أسامة البدران
كاتب ومؤلف وباحث عراقي
(Osama Al.badran)
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 17:58
المحور:
الادب والفن
حين يمشي عليّ باكيًا أمام محمد
قراءة في صورة الإسلام والانشقاق عند دانتي
من أكثر المشاهد إثارة للتأمل ذلك الذي يضع فيه دانتي محمدًا وعليًا في الحفرة التاسعة من الدائرة الثامنة في «الكوميديا الالهية». للوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد صورة عدائية للإسلام في أدب أوروبي مسيحي من العصور الوسطى: محمد في الجحيم، وعلي إلى جواره في صورة جسدية قاسية.
لكن الوقوف عند النص نفسه يكشف بناءً أكثر تعقيدًا.
فدانتي لم يضع محمدًا وعليًا في موضع عشوائي من الجحيم، بل في الحفرة المخصصة لزارعي الفتنة والانشقاق. والعقوبة نفسها ليست منفصلة عن الذنب، وإنما تتخذ منه صورة جسدية: الذين أحدثوا الشقاق في حياتهم يجدون أنفسهم بعد الموت أجسادًا مشقوقة.
يقول دانتي عن أحد المعذبين:
«Già veggia, per mezzul perdere o lulla,
com io vidi un, così non si pertugia,
rotto dal mento infin dove si trulla.»
ثم يصف أحشاءه المتدلية، والجسد المفتوح على نحو بالغ القسوة.
هذه الصورة ليست مجرد محاولة لإثارة الاشمئزاز، وإنما تدخل في منطق العقوبة الذي يحكم «الجحيم» كله، حيث يرتبط شكل العذاب بطبيعة الفعل الذي ارتكبه صاحبه. وفي الحفرة التاسعة يصبح الانشقاق نفسه عقوبة جسدية. [1]
من مزّق وحدة الآخرين، يُمزّق جسده.
ومن أحدث الشقاق، يصبح هو نفسه جسدًا منشقًا.
لكن هذا لا يجيب عن السؤال الأهم:
لماذا محمد وعلي؟
بعد أن يحدق دانتي في الجسد الممزق، يفتح الرجل صدره بيديه ويقول:
«Or vedi com io mi dilacco
vedi come storpiato è Maometto
dinanzi a me sen va piangendo Alì,
fesso nel volto dal mento al ciuffetto.»
«انظر الآن كيف أمزق نفسي؛ وانظر كيف مُزّق محمد؛ وأمامي يمضي عليّ باكيًا، مشقوقًا في الوجه من الذقن إلى أعلى الرأس».
ثم يوضح أن الذين يحيطون به جميعًا كانوا في حياتهم من «زارعي الفتنة والانشقاق». [1]
إذن محمد وعلي ليسا هنا لمجرد كونهما شخصيتين من العالم الإسلامي. دانتي أدخلهما داخل تصور محدد للانشقاق، ثم أحاطهما بشخصيات أخرى من التاريخ السياسي والديني التي رأى فيها، كل بحسب سياقه، نماذج للتفريق وإثارة النزاع.
بعد محمد وعلي يظهر بيير دا ميديتشينا، ثم كوريو، وموسكا، وبرتران دي بورن، الذي يظهر في نهاية النشيد حاملًا رأسه بيده. وهكذا لا تبقى الحفرة حكاية عن الإسلام وحده، وإنما تتحول إلى سلسلة من الصور التي يجمعها عند دانتي معنى التفريق والانقسام. [2]
وهنا يصبح السؤال عن علي أكثر إثارة من مجرد القول إن دانتي كان يحمل موقفًا سلبيًا من الإسلام.
فمحمد مفهوم الحضور نسبيًا داخل التصور اللاتيني الوسيط للإسلام، أما علي فتفاصيل حضوره في هذا الموضع تفتح سؤالًا مستقلًا: لماذا اختاره دانتي تحديدًا؟ ولماذا جعله يمضي أمام محمد؟ ولماذا شق وجهه بدل أن يكرر صورة الجسد الممزق التي منحها لمحمد؟
لا يقدم النص جوابًا صريحًا.
