سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
استهلال وتوطئة:
أكتب مقالي هذا في ظل غضب عارم يتملكني جراء ما أراه من انتهاكات جسيمة وتغييرات ديمغرافية خطيرة تجري في مدن وقرى الضفة الغربية، والتي من المفترض أن تحميها وتصونها قيادة (وطنية!!!) فلسطينية مسؤولة، جُلّ أعضائها ينتمون لحركة فتح التي ذاع صيتها منذ انطلاقتها في الأول من كانون الثاني / يناير 1965 بحدث ميداني عسكري بارز نفّذه الجناح العسكري للحركة (قوات العاصفة) في أولى عملياته العسكرية المسلحة من خلال تفجير نفق مائي في منطقة "عيلبون" بهدف عرقلة مشروع سحب المياه للكيان الإسرائيلي.!!
هذا أولا...
وثانيا... كلنا يعلم أن اسم (فتح) منحوت أساسا من أول أحرف لثلاث كلمات هي (حركة، تحرير، فلسطيني)، فما الذي تبقى يا تُرى من مفردات (تحرير)، (فلسطيني)، يضاف لها مفردة (وطني) في ظل ما نراه هذه الأيام في مدن وقرى الضفة الغربية!!؟
أين نهج (التحرير) يا ترى!؟
ما الذي تبقى من (فلسطين)!؟
وهل أن من يقود الضفة الغربية هو (وطني) حقا، يبغي صون وحماية الوطن والحفاظ على ما تبقى منه والارتقاء به بالتالي!!؟
أقولها وبضرس قاطع أحاسب عليه يوم الدين، ويشاركني الرأي كل شرفاء أمتنا العربية (وبضمنهم شرفاء وأصلاء حركة فتح أنفسهم) بأنه لم يتبق من هذه المفردات الرائعة شيء البتة بعد الوقوع في مصيدة وفخ اتفاقيات أوسلو، وانقلاب مفاهيم قيادة السلطة من (الثورية والتحررية) الى مفاهيم رجال الاعمال وسعيهم الحثيث والدؤوب للتمسك بالسلطة والنفوذ من أجل السمسرة التجارية واكتناز وزيادة الارصدة الدولارية!!
لقد جرى كل ذلك التحول الجذري والكبير من (الثورية والتحررية) الى منطق البزنس واكتناز الأموال وزيادة الأرصدة تحديدا بعد رحيل القيادات التاريخية المؤسسة والمؤثرة للحركة كصلاح خلف (أبو إياد)، خليل الوزير (أبو جهاد)، سليم الزعنون (أبو الأديب)، فاروق القدومي (أبو اللطف) الذي رفض العودة إلى الضفة الغربية عقب توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، حيث ظل متمسكاً بموقفه الرافض للاتفاق والاعتراف بإسرائيل، يضاف لهؤلاء السيد ياسر عرفات (أبو عمار) الذي تم تغييبه قسرا بحادث تسميم غامض لم يكشف عن فاعله رغم وضوح صاحب المصلحة بالتغييب!!، فلم يتبق منهم إلا محمود عباس (أبو مازن) الذي لا أشك لحظة واحدة في أنه:
- إما قد تمت زراعته في الحركة وتهيئته لهذه المرحلة المتخاذلة من عمر قضية فلسطين!!
- أو أنه قد تم تحييده وإبعاده فيما بعد عن خط ومسار وأدبيات حركة فتح المتمثلة بنهج المقاومة والتحرير!!
ولدي أدلة عقلية ومنطقية كثيرة على ما ذكرته آنفا سترد بعض شواهدها في مقالي هذا !!
