أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي
(Osama Al-badran)
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 20:42
المحور:
الادارة و الاقتصاد
يشير مفهوم الإرشاد (Mentoring) في بيئات العمل الحديثة إلى علاقة إنسانية ومهنية في الوقت نفسه، يقوم فيها شخص أكثر خبرة، يُنظر إليه بوصفه مرشدًا أو مستشارًا أو مدربًا، بدعم ومساندة الأفراد الأقل خبرة، سواء من خلال التوجيه المباشر أو عبر المشاركة في العمل اليومي أو من خلال تقديم النصح والتشجيع. ولا يقتصر هذا المفهوم على مجرد نقل المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سلوك مهني، وتعزيز الثقة، وتطوير القدرات منذ المراحل الأولى للالتحاق بالعمل.
وفي المجالات المهنية المختلفة، يتجلى هذا المعنى بوضوح. ففي المجال الطبي، على سبيل المثال، يتعلم المتدربون من الشباب الإجراءات الصحيحة والسلوكيات المهنية تحت إشراف الأطباء ذوي الخبرة، كما يتعلم طلبة الدراسات العليا أساليب البحث العلمي من أساتذتهم الذين يشرفون على الدراسات ويقومون بتوجيههم في كل مراحلها. هذا النمط من التعلم لا يختلف كثيرًا عن مفهوم الإرشاد في بيئات العمل الأخرى، حيث يكون وجود شخص أكثر خبرة عنصرًا حاسمًا في تشكيل المسار المهني للأفراد الجدد.
وإذا عدنا إلى الجذور التاريخية لهذا المفهوم، نجد أن فكرة الإرشاد ليست حديثة، بل تمتد إلى الأساطير اليونانية القديمة، حيث كان يُنظر إلى “المعلم” أو “المرشد” بوصفه صاحب مهمة خاصة تتمثل في نقل الحكمة والخبرة. وتُروى في هذا السياق قصة أوديسيوس الذي غاب عن منزله بسبب حروب طروادة، فقام بتكليف أحد عبيده بمهمة تعليم ابنه وتوجيهه وتربيته، وهو ما يعكس بوضوح فكرة نقل الخبرة عبر علاقة شخصية قائمة على الثقة والمسؤولية.
ومع تطور بيئات العمل الحديثة، أصبح الإرشاد جزءًا أساسيًا من الثقافة التنظيمية داخل المؤسسات. فهو لا يقتصر على التدريب الرسمي، بل يشمل أيضًا الصداقة المهنية، والرعاية، والنمذجة السلوكية، وإتاحة الفرص للموظفين الأصغر سنًا للتعلم من خلال العمل المباشر مع أصحاب الخبرة. وفي كثير من الأحيان، يمكن لهذه العلاقة أن تؤثر بشكل مباشر في المسار الوظيفي للموظف، سواء من خلال تطوير مهاراته أو توجيه خياراته المهنية أو حتى من خلال تحسين أدائه العام داخل المؤسسة.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن غالبية المديرين قد مروا بتجربة إرشاد واحدة على الأقل خلال حياتهم المهنية، وهو ما يعكس أهمية هذه العلاقة في تشكيل القيادات المستقبلية داخل المؤسسات. كما أن برامج الإرشاد أصبحت اليوم من الممارسات الشائعة في كبرى الشركات العالمية، حيث تعتمدها نسبة كبيرة من المؤسسات الكبرى ضمن استراتيجياتها لتطوير الموارد البشرية.
وتتعدد وظائف الإرشاد داخل بيئة العمل، إذ يمكن تقسيمها بشكل عام إلى وظائف مهنية ووظائف نفسية اجتماعية. فالوظائف المهنية ترتبط بتطوير الأداء الوظيفي من خلال التدريب، وإتاحة الفرص، وتكليف الموظف بمهام تحدٍّ تساعده على النمو المهني، إضافة إلى زيادة ظهوره داخل المؤسسة ومنحه فرصًا أكبر لاكتساب الخبرة العملية. أما الوظائف النفسية والاجتماعية، فهي تتعلق ببناء العلاقة الإنسانية بين المرشد والمتدرب، وتشمل تقديم الدعم النفسي، وتعزيز الثقة، وتقديم المشورة، وبناء علاقة قائمة على الصداقة والقبول والتشجيع.