والدراسات الحديثة نفسها لم تصل إلى تفسير واحد حاسم. فهناك من قرأ عليًا بوصفه شخصية مرتبطة بالانشقاق الديني، وهناك من ربط الصورة بالانقسام داخل الجماعة الإسلامية، فيما أشارت دراسة متخصصة إلى أن هذه التفسيرات، على اختلافها، لا تحسم تمامًا لماذا وضع دانتي عليًا ضمن شخصيات الانقسام الاجتماعي والسياسي بدل أن يعامله بوصفه مجرد صاحب هرطقة دينية. [3]
وهذا في حد ذاته مهم؛ لأن ترك السؤال مفتوحًا أكثر علمية من اختراع جواب لا يقوله دانتي.
محمد يتكلم وعلي يمضي
في المشهد نفسه يلفت النظر فرق بسيط، لكنه ذو قيمة أدبية واضحة.
محمد هو الذي يتحدث.
هو الذي يعرّف نفسه، ويكشف جسده، ويشرح طبيعة العقوبة، ويشير إلى علي، ثم ينتقل إلى الحديث عن فرا دولشينو.
أما علي، فلا يمنحه دانتي خطابًا.
إنه يمضي أمامه باكيًا:
«dinanzi a me sen va piangendo Alì»
وهنا لا أرى ضرورة لتحميل هذه العبارة أكثر مما تحتمل، لكن لا أرى أيضًا سببًا لتجاوزها.
فدانتي كان يستطيع أن يجعل عليًا يتحدث كما تحدث محمد، لكنه لم يفعل. اختار أن يجعل حضوره قائمًا على الحركة والوجه والبكاء.
وهذا فرق أدبي، حتى لو لم نعرف سببه على وجه اليقين.
محمد في المشهد يشرح العقوبة التي يعيشها، بينما علي لا يشرح شيئًا. وجوده نفسه هو الذي يؤدي الوظيفة الشعرية.
ومن هنا يمكن فهم الوجه المشقوق بوصفه جزءًا من هذه الصورة.
لماذا الوجه؟
يقول دانتي عن علي:
«fesso nel volto dal mento al ciuffetto»
أي إنه مشقوق في وجهه من الذقن إلى منبت الشعر.
محمد يُفتح جسده، فتظهر أحشاؤه، بينما علي يُشق وجهه.
والوجه ليس تفصيلًا جسديًا عابرًا. إنه أكثر أجزاء الإنسان ظهورًا للآخرين، وهو العلامة التي يتعرف الناس من خلالها إلى الشخص.
ولهذا يمكن قراءة المشهد على المستوى الأدبي بوصفه انتقالًا من تمزيق الجسد إلى تمزيق الصورة.
محمد يحمل أثر الانشقاق في جسده، أما علي فيحمل أثره في وجهه.
ولا أقول إن دانتي قصد هذه المعادلة بصورة واعية، فلا توجد في النص قرينة تكفي لإثبات ذلك. لكن الشعر يسمح بأن تتولد من الصورة دلالة تتجاوز الشرح المباشر الذي يقدمه الشاعر.
والأهم أن هذه الملاحظة تقودنا إلى سؤال آخر عن بكاء علي.
«يمضي عليّ باكيًا»
ربما يكون البكاء هنا أكثر من مجرد علامة على الألم.
ويرى الكاتب أسامة البدران أن بكاء علي في هذا المشهد يمكن أن يُقرأ بوصفه أثرًا لفعل لم يكتمل، أو لشيء بقي معلقًا ولم يبلغ نهايته. وهذه قراءة في البناء الأدبي للشخصية كما رسمها دانتي، وليست ادعاءً بأن الشاعر قصد هذا المعنى تحديدًا.
فعلي في هذا المشهد لا يتوقف ليتحدث عن نفسه، ولا يشرح موقفه، ولا يقدم روايته الخاصة. إنه يمضي أمام محمد، ووجهه مشقوق، ويبكي.
ومن الممكن أن نقرأ هذه الهيئة بوصفها صورة لشخصية تحمل أثر الانقسام أكثر مما تتحدث عنه.
لكن ينبغي ألا ننقل هذه الصورة الشعرية إلى التاريخ مباشرة. فالتاريخ الفعلي لعلي أعقد من أن يختصر في فكرة «الفعل غير المكتمل»، وما نقرأه هنا هو علي كما صنعه دانتي داخل المشهد، لا علي كما كان في التاريخ.
