أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سماك العبوشي - من -عزرا ونحميا- إلى منصات -التطبيع الناعم-: قراءة في الأهداف الخفية لدعوات العودة اليهودية الى العراق!!















المزيد.....


من -عزرا ونحميا- إلى منصات -التطبيع الناعم-: قراءة في الأهداف الخفية لدعوات العودة اليهودية الى العراق!!


سماك العبوشي

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 19:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توطئة واستهلال...
كان زميلا عزيزا لي أثناء الدراسة الجامعية في بغداد، مقربا الى قلبي، رافقني لثلاث سنوات، وبعد تخرجنا من جامعة بغداد عام 1975 وإنهائنا للخدمة الإلزامية في الجيش العراقي، فقد سافر مباشرة الى بريطانيا لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه في (علم الالكترونكس) الذي كان مولعا وشغوفا به إلى حد كبير، وتواصلنا لسنوات عبر الرسائل طيلة استقراره في بريطانيا، ثم انقطع تواصلنا.
قبل يومين فوجئت برسالة خطية قصيرة منه بعثها لي عبر تطبيق الواتساب، ابتدأت رسالته بالتحية والسلام، ومن بعد ذلك أبدى هواجسه ومخاوفه من حملات ودعوات مشبوهة برزت هذه الأيام تتحدث عن (حنين!!) يهود العراق الذين غادروه الى الكيان الإسرائيلي، ولقد أكد لي بأن هذه الدعوات ليست بريئة، بل مدفوعة من منظمات صهيونية متواجدة سواء في الكيان الإسرائيلي أو في دول غربية (كبريطانيا مثلا حيث يقيم)، وترمي لتحقيق هدفين اثنين، التمهيد للتطبيع مع العراق أولا، ثم الهيمنة عليه وتدميره لاحقا، ولقد دعاني بإلحاح شديد لكتابة مقال تحذيري بهذا الصدد!!
ما أن أتممت قراءة رسالته التحذيرية تلك، حتى استحضَرتُ في ذهني خطورة الأمر وعظم المسؤولية التي ألقاها زميلي العزيز على كاهلي، باعتباري مواطنا عروبيا مسلما صالحا (كما أزعم وأدعي)، فلطالما رفعت وتبنيت شعار (جهاد الكلمة) من خلال ما أنشره من مقالات تصب في خدمة أمتنا، فاستهواني الأمر والتحدي، فقررت أن أدلو بدلوي بهذا الخصوص حرصا منا (نحن الاثنين) على العراق ومستقبله، وتجنيبا لبلدنا وشعبنا مما يُحاك لهما في الخفاء من دسائس ومؤامرات، لهذا جاء هذا المقال ... وعلى الله التكلان.
بعد هذه التوطئة والاستهلال، كان لابد لي أن أبدأ مقالي بسرد واقع كنت قد عايشته في بغداد في ستينات ومنتصف سبعينات القرن المنصرم، فلقد كانت هناك عائلة من اليهود تسكن في ذات الزقاق الذي أسكنه، تتكون من زوج وزوجة مع ابنين اثنين (كمال وجمال) وابنة (نضال)، وإن لم تخني الذاكرة فإن الإبن البكر (كمال) كان صيدلانيا، بينما كان (جمال ونضال) يدرسان في جامعة بغداد وبتخصصات علمية محترمة، وكانت هذه العائلة تعيش برغد واطمئنان وأمان بين جيران زقاقنا الطيبين، ويشهد الله تعالى على صدق ما أقوله، فلم تصدر بحقهم أي مضايقة أو إساءة (قولا أو فعلا) من أي فرد في الزقاق.
