أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة البدران - مكالمة لم يرد عليها














المزيد.....

مكالمة لم يرد عليها


أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي

(Osama Al-badran)


الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 10:03
المحور: الادب والفن
    


وردني اتصالٌ منها عند الساعة الحادية عشرة، قبل منتصف الليل بقليل.
لم أكن معتادًا على اتصالها بي دون تمهيد، دون رسالةٍ تسبق الاتصال كما كانت تفعل دائمًا؛ كانت تُفرغ نفسها من التزاماتها أولًا، ثم تكتب، ثم تتصل… هكذا تعوّدتُها.
لذلك، لم يكن الأمر مستغرِبًا بقدر ما كان صامتًا، عابرًا، كنسمةٍ لا تثير الانتباه.
ولم يدفعني ذلك الاتصال لأن أعيد الكرة وأتصل بها.
كان يومًا مُرهقًا… يومُ جمعةٍ بدأناه منذ الصباح الباكر، أنا ومجموعة من الأصدقاء، متجهين إلى صحراء الغرب، نحو بادية السماوة، لنخيم هناك ونترك خلفنا ضجيج المدن.
كانت الصحراء بالنسبة لي صفاءً خالصًا؛
مكانًا أستعيد فيه نفسي، حيث السماء مفتوحة بلا سقف، والأفق بلا حدود، والحجارة القديمة تهمس بأسرارٍ لا تُقال.
كنت أتأمل كل شيء… حتى شظايا الخزف المكسور.
وقفتُ طويلًا أمام قطعةٍ زجاجية من خزفية مهشّمة، أحدق فيها بعمقٍ غريب.
لم يخطر ببالي يومًا أنني قد أرى في الأشياء أكثر مما هي عليه… أو أنني قد أستبصر ما سيحدث لمن أحب.
لم أُرد أن أوهم نفسي بأنني بطلٌ من فيلم Final Destination،
ذلك الذي يرى المصير قبل وقوعه ويحاول تغييره، لكنه يفشل في كل مرة.
كنت أعرف أن الواقع أقسى من الخيال، وأننا—في النهاية—لا نُنقذ أحدًا من قدره.
لكن شيئًا ما كان مختلفًا.
أمسكتُ بقطعةٍ مزجّجة من تلك الخزفية، فانغرست حافتها في إبهامي.
جرحٌ طفيف… لم أُعره اهتمامًا.
مسحتُ الدم ومضيت، غير أن إحساسًا غريبًا بدأ يتسلل إليّ—حكّة خفيفة، كأنها إشارةٌ لا تُرى.
ومنذ تلك اللحظة، كلما تأملت شيئًا في تلك البرية، رأيت وجهها.
ضحكتها.
طريقتها في النظر إليّ…
كأن الصحراء كلّها تحوّلت إلى مرآةٍ تعكسها.
قبل يومين من تلك الرحلة، ذهبتُ إلى المكان الذي أخبرتني عنه—ذلك المنتجع الذي زارته.
دخلتُ مركز التسوق، وبدأت أتحسس الجدران والزجاج، كما لو أنني أبحث عن أثرٍ منها.
وفجأة…
اجتاحني شعورٌ غريب.
كأنها كانت هناك، تلمس الزجاج ذاته.
كأنني شعرتُ بألمها يسري في أطراف أصابعي.
رأيتُها تمشي بين الممرات، حزينة، مكسورة، تحاول أن تبدو طبيعية.
في ذلك اليوم…
التقت بزوجها.
وهناك، أخبرها—ببرودٍ قاتل—أنه خطب امرأةً أخرى.
أراد أن يكسرها.
أن يجرّدها من شموخها الذي طالما عُرفت به.
لكنها… أخفت ألمها.
ابتسمت.
وتابعت الحديث معه وكأن شيئًا لم يكن.
حين أخبرتني، كانت عيناها تلمعان…
لكن ذلك اللمعان لم يكن نورًا، بل انكسارًا.
كأنها كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها.
لم أعرف ماذا أقول.
لم أعرف كيف أواسيها.
هل أفرح لأنها قررت الانفصال؟
أم أحزن لأنها تألمت؟
أم أطلب منها أن تعيش سعيدة… تلك السعادة التي فشلتُ أنا في أن أمنحها لها قبل عقدين من الزمن
كانت 23 عاما من الفراق والضياع...
افترقنا فيها بسبب طيش الشباب، والحرب، والظروف التي لم ترحمنا.
حين اتصلت بي تلك الليلة، لم يكن ذلك بدافع الاشتياق.
كنت أعرف ذلك.
بل لأنها شعرت—بطريقتها—أنني الشخص الذي تلجأ إليه حين تتألم.
وهنا، كان خوفي الحقيقي.
ليس لأنني أحبها…
بل لأنني فشلت مرارًا في أن أثبت ذلك.
هذه المرة، لن أختبئ خلف اعتذارٍ آخر.
ولا اتحجج بالظروف.
فالحقيقة أبسط، وأقسى:
أنا خذلتها.
في تلك الرحلة، كنت صادقًا في شعوري.
أحسستُ بشيءٍ من ألمها… كأن الجرح في إبهامي لم يكن لي وحدي.
لكنني لم أكن أعلم أنها ستتألم مرتين.
الأولى… حين جُرحت من زجاجٍ متناثر، كسرته لحظة انكسارها.
والثانية… حين لم أكن إلى جانبها.
وأنا الآن…
أفكر بشيءٍ واحد فقط:
ليتني لم أعد من تلك الرحلة.
ليت الزمن توقف هناك، عند تلك الخزفية المكسورة.
ربما…
كنت سأنجو من محاولة إصلاح ما لا يُصلح،
أو ترميم علاقةٍ أكل عليها عقدان من الفراق،
أو تقديم ما تبقى من قلبي…
ذلك القلب الذي أنهكته الحياة،
وما زال—رغم كل شيء—يحبها.



#أسامة_البدران_Osama_Al_Badran (هاشتاغ)       Osama_Al-badran#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العنف بين الإخوة الصغار: حين تصنع الأسرة المشكلة ويُعيد الإع ...
- باقة ورد لم تصل
- ذكريات حائرة في جامعة بغداد
- دور الموازنة المالية في اتخاذ القرارات الاستثمارية طويلة الا ...
- الولاية السودانية الثانية ... استقراء المرحلة القادمة وفق مع ...
- شرعنة الحكم الاموي في متغيرات العصر الحديث .. سوريا انموذجا
- اليوم العالمي للكاتب والمؤلف والاديب 23 إبريل
- بين منصة اكس ( X ) ومنصة النفاق ( The two faces )
- العراق بين تردي الواقع الخدمي وتجليات الطوفان العالمي
- التعصب من وجهة نظر أبي
- طار الخيط والعصفور
- اله القمر في أكد المفقودة في بحر الرمال
- هل سنشهد نهاية موقع التواصل الاجتماعي The Facebook عن قريب؟!
- تبلور سباسة تجفيف الانهار في العراق
- نهر النيل المقدس ينبع من بابلونيا ويصب في أور
- كيبالتوا إيلي مركز كل مدينة سومرية
- نين سينا - أبن سينا -Avicenna
- الكتاب الأسود – THE BLACK BOOK
- مغارة السردين
- باغادي كييفا... والأمير جودي.. مسامير من رحم الواح سومر .. ف ...


المزيد.....




- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة البدران - مكالمة لم يرد عليها