقدية (كوكس، لينكليتر)، ومن مدرسة التابعين (سعيد، سبيفاك، تشيباندي). الروايةُ لا تُقدّم برنامجاً سياسياً، لكنّها تُقدّم تجربةً سرديّة لما يحدث عندما يُحوَّل الخطابُ إلى منهج، والمنهجُ إلى جيل، والجيلُ إلى جنديّ.
٦ — القراءةُ النقدية: خمس مدارس
إذا قُرئت الروايةُ وفق النقد الشكليّ (الشكلانيون الروس، بارت): الروايةُ بنيةٌ من ثنائيات: المتن/الهامش، الحيّ/الميت، الجرة/النهر، الأرشيف الحيّ/الأرشيف الثاني. وهذه الثنائياتُ ليست متعارضة، بل متداخلة. الشكلُ نفسُه يصبح أيديولوجيا: الروايةُ مكتوبةٌ في «فصول» لكنّها منقسمةٌ إلى «ملفات» و«مذكّرات» و«رسائل». الوثيقةُ داخل الرواية تُلغي الروايةَ كنوع، وتُقيم بدلاً منها «أرشيفاً روائياً» — وهذه إشارةٌ ذكية إلى أنّ الأرشيفَ هو النوعُ الأدبيّ الجديدُ للسلطة.
إذا قُرئت وفق النقد الماركسي (لوكاتش، غولدمان، جيمسون): الروايةُ تكشف التناقضَ بين البنية التحتية (الميزانية، الراتب، المناقصة) والبنية الفوقية (الكراهية، الهوية، التاريخ). والدراما الحقيقيةُ فيها ليست بين الأفراد، بل بين نمط الإنتاج والوعي البشري. ولهذا فإنّ نهاية الرواية — وهي نهايةٌ مفتوحة، نهايةُ «جملةٍ تُكتَب في صفٍّ في تارتو» — تُشكّل رفضاً للوعي الزائف الذي يُنتجه نمطُ الإنتاج الرأسمالي المتأخّر.
إذا قُرئت وفق النقد ما بعد الكولونيالي (سعيد، سبيفاك، فانون): الروايةُ تُحلّل «الاستعمارَ السرديّ». ليس احتلالَ الأرض، بل احتلالَ الرواية. أوكرانيا في الرواية «وكيلٌ سرديّ»، وإستونيا «موقعٌ سرديّ»، وروسيا «عدوٌّ سرديّ». هذه الأعطافُ كلُّها تُحلَّل بوصفها أدواتَ في يد «الدار» التي لا اسمَ لها. وهذا التحليلُ لا يُعفي الأطرافَ من مسؤولياتها، لكنّه يُعيد توزيعَ المسؤولية على بنيةٍ أكبر.
إذا قُرئت وفق التحليل النفسي (فرويد، لاكان، زيغيك): الروايةُ تُقدّم «الكراهية» كـ«نرجسيةٍ جماعيةٍ صغيرة». الطفلُ الذي يقول إنّه يريد محوَ روسيا لا يكره روسيا؛ يكره فقدانَ جدّه. ويان كاسك لا يكره أباه؛ يكره خوفَه. وڤايغر لا يكره أحداً؛ يكره الفشلَ في مرآته. الكراهيةُ في الرواية دائماً قناعٌ لجرحٍ أعمق: جرحُ الانتظار. وهنا يلتقي لاكان مع دوستويفسكي، وزيغيك مع تشيخوف.