في ذات يوم، زارنا فجأة والد كمال بقصد السلام على والدي (رحمه الله) وتوديعه، ذاكرا له عزمه على مغادرة العراق والهجرة نهائيا إلى بريطانيا (كما زعم!!)، هذا كما قام أيضا بالسلام على باقي جيراننا وتوديعهم وسط ذهول الجميع واستغرابهم لهذه الهجرة الغريبة والمفاجئة، وهكذا غادروا العراق بمحض إرادتهم ولم نعد نسمع عنهم شيئا منذ رحيلهم حتى يومنا هذا، وإلى هنا تكون حكاية الجار اليهودي قد انتهت، لأبدأ في صلب موضوع مقالي هذا.

لقد برزت في السنوات الأخيرة دعوات ومطالبات مشبوهة كانت قد أثارتها وتبنتها مؤسسات ومنظمات صهيونية تدّعي فيها (حنين) يهود العراق المتواجدين في الكيان الإسرائيلي وفي المهجر لبلدهم الأصلي، ورغبتهم وطموحهم بالارتباط ثانية ببلاد الرافدين، وتنوعت هذه المطالبات والدعوات التي أثارتها هذه المؤسسات والمنظمات الصهيونية لتشمل جوانب مختلفة (قانونية، ورمزية، وعاطفية) وعلى النحو التالي:
1- المطالبة باستعادتهم للجنسية العراقية التي فقدوها، من خلال حملات قانونية وإعلامية مكثفة قادتها شخصيات من يهود العراق، مثل "إدوين شكر" (رجل أعمال ومستثمر عقاري بريطاني بارز، وهو من أصول يهودية عراقية، ويُعد أحد أشهر المدافعين الدوليين عن إرث الطائفة اليهودية في العراق والمطالبين بالحفاظ على معالمها، وهو نائب رئيس المؤتمر اليهودي الأوروبي سابقاً، ) طالبوا فيها بإعادة الجنسية العراقية لليهود العراقيين الذين غادروا العراق!!
2- شراء عقارات، كتلك التي أقدم عليها إدوين شكر بشرائه لمنزل في شمال العراق كـخطوة رمزية للتحول من مجرد سائح بريطاني إلى مواطن مستقر!!.
3- مطالبة منظمات يهودية باستعادة أملاك اليهود العراقيين الذين هاجروا، كمنظمة "ناحوم" (على سبيل المثال لا الحصر) التي دعت إلى فتح ملفات العقارات والحسابات المصرفية والأموال التي جُمّدَت أو صودرت عقب هجرتهم من العراق في خمسينيات القرن الماضي!!
4- دعوات بالحفاظ على الموروث الثقافي والتاريخي اليهودي، وذلك من خلال إنشاء منصات تواصل اجتماعي تشرف عليها بشكل مباشر وزارة خارجية الكيان الإسرائيلي (مثل صفحة "إسرائيل باللهجة العراقية") وتعمل على إدارتها وإطلاقها، موجهة تحديدا للداخل العراقي، هذا علاوة على قيامها بتأسيس مراكز تراثية يهودية (مثل متحف التراث البابلي في إسرائيل)، بهدف استحضار واسع للفلكلور البغدادي من خلال بث الأغاني التراثية (مثل "خدري الشاي")، علاوة على التحدث باللهجة العراقية، وإعداد الأكلات اليهودية العراقية التقليدية بذريعة (الحنين الثقافي!!)!!.
5- المطالبة بالأرشيف اليهودي ودعوات لصيانة آثارهم، حيث تركز هذه المؤسسات والمنظمات الإسرائيلية على ضرورة صيانة الكنائس اليهودية، والمعابد، والمخطوطات الأثرية في بغداد والبصرة، ليتمكن يهود العراق من زيارتها مستقبلا وربط الأجيال الشابة بجذورهم!!