وهذا الفارق ضروري.
دانتي ابن عصره
لفهم هذا كله، لا بد من العودة إلى دانتي نفسه وإلى الزمن الذي كتب فيه.
ولد دانتي سنة 1265 وتوفي سنة 1321. أما الرحلة التي تجري داخل «الكوميديا» فتبدأ، وفق زمن القصيدة، في سنة 1300. ويرجح أن «الجحيم» كتب تقريبًا بين 1307 و1309، ثم تتابع تأليف «المطهر» و«الفردوس» حتى السنوات الأخيرة من حياته. أما «Commedia» فهو الاسم الأصلي للعمل، بينما أضيفت صفة «Divina» في التقليد التحريري في القرن السادس عشر. [4]
وهذا التمييز مهم.
فنحن لا نقرأ مؤرخًا حديثًا يكتب عن الإسلام بعد ظهور علم الأديان المقارن، وإنما شاعرًا من أوروبا اللاتينية في القرون الوسطى، تشكل وعيه من المسيحية واللاهوت والفلسفة المدرسية والتراث اليوناني والروماني، ومن الصراعات السياسية والدينية في عصره.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل كان دانتي يعرف الإسلام؟
السؤال الأدق هو:
ما الإسلام الذي كان متاحًا لدانتي داخل الثقافة اللاتينية في عصره؟
وهذا سؤال مختلف.
فالمعرفة الأوروبية بالإسلام لم تكن طريقًا واحدًا. دخلت إليها الأخبار التاريخية، والمجادلات الدينية، والترجمات، والقصص، والمعارف الفلسفية والعلمية، إلى جانب صور تشكلت في سياق الحروب والصراعات الدينية.
والدراسات الحديثة حول دانتي والإسلام بينت أن المسألة أكثر تعقيدًا من صورة شاعر جاهل بالعالم الإسلامي. فقد كانت هناك في أوروبا اللاتينية معرفة متفاوتة بالقرآن والفلسفة والعلوم الإسلامية، كما كانت هناك كتابات جدلية مسيحية عن الإسلام، وكلها أسهمت بدرجات مختلفة في البيئة الثقافية التي تحرك فيها دانتي. [5]
بل إن إحدى الدراسات الحديثة لفتت إلى احتمال وجود صلة بين صورة محمد المشقوق عند دانتي وبين تقاليد إسلامية قديمة تتحدث عن شق الصدر، مع احتمال انتقال بعض عناصر هذه الرواية إلى الوسط اللاتيني عبر نصوص أو كتابات معاصرة لدانتي. وهذه فرضية بحثية مهمة لأنها تعني أن الصورة الدانتية قد تكون، بصورة paradoxical، قد استندت إلى مادة ذات أصل إسلامي بعد أن دخلت في سياق مسيحي لاتيني مختلف. [6]
وهنا تتضح المسألة أكثر:
دانتي لم يكن يكتب عن «الإسلام» كما نعرفه نحن، لكنه لم يكن أيضًا يكتب في فراغ معرفي كامل.
كان يكتب عن الإسلام كما وصل إليه.
وهذا هو الفارق.
المفارقة التي تكشفها "الكوميديا"
الأكثر إثارة أن دانتي لا يعامل الشخصيات الإسلامية كلها بالطريقة نفسها.
ففي النشيد الرابع من «الجحيم»، حين يدخل دانتي إلى الـLimbo، يلتقي بمجموعة من كبار الحكماء والشخصيات التي لم تدخل في الخلاص المسيحي وفق منظومته، لكنه لا يعاملها معاملة أصحاب الجرائم والعذاب الجسدي.
هناك يرى صلاح الدين:
«E solo, in parte, vidi l Saladino.»
ثم يرى أرسطو:
«Vidi l maestro di color che sanno»
«رأيت معلّم الذين يعرفون».
ثم يذكر سقراط وأفلاطون، ويتابع حتى يصل إلى أبقراط وابن سينا وجالينوس وابن رشد:
«Ipocrate, Avicenna e Galieno,
Averois, ch el gran comento feo.»
ابن سينا وابن رشد هنا ليسا في الحفرة التي يوجد فيها محمد وعلي، وإنما بين أسماء العلم والفلسفة والحكمة. [7]
وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها.
