أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة البدران - باقة ورد لم تصل














المزيد.....

باقة ورد لم تصل


أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي

(Osama Al-badran)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


على اعتاب الزمن الجميل .... قلب تحطم مرتين

ليس الزمن وحده ما يغيّر ملامح البشر، بل ما يتركه في أرواحهم من ندوبٍ لا تُرى.
فبعض الناس يعبرون السنوات كما يعبر المسافر طريقًا هادئًا، بينما يعبرها آخرون كمن يسير فوق زجاجٍ مكسور.
وحين يلتقي قلبان بعد زمنٍ طويل، لا يلتقيان كما كانا.
فالحب قد يبقى في الذاكرة نقيًا كما كان، لكن الحياة لا تسمح للقلوب أن تبقى على حالها.
بين الأمس واليوم تتغير الطباع، وتنطفئ بعض الوعود، ويغدو الحب أحيانًا امتحانًا قاسيًا لا ينتصر فيه أحد.
فالعلاقة بين اثنين لا تتحطم فجأة، بل تتآكل ببطء:
كلمة لا تُقال في وقتها،
موعد لا يتحقق،
اتصال يتأخر حتى يفقد معناه،
وعتب صغير يتراكم فوق عتب آخر حتى يصبح الصمت أثقل من الكلام.
حين عاد إليها بعد عشرين عامًا، كان يحمل في يده باقة ورد صغيرة.
لم تكن باقة فاخرة، ولا ملفوفة بأشرطة حريرية.
كانت بسيطة… كأنها اعتذار متأخر عن زمن ضاع.
كلما مرّ بسوق صغير في طريقه، كان يقف أمام بائع الزهور لحظة طويلة.
ينظر إلى الباقات كأنه يبحث بينها عن الكلمات التي لم يعد يجيد قولها.
كان يختار أجملها.
ليس لأنه يملك المال،
بل لأنه يريد أن يمنح قلبها شيئًا يشبه الفرح.
كان يتخيل وجهها حين تراها…
وكيف يضيء فجأة، كأن الزمن يعود إلى الوراء.
لكن الطريق بين نيته وواقعه لم يكن قصيرًا.
وقف أمامها مترددًا، كأن المسافة بين يده ويدها أطول من تلك السنوات التي فرّقتهما.
كانت تنظر إليه بعينين تعرفانه جيدًا.
لكن شيئًا في ملامحه لم يعد مألوفًا.
ذلك الشاب الذي عرفته يومًا كان خفيف الروح، سريع الضحك، يفيض حماسة ووعدًا بالمستقبل.
أما الرجل الواقف أمامها الآن فقد أثقلته الأيام.
في عينيه تعب طويل،
وفي صوته خشونة صنعتها الحياة.
كانت الحياة قد مضت بكل واحدٍ منهما في طريق مختلف.
هي استقرت، رتبت حياتها، ووجدت إيقاعًا هادئًا لأيامها.
أما هو فقد ظل يجري خلف لقمة العيش،
كما يجري رجل يطارد قطارًا لا يتوقف.
لم يعد ذلك الشاب الذي يقطع الشوارع ليراها دقائق،
ولا ذلك العاشق الذي يقف ساعات ينتظر ابتسامة منها.
السنوات صنعت منه رجلاً مثقلاً بالحياة.
كانت أيامه تبدأ قبل أن تشرق الشمس.
عمل يطارده،
وأعباء بيت لا تنتظر،
وأطفال يحتاجون إلى طعام ودفء وأمان.
لم يكن فقير القلب…
لكنه كان فقير الوقت.
كانت تنتظر اتصاله في المساء.
وأحيانًا… لا يأتي الاتصال.
كانت تنتظر وعدًا بلقاء.
ثم يضيع الموعد بين زحام العمل والتعب والالتزامات.
وفي كل مرة يتأخر، كان يشعر بأن شيئًا في قلبها ينكسر بصمت.
لم يكن يقصد أن يخلف وعدًا.
لكن حياته لم تكن تسير كما يريد.
أحيانًا يعود إلى بيته منهكًا إلى درجة لا يستطيع معها حتى أن يرفع الهاتف.
وأحيانًا تمر الأيام وهو يعد نفسه أنه سيتصل…
ثم يسرقه التعب مرة أخرى.
ومع ذلك، كلما استطاع أن يراها، كان يحمل لها باقة ورد.
كأن الورود صارت اللغة الوحيدة التي يستطيع أن يعتذر بها عن تقصيره.
وفي مساء هادئ أدرك الحقيقة التي حاول طويلًا أن يتجاهلها.
الحب ما زال حيًا في قلبه…
لكن الحياة لم تعد تسمح له بأن يكون الرجل الذي تحتاجه.
نظر إليها طويلًا ثم قال بصوت هادئ:
أنا أحبك…
أحبك لدرجة أنني أتمنى أن أراك دائمًا مبتسمة.
لكنني حين أراك تنتظرينني هكذا، أشعر أنني السبب في حزن لم أرد يومًا أن يمس قلبك.
كان يعلم أن قلبها ما زال شابًا.
قلبًا يحب التفاصيل الصغيرة،
ويفرح بوعد يتحقق.
أما قلبه هو فقد صار حذرًا، صامتًا، متعبًا من كثرة ما خذلته الحياة.
لم يكن قاسيًا بطبيعته…
لكن الزمن حين يكثر من الطرق على القلب يحوّله أحيانًا إلى حجر.
كان ينظر إليها ويشعر بفرح يشبه الألم.
يتمنى أن يمنحها حبًا كاملًا،
لكنه يعرف الحقيقة:
لم يعد الرجل الذي يستطيع أن يعيش للحب وحده.
وحين رأى في عينيها خيبة تتكرر، فهم أن الأمر لم يعد مجرد تأخير في موعد أو نسيان اتصال.
لقد صار وجوده نفسه عبئًا على سعادتها.
في مساء طويل جلس أمامها صامتًا.
كانت بينهما باقة ورد أخرى.
قال بصوت منخفض:
كنت أتمنى أن أكون الرجل الذي يستحقك.
كنت أتمنى أن أفي بكل وعد قطعته لك.
لكنني صرت رجلًا تستهلكه الحياة قبل أن يصل إليك.
لم يكن القرار سهلًا.
كان يعلم أنه يحبها أكثر مما ينبغي.
لكن الحب الذي يجلب الحزن لمن نحبه… ليس حبًا كريمًا.
قال وهو ينهض ببطء:
أنا أحمل لك من الحب ما يكفي لعمرين…
لكنني لا أملك من القوة ما يكفي لأجعلك سعيدة.
أفضل أن أبقى أحبك من بعيد،
على أن أكون سببًا في انتظار يرهق قلبك.
وفي تلك اللحظة فهم أن بعض القصص لا تنتهي لأن الحب انتهى…
بل لأنها كانت أكبر من قدرة الحياة على احتمالها.
ابتسم ابتسامة متعبة وقال:
ربما يكون ابتعادي عنك…
هو الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقدمه لك بصدق.
سكتت الكلمات بعد ذلك.
وفي قلبه بقيت باقة ورد لم تصل أبدًا.
كانت تلك الباقة آخر ما حمله نحوها…
وآخر ما دفنه في قلبه.