لقد أثارت الدعوات والمبادرات المتزايدة الرامية لإعادة يهود العراق أو دمجهم ثقافياً وقانونياً مخاوف وهواجس واسعة في الأوساط الأمنية، والسياسية، والشعبية في العراق، حيث توصف في كثير من الأدبيات السياسية بأنها "دعوات مشبوهة" تخفي بين طياتها أجندات غير معلنة تضر بالأمن القومي للعراق، وينظر المشككون والرافضون لهذه الدعوات والمطالبات إلى "الغرض والأهداف الحقيقية" الكامنة وراءها من خلال عدة أبعاد رئيسية:
1-التغلغل الاستخباري والاختراق الأمني، حيث حذرت تقارير أمنية عراقية من تحرك شبكات مرتبطة بالصهيونية للوصول إلى المواقع الدينية والآثار اليهودية في العراق (مثل مرقد النبي ذي الكفل في بابل، نبي الله ناحوم في القوش، مرقد النبي عِزْرا "العُزَيْر" الواقع في محافظة ميسان) تحت غطاء بعثات أثرية أو سياحية يحمل أفرادها جوازات سفر أوروبية وأمريكية لتجنب الملاحقة!!
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يرى الرافضون لدخول هؤلاء الى العراق بحجة السياحة أو زيارة معالم التراث اليهودي أن هذه التحركات قد تُستغل كواجهة للأنشطة الاستخباراتية وتجنيد شبكات محلية لصالح الموساد، مستغلةً التعاطف الثقافي أو البحث عن الآثار للتوغل في المجتمع العراقي وتكريس الوجود الإسرائيلي.!!
2- التمهيد للتطبيع الناعم (الحرب الثقافية)، ولقد رصدت تقارير رسمية تركيزاً إعلامياً "إسرائيلياً" مكثفاً عبر منصات التواصل الاجتماعي الموجهة للعراق (مثل صفحة "إسرائيل باللهجة العراقية")، وأدركت بأن الهدف الأساسي لها ليس الحنين البريء (كما يُعلن عنه في منصات التواصل الاجتماعي!!)، بل هو ذريعة لتغيير مزاج الشارع العراقي، وتهيئة الرأي العام العراقي لتقبل فكرة "التطبيع الثقافي والسياسي" عبر دغدغة العواطف بالحديث عن مظلومية الأديان، والتعددية، وحقوق المواطنة، ولا يخفى على القارئ اللبيب الهدف الكامن من استخدام الفلكلور والتراث اليهودي البغدادي، وذلك ليكون كـ "حصان طروادة" لكسر الحاجز النفسي لدى الشباب العراقي، وإعادة صياغة الوعي الجمعي لتقبل فكرة التعايش والتطبيع التدريجي عبر التركيز على البعد الإنساني وإخفاء البعد الاحتلالي!!.
3- إثارة الأزمات العقارية ومصادرة الأملاك، حيث تطالب منظمات يهودية في الخارج (مثل منظمة "ناحوم") باستعادة العقارات، والمنازل، والمتاجر الشاسعة التي تركها اليهود في قلب العاصمة بغداد (مثل مناطق الشورجة وشارع الرشيد) وفي البصرة، علما أن فتح هذا الملف في الوقت الحالي سيتسبب في أزمة قانونية واجتماعية كبرى؛ نظرًا لأن هذه الأملاك بيعت، أو انتقلت ملكيتها، أو وُضِعَت تحت إشراف الدولة منذ عقود، وهي لعمري محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي والضغط الاقتصادي على المواطنين!!
4- محاولة إثارة النعرات وتفكيك النسيج الوطني (البروباغندا الممنهجة)، حيث تسعى الآلة الإعلامية الصهيونية إلى تصوير تهجير اليهود في خمسينيات القرن الماضي على أنه "تطهير عرقي ممارس من قبل المجتمع العراقي"، متجاهلةً حقيقة التواطؤ الصهيوني-البريطاني في قيام الحركة الصهيونية السرية آنذاك بتنفيذ التفجيرات لإجبار يهود العراق على الرحيل، وذلك بهدف تعميق شعور الذنب وإثارة الانقسامات المجتمعية داخل العراق (وسنأتي على ذكر شهادات تاريخية يهودية تؤكد مسؤولية الحركة الصهيونية بتنفيذ هذه التفجيرات في بغداد في مكان آخر في هذا المقال)!!
