أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة البدران - ذكريات حائرة في جامعة بغداد















المزيد.....

ذكريات حائرة في جامعة بغداد


أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي

(Osama Al-badran)


الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 10:36
المحور: الادب والفن
    


بدأتُ مشواري الجامعي بعد نكبة حزنٍ عميقة.
كانت تلك النكبة نتيجة عدم ارتباطي بالنظام السياسي الحاكم آنذاك، فعوقبتُ بذنبٍ لم أرتكبه إلا لأنني لم أنتمِ إليهم. مُنعتُ من خوض الامتحان الوزاري أسوةً بباقي أقراني من الطلبة، وكانت تلك الضربة الأولى التي رسم بها القدر ملامح تلك المرحلة من حياتي.

كانت السنوات ما بين 1999 و2002 محاولة يائسة مني للحاق بما فاتني من دراستي، ومحاولة لإصلاح ما أفسده ظلم السلطة آنذاك. لكن ما بدا لي بدايةً لسوء الحظ، كان في الحقيقة مقدمة لسلسلة أخرى من الاختبارات التي يمر بها كل فرد في العراق إذا حاول أن يسير خارج قوانين المجتمع الذي كان يحكمه نظام الحزب الواحد ودكتاتوريته.

رفضت بشدة أن أنضم إلى معهد التكنولوجيا في الحلة – الحصوة، رغم كفاءته العلمية والدراسية.
كان قلبي يرفض مغادرة بغداد؛ ربما لأن روحي بدأت رحلتها فيها، حيث ولدت وعشت وترعرعت.

هناك، في منزلنا البسيط الذي بناه والدي بشق الأنفس، كان شارعنا يحمل الرقم 30 في منطقة حي الميكانيك في بغداد.
كان ذلك الشارع نافذتي الصغيرة إلى هذا العالم الكبير. لم أكن أعلم يومها أن الأرواح قد ترتبط ببعضها دون سابق تخطيط أو إنذار.

بدأت أتجاوز العقبات كي أحصل على القبول في كلية التربية الرياضية في جامعة بغداد. كانت تلك الكلية خياري الوحيد بعد كل الضربات الموجعة التي تلقيتها من ذلك النظام.

كانت فرحتي عظيمة عندما قُبلت فيها.
حتى إنني كنت أذهب يومياً إلى الكلية رغم أن الدوام الرسمي لم يكن قد بدأ بعد. لم أكن أعلم أن هناك روحاً طيبة ونقية كانت تشدني إلى ذلك المكان.

لم أخطط لذلك اللقاء أبداً.
ولم أعرف أن حياتي، حيث بدأت هناك، قد تنتهي أيضاً في المكان نفسه… وأن سعادتي ستُقتل في مهدها.

والغريب أن السبب، في بداية القصة، لم يكن النظام.
ربما سأعرف السبب بعد أكثر من عشرين عاماً… من يدري.


---

لم تكن جامعة بغداد بالنسبة لي مجرد قاعات دراسية أو ممرات مزدحمة بالطلبة.
كانت مدينةً صغيرة داخل مدينةٍ أكبر؛ مدينة مليئة بالأحلام التي لم تكن تعلم أن التاريخ سيأتي قريباً ليغير كل شيء.

في صباحات عام 2003 كنت أعبر بوابة الجامعة حاملاً كتبي وحقيبتي الرياضية التي تضم كل تجهيزاتي، لكنني في الحقيقة كنت أحمل شيئاً آخر لا يشبه الكتب.

كنت أحمل انتظاراً صغيراً… انتظاراً لرؤيتها.

كانت تمر في الممر المؤدي إلى الكلية بهدوء يشبه نسيم دجلة في الربيع.
لم تكن تعلم أن خطواتها البسيطة كانت تربك قلبي، وأن ابتسامتها العابرة كانت كفيلة بأن تجعل يوماً كاملاً يبدو مختلفاً.

