|
|
هل تملك دول الخليج العربي مفاتيح ثروتها في زمن الأزمات؟ - الجزء الأول
سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 16:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
توطئة واستهلال: لم أكن على معرفة سابقة بمصطلح (الاستتباع الاقتصادي)، فلقد طرق سمعي لأول مرة منذ يومين بعد مشاهدتي لمقطع فيديوي يسلط فيه الضوء عن ما يسمى "تقرير كيسنجر" الخاص بالحد من النمو السكاني المتزايد في الدول النامية (خاصة دول العالم الثالث وأفريقيا) من خلال ما يسمى (برامج تنظيم الأسرة والدعم المشروط)، لحماية مصالح أمريكا القومية وضمان وصولها للموارد الطبيعية، فاستهواني المصطلح كثيرا ورحت أبحث في الشبكة العنكبوتية عن جذور هذا المصطلح اللغوي، وما كُتِبَ عنه، وعن مآلات تنفيذه!! ولخطورة وأهمية ما تجمع عندي من معلومات عن هذا المصطلح السياسي ومآلات تطبيقه، فقد رأيت أنه من الضروري بمكان أن أكتب مقالا بهذا الخصوص من منطلق "جهاد الكلمة" الذي أتبناه وأرفع شعاره، ولكثرة وغزارة تفاصيل الموضوع من جانب، وحرصا مني على تغطيته بشكل كامل من جانب آخر، فلقد ارتأيت أن يكون مقالي هذا بجزئين... والله المستعان.
في عام 1974، وبينما كان العالم يترنح تحت وطأة صدمة النفط الأولى (القرار التاريخي الصارم الذي اتخذته الدول العربية المصدرة للنفط - ضمن منظمة أوابك- بفرض حظر نفطي شامل على الولايات المتحدة والدول الغربية الداعمة للكيان الإسرائيلي إبان حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973)، جلس ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر خلف مكتبه ليصيغ واحدة من أخطر الوثائق الاستراتيجية في القرن العشرين، (والتي رُفعت عنها السرية عام 1989) تحت اسم "مذكرة دراسة الأمن القومي رقم 200" (NSSM 200)، أو ما بات يُعرف تاريخياً بـ "تقرير كيسنجر"، والتي لم تكن في حقيقتها مجرد خطة دبلوماسية، بل كانت ميثاقاً إمبراطورياً صريحاً يرى في "النمو السكاني لدول العالم الثالث" تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي!!.
كانت الفلسفة الكيسنجرية واضحة جدا وبراغماتية إلى حد القسوة، فزيادة البشر في الدول النامية بنظره تعني زيادة استهلاكهم لـ "مواردهم المحلية!!"، مما سيترتب عن ذلك حرمان الصناعة الأمريكية من تدفق المواد الخام الرخيصة المستخرجة من بلدانهم تلك، ومن هنا، وُلدت ما يسمى بسياسة "الاستتباع الاقتصادي" عبر قنوات ناعمة؛ حيث غُلفت ببرامج تحديد النسل والمساعدات المشروطة بقروض صندوق النقد الدولي كطوق نجاة، ليتضح لاحقاً أنها ما كانت إلا "أغلالاً" حوّلت قارة بأكملها كأفريقيا إلى خزان هائل للمواد الخام ومكب للسلع المصنعة، مستلبةً القرار الوطني والسيادة الاقتصادية لصالح مراكز النظام الرأسمالي العالمي!!.