فالقول إن دانتي كان ببساطة «ضد المسلمين» لا يفسر وجود صلاح الدين وابن سينا وابن رشد في هذا الموضع.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نذهب إلى الطرف المقابل فنحوّل هذه الشخصيات إلى دليل على أن دانتي كان متسامحًا مع الإسلام بمعناه الحديث.
الأمر أكثر تركيبًا من ذلك.
دانتي يعيد ترتيب العالم كله وفق منظومته الخاصة: هناك المعرفة، وهناك الخلاص؛ هناك الحكمة، وهناك العقيدة؛ هناك السياسة، وهناك الفتنة؛ وهناك الشخصيات التي يمكن أن يجلّ علمها أو شجاعتها، مع بقائها خارج دائرة الخلاص التي يتصورها.
وهذا يسمح له بأن يضع ابن سينا وابن رشد بين أهل المعرفة، وأن يجعل محمدًا وعليًا في الحفرة التاسعة في الوقت نفسه.
ليس لأن الإسلام عنده قضية واحدة، وإنما لأن الشخصيات دخلت في خريطة أخلاقية وفكرية متعددة المستويات.
دانتي بين فيرجيل وأرسطو وسقراط وابن رشد
ومن الصعب فهم هذه الخريطة من دون فيرجيل.
فيرجيل عند دانتي ليس مجرد رفيق للرحلة. إنه جزء من هندستها الفكرية.
الشاعر الروماني هو الذي يقود دانتي خلال الجحيم ومعظم المطهر، قبل أن تتولى بياتريتشي قيادته في الفردوس. وهذه البنية نفسها تكشف عن مكانة العقل والمعرفة الطبيعية في عالم دانتي، وعن الحدود التي يضعها لهما داخل تصوره المسيحي للخلاص. [4]
كما أن حضور فيرجيل يربط «الكوميديا» بالتراث الروماني وبـ«الإنيادة»، التي كانت إحدى أهم المراجع الشعرية التي تحاور معها دانتي.
ثم يأتي أرسطو.
ثم سقراط وأفلاطون.
ثم ابن سينا وابن رشد.
وهذه الأسماء لا تجتمع اعتباطًا.
دانتي يبني قصيدته من مواد معرفية متعددة: الفلسفة اليونانية، والتراث الروماني، واللاهوت المسيحي، والمعارف التي وصلت إلى أوروبا من العالم الإسلامي.
وفي النشيد الرابع، يبدو الـLimbo أشبه بمشهد تتجاور فيه عصور وثقافات مختلفة داخل فضاء واحد. أرسطو هو «معلّم الذين يعرفون»، وسقراط وأفلاطون قريبان منه، ثم يظهر العلماء والأطباء، ومن بينهم ابن سينا وابن رشد. [7]
وهذا يوضح أمرًا بالغ الأهمية: يمكن لدانتي أن يختلف جذريًا مع دين أو عقيدة، وأن يعترف في الوقت نفسه بقيمة العلم والفلسفة التي وصلت إليه من أصحاب ذلك الدين.
وهنا تحديدًا يصبح من الخطأ فصل صورة محمد وعلي عن بقية هذه الخريطة.
لماذا بقي علي في الحفرة التاسعة؟
إذا عدنا إلى السؤال الأول، فلن نجد جوابًا نهائيًا، وهذا في حد ذاته جزء من الحقيقة.
بعض القراءات القديمة والحديثة ربطت عليًا بالانشقاق الذي نسبه التصور الغربي إلى محمد، وبعض الدراسات رأت في وجوده انعكاسًا لصورة الانقسام داخل المجتمع الإسلامي، ولا سيما الانقسام الذي ارتبط لاحقًا في الذاكرة الإسلامية بالسنة والشيعة. لكن دراسة متخصصة في صورة «علي» عند دانتي تشير إلى أن هذه التفسيرات لا تحل بالكامل سبب وضعه في الحفرة المخصصة لزارعي الانقسام الاجتماعي والسياسي. [3]
وهذا يفتح بابًا أكثر حذرًا.