إذا قُرئت وفق نظرية الاستقبال (ياوس، إيزر): الروايةُ لا تكتمل إلا بقارئها. وهي تُصرّح بذلك في خاتمتها: «ما تبقّى، للقارئ.» وهذا اختيارٌ جماليٌّ وأخلاقيٌّ معاً: الروايةُ ترفض أن تُقدّم إجابةً، لأنّ الإجابةَ هي وظيفةُ الدار. الروايةُ تُقدّم سؤالاً: ما اسمُ الجرة التي تحمل اسمك؟
٧ — خاتمة: الروايةُ في زمنِ التحريض على الحرب
نحن نعيش لحظةً يُعاد فيها إنتاجُ الخطابِ الذي أنتج هتلر وموسوليني وپيوش الثاني عشر، بلباسٍ جديد. خطابٌ يقول: الأزمةُ الهيكليةُ للغرب ليست أزمةَ رأسماليةٍ متأخّرة، بل أزمةُ «عدوٍّ» في الخارج. ولهذا يُستدعى العدوُّ من التاريخ: الشيوعية أمس، روسيا اليوم، الصين غداً. وكلُّ استدعاءٍ له ثمنٌ: حربٌ بالوكالة، أو حربٌ مباشرة، أو حربٌ عالمية. والغربُ الذي استعمر العالم، لا يزال يعتقد — بطفوليةٍ مخيفة — أنّ روسيا دولةٌ يمكن استعمارها. وهو لا يدرك أنّه يقف أمام دولةٍ هزمت نابليون، وهزمت هتلر، وتمتلك أكبرَ ترسانةٍ نووية في العالم، وتاريخاً من الصمود لا نظيرَ له في القرون الأخيرة.
الروايةُ لا تُدين الغربَ، بل تُشخّصه. وتشخيصُها ليس تشخيصَ طبيب، بل تشخيصُ مرآة. والمرآةُ، كما قال إلياس، لا تكذب. والدليلُ على أنّ الروايةَ تكتب عن الغرب لا عن روسيا، أنّ أشرارَها ليسوا روساً. أشرارُها رجالٌ في برجٍ زجاجيّ في زيورخ، يتكلمون الفرنسيةَ والألمانيةَ بلا لكنة، ولا يحملون أيديولوجيا، بل يحملون «ميزانية». والأدهى: أنّ ضحايا الرواية ليسوا روساً فقط، بل إستونيون، وأوكرانيون، وأطفال، ونساء، وشعراء، ومعلّمو بيانو. إنّ «الدار» لا تُفرّق بين ضحاياها. ولا يُفرّق بين ضحاياها إلا من يرفض الانضمام إلى صفّ الجلّادين. وهذه هي الجملةُ الوحيدةُ التي تحملها الروايةُ من أوّلها إلى آخرها:
«أنت لم تُخلَق لتكره. أنت خُلقتَ لتنتظر.»
والانتظارُ، في زمنِ الحروب، ليس سلبية. الانتظارُ هو أعلى أشكال الشجاعة. لأنّ من ينتظر لا يقبل بأن يُخبَر من هو، ولا من يكون عدوّه، ولا من يكون حليفه. والانتظارُ هو أن تُصدّق أنّ الزمنَ ليس عدوّك. ومن يعرف أنّ الزمنَ ليس عدوّه، لا يحتاج إلى عدوّ. ومن لا يحتاج إلى عدوّ، لا يحتاج إلى دار. ومن لا يحتاج إلى دار، حرّ.
وهذه الروايةُ هي جملةُ الحرية. لا أكثر. ولا أقلّ.
..............
رابط الرواية بالعربية :
https://saloum1.substack.com/p/f9d?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
رابط روايتي بالفرنسية
https://saloum1.substack.com/p/la-demeure-de-leternite-roman-satirique?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الموت على الهواء مباشرةً.. مسرحية ساخرة في فصلين وخاتمة
-
دموعٌ على محرّرٍ لم يأتِ.. قصة درامية ساخرة
-
من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن مار
...
-
ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
-
مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
-
النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم
...
-
الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد
...
-
صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا
...
-
صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس
...
-
بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
-
سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
-
نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
-
الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
-
حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول
...
-
حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد
...
-
مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف
...
-
حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات:
...
-
شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل
...
-
كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي
...
-
“الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت
...
المزيد.....
-
-خيوط مصر-.. القاهرة توطد العلاقات مع موسكو
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت
...
-
التعليم العالى: مجلس جامعة بنها الأهلية يوافق على دراسة جدوى
...
-
كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
-
دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر
...
-
إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
-
بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا
...
-
مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط
...
-
إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال
...
-
قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|