إن مفهوم الاستتباع الاقتصادي في سياق "خطة كيسنجر" والمصالح الغربية يتلخص في عدة مظاهر: 1.تحويل الدول إلى "خزّانات للمواد الخام": يقوم الاستتباع على حرمان الدول النامية (مثل دول أفريقيا والشرق الأوسط) من تصنيع ثرواتها محلياً، وإجبارها على تصدير مواردها الطبيعية (كالنفط، والغاز، والمعادن، والمحاصيل) كـمواد خام رخيصة إلى الدول الغربية، ثم إعادة استيرادها كسلع مصنعة بأسعار باهظة!!. 2.رهن القرار الوطني بالمساعدات والقروض: ربط مصير اقتصاد هذه الدول بالمنظومة المالية الغربية (مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمعونات الأمريكية)؛ مما يجعل الحكومات المحلية مجبرة على تعديل قوانينها، وخصخصة قطاعاتها، وتقليل الإنفاق على التعليم والصحة، وتطبيق برامج مثل "تحديد النسل" كشروط إجبارية لتأمين القروض!!. 3.التبعية التكنولوجية والاستهلاكية: جعل هذه المناطق مجرد "أسواق استهلاكية شاسعة" للمنتجات والتقنيات الغربية، مع منع نقل المعرفة التكنولوجية الثقيلة إليها، لضمان بقائها عاجزة عن المنافسة الصناعية وتابعة تكنولوجياً على الدوام!!. 4.فقدان "السيادة الاقتصادية": تصبح السياسات المالية والنقدية لهذه الدول متأثرة ومحكومة بالقرارات التي تُتخذ في واشنطن أو العواصم الأوروبية (مثل رفع أو خفض أسعار الفائدة على الدولار)، دون مراعاة لظروف الشعوب المحلية!!. ولكن، هل توقف هذا المخطط عند حدود القارة السمراء؟ وإذا كانت أفريقيا قد استُدرجت إلى فخ الاستتباع عبر هندسة الفقر السكاني والمواد الخام، فهل ينطبق ذات المفهوم الهيكلي على وجه آخر من أوجه الثراء.. وتحديدا على دول الخليج العربي؟! بمعنى آخر: حيث استُتبعت أفريقيا اقتصادياً من بوابة "الفقر، والديون، وشح الموارد"، فهل أن دول الخليج العربي (التي تقف على الجانب المعاكس تماماً، وهو جانب "الثراء الفاحش، والوفرة المالية، وتريليونات الريوع") مرشحة هي الأخرى ليصيبها ما أصاب أفريقيا!! الجواب الصادم لهذا التساؤل الخطير، نعم بكل تأكيد، فالآلية الفلسفية للاستتباع الاقتصادي تنطبق بحذافيرها على دول الخليج العربي، ولكن "بمعادلة معكوسة"، فبينما تم استتباع أفريقيا عبر إدارة "شح الموارد والديون"، فقد تم استتباع دول الخليج العربي عبر إدارة "وفرة الريع وبترودولار الطاعة"، حيث اعتمدت على ربط شريان الحياة الخليجي (النفط) بالعملة الأمريكية منذ السبعينيات (معادلة البترودولار)، فأصبحت دول الخليج العربي تبيع أثمن ما تملك بعملة يطبعها الطرف الآخر (الولايات المتحدة الأمريكية)، ثم يُعيد تدوير هذه الفوائض المالية المليارية لضخها مجدداً في السندات والأسهم والبنوك الغربية!!، مما خلق هذا الاندماج الهيكلي تبعية نقدية آلية؛ فباتت البنوك المركزية الخليجية مجبرة على ملاحقة قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في رفع أو خفض الفائدة دون أدنى استقلالية، فتحولت بذلك الثروة الخليجية الهائلة في لحظات الصدام الجيوسياسي الكبرى إلى ما يشبه "الرهائن الاقتصادية" المودعة في حواسيب وخزائن الغرب، والتي يمكن تجميدها بجرّة قلم عبر العقوبات، تماماً كما حدث للاحتياطيات الروسية والإيرانية!!.