ومن التطورات اللافتة في هذا المجال ظهور مفهوم “التوجيه العكسي”، وهو نموذج جديد في العلاقات المهنية يقوم فيه الموظفون الأصغر سنًا بدعم وتوجيه المديرين ذوي المناصب الأعلى، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والتحولات الرقمية. ففي كثير من المؤسسات، أصبح الموظفون الجدد يمتلكون خبرة أكبر في استخدام التقنيات الحديثة، ما يجعلهم مصدرًا مهمًا لنقل المعرفة إلى القيادات العليا، خاصة فيما يتعلق بالشبكات الاجتماعية واتجاهات الإنترنت والتحول الرقمي.
ورغم أهمية هذه الوظائف المتعددة للإرشاد، إلا أن الواقع التنظيمي يشير إلى أنه ليس من الضروري أن يجمع شخص واحد كل هذه الأدوار. فالموظف الجديد يمكنه أن يستفيد من شبكة واسعة من العلاقات داخل المؤسسة، تشمل المديرين، والزملاء، والمدربين، وحتى الأصدقاء داخل بيئة العمل، حيث تتكامل هذه العلاقات لتشكل نظامًا داعمًا لعملية التنشئة الاجتماعية المهنية.
وفي هذا السياق، تشير بعض التجارب العملية إلى أن التوجيه العكسي لا يفيد المتدربين فقط، بل يمكن أن يكون مفيدًا أيضًا للمديرين والمنظمات ككل. فقد اعتمدت بعض الشركات العالمية مثل جنرال إلكتريك هذا النموذج بشكل رسمي، حيث طُلب من الموظفين الشباب مساعدة كبار المديرين في فهم التطورات التكنولوجية ووسائل التواصل الحديثة، وهو ما ساعد على تقليل الفجوة بين الأجيال داخل المؤسسة.
كما طورت شركات أخرى مثل فورد للسيارات دراسات وبرامج تنظيمية تهدف إلى تحسين العلاقة بين المتدربين والإدارة الجديدة، بما يضمن اندماجًا أفضل داخل بيئة العمل.
وعند النظر إلى علاقة الإرشاد نفسها، نجد أنها تمر عادة بعدة مراحل تتطور تدريجيًا مع الزمن. تبدأ هذه العلاقة بمرحلة التأسيس، حيث يتم التعارف وتحديد الأدوار، ثم تنتقل إلى مرحلة النمو التي تشهد تفاعلًا أكبر ونقلًا أعمق للخبرة. بعد ذلك تأتي مرحلة الانفصال التدريجي، حيث يبدأ المتدرب بالاعتماد على نفسه، قبل أن تصل العلاقة إلى مرحلة إعادة التعريف، والتي قد تتحول فيها إلى علاقة زمالة أو شبكة مهنية مستمرة. وقد تمتد هذه العلاقة من بضعة أشهر إلى عدة سنوات، حسب طبيعة البيئة التنظيمية وطبيعة العمل نفسه.
وتؤكد التجارب أن فوائد الإرشاد لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تمتد إلى المؤسسة بأكملها، حيث يساهم في رفع مستوى التحفيز، وزيادة معدلات الاحتفاظ بالموظفين، وتعزيز التماسك الداخلي، إضافة إلى نقل القيم المؤسسية من جيل إلى آخر. ومع تزايد التنوع داخل القوى العاملة، أصبحت عملية اختيار المرشدين والمتدربين أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد تعتمد فقط على الخبرة، بل أيضًا على عوامل مثل الجنس، والعرق، والثقافة، وطبيعة التواصل.
ويميل الأفراد غالبًا إلى اختيار مرشدين يشبهونهم في التفكير والأسلوب، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى استبعاد فئات معينة إذا تُركت العملية دون تنظيم. ولهذا أصبح من الضروري أن تقوم المؤسسات بمراجعة آليات المطابقة لضمان العدالة وتكافؤ الفرص، خصوصًا للفئات التي قد تكون أقل تمثيلًا في المناصب الإدارية.
