فريد بوكاس
(Farid Boukas)
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 19:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
قد انتهت الانتخابات التشريعية في المغرب، ولم يعد المغاربة يفكرون في مجزرة التزوير التي شملت جل الأقاليم المغربية، مجزرة في حق الشعب بكل المقاييس، بينما يتحدث النظام المغربي عن شفافية ونزاهة الاقتراع. نعم، إنه تزوير، كما يراه ويصفه كل مغربي ومغربية ممن يشككون في نزاهة هذه العملية. وبدأ الشعب الآن منشغلًا بمن سيتولى رئاسة الحكومة: فاطمة الزهراء المنصوري أم لقجع؟ ناسين المجزرة التي مورست في حقهم.
فكما سبق وأن ذكرت في مقال سابق، فإن عدد سكان المغرب ما يناهز 39 مليون مغربي، وعدد السكان الذين بلغوا سن حق التصويت 25 مليون نسمة، وعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15 مليونًا، ولم يصوت سوى 6 ملايين مغربي، إن صوّت هذا العدد بالطبع. فالصناديق امتلأت بالجرار، رمز البام، ليتصدر قائمة الانتخابات التشريعية، وتم الاحتفاظ بحزب الأحرار صاحب رمز الحمامة التي في القفص، وبعدها حزب الاستقلال، يعني نفس الأحزاب التي كانت في الحكومة السابقة مع تغيير بسيط في النتائج.
لكن إذا عدنا إلى الواقع، سنجد أن حزب العدالة والتنمية هو من تصدر النتائج بدون منازع، ولذلك تم تأخير الإعلان عن النتائج من طرف وزير الداخلية حتى يقوم الولاة والعمال بعملهم المنوط إليهم وتغيير النتائج لصالح حزب الأصالة والمعاصرة، صاحب الجرار الذي سيجر المغاربة إلى الهاوية.
إنه حزب أُسس، بحسب الانتقادات والاتهامات التي وُجّهت إليه، في سياق سياسي ومالي أثار الكثير من الجدل، ونحن نعلم جيدًا أن مؤسس الحزب، فؤاد علي الهمة أو الحمة، صديق الملك، أُثير اسمه في سياقات وقضايا أثارت جدلًا واسعًا، رفقة إلياس العماري وموظف آخر بالديوان الملكي، في قضية قيل إنها تتعلق بالاتجار في المخدرات على الصعيد الدولي، وذلك عن طريق شركة وهمية للنقل الدولي بمدينة طنجة.
والكل يعلم أن إلياس العماري ارتبط اسمه كذلك بجدل حول ثروته واستثماراته، ومن ذلك ما أُثير بشأن امتلاكه فندقًا مصنفًا 5 نجوم في مدينة ماربيا الإسبانية. فكيف لشخص ولد من لا شيء، بين عشية وضحاها، أن يصبح مليارديرًا أو مليونيرًا حتى؟ والسؤال هنا ليس اتهام شخص بعينه، وإنما سؤال مشروع حول مصادر الثروة، ومدى الشفافية في التصريح بالممتلكات، وكيف يمكن للمواطن أن يثق في المسؤول السياسي إذا لم تكن هناك إجابات واضحة ومقنعة؟
إن اختيار الأصالة والمعاصرة من طرف القصر لم يأتِ من فراغ، وإنما بعد تخطيط مسبق، ليتم تعيين ما يسمى بحكومة المونديال أو كأس العالم، وليتم تشريع قوانين جديدة تتعلق بمصير الشعب المغربي وتطبيق ما يسمى بالعلمانية العمياء في المغرب.
فالعلمانية في مفهومها السياسي هي فصل الدين عن السياسة مع احترام شعائر المغاربة الدينية، لكن في المغرب ستكون هناك علمانية على مقاس مغربي، يعني حرية الجنس والعلاقات خارج نطاق العلاقة الزوجية وغيرها من القوانين، رغم أن هذه العلاقات موجودة أصلًا، فقط تحتاج لقانون، وكذا بيع الخمور، رغم أننا نجدها تباع في متاجر الملك الذي هو أمير المؤمنين، وفي كل مدينة نجد بين كل حانة وحانة حانة أخرى مصففة أدراجها بشتى أنواع الخمور، وفوقها صورة أمير المؤمنين، مع ترخيص للإدارة العامة للأمن الوطني مكتوب عليها: «لا يُسمح ببيع الخمور للمسلمين!!!». مفارقة عجيبة في مغرب يحكمه حفيد الرسول.
