أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أسامة البدران - طرق تقديم الخبر ما بين مؤسسات الصحافة المتخصصة ومنطق صناع المحتوى في الوقت الحاضر















المزيد.....

طرق تقديم الخبر ما بين مؤسسات الصحافة المتخصصة ومنطق صناع المحتوى في الوقت الحاضر


أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي

(Osama Al-badran)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 09:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في العراق، لم تعد “الخبرة” تُنتَج دائماً داخل الجامعات ومراكز البحث والتخصص الأكاديمي، بل باتت تُصاغ في كثير من الأحيان داخل فضاء السوشيال ميديا، حيث تقرر الخوارزميات من يظهر، ومن يُوصَف، ومن يُقدَّم للجمهور بوصفه “خبيراً”. وهكذا، لم يعد معيار التخصص العلمي أو تاريخ البحث هو الحاسم في تشكيل الصورة العامة، بل أصبحت كثافة الظهور، وعدد المتابعين، وسرعة الانتشار هي التي تمنح الشرعية الرمزية.
في هذا السياق، يمكن لفاعل إعلامي أو ناشط ثقافي أو حتى موظف إداري أن يتحول بسهولة إلى “مرجعية معرفية” في الوعي العام، بينما يُدفع الأكاديمي المتخصص، صاحب المسار الطويل في البحث والتدريس والتنقيب، إلى هامش المشهد، وكأن خبرته الممتدة لعقود لم تعد كافية لمنافسة صورة رقمية سريعة الإنتشار.
الخلل هنا لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطريقة تشكيل الوعي. فالإعلام، حين يتعامل مع المعرفة بوصفها مادة استهلاكية، يُعيد ترتيب الهرمية العلمية بشكل غير دقيق: يقدّم الأكثر حضوراً على الأكثر تخصصاً، ويمنح الألقاب بناءً على التداول لا على التكوين العلمي، حتى يصبح “الخبير” صفة إعلامية قبل أن يكون توصيفاً أكاديمياً.
حين كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وقعت على خبر يتحدث عن مدينة “باشيمي” الأثرية في ميسان. في لحظة عابرة من التصفح، لم يكن الخبر بحد ذاته ما شدّني، بل الطريقة التي كُتب بها، والأسماء التي رُتّبت داخله، والأوصاف التي وُزّعت على نحوٍ بدا لي – بكل ما فيه من قلق – معبّراً عن تحوّل أعمق مما يبدو في الظاهر.
شعرت بشيء من الاضطراب وأنا أقرأ تقديم عامر عبد الرزاق بوصفه “الخبير الآثاري”، مقابل الإشارة إلى البروفسور نائل حنون بوصفه “باحثاً” فقط، دون أي إضاءة على مكانته الأكاديمية الممتدة لعقود في واحد من أدق مجالات الدراسات الرافدينية. لم تكن المسألة خطأً تحريرياً عابراً بقدر ما بدت لي علامة على نمط متكرر، يتسلل بهدوء إلى وعينا الجمعي، ويعيد تشكيل معنى “الخبرة” نفسها.
ذلك الخبر البسيط دفعني إلى شعور ثقيل أقرب إلى الحزن منه إلى النقد المجرد؛ حزن على ما آلت إليه طريقة تقديم المعرفة في العراق، وعلى هذا الانزياح التدريجي في ميزان القيمة، حيث لم يعد التخصص العلمي الممتد لعقود يحظى بالوزن نفسه الذي تحظى به الشهرة أو الحضور الإعلامي أو كثافة الظهور على المنصات الرقمية.
ومع تكرار هذا النوع من الصياغات، لم يعد الأمر حالة فردية أو استثناءً صحفياً، بل بات يبدو كأنه اتجاه عام يعيد إنتاج مفهوم “الخبير” خارج سياقه الأكاديمي، ويمنح الأفضلية لمن يملك الحضور والانتشار، لا لمن راكم المعرفة عبر البحث والدراسة والتدريس.
المسألة ليست في ترتيب الأسماء بقدر ما هي في دلالة هذا الترتيب. فالصياغة الإعلامية ليست بريئة؛ إذ يمكن لكلمة واحدة أن تصنع سلطة معرفية، وأن تعيد تشكيل صورة الشخص في ذهن المتلقي، بحيث يبدو الأكثر حضوراً إعلامياً هو الأكثر علماً، بغض النظر عن عمق مساره العلمي الفعلي.