5- محاولات الكيان الإسرائيلي الحثيثة لنشر مفهوم أن الوجود اليهودي في العراق هو وجود قومي أصيل يتفوق على الهوية العربية والإسلامية الحالية، بهدف التمهيد لطلب رعاية دولية للمعالم والأوقاف اليهودية في العراق وعزلها عن سلطة الدولة العراقية، علما بأن المؤسسات الصهيونية قد نشطت بترسيخ هذا الهدف من خلال تأسيس "مركز تراث يهود بابل" وغيره من المراكز الأكاديمية في الكيان الإسرائيلي، والتي ساهمت بإقامة مؤتمرات دولية وإصدار كتب تدّعي "الحق التاريخي" لليهود في أرض الرافدين!!
6-محاولات التغلغل عبر إقليم كردستان العراق من خلال استغلال الخصوصية السياسية له، حيث سُجلت دعوات وافتتاح مكاتب لممثلين عن المكون اليهودي، والقيام بزيارات متكررة تحت لافتة "يهود كردستان"، ويرى المشككون بهذه المطالبات أن التركيز على الشمال العراقي يهدف إلى إيجاد موطئ قدم رسمي وقانوني آمن وقريب، يُستخدم مستقبلا كنقطة انطلاق للتوسع والضغط باتجاه بقية المحافظات العراقية لتغيير التشريعات النافذة التي تُجرّم التطبيع!!
7-التوظيف السياسي لملف "اللاجئين اليهود العرب" في المحافل الدولية كورقة ضغط قانونية وسياسية لتصفية القضية الفلسطينية، حيث تقود منظمات صهيونية عالمية (بدعم حكومي إسرائيلي) حملة لتوثيق أملاك يهود الدول العربية (وتحديداً العراق)، ليس بهدف إعادتهم للعيش هناك، بل لاستخدام هذا الملف كورقة ضغط قانونية وسياسية، تتمثل بخلق مقايضة دولية الهدف منها إسقاط حق العودة الفلسطيني، بحيث تطالب هذه المنظمات الصهيونية على اعتبار أملاك يهود العراق المتروكة تعويضاً قابلاً للشطب مقابل أملاك الفلسطينيين المهجرين عام 1948، وإنهاء ملف العودة للفلسطينيين، وبالتالي تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين نهائياً!!!

ولتفويت الفرصة على المحاولات الصهيونية بادعاء مظلومية اليهود العراقيين الذين أجبروا قسرا على الهجرة من العراق من جانب، ولإجهاض الدعوات والمطالبات بعودة يهود العراق الآن، وبالتالي وأد أهدافها الخبيثة والشيطانية وأطماعها في العراق من جانب آخر، فلابد لنا من التذكير بتلك المحاولات الخبيثة لمؤسسات صهيونية كانت قد أقدمت عليها داخل بعض بلداننا العربية (ومنها العراق) بين عامي 1950 و 1951 (بُعَيْدَ الإعلان عن تأسيس الكيان الإسرائيلي الغاصب) لغرض الإسراع بتهجير اليهود العرب منها وإجبار المترددين منهم على الرحيل الى الكيان الغاصب، فلقد شهدت العاصمة العراقية (بغداد) بين عامي 1950 و1951 سلسلة تفجيرات سرية غامضة استهدفت المصالح والتجمعات اليهودية، مما أثارت رعباً هائلاً دفع الأغلبية الساحقة من يهود العراق للتخلي عن جنسياتهم والهجرة، ورغم محاولات التعتيم، إلا أن التحقيقات والشهادات التاريخية كشفت لاحقاً عن تورط شبكات سرية تابعة للحركة الصهيونية والمسماة "الموساد ليلية" (منظمة الهجرة السرية أو غير الشرعية التي أسستها الحركة الصهيونية قبل قيام الكيان الإسرائيلي) بالتعاون مع شبكة "الحلوتس" و"الشورا" (الركيزتين الأساسيتين اللتين شكّلتا بنية التنظيم الصهيوني السري المسلح في العراق بين عامي 1942 و1951) السرية في بغداد بتدبير هذه الهجمات لإجبار اليهود المترددين على الرحيل إلى الكيان، وأدناه أهم الغايات والدوافع الاستراتيجية والديموغرافية التي دفعتها لتنفيذ سلسلة التفجيرات الشهيرة ضد المصالح والمعابد اليهودية في بغداد بين عامي 1950 و1951 (التي ثبتت تاريخياً بالوثائق والشهادات كشهادة المؤرخ اليهودي العراقي نعيم جلعادي):