وفي إطار أوسع، تمثل إدارة التنوع في بيئة العمل أحد أهم التحديات المعاصرة، خاصة في دول متعددة الثقافات مثل الولايات المتحدة، حيث تتكون القوى العاملة من خلفيات عرقية ودينية وثقافية متنوعة، تشمل أصولًا أفريقية وآسيوية ولاتينية وأوروبية وغيرها. كما تشكل النساء نسبة كبيرة من سوق العمل، ما يضيف بُعدًا إضافيًا للتنوع داخل المؤسسات.
ولا يُفهم التنوع هنا بوصفه مجرد تحقيق للمساواة في الفرص، بل باعتباره مفهومًا أعمق يرتبط بالاختلافات البشرية الطبيعية، سواء كانت أساسية مثل العمر والجنس والعرق، أو ثانوية مثل التعليم والحالة الاجتماعية والدين والخبرة العملية. إن فهم هذه الاختلافات وتقديرها يمثل خطوة أساسية نحو بناء بيئة عمل أكثر شمولًا وفعالية.
ومع استمرار تغير التركيبة السكانية للقوى العاملة، أصبح على المديرين تطوير أساليبهم في الإدارة والتنشئة الاجتماعية، من خلال فهم الخلفيات الثقافية المختلفة، وتطوير برامج تدريبية، وتحسين مهارات التواصل، وتصميم أنظمة عمل تراعي التنوع، إضافة إلى مكافأة المديرين الذين ينجحون في دمج هذه الاختلافات بشكل فعال داخل فرق العمل.
وتُظهر التجارب أن نجاح المؤسسات في إدارة التنوع يعتمد على مبدأ التبادل الثنائي، حيث لا يقتصر التعلم على الموظف فقط، بل يشمل أيضًا المديرين الذين يحتاجون إلى فهم ثقافات موظفيهم، وفي المقابل يحتاج الموظفون إلى فهم ثقافة المؤسسة نفسها. ومن هنا ظهرت العديد من البرامج التدريبية وورش العمل التي تهدف إلى تعزيز هذا الفهم المتبادل.
وقد طبقت شركات عالمية مثل ميرك وبروكتر آند غامبل وفورد برامج متقدمة في هذا المجال، شملت شبكات دعم داخلية، وبرامج توجيه، ومبادرات لدمج الأقليات والنساء داخل بيئة العمل. كما طورت شركات أخرى مثل أورثو للأدوية برامج لإدارة التنوع بهدف تسهيل التحول الثقافي داخل المؤسسة، بينما اعتمدت شركات أخرى أنظمة دعم لغوي وتدريبي لتسهيل اندماج الموظفين من خلفيات مختلفة.
وفي مثال آخر، قدمت شركة سياتل تايمز برامج تدريبية مكثفة حول التنوع والتعددية الثقافية، شملت جلسات توعوية ومناقشات حول التحيزات والصور النمطية، وقد ساعدت هذه البرامج في تعزيز الوعي الداخلي ورفع كفاءة التعامل مع الاختلافات داخل بيئة العمل.
وفي ظل المنافسة العالمية المتزايدة، لم يعد التنوع مجرد خيار إداري، بل أصبح ميزة استراتيجية، إذ يساعد الشركات التي تمتلك قوى عاملة متعددة الثقافات على فهم الأسواق العالمية بشكل أفضل، والتكيف مع البيئات المختلفة، وتحقيق نجاح أكبر في الأسواق الدولية.
وفي النهاية، يمكن القول إن الإرشاد والتنوع يمثلان معًا ركيزتين أساسيتين في بناء المؤسسات الحديثة، حيث يتكامل نقل الخبرة مع إدارة الاختلافات البشرية لصناعة بيئة عمل أكثر إنتاجية واستدامة وقدرة على المنافسة في عالم سريع التغير.
#أسامة_البدران_Osama_Al_Badran (هاشتاغ)
Osama_Al-badran#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