رب سائل يتساءل:
منذ متى تغير نهج محمود عباس من الخط المقاوم الى خط المهادنة والخنوع والانبطاح!؟
واجابة على هذا التساؤل الكبير والخطير، فإن المؤرخين والمحللين السياسيين يُجمعون على أن نهج محمود عباس (أبو مازن) لم يشهد "تحولاً فجائياً"، بل هو خط فكري ثابت ومميز له منذ بدايات العمل السياسي، حيث عُرف تاريخياً داخل حركة فتح بأنه مهندس المسار الدبلوماسي والمفاوضات، والمناهض الأول لـ"عسكرة" النضال الفلسطيني، وأدناه شواهد تاريخية لمسيرته داخل حركة فتح ومن ثم السلطة الفلسطينية:
• كان من أوائل قادة فتح الذين دعوا إلى فتح قنوات اتصال مع اليسار الإسرائيلي منذ منتصف السبعينيات، لإيمانه بأن الحل يجب أن يمر عبر التغيير السياسي الداخلي في إسرائيل والدبلوماسية الدولية!!. (وها نحن نرى بأم أعيننا نتيجة نهجه ذاك!!)
• لعب دورا محوريا من خلف الكواليس في صياغة "وثيقة الاستقلال" بالجزائر وإعلان الاستقلال عام 1988، والتي بموجبها قبلت منظمة التحرير قراريّ مجلس الأمن 242 و338، والاعتراف الضمني بحل الدولتين.!!
• يعلم الجميع بأن محمود عباس هو مهندس اتفاقية أوسلو( (1993، حيث قاد الفريق الفلسطيني في المفاوضات السرية في العاصمة النرويجية أوسلو التي أنتجت فيما يعرف باتفاقية أوسلو عام 1993، وهو الذي وقّع بنفسه على الاتفاقية التاريخية (إعلان المبادئ) في حديقة البيت الأبيض بواشنطن في 13 سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورئيس وزراء الكيان الإسرائيلي إسحق رابين، والرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وفي تلك المرحلة تحديدا، تحول فكر عباس رسمياً من دعم حركة تحرر تتبنى الكفاح المسلح (كخيار استراتيجي معلن) إلى قيادة (سلطة حكم ذاتي) تلتزم بالتنسيق الأمني والحل السلمي!! ((وها نحن نرى بأم أعيننا نتيجة دوره ذاك!!)
• المحطة الأبرز لظهور نهج محمود عباس "المهادن" والمناهض للعمل المسلح بشكل علني وصادم كان خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حيث انتقد علناً -في ظل وجود الرئيس ياسر عرفات- عسكرة الانتفاضة وإطلاق الصواريخ والعمليات التفجيرية، واصفاً إياها بأنها "تدمير للمشروع الوطني الفلسطيني" وتجلب الوبال على الشعب وتمنح إسرائيل الذريعة لتدمير السلطة.!!
• بعد وفاة الرئيس عرفات رحمه الله، وفور انتخابه رئيسا للسلطة الفلسطينية عام 2005 فقد طبّق عباس رؤيته بصرامة ميدانية، حيث أعلن التزاماً مطلقاً بـ "التنسيق الأمني" مع الكيان الإسرائيلي، واصفاً إياه في تصريحات لاحقة متكررة بأنه "مقدس"!!((وها نحن نرى بأم أعيننا نتيجة تنسيقه!!).
• قيام محمود عباس بحل كتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لحركة فتح) ودمج عناصرها في الأجهزة الأمنية للسلطة، أو نزع سلاحهم مقابل عفو (إسرائيلي)، مع حظر أي مظاهر مسلحة في مناطق سيطرة السلطة بالضفة الغربية، وحصر النضال في "المقاومة الشعبية السلمية" والتوجه الدبلوماسي للمؤسسات الدولية!! (وها نحن نرى تغول قطعان المستوطنين وممارساتهم في الضفة!!)