1-كسر ممانعة يهود العراق ورفضهم للهجرة الى الكيان الغاصب، حيث كان يهود العراق يعيشون في رغد اقتصادي، ويمتلكون نفوذاً تجارياً، ومندمجين ثقافياً بوطنهم؛ فلم يجدوا أي دافع لترك أملاكهم والذهاب إلى المجهول، وعندما أصدرت حكومة توفيق السويدي في مارس 1950 قانوناً يسمح لليهود بالتخلي عن جنسيتهم والمغادرة (بضغط من بريطانيا)، فلقد صُدِمَت الوكالة الصهيونية إزاء الإقبال الضعيف جدا وشبه المعدوم من يهود العراق، فجاء استخدام "صناعة الفزع" وضرب العائلات في مراكز ثقلها (مثل كنيس مسعودة شمتو ومقهى دار البيضاء) لبث الرعب في أنفسهم وإشعارهم بأن بغداد أصبحت بيئة معادية وقاتلة، مما دفعهم للهروب والتزاحم على طوابير إسقاط الجنسية نجاةً بأنفسهم.!!
2- سد العجز الديموغرافي الحاد في الكيان الصهيوني الناشئ، فلقد واجه ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء للكيان) أزمة وجودية بعد عام 1948؛ فالأرض المغتصبة كانت شاسعة والبيوت الفلسطينية المهجرة فارغة، لكن لا يوجد يهود لملئها، خاصة بعد رفض يهود أوروبا (الأشكناز) الهجرة الجماعية إلى الكيان الغاصب بعد الحرب العالمية الثانية، فنظرت الحركة الصهيونية إلى يهود العراق (الذين قُدر عددهم بنحو 130 ألف نسمة) كــكتلة بشرية جاهزة لملء الفراغ السكاني، وتوفير أيدي عاملة رخيصة لبناء البنية التحتية والمستوطنات، وزيادة التعداد السكاني لتعزيز القوة العسكرية في مواجهة المحيط العربي!!.
3- ضرب الهوية الوطنية والاندماج العربي لليهود، حيث خشيت الحركة الصهيونية العالمية من نجاح نموذج "اليهودي العربي" المندمج وطنيا وقومياً والمقاوم للأيديولوجيا الصهيونية (حيث كان النبض العام لقيادات الطائفة مثل الحاخام ساسون خضوري يرفض الصهيونية علناً ويعتبرها حركة غربية استعمارية)، فكان القرار بافتعال الصراع الطائفي عبر تلك التفجيرات التي نفذت في بغداد لقطع أي فرصة لتعايش اليهود مع المسلمين والمسيحيين في العراق، وإجبار الطائفة على التمترس خلف الهوية الدينية الإسرائيلية حصراً!!
4- الضغط لإنهاء المهلة القانونية لنفاد قانون إسقاط الجنسية العراقية وتمرير التبادل الدبلوماسي السرّي، لذلك كانت الحركة الصهيونية تسابق الزمن، لأن قانون إسقاط الجنسية العراقي حُدد بمدة عام واحد فقط (ينتهي في مارس 1951)، مما دفعها لتكثيف التفجيرات في أواخر عام 1950 ومطلع عام 1951 بهدف إغلاق ملف التهجير بنجاح كامل قبل انتهاء المهلة القانونية، والضغط على الحكومة العراقية (بإيعاز وتنسيق بريطاني خلف الكواليس) لتسريع وتيرة نقل المهاجرين عبر الخطوط الجوية المملوكة لشركات قريبة من الصهيونية (مثل خطوط طيران الشرق الأدنى)!!