في تلك الأيام كان العالم يبدو بسيطاً.
كنا نظن أن أقسى ما يمكن أن يحدث هو امتحان صعب أو محاضرة طويلة.

لكننا لم نكن نعلم أن بغداد نفسها كانت تقف على حافة زمنٍ جديد.


---

بدأت الحكاية قبل الجامعة بقليل، في حي الميكانيك.
كنت أعمل في ورشة لتصليح الأجهزة المنزلية. نعم، كنت أعمل وأدرس في الوقت نفسه. ما ظننته يوماً سبباً في حرماني من الامتحان الوزاري جعلني أكثر قوة وصلابة، وجعلني أتعلم كيف أواجه العقبات وأكدح لتحقيق أهدافي.

كنت أرى بعين الشاب اليافع أن المال قوة، وأن المهنة حصن يحمي الإنسان من المستقبل المجهول، وأن العلم سلاح لا بد منه، وأن الشهادة الأكاديمية هي التي سأواجه بها المجتمع في الأيام القادمة.

في أوقات فراغي كنت أراقب سيارات الريم التي تمر في شارع الميكانيك.
وهناك… كانت روحها تمر بقربي.

كانت تجلس في السيارة بشموخٍ يعلوه شيء من الكبرياء، لم يكن يناسب وجهها الطفولي الجميل ولا عينيها الحائرتين.

رمقتني ذات مرة بنظرة كانت كفيلة بأن تأسر قلبي مدى الحياة.

ورغم ذلك، لم يكن مستقبلي واضحاً أمامي. كان ضبابياً إلى حدٍ بعيد.
لكنني كنت أستطيع أن أرى خلال الضباب جيداً.

فمن أكون أنا… حتى تقبل تلك الجميلة، بشموخها وعنفوان شبابها، أن تسير في طريقي؟


---

كنت أتصور مستقبلاً بسيطاً:
ربما أصبح صاحب ورشة صغيرة، أو معلماً في مدرسة.
ربما أتزوج فتاة بسيطة وأعيش مع والدي في منزله.

وربما أجلس ليلاً أدخن سيجارة قرب نافذة غرفتي، أفكر بها وهي تمر أمام شباكي.

ربما يكون لدي عدد من الأطفال الذين لا يشبهونني في شيء.

من يدري؟

لم يكن أحد يعلم…
أن بغداد نفسها ستسقط يوماً تحت نير الاحتلال.


---

ثم جاء عام 2003.

لم تسقط بغداد وحدها.
سقطت أشياء كثيرة معها.

تغيرت الشوارع.
وتغيرت الوجوه.
وتغيرت الجامعة التي عرفناها.

اختفت تلك الصباحات الهادئة.
واختفت معها أيضاً تلك الفتاة التي كانت تمشي في الممر ذاته.

اختفى من حياتي مخطط ستين عاماً كنت أتخيل أنني سأعيشها معها، مع توأم روحي.

لم يكن هناك وداع حقيقي.
ولا كلمة أخيرة.

فالحروب لا تعطي الناس فرصة لإكمال قصصهم.

ومنذ ذلك اليوم بقيت تلك الذكرى معلقة في قلبي كصورة قديمة:

ممر في جامعة بغداد…
وفتاة تمر بهدوء…
وشاب لم يكن يعلم أن تلك اللحظات ستصبح يوماً أجمل ما خسره في حياته.


---

بعد قبولي في الجامعة كنت أراها أحياناً تصعد في حافلة تمر من سوق الآثوريين إلى جسر الجادرية.
كنت ألمحها هناك كثيراً.

كانت وجنتاي تتوردان كلما وقع بصري عليها.
كنت أخجل من مواجهتها، وأحياناً أبتسم لنفسي كأي شاب ساذج يعيش أولى لحظات قلبه.

تعرفت عليها أخيراً، وبدأت حياتي تسير لأول مرة كما تمنيتها.

كنا نذهب إلى الجامعة معاً… ونعود منها معاً.

