أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أسامة البدران - العنف بين الإخوة الصغار: حين تصنع الأسرة المشكلة ويُعيد الإعلام إنتاجها















المزيد.....

العنف بين الإخوة الصغار: حين تصنع الأسرة المشكلة ويُعيد الإعلام إنتاجها


أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي

(Osama Al-badran)


الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 14:08
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي يتشكّل فيها وعي الطفل النفسي والاجتماعي، ومنها يتعلّم أساليب التعبير عن مشاعره، وحدود علاقته بالآخرين، وطرائق حلّ خلافاته. غير أنّ ما يبدو أحيانًا «مشاجرات طفولية عابرة» بين الإخوة قد يخفي خلفه مؤشرات تربوية عميقة تستحق التوقف والتحليل، لأن العنف بين الإخوة ليس مجرد سلوك طارئ، بل غالبًا ما يكون انعكاسًا مباشرًا لطبيعة المناخ الأسري، وأنماط المعاملة الوالدية، إضافة إلى تأثير البيئة الإعلامية المحيطة بالطفل.
وفي زمن أصبح فيه الأطفال أكثر انفتاحًا على وسائل الاتصال الحديثة، وأقدر على التعبير عن مشكلاتهم خارج نطاق الأسرة، أخذت المجلات التربوية والمنصات النفسية المتخصصة تفسح المجال أمامهم لطرح تساؤلاتهم ومشكلاتهم اليومية، في محاولة لفهم دوافع السلوك العدواني بينهم، واقتراح حلول تربوية تساعد على ضبطه وتوجيهه.
ففي إحدى المجلات النفسية الفرنسية، تساءلت طفلة في التاسعة من عمرها: «لماذا أضرب إخوتي الصغار من دون تفكير؟ لقد سئمت من كوني قاسية معهم».
وقد جاء رد المختصة التربوية مؤكدًا أن شعور الطفلة بالضيق من إخوتها أمر طبيعي، ولا ينبغي أن يُفسَّر بوصفه نزعة شريرة، إذ إن احترام الصغار لمكانة الأكبر داخل الأسرة ليس سلوكًا مكتسبًا بسهولة، بل يحتاج إلى توجيه تربوي متوازن. ومع ذلك، شددت على أن الضرب لا يمثل وسيلة مناسبة لحل النزاعات، بل يتطلب تدخل الوالدين لضبط العلاقات بين الأبناء ووضع حدود عادلة وواضحة بينهم.
ولا يخفى أن الأطفال الأصغر سنًا قد يتعمّدون أحيانًا استفزاز إخوتهم الأكبر اعتمادًا على شعورهم بالحماية الوالدية، الأمر الذي يفرض على الأهل مسؤولية تنظيم العلاقة بينهم بطريقة تمنع تحول صغر السن إلى امتياز دائم أو حصانة سلوكية غير منضبطة.
وتتعدد أسباب النزاعات بين الإخوة في مرحلة الطفولة المبكرة، لتشمل التنافس على الألعاب، والأجهزة الإلكترونية، والحيوانات الأليفة، أو الشعور بعدم المساواة في المعاملة، فضلًا عن الغيرة الطبيعية الناتجة عن اختلاف درجات الاهتمام والرعاية. وعلى الرغم من أن هذه الأسباب قد تبدو بسيطة في نظر الكبار، فإنها تمثل لدى الأطفال قضايا ذات أهمية نفسية حقيقية.
ويشير المختصون في التربية إلى أن الطفل الأكبر قد يلجأ أحيانًا إلى العنف بوصفه وسيلة غير مباشرة لاستعادة اهتمام الوالدين، أو للتعبير عن مشاعر الغضب المكبوتة تجاه أخيه الأصغر، الأمر الذي يستدعي معالجة تربوية قائمة على الحوار والتوازن العاطفي داخل الأسرة.
ومن أهم الأساليب التربوية الفاعلة في هذا المجال:
• تخصيص وقت نوعي للطفل الأكبر يشعره بقيمته داخل الأسرة.
• إشراكه في أنشطة خاصة تعزز ثقته بنفسه.
• الحوار معه حول مشاعر الغضب بدل قمعها.
• تعليمه وسائل بديلة للتعبير عن الانزعاج.
ولا يمكن إغفال أثر العلاقة بين الوالدين أنفسهم في تشكيل السلوك العدواني لدى الأبناء، إذ يميل الأطفال بطبيعتهم إلى تقليد النماذج السلوكية الأقرب إليهم، وفي مقدمتها سلوك الأب والأم. لذلك فإن استمرار الخلافات الزوجية أمام الأبناء يرسّخ لديهم صورة العنف بوصفه أسلوبًا طبيعيًا لحل النزاعات.
تأثير الإعلام المرئي في تشكيل السلوك العدواني