وعند العودة إلى السيرة الأكاديمية للبروفسور نائل حنون، تتضح المفارقة بشكل صارخ. فهو أحد أبرز المتخصصين العراقيين في اللغات المسمارية والحضارات الرافدينية، بدأ مساره العلمي منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وتخرّج في جامعة بغداد، وتعمّق في الدراسات الأكدية والمسمارية داخل العراق وخارجه، متأثراً ومُتتلمذاً على يد الجيل المؤسس لعلم الآثار العراقي الحديث، وفي مقدمتهم طه باقر، الذي يُعد أحد أهم أعمدة المدرسة الرافدينية الحديثة.
ولم يكن حنون مجرد باحث في هذا الحقل، بل امتداداً لمدرسة علمية صارمة أسستها أسماء كبرى مثل طه باقر وفؤاد سفر وعبد القادر التكرلي، وهي المدرسة التي وضعت العراق في قلب الدراسات المسمارية العالمية. وقد قدّم أعمالاً تأسيسية بارزة، من بينها ترجمات مباشرة للنصوص المسمارية، مثل “ملحمة كلكامش” و“إينوما إيليش”، إضافة إلى أبحاث تتعلق بتاريخ العراق القديم ولغاته ونقوشه، بما يجعل اختزاله في صفة “باحث” تقليلاً غير منصف من حجم هذا الإرث العلمي.
في المقابل، يزداد حضور نمط آخر من “الخبرة” قائم على الظهور الإعلامي، وإدارة المتاحف، والمشاركات الثقافية العامة، والمحاضرات الجماهيرية. وهي أنشطة مشروعة في ذاتها، لكنها لا تكفي لتأسيس صفة علمية تعادل مساراً أكاديمياً ممتداً لعشرات السنين من البحث والتخصص الدقيق.
وهنا يظهر جوهر الأزمة: الخلط بين “الانتشار” و“التخصص”، وبين “صانع المحتوى الثقافي” و“الباحث الأكاديمي”، وبين “الحضور الإعلامي” و“السلطة العلمية”. هذا الخلط لا يغيّر فقط طريقة تقديم الأشخاص، بل يعيد تشكيل الوعي العام حول من يُعتبر مرجعاً في التاريخ والمعرفة.
لقد أسهمت السوشيال ميديا في إنتاج نمط جديد من “الخبراء”، حيث باتت مهارة السرد والتأثير البصري والتفاعل الجماهيري أقوى من أدوات البحث العلمي الرصين. ونتيجة ذلك، أصبح الجمهور يتلقى المعرفة من الأكثر انتشاراً، لا من الأكثر تخصصاً، ومن الأكثر قدرة على بناء خطاب جذاب، لا من الأكثر التزاماً بالمنهج العلمي.
ولا يقتصر الإشكال على الألقاب، بل يمتد إلى إعادة تدوير الأفكار نفسها دون الإشارة إلى جذورها الفكرية أو أصحابها الأوائل. فالكثير من النقاشات حول الهوية العراقية القديمة، والانتماء الحضاري، والعلاقة بين العراقيين المعاصرين وحضارات سومر وأكد وبابل وآشور، طُرحت في مراحل مبكرة عبر كتابات وبحوث ومحتوى معرفي سبق موجة الاهتمام الحالية، ومن بينها ما قدمه الباحث والكاتب أسامة البدران في قراءات تناولت الامتداد الحضاري للعراقيين، وناقشت السرديات التقليدية للهجرة والانقطاع التاريخي.
لكن الإعلام الرقمي، بطبيعته، يميل إلى منح الفضل لمن يملك الانتشار الأوسع، لا لمن قدّم الطرح أولاً أو أسّس له معرفياً. وهكذا تتحول المعرفة إلى “محتوى”، ويتحول التاريخ إلى مادة قابلة لإعادة التدوير، بينما يُهمَّش الجهد التأسيسي، سواء صدر عن أكاديميين راسخين أو باحثين وكتاب اشتغلوا مبكراً خارج دائرة الضوء.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد الأصوات، بل في فقدان القدرة على التمييز بينها. فالمجتمعات لا تنهض على الضجيج، بل على وضوح المرجعيات. وحين تختلط الخبرة بالشهرة، والتخصص بالانتشار، يصبح الوعي العام عرضة للتشويش، وتفقد المعرفة تدريجياً معيارها العلمي.
إن إعادة الاعتبار للتخصص الأكاديمي ليست موقفاً ضد الإعلام أو ضد الحضور الثقافي العام، بل هي دفاع عن الحد الأدنى من الدقة في توصيف المعرفة. فالمشكلة ليست في أن يتحدث غير المتخصص، بل في أن يُقدَّم بوصفه بديلاً عن المتخصص.
وفي النهاية، فإن الحضارات لا تُحمى بالخطاب الإعلامي وحده، بل تُصان بالبحث العلمي الرصين، وبالإنصاف المعرفي، وبالقدرة على التمييز بين من أنتج المعرفة فعلاً، ومن أعاد تدويرها في فضاء أكثر ضجيجاً.