ربما كان علي عند دانتي أقل أهمية بوصفه شخصية تاريخية إسلامية بكل تعقيداتها، وأكثر أهمية بوصفه جزءًا من الصورة التي احتاج إليها الشاعر ليبني ثنائية الانشقاق في هذا الموضع.
فهو لا يقدمه منفردًا.
يقدمه أمام محمد.
ويشق وجهه.
ويجعله يمضي باكيًا.
هذه العناصر مجتمعة هي التي تصنع الشخصية الدانتية، وليس مجرد اسم «علي».
ولذلك لا أرى أن علينا اختراع سبب واحد لاختيار دانتي له. الأجدى أن ننظر إلى الطريقة التي استخدم بها الشاعر هذه الشخصية داخل البناء كله.
محمد وعلي داخل فلسفة الانشقاق
عندما نعود إلى المشهد بعد المرور بكل هذه السياقات، تصبح الصورة أوضح.
محمد وعلي موجودان داخل الحفرة التي يسميها دانتي موضع «زارعي الفتنة والانشقاق». والعقوبة تجعل أجسادهم تمثيلًا ماديًا لفكرة الانقسام.
لكن دانتي لا يكتفي بتكرار العقوبة.
إنه يميز بين الشخصيتين.
محمد ممزق في جسده ويتولى الكلام.
وعلي مشقوق في وجهه ويمضي باكيًا.
وهذا الاختلاف هو الذي يعطي المشهد قيمته الشعرية.
فمحمد ليس مجرد جسد معذب، وعلي ليس مجرد نسخة أخرى منه. لكل واحد منهما طريقة في الظهور داخل المشهد.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبقى عبارة «يمضي عليّ باكيًا» أكثر رسوخًا في الذاكرة من مجرد وصف الجرح.
إنها لا تقدم معلومة تاريخية، وإنما تقدم صورة.
والأدب يعيش كثيرًا على الصور التي تبقى بعد أن تضيع التفاصيل.
ليس «دانتي ضد المسلمين»
ربما تكون أسوأ طريقة لقراءة هذا المشهد أن نختصره في جملة واحدة: دانتي ضد المسلمين.
لكن اختزاله في الاتجاه المعاكس ليس أكثر دقة.
فالنص يضع محمدًا وعليًا في الجحيم، وهذه حقيقة لا يمكن تلطيفها أو تجاوزها.
وفي الوقت نفسه، يضع صلاح الدين وابن سينا وابن رشد في مواضع مختلفة، ويمنح أرسطو وسقراط وأفلاطون مكانة معرفية استثنائية.
هذه كلها حقائق من العمل نفسه.
المطلوب إذن ليس تبرئة دانتي من عصره، ولا إدانته بلغة عصرنا، وإنما فهم الكيفية التي صنع بها شاعر من القرن الرابع عشر صورة للآخر انطلاقًا من منظومة فكرية ودينية وسياسية تخص عالمه.
وهنا تصبح «الكوميديا» وثيقة أدبية مهمة، ليس لأنها تقول لنا حقيقة الإسلام، وإنما لأنها تكشف لنا كيف استطاعت الثقافة الأوروبية الوسيطة أن تتخيل الإسلام.
وهذا فرق كبير.
فالصورة التي رسمها دانتي ليست الإسلام نفسه.
إنها صورة الإسلام في مخيلة دانتي.
حين يمشي عليّ باكيًا
في النهاية، أعود إلى العبارة التي بدأ منها هذا المقال:
«Dinanzi a me sen
va piangendo Alì»
«وأمامي يمضي عليّ باكيًا».
ربما لا نملك جوابًا نهائيًا عن سبب اختيار دانتي لعلي بهذه الهيئة، ولا عن المعنى الذي أراده الشاعر لهذا البكاء تحديدًا. لكننا نملك النص، ونملك أن نقرأ ما صنعه دانتي في هذه الصورة، حين جمع في بضعة أبيات بين التاريخ والخيال، والدين والسياسة، والانقسام والعقوبة، ثم حوّل هذه المعاني كلها إلى جسد يتحرك أمامنا.
وفي هذا المشهد تحديدًا، لا تبدو شخصية علي مجرد جزء من العقوبة التي رسمها دانتي، بل تصبح صورة أدبية تحمل أكثر مما يقوله النص صراحة. فمحمد يتولى الكلام، بينما يمضي علي في الحركة والصمت والبكاء؛ ومن هذا الاختلاف تتشكل واحدة من أكثر طبقات المشهد قابلية للتأمل.