السؤال المصيري هنا: هل تدرك عواصم الخليج العربي هذه الحقيقة النيوليبرالية المقيدة (النيوليبرالية: يُقصد بها المذهب الاقتصادي المهيمن على العالم حالياً، والذي يدعو إلى فتح الأسواق، وحرية التجارة العالمية، وإلغاء القيود بين الدول، وتشجيع الاستثمار العابر للقارات، ودفع الدول للاستثمار في الصناديق السيادية والبورصات العالمية "مثل بورصة نيويورك ولندن")!؟
والجواب على هذا التساؤل المصيري: تثبت المؤشرات على الأرض بأن الأنظمة الخليجية المعاصرة لم تعد غافلة عن هذه اللعبة، بل باتت تدرك أبعادها بعمق فاق أي وقت مضى، فهذا الوعي لم يأتِ من ترف فكري، بل فرضه واقع الأزمات المتلاحقة؛ من استخدام الغرب لسلاح العقوبات المالية كأداة حروب بديلة، إلى صدور قوانين تهديدية مثل "جاستا"( هو تشريع أمريكي أُقرّ في سبتمبر 2016، ويسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر بمقاضاة الحكومات الأجنبية في المحاكم الأمريكية والمطالبة بتعويضات مالية إذا ثبت تورطها في أعمال إرهابية على الأراضي الأمريكية)، وصولاً إلى شبح الابتزاز السياسي الذي يلوح مع كل تغيير في الإدارة الأمريكية!!. لقد أدرك العقل السياسي الخليجي أن بقاءه رهيناً لمورد أحادي وعملة أجنبية وسوق غربية واحدة هو بمثابة انتحار استراتيجي بطيء، وأن "الاستتباع" لا يُلغَى بالشعارات، بل بتغيير القواعد التحتية للعبة الفوضى الاقتصادية العالمية، ومن رحم هذا الإدراك، انطلقت معركة "الانعتاق الخليجي الكبرى" من قيود الاستتباع عبر استراتيجية ثلاثية الأبعاد تُنفذ حالياً بدقة ومناورة ذكية وكما يلي:
أولاً: تفكيك أحادية الريع بالتنويع الشامل (السيادة الداخلية): لم تعد خطط التحول (مثل رؤية السعودية 2030 ورؤى الإمارات وقطر) مجرد برامج اقتصادية، بل هي "إعلان استقلال هيكلي"، حيث تضخ الصناديق السيادية الخليجية -التي تقترب أصولها من حاجز 5 تريليونات دولار- استثمارات جبارة لتوطين الصناعات الثقيلة، والتعدين، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي داخلياً، لهذا، فإن نجاح هذه المشاريع برفع مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى أكثر من 55% من الناتج المحلي الإجمالي حالياً يُعد خط الدفاع الأول لمنع ارتهان القرار الوطني لتقلبات أسواق الطاقة التي تديرها بورصات نيويورك ولندن!!.
ثانياً: كسر التموضع الجغرافي والهروب نحو الشرق (التحوط الجيوسياسي): إن الانضمام الخليجي الرسمي لتكتل "بريكس" (تحالف دولي يضم مجموعة من أكبر الاقتصادات الناشئة والنامية في العالم، تأسس التكتل في البداية كمنصة للتعاون الاقتصادي والتجاري، لكنه تحول تدريجياً إلى قوة جيوسياسية واقتصادية كبرى تسعى لخلق توازن في النظام المالي العالمي وكسر الهيمنة الغربية المطلقة المتمثلة في مجموعة السبع وصندوق النقد الدولي) مثّل الخطوة الأكثر جرأة في محاولة منها لإنهاء الاحتكار الغربي للاستثمارات والتحالفات الخليجية، حيث بدأت الرياض وأبوظبي في نسج شراكات استراتيجية متينة مع التنين الصيني والتكتلات الآسيوية الصاعدة التي تمثل المستهلك الأكبر للنفط اليوم. إن هذا الانزياح نحو الشرق (والذي سمح للخليج باللعب على التناقضات الدولية والأقطاب المتعددة، ملوحاً بأوراق استثمارية ضخمة) جعل القوى الغربية تفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي حماقة تجميد مالي، خشية انهيار أسواقها التي تعتمد على السيولة الخليجية!!.