ما يزال تأثير وسائل الإعلام المرئية، ولا سيما التلفزيون، موضوعًا محل جدل بين الباحثين والمتخصصين في علم النفس التربوي. فهناك اتجاه يرى أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف يسهم في تعزيز السلوك العدواني لدى الأطفال، وقد يمتد أثره إلى مراحل عمرية لاحقة. في المقابل، يرى اتجاه آخر أن العلاقة بين مشاهدة العنف الإعلامي والسلوك العدواني ليست علاقة حتمية، ولا توجد أدلة علمية قاطعة تثبتها بشكل مباشر.
غير أن الرأي التربوي الغالب يميل إلى التأكيد على ضرورة مراقبة المحتوى الإعلامي الذي يتعرض له الأطفال، لما له من دور محتمل في تشكيل تصوراتهم عن العلاقات الإنسانية وأساليب التعامل مع الخلافات.
تفسير أسباب العنف بين الإخوة في ضوء البيئة الأسرية والإعلامية
انطلاقًا مما تقدّم من تحليل لطبيعة النزاعات بين الإخوة داخل الأسرة، يتضح أن السلوك العدواني بينهم لا ينشأ غالبًا بصورة عفوية أو معزولة، بل يرتبط بجملة من العوامل النفسية والتربوية التي تتداخل فيها أنماط المعاملة الوالدية مع طبيعة العلاقات الأسرية ومؤثرات البيئة الإعلامية المحيطة بالطفل. ويمكن إجمال هذه العوامل في ثلاثة محاور رئيسة:
أولًا: أسباب العنف بين الإخوة
يظهر العنف بين الإخوة غالبًا بوصفه استجابة انفعالية لمشاعر داخلية غير متوازنة، أو انعكاسًا لاختلال في إدراك العدالة داخل الأسرة، ومن أبرز هذه الأسباب:
• الغيرة الناتجة عن اختلاف درجات الاهتمام والرعاية بين الأبناء، وهو ما يدفع الطفل الأكبر أحيانًا إلى محاولة استعادة موقعه داخل الأسرة عبر سلوك عدواني.
• الشعور بعدم العدالة في المعاملة الوالدية، ولا سيما عندما يفسّر الطفل بعض المواقف اليومية بوصفها تفضيلًا لأحد الإخوة على حسابه.
• التنافس على الممتلكات والألعاب والأجهزة الإلكترونية، وهي أسباب تبدو بسيطة للكبار لكنها تمثل لدى الأطفال مجالًا لإثبات الذات والتميّز.
• محاولة جذب انتباه الوالدين، خصوصًا عندما يشعر الطفل بتراجع مستوى الاهتمام به بعد ولادة أخ أصغر.
• تقليد سلوك العنف داخل الأسرة، إذ يميل الأطفال إلى محاكاة الأنماط السلوكية التي يشاهدونها لدى الوالدين دون إدراك آثارها.
• الشعور بالحماية الزائدة التي يتمتع بها الطفل الأصغر، مما يشجع أحيانًا على استفزاز الأخ الأكبر اعتمادًا على تلك الحماية.
ثانيًا: دور الوالدين في الحد من الظاهرة
ولما كانت الأسرة هي الإطار الأول لتشكّل السلوك الاجتماعي لدى الطفل، فإن مسؤولية الحد من العنف بين الإخوة تقع بدرجة كبيرة على الوالدين، وذلك من خلال:
• تحقيق العدالة في المعاملة بين الأبناء، لأن الإحساس بالمساواة يمثل أساس الاستقرار النفسي داخل الأسرة.
• وضع حدود واضحة للسلوك المقبول، بما يمنع تحوّل المشاجرات اليومية إلى أنماط عدوانية متكررة.
• تخصيص وقت فردي لكل طفل، بما يعزز شعوره بالأهمية والانتماء داخل الأسرة.
• تشجيع التعبير اللفظي عن المشاعر بدل اللجوء إلى العنف بوصفه وسيلة للتنفيس الانفعالي.
• إبعاد الأبناء عن الخلافات الزوجية، لأن مشاهدة النزاعات بين الوالدين ترسّخ لدى الأطفال صورة العنف باعتباره أسلوبًا طبيعيًا لحل المشكلات.
ثالثًا: دور الإعلام في تشكيل السلوك العدواني
ولا يقتصر تأثير العوامل التربوية على البيئة الأسرية وحدها، بل يمتد إلى ما يتعرض له الطفل من محتوى إعلامي، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يسهم في تعزيز السلوك العدواني لدى الأطفال، في حين لا يوجد إجماع علمي حاسم حول حجم هذا التأثير. ومع ذلك، يبقى الإشراف الأسري على المحتوى الإعلامي ضرورة تربوية، لما له من دور في تشكيل تصورات الطفل عن العلاقات الإنسانية وأساليب التعامل مع الخلافات.