أما البكاء، فيمكن أن يُقرأ بوصفه أثرًا لفعل لم يكتمل، أو لشيء بقي معلقًا، أو بوصفه علامة إنسانية أوسع من حدود العقوبة التي وضعها دانتي لشخصياته. وهذه قراءة ممكنة من داخل النص، لا حقيقة تاريخية ولا نية مؤكدة يمكن نسبتها إلى الشاعر.
وربما هذا هو المكان الصحيح للوقوف: أن نقرأ دانتي داخل زمنه، وأن نقرأ نصه بما يحمله من تصورات عصره، ثم نعيد النظر في الصورة من موقع قارئ يعرف ما لم يكن دانتي يعرفه. فدانتي لم يكتب الإسلام كما هو، وإنما كتب الصورة التي تشكلت له عنه، ومن هذه المسافة بين الإسلام كما هو، والإسلام كما تخيله شاعر من أوروبا الوسيطة، تنشأ قيمة هذا المشهد وتظل صورته قابلة للسؤال والتأمل.
وهنا، في رأيي، تكمن واحدة من أكثر
المفارقات إثارة في هذا النشيد.
فدانتي أراد أن يجعل الانشقاق عقوبة،
لكنه حين جسّده في شخصيتين لم يكتفِ بتمزيق الجسد، بل صنع فرقًا بين من يتكلم
ومن يصمت، ومن يشرح ومن يبكي، ومن يكشف صدره ومن يُشق وجهه.
ولا نعرف يقينًا لماذا اختار علي بهذه
الصورة.
ولا نملك أن ننسب إلى دانتي نية لم يصرح
بها.
لكننا نملك النص.
والنص يسمح لنا أن نسأل.
بل إن قيمته تكمن أحيانًا في الأسئلة
التي لا يجيب عنها.
وربما لهذا السبب لا تزال صورة علي وهو
يمضي باكيًا أمام محمد قادرة، بعد قرون طويلة، على أن تستوقف قارئًا عربيًا
مسلمًا، لا لكي يدافع عن نفسه أمام دانتي، ولا لكي يحاكم دانتي بعين عصرنا، وإنما
لكي يسأل سؤالًا أبعد:
كيف يستطيع شاعر أن يحوّل تاريخًا
كاملًا من الصراع والانقسام إلى جسد يمشي أمامنا؟
في «الكوميديا» فعل دانتي ذلك.
شقّ الجسد.
وشقّ الوجه.
ثم جعل عليًا يمضي.
باكيًا.
مصادر المقال
1. دانتي أليغييري، «الكوميديا» – الجحيم، النشيد الثامن والعشرون، والنص الإيطالي وملاحظاته في مشروع دانتي بجامعة برينستون.
2. Princeton Dante Project، شرح النشيد الثامن والعشرين وصورة محمد وعلي ومنطق العقوبة في الحفرة التاسعة.
3. Michelina Di Cesare, «De ‘Alī al «Alì» de Dante: Una percepción de la «Shī a» en el Occidente Medieval», Medievalia, عن صورة علي في الغرب الوسيط وعند دانتي.
4. Discover Dante, University of Leeds / University of Notre Dame، عن حياة دانتي، وتأريخ «الكوميديا»، وبنيتها، ودور فيرجيل.
5. Jan M. Ziolkowski (ed.), Dante and Islam, Fordham University Press, 2014، مجموعة دراسات حول معرفة دانتي بالإسلام والقرآن والفلسفة والعلوم الإسلامية وصور محمد وعلي في «الجحيم».
6. Karla Mallette, «Muḥammad in Hell», ضمن Dante and Islam، حول صورة شق الصدر وعلاقتها بالتقاليد الإسلامية وبعض مسارات انتقال المعرفة إلى الوسط اللاتيني.
7. النشيد الرابع من «الجحيم»، موضع صلاح الدين وأرسطو وسقراط وأفلاطون وابن سينا وابن رشد في الـLimbo.
#أسامة_البدران_Osama_Al_Badran (هاشتاغ)
Osama_Al.badran#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