ثالثاً: تأسيس بنية مالية بديلة وتفعيل صفقات "غير مدولرة" (غير دولارية): بدأت المطرقة الخليجية تضرب جدار البترودولار من خلال خطوات تنفيذية غير مسبوقة؛ حيث فعّلت الإمارات والسعودية صفقات لبيع شحنات من النفط والغاز إلى الصين والهند بتسويات مباشرة عبر اليووان والروبية، إلى جانب توقيع اتفاقيات تبادل العملات المحلية مع المصارف المركزية الآسيوية، والانخراط في مشاريع الرقمنة المالية مثل منصة "mBridge" (أو مشروع جسر العملات الرقمية المتعددة للبنوك المركزية، وهي منصة مدفوعات رقمية دولية عابرة للحدود تعتمد على تقنية سلسلة الكتل "البلوك تشين" (Blockchain)، وتسمح للبنوك المركزية بتسوية المعاملات المالية والتجارية فوراً باستخدام عملاتها الرقمية الخاصةCBDCs) ) دون الحاجة إلى الدولار الأمريكي كعملة وسيطة)، هذه الأدوات تؤسس لـ "شبكة أمان" وبنية تحتية موازية لنظام سويفت التقليدي؛ فإذا ما حاولت واشنطن يوماً ما استخدام "سلاح المنع"، تجد الأنابيب المصرفية البديلة جاهزة ومجربة للعمل فوراً!!.
إن دول الخليج العربي اليوم تعيد صياغة المشهد بذكاء نفعي؛ فهي لا تسعى لصدام عنيف ومفاجئ يطيح باستقرار عملاتها المرتبطة بالدولار، بل تمارس فك ارتباط تدريجي وآمن، فهي تحاول جاهدة ألا تكرر سيناريو "تقرير كيسنجر" الذي حوّل ثروات أفريقيا إلى لعنة سكنت شعوبها، بل تسعى لتحويل الفائض المالي إلى درع حقيقي يحمي قرارها المستقل، مدركةً أن السيادة في العالم الحديث لا تحميها الحدود الجغرافية، بل تصنعها وتصونها الاستقلالية الاقتصادية. سؤال قد يتبادر للأذهان : ألم تنتبه الولايات المتحدة الامريكية لخطوات السعودية والامارات من محاولات التقرب من دول الشرق!؟ والجواب على ذلك: إن الولايات المتحدة الأمريكية تنتبه بدقة شديدة لكل خطوة تخطوها السعودية والإمارات نحو الشرق، وتراقب هذا التقارب بقلق بالغ، بل وتتعامل معه باعتباره أحد أكبر المهددات طويلة المدى لـ "الهيمنة العالمية للدولار" وللنفوذ الجيوسياسي الأمريكي في الشرق الأوسط، فواشنطن لا تقف متفرجة، بل تقرأ هذا التحول الخليجي ليس كـ "خطوات تجارية بريئة"، بل كجزء من صراع الأقطاب العالمي (أمريكا ضد الصين وروسيا)، وأدناه الأدوات والضغوط الأمريكية التي تمارسها لمحاصرته: 1-كيف تقرأ أمريكا "الخطوط الحمراء" في العلاقات الخليجية-الصينية؟ لقد وضعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة (سواء الديمقراطية أو الجمهورية) خطوطاً حمراء واضحة للحكومات الخليجية، كي تتدخل بعنف إذا شعرت أن التقارب مع الصين تجاوز المبادلات التجارية والدبلوماسية إلى "المربعات الخطرة"، وأبرزها: • التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي (معركة الحسم): انتبهت واشنطن لمحاولات الإمارات والسعودية بناء بنية تحتية رقمية وشبكات 5G باستخدام تكنولوجيا شركة "هواوي" الصينية وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي مشتركة مع بكين، فضغطت أمريكا بقوة لدرجة أنها خَيّرت بعض الشركات الخليجية (مثل شركة G42 الإماراتية للذكاء الاصطناعي) بين الاستمرار في الشراكة مع الصين أو خسارة الرقاقات والمعالجات الأمريكية المتقدمة من شركة "إنفيديا" وشراكتها مع "مايكروسوفت"، فاستجابت أبوظبي سريعاً وقامت بتقليل استثماراتها مع الكيانات الصينية لإرضاء واشنطن، مما يثبت أن أمريكا تتدخل بشكل مباشر لمنع التبعية التكنولوجية للشرق !! • التعاون العسكري والقواعد البحرية: تدرك الولايات المتحدة الأمريكية تماما بأن تحول دول الخليج لشراء السلاح من الصين أو روسيا يعني تمهيدا للخروج الكامل من مظلة الحماية الأمريكية، لهذا السبب، فما أن رصدت الاستخبارات الأمريكية في عام 2021 عبر الأقمار الصناعية بناء ما يشتبه بأنه "منشأة عسكرية سرية" صينية في ميناء خليفة بالإمارات، بادرت واشنطن فورا بممارسة ضغوطً دبلوماسية وعسكرية هائلة هددت فيها الإمارات بوقف صفقات أسلحة استراتيجية (مثل طائرات F-35)، مما أجبر الإمارات على إيقاف المشروع الصيني فوراً!! 2- رد الفعل الأمريكي على اهتزاز "البترودولار": تدرك واشنطن أن قوة الاقتصاد الأمريكي والقدرة على فرض عقوبات على العالم تنبع من كون النفط يُباع بالدولار الأمريكي (اتفاقية السبعينيات مع السعودية)، لهذا فإن الرد الأمريكي هنا يأتي عبر المناورات الاقتصادية والتحذيرات المبطنة؛ حيث يرسل الخبراء الماليون في الخزانة الأمريكية رسائل مستمرة للخليج بأن "اليووان الصيني" ليس عملة حرة بالكامل، وأن الارتباط بـ "بريكس" أو الصين يحمل مخاطر اقتصادية ضخمة نظراً لأن الاقتصاد الصيني يعاني من أزمات هيكلية في قطاع العقارات والنمو.!! إن أمريكا تنظر لخطوات تسوية النفط باليووان حالياً كـ "استعراض سياسي" أو أوراق ضغط خليجية لتحصيل مكاسب من واشنطن، لكنها تتحرك لمنع تحوله إلى نظام مالي دائم. 3- "الهند" كبديل أمريكي لقطع الطريق على الصين: انتبهت أمريكا لتقارب الخليج مع الشرق، فقررت كسر الاحتكار الصيني لهذا التقارب عبر استخدام "الهند" كشريك استراتيجي مشترك، ففي قمة العشرين (G20) عام 2023، أطلقت أمريكا بالتعاون مع السعودية والإمارات والهند مشروع "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC)، فكان هذا المشروع هو الرد الأمريكي المباشر والعلني لقطع الطريق على مشروع "الحزام والطريق" الصيني، فكانت الرسالة الامريكية لدول الخليج بهذا الخصوص بما معناه: "إذا أردتم التوجه شرقاً للتجارة، فتوجهوا نحو حليفتنا الهند وليس نحو خصمنا الصيني"!!. 4- سياسة "العصا والجزرة" الأمريكية المعاصرة: تحاول أمريكا حالياً كبح جماح هذا التمرد الخليجي الناعم عبر تقديم حوافز أمنية يسيل لها لعاب العواصم الخليجية مقابل الابتعاد عن الصين وذلك من خلال معاهدة الدفاع المشترك، حيث ناقشت الإدارة الأمريكية مع السعودية صياغة اتفاقية دفاعية وتكنولوجية تاريخية (تلتزم فيها أمريكا بالدفاع عن المملكة كحليف رسمي خارج الناتو، وتساعدها في برنامج نووي سلمي)، بشرط وضع قيود صارمة على العلاقات التكنولوجية والعسكرية السعودية مع الصين وروسيا!!.