وكما ذكرنا سالفًا، فإن عدد المصوتين 6 ملايين من 15 مليونًا مسجلين في اللوائح الانتخابية، فلو كانت الدولة المغربية دولة ديمقراطية لسنت قانونًا يتعلق بالانتخابات، وخاصة عدد المصوتين، وحتى تكون النتائج قانونية يجب أن يصوت ثلثا عدد المسجلين، وإلا يتم إعادة الانتخابات من جديد. لكن النظام المغربي يوهم الشعب بالديمقراطية حسب مقاسه.
إذن القضية هنا ليست قضية من سيتولى رئاسة الحكومة، لأن رئيس الحكومة مجرد وزير في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، وهي السلطة التنفيذية الحقيقية.
أما انتظار تحقيق وعود حزب البام، والذي كان في الحكومة، فلو كان صادقًا، لقام بذلك أثناء مشاركته في حكومة أخنوش، الذي وُجّهت إليه انتقادات سياسية وشعبية بشأن تدبير المرحلة الاقتصادية والاجتماعية. أما ما يتعلق بفواتير الكهرباء، فهل لا زال هناك في المغرب من يدفع مائة درهم مغربي كفاتورة شهرية؟ فالشركات الفرنسية قد نسفت جيوب المغاربة.
أما الأسعار المعيشية فستعرف ارتفاعًا أكثر بعد تعويم الدرهم بصفة شاملة، وبذلك سيصبح الدرهم المغربي غارقًا في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
لكن المشكلة الحقيقية ليست فقط في أسماء الأحزاب التي تصدرت المشهد، ولا في الشخص الذي سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة، وإنما في منظومة سياسية كاملة تجعل المواطن مجرد رقم يظهر عند الحاجة إلى ملء صناديق الاقتراع، ثم يعود بعد ذلك إلى الهامش، ينتظر ارتفاع الأسعار، وارتفاع الضرائب، وارتفاع فواتير الماء والكهرباء، بينما تظل وعود الانتخابات حبرًا على ورق.
لقد أصبح المواطن المغربي أمام مشهد سياسي يعيد نفسه بطريقة تكاد تكون آلية: شعارات براقة قبل الانتخابات، ووعود بتحسين القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، ومحاربة الفساد، ثم ما إن تنتهي الانتخابات حتى يجد المواطن نفسه أمام واقع مختلف تمامًا. الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع، والطبقة المتوسطة تتآكل، أما المواطن البسيط فأصبح مطالبًا بأن يتحمل كل شيء، وكأن راتبه أو دخله قابل للتمدد إلى ما لا نهاية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين ذهبت كل تلك الوعود؟ وأين هي محاربة الفساد؟ وأين هي العدالة الاجتماعية؟ وأين هو ذلك المغرب الذي يتم الحديث عنه في الخطب والبرامج الانتخابية؟ هل يكفي أن تتغير الوجوه داخل المؤسسات حتى نقول إن شيئًا قد تغير فعلًا؟ أم أن تغيير الأشخاص لا معنى له إذا بقيت القواعد نفسها والنتائج نفسها؟
إن الديمقراطية لا تختزل في يوم انتخابي واحد، ولا في أوراق توضع داخل صناديق، ولا في صور المسؤولين وهم يرفعون شعارات المشاركة السياسية. الديمقراطية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن صوته له قيمة، وأن إرادته السياسية لا تنتهي بمجرد إغلاق مكاتب التصويت، وأن المسؤول المنتخب يخضع للمحاسبة، وأن المال والنفوذ لا يستطيعان اختصار الطريق إلى السلطة.