وأحياناً كنا نتصرف بطيش الشباب، فنضيع بعض المحاضرات لنقضي الوقت في كافتريا الجامعة.

نأكل سندويشات بسيطة، نشرب علبتي كولا باردتين، نأكل بعض الـ"فِنغرز"، ونستمع إلى أغاني هيثم يوسف أو محمد عبد الجبار، وأحياناً إلى موسيقى هادئة.

لم تكن تلك الأيام طويلة أبداً.
كانت مجرد أربعة أسابيع… وربما ثلاثة فقط.

قد تخونني الذاكرة.

وربما… كان كل ذلك مجرد حلم.
من يدري؟


---

مرت سنوات طويلة.

تغيرت المدن.
وتغيرت الوجوه.
وتغيرت حياتي أيضاً.

لكن الغريب أن تلك الذكرى بقيت كما هي.

أحياناً أفكر:
ربما لم يكن ذلك حباً كاملاً،
ربما كان مجرد بداية لم تُكتب لها نهاية.

لكن بعض القصص لا تُقاس بنهاياتها،
بل بما تركته في القلب من أثر.

وكلما تذكرت جامعة بغداد في تلك الأيام، أتذكرها هي.

كأن الزمن توقف هناك…
قبل أن تتغير بغداد إلى الأبد، وقبل أن يتحطم القلب الذي أحمله على حجارة الواقع الصلدة.

عشق بغداد ذاب في قلبٍ مكسور.

غادرت بغداد اليوم، وسكنت في مدينة أخرى اسمها كربلاء، لكن قلبي ما زال هناك.

ربما لم يُكتب لنا أن نعيش كما أردنا،
لكنني أعرف شيئاً واحداً جيداً:

أنني لم أكن لأستسلم للنظام…
ولا للقدر…
ولا لهما معاً.

حتى لو كلفني ذلك هذه الحياة…
وحياةً أخرى بعدها.



#أسامة_البدران (هاشتاغ)       Osama_Al-badran#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دور الموازنة المالية في اتخاذ القرارات الاستثمارية طويلة الا ...
- الولاية السودانية الثانية ... استقراء المرحلة القادمة وفق مع ...
- شرعنة الحكم الاموي في متغيرات العصر الحديث .. سوريا انموذجا
- اليوم العالمي للكاتب والمؤلف والاديب 23 إبريل
- بين منصة اكس ( X ) ومنصة النفاق ( The two faces )
- العراق بين تردي الواقع الخدمي وتجليات الطوفان العالمي
- التعصب من وجهة نظر أبي
- طار الخيط والعصفور
- اله القمر في أكد المفقودة في بحر الرمال
- هل سنشهد نهاية موقع التواصل الاجتماعي The Facebook عن قريب؟!
- تبلور سباسة تجفيف الانهار في العراق
- نهر النيل المقدس ينبع من بابلونيا ويصب في أور
- كيبالتوا إيلي مركز كل مدينة سومرية
- نين سينا - أبن سينا -Avicenna
- الكتاب الأسود – THE BLACK BOOK
- مغارة السردين
- باغادي كييفا... والأمير جودي.. مسامير من رحم الواح سومر .. ف ...
- خسف العقول .. ومقام الخمول.. مفارقات في وعي الشعوب مابين جيل ...
- شرايين وعروق (العراق) المقطعة في نهاية العهد الحجري الرابع ع ...


المزيد.....




- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...
- أوسكار 2026.. سقوط -ملك الأفلام- وصعود الانقلاب الخفي في هول ...
- الأوسكار يختم -مسيرة مذهلة- لفيلم هامنت من إنتاج RedBird IMI ...
- -كأن تختبئ من المرآة أمامها-.. شعرية الهامش وجماليّات الانكس ...
- إنتاج -آي إم آي ريد بيرد-.. رحلة -هامنت- من الأدب للأوسكار
- العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة البدران - ذكريات حائرة في جامعة بغداد