وفي ختام مقالنا نقول: يظل "تقرير كيسنجر" أكثر من مجرد وثيقة تاريخية أكل عليها الدهر وشرب؛ إنه يمثل خارطة طريق لهندسة سياسية واقتصادية طويلة الأمد، نجحت لعقود في رهن الثروة الخليجية بمعادلات النظام المالي الغربي. واليوم، بينما تحاول عواصم الخليج إعادة صياغة تموضعها العالمي عبر رؤى تحديثية طموحة وتحالفات متعددة الأقطاب، فإنها تقف وجهاً لوجه أمام تفكيك الشفرة القديمة للاستتباع الاقتصادي. إن السيادة الحقيقية في عالم اليوم لا تقاس بحجم الاحتياطيات النقدية المؤطرة ضمن أصول خارجية، بل بالقدرة على امتلاك أدوات الإنتاج، وتوطين التكنولوجيا، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الاستراتيجية. وبدون هذا التحول الهيكلي العميق، سيبقى مفهوم الاستقلال مجرد "سراب" تذروه رياح الأزمات العالمية، وتظل فيه الاقتصادات الناشئة رهينة لسياسات نقدية وصراعات جيوسياسية تُصنع وراء البحار. الرهان الحقيقي للمرحلة القادمة لا يكمن في التكيف مع شروط النظام العالمي القائم، بل في الجرأة على مغادرته نحو فضاءات اقتصادية أكثر تحرراً، كما إن بناء قوة ذاتية مستقلة هو السبيل الوحيد لكسر طوق التبعية، وضمان ألا تتحول ثروات المنطقة إلى قيد يكبّل مستقبل أجيالها، بل درعاً يحمي سيادتها الكاملة وغير المشروطة.
قال تعالى في سورة هود، الآية 113: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ". وللمقال بقية في الجزء الثاني بإذنه تعالى.
25 / 9 / 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الدينار والنفط في مهب الريح...التكلفة الباهظة لتصنيف العراق
...
-
من بغداد إلى أكسفورد: مذكرات المؤرخ أفي شلايم الذي هزّ عقيدة
...
-
بين عكا وبغداد: القصة الكاملة لإرهاب الصهيونية البيولوجي وال
...
-
حصان طروادة الرقمي وفخاخ -الحنين المغشوش-: كيف نغلق ملف -يهو
...
-
من -عزرا ونحميا- إلى منصات -التطبيع الناعم-: قراءة في الأهدا
...
-
من -دولة المكونات- إلى -دولة القانون-: المسارات التشريعية نح
...
-
ثلاثية الموت السريري للعراق: الطائفية، الفساد، والمحاصصة !!.
-
مربع النفوذ المغلق: -جرف الصخر- كعقدة في منشار حصر السلاح!!
-
مخطوطات قُـمْران: الكنز الأثري الذي نسف أساطير الصهيونية!!
-
نبوءات حزقيال خارطة طريق للكيان الإسرائيلي!!
-
أما آن للعراق العظيم أن يستقر وينتعش !!؟
-
محمود عباس: بائع الوهم وعَرّاب التصفية!!
-
خدعة كبيرة تحت مسمى: -مجلس سلام غزة-!!
-
أما آن أوان لجم نظام بن زايد وتحجيم شره!!
-
هل سمعتم يوما بالإنجيلية التدبيرية !؟
-
ما يجري في جنوب لبنان أكبر من محاربة حزب الله!!
-
هل القواعد الامريكية في دول الخليج لحمايتها ... أم ماذا!!؟
-
ترامب يرمي غصن الزيتون ويمتشق السيف!!
-
ننتظر وشاية الأحجار والأشجار باليهود!!
-
أقول لترامب : -عجيب أمور، غريب قضية-!!
المزيد.....
-
الرئيس الإيراني يلتقي رئيس وزراء قطر في نيويورك.. وهذا ما بح
...
-
8 دول تتنافس في الألعاب الفضائية الدولية بـ-سكولكوفو- موسكو
...
-
هل يسعى ترامب إلى جعل الولايات المتحدة أكثر شبهاً بالصين؟ –
...
-
البابا ليو في فرنسا.. زيارة دولة هي الأولى منذ 18 عاما وأكثر
...
-
تركيا تستعرض قدراتها العسكرية في مناورات -ذئب البحر-
-
مدريد.. مواجهات عنيفة أثناء محاولة إخلاء مسكن معاقة عمرها 87
...
-
العراق.. مطار النجف يوقف جميع رحلاته من وإلى إيران
-
-الناتو-: إمدادات الدفاع الجوي لأوكرانيا غير كافية رغم تدفقه
...
-
اختراق عملي.. ساعة ذرية فائقة الدقة قد تغير تعريف -الثانية-
...
-
في الأمر سر: واشنطن تُقرّ -عقوبات جهنمية- على روسيا وتدعو بو
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|