وبعد هذا السرد التاريخي الموجز للـ(مسيرة النضالية المشرفة!!) لمحمود عباس، فإنه من الطبيعي جدا أن نرى ونلمس تداعيات ما يجري في الضفة الغربية، وهذا لعمري غيض من فيض تداعيات سياسته المهادنة للكيان الإسرائيلي ومواقفه المشينة تجاه قضية فلسطين وشعبها المتطلع لإقامة دولته الفلسطينية:
تُشير أحدث التقارير الميدانية الموثقة التي بثتها وتبثها يوميا القنوات الفضائية ومنصات المتابعة الإخبارية، إلى أن الضفة الغربية تشهد تحولاً استراتيجياً خطيراً وتصعيداً غير مسبوق يسعى فيه اليمين الإسرائيلي المتطرف لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد، لتطبيق سيناريو الضم وترسيخ وفرض نظام الفصل العنصري وابتلاع أراضي "المنطقة ج" لضمها رسمياً، مستغلة التوترات الإقليمية، وتتجلى تلك الأحداث بالنقاط التالية:
أولا- تسارع "ثورة الاستيطان" وميزانيات بمليارات الشواكل حيث تمثلت بالأنشطة المدرجة أدناه:
1- تخصيص حكومة الكيان الإسرائيلي ميزانيات ضخمة وهائلة بلغت8.5 مليار شيكل (ما يقارب نحو 2.8 مليار دولار) لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية وبناء 12 ألف وحدة سكنية جديدة، فضلاً عن اتفاقية أخرى وافق عليها الكابينت بمبلغ 1.3 مليار شيكل لإنشاء بؤر جديدة.!!
2- قيام النتن ياهو بإنهاء تقسيمات اتفاقية أوسلو ونسف خطة فك الارتباط عام 2005 من خلال توقيعه لاتفاق مع وزير ماليته المتطرف بتسلئيل سموتريتش لإقامة مستوطنة جديدة في شمال الضفة الغربية!!
ثانيا - اعتداءات المستوطنين لتكون "سلاح تهجير" مائيا وبيئيا، والتي تمثلت بالممارسات الوحشية غير الإنسانية التالية:
1- قيام قطعان المستوطنين بشن هجمات مسلحة ترويعية تحت حماية جيش الاحتلال طالت قرى (المغير، مسافر يطا، وسنجل) مما أسفر عن وقوع إصابات متعددة بالرصاص الحي بين المواطنين الفلسطينيين!!
2- قيام قطعان المستوطنين بهدم نحو 50 بئراً مائية فلسطينية وتسميم مواشٍ في عدة مناطق لخلق بيئة طاردة للفلسطينيين ودفعهم لإخلاء أراضيهم، كما قاموا بتسميم آبار مياه للشرب وأخرى زراعية فلسطينية، كبئر المياه الزراعية التابعة لمزارع فلسطيني في بلدة بيت عور التحتا (غربي رام الله – عاصمة السلطة الفلسطينية!!) في محاولة منهم للتضييق عليه وبالتالي إجباره على إخلاء الأرض لهم!!
ثالثا - الاقتحامات وحملات الاعتقال اليومية، وكالتالي:
1- واصلت قوات الاحتلال مداهماتها اليومية لمدن الخليل، وبيت لحم، ونابلس، وجنين، وطولكرم، حيث اقتحمت البيوت وخربت الممتلكات واعتقلت عشرات المواطنين.!!
2- ولم تكتف قوات الاحتلال بهذه الانتهاكات التي شملت هدم المنازل والمنشآت التجارية ، بل وقامت بفرض إغلاقات وعزل تام لبعض البلدات وتقييد حركة سكانها للتضييق عليهم وإجبارهم على مغادرتها!!
علما أن كل هذه الانتهاكات والتجاوزات التي تقوم بها قطعان المستوطنين في مدن وقرى الضفة، تجري تحت مرآى ومسمع قوات أمن السلطة الفلسطينية، والتي يبلغ تعدادها الفعلي في الضفة الغربية نحو 35,400 منتسب رسمي، التي تقف متفرجة لا تحرك ساكنا إزاءها، بل على العكس من ذلك، فقد تكفلت قوات أمن السلطة بملاحقة وتعقب المجموعات المسلحة في الضفة الغربية وشن حملات دهم مستمرة لمصادرة الأسلحة وتفكيك العبوات الناسفة التي تزرعها الفصائل (مثل كتيبة جنين، وكتيبة طوباس، وعرين الأسود) لعرقلة آليات الاحتلال، بدعوى خطورة هذه العبوات على حياة المدنيين الفلسطينيين والسلم الأهلي!!، كما وتنفذ تلك القوات الأمنية الفلسطينية اعتقالات بحق مطاردين ونشطاء من فصائل المقاومة (حماس، والجهاد الإسلامي)، وهو ما يثير انتقادات شعبية واسعة ويتسبب في اشتباكات داخلية مسلحة في بعض الأحيان (كما يحدث في جنين وطولكرم)!!