روايات ليست من الواقع ......



#أسامة_البدران (هاشتاغ)       Osama_Al-badran#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكريات حائرة في جامعة بغداد
- دور الموازنة المالية في اتخاذ القرارات الاستثمارية طويلة الا ...
- الولاية السودانية الثانية ... استقراء المرحلة القادمة وفق مع ...
- شرعنة الحكم الاموي في متغيرات العصر الحديث .. سوريا انموذجا
- اليوم العالمي للكاتب والمؤلف والاديب 23 إبريل
- بين منصة اكس ( X ) ومنصة النفاق ( The two faces )
- العراق بين تردي الواقع الخدمي وتجليات الطوفان العالمي
- التعصب من وجهة نظر أبي
- طار الخيط والعصفور
- اله القمر في أكد المفقودة في بحر الرمال
- هل سنشهد نهاية موقع التواصل الاجتماعي The Facebook عن قريب؟!
- تبلور سباسة تجفيف الانهار في العراق
- نهر النيل المقدس ينبع من بابلونيا ويصب في أور
- كيبالتوا إيلي مركز كل مدينة سومرية
- نين سينا - أبن سينا -Avicenna
- الكتاب الأسود – THE BLACK BOOK
- مغارة السردين
- باغادي كييفا... والأمير جودي.. مسامير من رحم الواح سومر .. ف ...
- خسف العقول .. ومقام الخمول.. مفارقات في وعي الشعوب مابين جيل ...
- شرايين وعروق (العراق) المقطعة في نهاية العهد الحجري الرابع ع ...


المزيد.....




- أول متحف مستقل للفنون الجميلة في لاس فيغاس.. مجموعته الفنية ...
- حرب الروايات في الخليج: واشنطن تتحدث عن تدمير خارك وطهران تر ...
- صراع الروايات في بحر العرب: طهران تعلن استهداف -أبراهام لينك ...
- الكويت.. الداخلية تعلن منع الأعراس والحفلات والمسرحيات خلال ...
- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- سينما -الأجنحة الصغيرة- في غزة: شاشة من ضوء تهزم عتمة الحرب ...
- لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026 ...
- على سرج غيمة
- قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة البدران - باقة ورد لم تصل