#أسامة_البدران_Osama_Al_Badran (هاشتاغ)       Osama_Al-badran#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإرشاد والتنشئة الاجتماعية في بيئة العمل: بين نقل الخبرة وإ ...
- مكالمة لم يرد عليها
- العنف بين الإخوة الصغار: حين تصنع الأسرة المشكلة ويُعيد الإع ...
- باقة ورد لم تصل
- ذكريات حائرة في جامعة بغداد
- دور الموازنة المالية في اتخاذ القرارات الاستثمارية طويلة الا ...
- الولاية السودانية الثانية ... استقراء المرحلة القادمة وفق مع ...
- شرعنة الحكم الاموي في متغيرات العصر الحديث .. سوريا انموذجا
- اليوم العالمي للكاتب والمؤلف والاديب 23 إبريل
- بين منصة اكس ( X ) ومنصة النفاق ( The two faces )
- العراق بين تردي الواقع الخدمي وتجليات الطوفان العالمي
- التعصب من وجهة نظر أبي
- طار الخيط والعصفور
- اله القمر في أكد المفقودة في بحر الرمال
- هل سنشهد نهاية موقع التواصل الاجتماعي The Facebook عن قريب؟!
- تبلور سباسة تجفيف الانهار في العراق
- نهر النيل المقدس ينبع من بابلونيا ويصب في أور
- كيبالتوا إيلي مركز كل مدينة سومرية
- نين سينا - أبن سينا -Avicenna
- الكتاب الأسود – THE BLACK BOOK


المزيد.....




- لماذا تُبحر سفن الرحلات البحرية إلى وجهة وهمية لا تظهر على أ ...
- ردا على إغلاق -المركز الإسلامي-.. إيران تستدعي سفير ألمانيا ...
- تقارير: أموال وثروات ضخمة لملالي إيران في ألمانيا وأوروبا
- -أسطول غزة-: منع الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول ال ...
- الطيران الخليجي يسجل أعلى معدلات التشغيل منذ اندلاع حرب إيرا ...
- سيارات كهربائية خارقة وإس يو في عربية.. أبرز مفاجآت السيارات ...
- مفاعلات الثوريوم.. التقنية التي تراهن على نووي أكثر أمانا
- عاجل | ترمب ينشر على منصة تروث سوشال خريطة إيران مظللة بالعل ...
- عامل صيانة يتغلب على ارتفاع أسعار الوقود بطريقة مبتكرة.. شاه ...
- ستة حيوانات نادرة من نوع اعتُقد أنه انقرض تبصر النور في حديق ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أسامة البدران - طرق تقديم الخبر ما بين مؤسسات الصحافة المتخصصة ومنطق صناع المحتوى في الوقت الحاضر