أما أن يبقى المواطن بعيدًا عن صناعة القرار، ثم يُطلب منه كل بضع سنوات أن يشارك في طقس انتخابي دون أن يرى أثرًا حقيقيًا لصوته في حياته اليومية، فهذه هي المسألة التي يجب أن تكون موضع نقاش جدي، بعيدًا عن الدعاية الحزبية وعن الخطابات الرسمية.
والأخطر من ذلك أن المواطن المغربي لم يعد يواجه أزمة سياسية فقط، بل أزمة ثقة أيضًا. والثقة عندما تنهار لا تعالجها الخطب ولا الحملات الإعلامية ولا الشعارات. الثقة تُبنى بالشفافية، وبالمحاسبة، وبالكشف عن الحقائق، وبإعطاء المواطن الحق في معرفة أين تذهب أمواله، وكيف تُتخذ القرارات التي تمس حياته ومستقبل أبنائه.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيكون رئيس الحكومة؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا سيُغيّر رئيس الحكومة في حياة المواطن؟ وهل سيمتلك فعلًا القدرة على تنفيذ الوعود التي قطعها على المغاربة؟ وهل ستتغير السياسات التي أثقلت كاهل الأسر المغربية، أم أن الحكومة المقبلة ستكون مجرد نسخة جديدة من الحكومات السابقة بأسماء ووجوه مختلفة؟
إن المغرب لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات، بل يحتاج إلى إجابات واضحة. لا يحتاج المواطن إلى خطابات عن الإنجازات بقدر ما يحتاج إلى معرفة أثر تلك الإنجازات على حياته اليومية. فالمواطن يريد مدرسة عمومية تحترم أبناءه، ومستشفى يستطيع أن يعالج فيه دون أن يبيع ما يملك، وفرصة عمل تحفظ كرامته، وأسعارًا تتناسب مع دخله، وإدارة تحترم وقته وحقوقه، وقضاءً يثق في استقلاليته، ومؤسسات يشعر بأنها وُجدت لخدمته لا لإخافته.
أما الاستمرار في مطالبة المواطن بالصبر، بينما تتسع الفوارق الاجتماعية ويزداد الضغط على الأسر، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالاغتراب عن السياسة والمؤسسات.
والمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة أسئلة لا مرحلة تصفيق. أسئلة عن المال العام، وعن الصفقات العمومية، وعن تضارب المصالح، وعن المسؤولية السياسية، وعن نتائج البرامج الحكومية، وعن أسباب ارتفاع الأسعار، وعن مستقبل التعليم والصحة والتشغيل، وعن حدود السلطة والمسؤولية داخل المؤسسات.
فالشعب ليس قاصرًا حتى يُقال له ماذا يفكر، وليس مجرد رقم في لوائح انتخابية، وليس مجرد أصوات تُستدعى في موسم الانتخابات ثم تُنسى بعد إعلان النتائج. الشعب هو صاحب المصلحة الأولى في كل قرار، ومن حقه أن يسأل، وأن يعترض، وأن يطالب بالتفسير والمحاسبة.
وفي النهاية، قد تتغير الحكومات وتتغير الأحزاب وتتغير الأسماء، لكن التغيير الحقيقي لن يكون في تغيير الكراسي، وإنما في تغيير طريقة تدبير الشأن العام، وفي جعل المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، والسلطة مقرونة بالشفافية، والانتخابات مقرونة باحترام إرادة الناخبين.
وإذا كان هناك من يعتقد أن المواطن سينسى كل شيء بمجرد انتهاء الانتخابات، فعليه أن يدرك أن المواطن قد يصمت، وقد ينشغل بلقمة العيش، لكنه لا ينسى. والأسئلة التي لم تجد أجوبة اليوم ستعود غدًا بصورة أكثر إلحاحًا، لأن الشعوب لا تطالب بالمستحيل؛ إنها تطالب فقط بأن يكون لها صوت حقيقي، وحقوق واضحة، ومؤسسات تحاسب، وحياة تحفظ الكرامة.
#فريد_بوكاس (هاشتاغ)
Farid_Boukas#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