#أسامة_البدران (هاشتاغ)       Osama_Al-badran#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باقة ورد لم تصل
- ذكريات حائرة في جامعة بغداد
- دور الموازنة المالية في اتخاذ القرارات الاستثمارية طويلة الا ...
- الولاية السودانية الثانية ... استقراء المرحلة القادمة وفق مع ...
- شرعنة الحكم الاموي في متغيرات العصر الحديث .. سوريا انموذجا
- اليوم العالمي للكاتب والمؤلف والاديب 23 إبريل
- بين منصة اكس ( X ) ومنصة النفاق ( The two faces )
- العراق بين تردي الواقع الخدمي وتجليات الطوفان العالمي
- التعصب من وجهة نظر أبي
- طار الخيط والعصفور
- اله القمر في أكد المفقودة في بحر الرمال
- هل سنشهد نهاية موقع التواصل الاجتماعي The Facebook عن قريب؟!
- تبلور سباسة تجفيف الانهار في العراق
- نهر النيل المقدس ينبع من بابلونيا ويصب في أور
- كيبالتوا إيلي مركز كل مدينة سومرية
- نين سينا - أبن سينا -Avicenna
- الكتاب الأسود – THE BLACK BOOK
- مغارة السردين
- باغادي كييفا... والأمير جودي.. مسامير من رحم الواح سومر .. ف ...
- خسف العقول .. ومقام الخمول.. مفارقات في وعي الشعوب مابين جيل ...


المزيد.....




- مصر: منخفض قطبي يضرب البلاد بعواصف وأمطار رعدية غزيرة
- من 15 نقطة.. كل ما نعلمه عن قائمة أمريكا لإيران في المفاوضات ...
- حفل شاكيرا من بين فعاليات أخرى تم تأجيلها بسبب الحرب الإيران ...
- إغلاق مضيق هرمز.. كيف تحولت الحرب إلى تهديد للغذاء في العالم ...
- شوارع غارقة في الشارقة بعد أمطار غزيرة في الإمارات
- ألمانيا: القبة الحديدية الإسرائيلية بدلاً من سيارات فولكسفاغ ...
- حركة -ماغا-.. بعد الحرب على إيران، هل ما زال شعار -أمريكا أو ...
- وصول أولى سفن أسطول المساعدات الإنسانية إلى كوبا المحاصرة
- ميلوني تتوجه إلى الجزائر لتأمين إمدادات غاز بديلة في ظل استم ...
- فرق الإنقاذ اللبنانية تحت النيران الإسرائيلية: مقتل 42 مسعفا ...


المزيد.....

- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أسامة البدران - العنف بين الإخوة الصغار: حين تصنع الأسرة المشكلة ويُعيد الإعلام إنتاجها