5-إدراك المنظمات الصهيونية بأن تحويل اليهود العراقيين إلى "لاجئين معدمين بلا ثروات" داخل الكيان الإسرائيلي سيجعلهم مذعنين وتابعين كلياً للمؤسسات الصهيونية داخل الكيان، وبالتالي سيكونون غير قادرين على التفكير في العودة أو التمرد من جانب، ومجبرين على القبول بأي شروط معيشية قاسية تُفرض عليهم في مخيمات التجميع (المعبروت) من جانب آخر، وهذا الأمر لن يتم الا إذا أضطر اليهود العراقيون الى الهجرة من العراق وبيع ممتلكاتهم وعقاراتهم بأبخس الأثمان في أسواق بغداد، أو تركها لتصادرها الحكومة العراقية لاحقاً بموجب قانون تجميد الأموال (رقم 5 لسنة 1951)!!

لقد انكشف المخططات الصهيونية الرامية لتهجير اليهود العراقيين، ففي منتصف عام 1951، حيث تمكنت الأجهزة الأمنية العراقية من تتبع الخيوط وإلقاء القبض على أفراد الشبكة السرية، وضبطت بحوزتهم مخازن أسلحة ومتفجرات ومنشورات صهيونية داخل معابد ومنازل يهودية، كما كشفت التحقيقات التي أجرتها الحكومة العراقية آنذاك أن العمليات كانت تدار بتوجيه مباشر من المبعوث الصهيوني السري شلومو هيليل (الذي أصبح لاحقاً رئيساً للكنيست الإسرائيلي)، والذي كان يتحرك بأسماء وجوازات سفر مستعارة داخل بغداد، ولقد أصدر القضاء العراقي آنذاك حكماً بالإعدام بحق ناشطَين صهاينة أداروا العمليات ميدانياً، وهما ( يوسف بصباص وشالوم صالح)!!
ولم تقتصر إدانة وفضح المخططات الصهيونية على الرواية الرسمية العراقية، بل أكدتها شهادات تاريخية يهودية بارزة لاحقاً أبرزها:
1-شهادة المؤرخ والكاتب اليهودي العراقي (نعيم جلعادي) الذي أصدر كتاباً شهيراً بعنوان "بن غوريون وفضائح بغداد"، أثبت فيه بالوثائق أن التفجيرات نُفذت بأيدٍ صهيونية لخدمة مصالح الكيان الإسرائيلي، ومؤكداً أن الصهيونية قد ضحت بدماء يهود عراقيين من أجل تهجير البقية!!
2-ما نشرته صحف إسرائيلية (مثل هاآرتس ويديعوت أحرونوت) في عقود لاحقة تحقيقات واعترافات لجنود سابقين في الموساد أقروا فيها بمسؤولية الحركة عن تفجيرات بغداد لتسريع هجرة "يهود بابل"!!!

ختام المقال وزبدته... أقول:
يتضح جلياً أن تباكي الماكينة الصهيونية اليوم على إرث يهود العراق واستعراض "حنينهم" المزعوم، ليس سوى حلقة جديدة من مسلسل الاستثمار السياسي والأمني في الذاكرة المثقوبة.
إن العراق الذي كان يوماً مهداً للتعددية، يعي جيداً الفرق بين المواطنة التاريخية الأصيلة وبين محاولات توظيفها كحصان طروادة لخرق أمنه القومي وتصفية حقوق شعوب المنطقة، والرد العراقي الحاسم —تشريعاً وشعباً— يبعث برسالة واضحة مفادها إن أبواب بلاد الرافدين المُشْرَعة دوماً لزوارها، ستبقى موصدة وللأبد بوجه أي يد خفية تحاول العبث بهويتها أو مقايضة ثوابتها الوطنية بجوازات سفر مشبوهة.!!