وقبل أن أنهي مآثر وإنجازات محمود عباس (الوطنية!!)، والتي قدمها لشعبه الفلسطيني طيلة الفترة المنصرمة، فإنه من الضروري بمكان أن نذكر موقفين مخزيين له :
أولا... برغم انبطاح وانغماس محمود عباس في التنسيق الأمني مع الكيان الإسرائيلي، إلا أن ذلك لم يشفع له أمام ترامب الذي استبعد و بشكل شبه كامل أي دور للسلطة الفلسطينية عن هندسة وتسيير قطاع غزة في ما يسمى (مبادرة السلام والخطط التنفيذية لإدارة غزة) التي يتبناها عبر ما يسمى "مجلس السلام"، يضاف لذلك، وبعد تعثر التمويل الدولي الموعود لخطة ترامب في غزة (والتي تقلصت إلى مشروع مخيم تجريبي مؤقت في رفح!!)، فقد تجاوز ترامب على قيادة السلطة الفلسطينية من خلال السطو على أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة) والتي تبلغ 11 مليار دولار الموجودة بشكل أصول بنكية مجمدة لدى الكيان الإسرائيلي، وتحويلها لتكون تحت تصرف مجلس سلام غزة لتمويل المشاريع الأمريكية في غزة، مما أثار غضباً عارماً لدى السلطة الفلسطينية!!
ثانيا ... برقية تعزيته المشينة والمخزية بوفاة السيناتور الأميركي الجمهوري غراهام ليندسي والتي أثارت جدلاً واسعاً وانتقادات حادة في الشارع الفلسطيني ومنصات التواصل الاجتماعي، لما يحمله تاريخ غراهام السياسي من مواقف وصفت بالعدائية الشديدة للحقوق الفلسطينية، وأدناه نص برقية التعزية:
"فخامة الرئيس دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية،
تلقينا ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة السيناتور ليندسي غراهام، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي.
إننا نتقدم لفخامتكم، ومن خلالكم لعائلة الفقيد وللإدارة وللشعب الأمريكي الصديق، بأحر التعازي والمواساة، مستذكرين دوره البارز ومواقفه الفارقة في دعم السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
محمود عباس
رئيس دولة فلسطين
رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية".
إن محور الاستياء الشعبي والفصائلي حول العبارة التي نصت على:نص ما ورد في البرقية وأقتبسها نصا: "مستذكرين دوره البارز ومواقفه الفارقة في دعم السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني"؛ حيث اعتبرها الشارع الفلسطيني مغالطة تاريخية حادة لكون السيناتور الراحل أحد أشرس المشرعين الأمريكيين ضد المصالح الفلسطينية، كما أنه قام بصياغة قانون (تيلور فورس) وطرحه في الكونغرس الذي أقره وصادق عليه ترامب في 23 مارس (أذار) 2018 بعدما تبيّن للسيناتور أن عائلة الشاب الفلسطيني الذي طعن (تيلور فورس) وهو ضابط سابق في الجيش الأمريكي وخريج أكاديمية ويست بوينت العسكرية في مدينة تل أبيب قد بدأت تتلقى مخصصات مالية شهرية رسمية من مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى التابعة لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية!!
ختاما ...
أيها القارئ العربي الفطن الكريم، من الخليج العربي الى المحيط الهادي:
هذا لعمري غيض يسير جدا من فيض ما اقترفه محمود عباس من جرائم شنيعة بحق قضيته وشعبه الرازح تحت نير وبطش الاحتلال، علما أنني لم اجد متسعا في مقالي المتواضع هذا لسرد جميع المواقف الشائنة والمخزية، سواء له أو لبطانة السوء التي تؤازره وتشاطره قيادة شعب فلسطين، فاستحق مني لقب (بائع الوهم وعراب تصفية قضية فلسطين)، فهل تراني قد تجنيت حقا بمقالي هذا على رئيس ما يسمى بالسلطة (الوطنية !!) الفلسطينية!!؟
يقول تعالى في محكم آياته من سورة الصافات: "وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)".
17 تموز / يوليو / 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