كما وتبقى الحقيقة التاريخية شاخصة لتؤكد أن الكيان الاسرائيلي الذي يدّعي اليوم رعاية حقوق يهود العراق، هو ذاته الكيان الذي هجّرهم بالأمس بقنابل الرعب والترهيب، وحوّلهم من مواطنين مكرمين في بغداد والبصرة إلى مجرد (أرقام ديموغرافية) وعمال سخرة في مخيمات الصفيح!!، وسيبقى الإرث اليهودي العراقي جزءاً من تاريخ هذه الأرض الذي سلبته الصهيونية، ولن ينجح المحتل في تحويل تاريخ التعايش المشترك إلى جسر للعبور نحو اختراق سيادة العراق وعروبته.!!
وأخيرا، فإن استدعاء "حنين بابل!!" عبر منصات التطبيع الناعم لا ينشد إنصاف الضحايا، بل يهدف إلى اغتيال القضية الفلسطينية عبر مساومات عقارية خبيثة باتت مكشوفة!!



#سماك_العبوشي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من -دولة المكونات- إلى -دولة القانون-: المسارات التشريعية نح ...
- ثلاثية الموت السريري للعراق: الطائفية، الفساد، والمحاصصة !!.
- مربع النفوذ المغلق: -جرف الصخر- كعقدة في منشار حصر السلاح!!
- مخطوطات قُـمْران: الكنز الأثري الذي نسف أساطير الصهيونية!!
- نبوءات حزقيال خارطة طريق للكيان الإسرائيلي!!
- أما آن للعراق العظيم أن يستقر وينتعش !!؟
- محمود عباس: بائع الوهم وعَرّاب التصفية!!
- خدعة كبيرة تحت مسمى: -مجلس سلام غزة-!!
- أما آن أوان لجم نظام بن زايد وتحجيم شره!!
- هل سمعتم يوما بالإنجيلية التدبيرية !؟
- ما يجري في جنوب لبنان أكبر من محاربة حزب الله!!
- هل القواعد الامريكية في دول الخليج لحمايتها ... أم ماذا!!؟
- ترامب يرمي غصن الزيتون ويمتشق السيف!!
- ننتظر وشاية الأحجار والأشجار باليهود!!
- أقول لترامب : -عجيب أمور، غريب قضية-!!
- بنيامين نتنياهو، الصادق البار بالكيان -الإسرائيلي-!!
- أما آن لنا استثمار عزلة الكيان الإسرائيلي!!
- ما عجز عنه النتن ياهو حققه له ترامب وبمباركة عربية إسلامية!!
- قد فرطتم بفلسطين فاحرصوا على أوطانكم!!
- دونالد ترامب: تاريخ حافل في خدمة إسرائيل!!


المزيد.....




- السعودية.. مشاهد توثق الأضرار إثر الاستهدافات الحوثية (صور) ...
- فستان مكشوف وقبلات على السجادة الحمراء.. هكذا ظهر بروكلين بي ...
- خطط تحضرها السعودية للرد على هجمات الحوثي.. ماذا نعلم للآن؟ ...
- السيناتور تيد كروز لـCNN: الولايات المتحدة ليست في حالة حرب ...
- الخارجية الفلسطينية ترحب بقرار بريطانيا حظر بضائع المستوطنات ...
- هل في بيتنا -ابن مفضل-؟
- -حرب السفن- تشعل الشرق الأوسط مجدداً.. ضربات أميركية إيرانية ...
- -البديل من أجل ألمانيا- يتقدم في الشرق.. هل يتسع شرخ الثقة ب ...
- ردّد وهو يهذي: -أعيدوا إليّ جحافلي-!
- الدفاع الروسية: استهداف مراكز لوجستية يستخدمها الجيش الأوكرا ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سماك العبوشي - من -عزرا ونحميا- إلى منصات -التطبيع الناعم-: قراءة في الأهداف الخفية لدعوات العودة اليهودية الى العراق!!