سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 22:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بالرغم من الهدنة المعلنة المستمرة في لبنان منذ 17 أبريل/ نيسان الفائت، حيث بدأت لمدة 10 أيام، ثم جرى تمديدها لاحقا حتى 17 مايو/ أيار الجاري، إلا أن القوات الإسرائيلية مازالت تواصل خرقها لتلك الهدنة يوميا عبر قصف وحشي يخلّف قتلى بالعشرات وجرحى بالمئات من اللبنانيين، فضلا عن تفجير واسع لمنازل مواطنين مدنيين في عشرات القرى بجنوب لبنان، علاوة على قيام قوات الاحتلال بغطرسة وعنجهية لا مثيل لها بتوجيه إنذارات بإخلاء سكان العديد من البلدات الجنوبية قبل تفجيرها، حتى في مناطق شمال الليطاني، مما يوسع رقعة العدوان الإسرائيلي، ويزيد ويفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية نتيجة النزوح القسري وتدمير القرى، كل ذلك يجري تحت ذريعة وتبرير حكومة النتن ياهو بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس ضد التهديدات!!
إن المثير للسخرية، وما ينسف ويدحض كذب ادعاءات قوات الاحتلال ويكشف خداعها بأنها تستهدف فقط مقرات حزب الله اللبناني، قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي باستهداف وهدم مؤسسات مسيحية لبنانية كدير ومدرسة (راهبات المخلصيات) في بلدة يارون، كما وامتدت سياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي لتطال المعالم التاريخية والمدنية، ففي "القوزح" و"بيت ليف"، أظهرت صور 16 أبريل/ نيسان 2026 دمارا شديدا طال (كنيسة القديس يوسف) المشيدة عام 1927، إضافة إلى تضرر موقع تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)!!، ولقد ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 2 مارس/ آذار الماضي (وفقا لوزارة الصحة اللبنانية ) إلى 2618 قتيلا و8094 مصابا، فضلا عن نزوح أكثر من 1.6 مليون شخص، أي نحو 20% من السكان، وفق أحدث المعطيات الرسمية.!!
سؤال منطقي كبير يطرح نفسه بقوة:
من يصدق أن ما تفعله قوات الاحتلال من شن غارات جوية إسرائيلية مكثفة وتدمير ونسف أبنية للقرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان، والذي أدى إلى نزوح واسع للأهالي، وتدمير شامل للبنية التحتية، ومخاوف من تحول المنطقة إلى "أرض محروقة" ضمن استراتيجية طويلة الأمد، أقول من يصدق ما تدعيه قوات الاحتلال الإسرائيلي بأن القصد من كل هذا التدمير والقتل والتهجير هو محاربة حزب الله وتحجيم قدراته العسكرية فحسب، وأنه ليس خلف الأكمة ما وراءها!!؟
أقولها ملء فمي وبجنان ثابت ويقين راسخ، بأنني - وربّ الكعبة - لا أصدق ذلك، فخلف الأكمة ما وراءها حقا ويقينا، ومن يصدق أن المستهدف من هذا العدوان الإسرائيلي هو حزب الله اللبناني فقط فلا عقل له، كما ولا وعي عنده، فما تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان من شن غارات جوية وتفجير مواقع وقرى في عمق الجنوب اللبناني، ضمن ما يسمى بـ "منطقة الخط الأصفر" أو المنطقة العازلة كما تصفها، إنما هو في حقيقته سعي حثيث منها لفرض واقع أمني وجغرافي جديد يتجاوز الترتيبات الأممية السابقة، عبر إنشاء حزام عازل يمتد بعمق يتراوح بين 1.2 و12 كيلومترا شمال (الخط الأزرق) المعترف به دوليا، بما يعني عمليا فصل عشرات القرى والبلدات الحدودية عن محيطها، وتحويلها إلى مناطق مقيدة أو محظورة تحول دون عودة سكانها إليها!!!
وأزيدكم من الشعر بيتا فأقول:
لقد كشف تقرير بثّته قناة (كان) الإسرائيلية عن تصاعد حراك تيار استيطاني جديد تحت اسم حركة (عوري هتسفون) للاستيطان في “لبنان”، يضمّ أكاديميين وخبراء، يسعون بشكلٍ علني وميداني لإقامة مستوطنات يهودية داخل الأراضي اللبنانية، مدعومين بتأييد وزراء في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ولقد تجاوزت حركة "عوري هتسفون" مرحلة الدعوات النظرية إلى التنفيذ الميداني، حيث وثّق التقرير جولات لنشطاء الحركة وعائلاتهم، بمن فيهم البروفيسور عاموس عزاريا، وهم يتجوّلون داخل الأراضي اللبنانية رفقة أطفالهم، وصرّح أحد نشطاء الحركة خلال جولة ميدانية: "نحن هنا داخل لبنان، نرى الحدود من الجهة الداخلية، وسيتمّ إسكان هذه الأرض باليهود في أقرب وقت"!!، وترى مؤسِسَة الحركة، عالمة الأحياء الإسرائيلية آنا سلوتسكين، أنّ "انتصار إسرائيل في الحروب يقاس باحتلال الأرض"، مشيرةً إلى أنّ فكرة الحركة انطلقت من وصية شقيقها الجندي الذي قُتل في غزة، والذي كان حلمه العيش في لبنان!!.
ووفقا لتحليل الخبراء العسكريين والستراتيجيين، الذين يؤكدون بأن "الخط الأصفر" لا يبدو مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل هو جزء من هندسة ميدانية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية في جنوب لبنان، عبر تدمير ممنهج للكتل العمرانية، وفتح ممرات عسكرية، وتوسيع مناطق خالية من السكان، وأن فرض ما يسمى بالحزام الأمني من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي وتدمير القرى الحدودية إنما هو استكمال لاستراتيجية عزل الجنوب اللبناني التي بدأت بضرب البنية التحتية اللوجستية المتمثلة بتدمير أربعة جسور حيوية فوق نهر الليطاني (جسر الدلافة، جسر القاسمية، جسر القنطرة، وجسر زرارية–طيرفلسيه)، مما يؤكد بأن هذا الترابط بين تدمير الجسور ومحو القرى الحدودية إنما هو سعي إسرائيلي لقطع أوصال المنطقة وعزلها بالكامل عن عمقها الوطني اللبناني، بما يشبه عملية "بتر جغرافي" تفصل الجنوب الحدودي اللبناني عن امتداده السكاني والطبيعي!!
وإزاء ما يجري في جنوب لبنان من تدمير وتهجير، وفكرة خبيثة تراود مستوطنين إسرائيليين للاستقرار فيه، فإنني أعود لطرح تساؤلين كبيرين بألم وأسف شديدين:
أين القيادتان (السياسية والعسكرية) اللبنانية مما ينفذ ويجري على أرض لبنان وينتهك سيادته وكرامته!!؟
وأين جامعة الدول العربية إزاء ما يجري في جنوب لبنان!!؟
وجوابا على التساؤل الأول، وتحديدا بما يتعلق بالقيادة السياسية اللبنانية:
فإنها - للأسف الشديد- وبرغم التصعيد العسكري الإسرائيلي الواسع وما نراه من غارات مكثفة على الجنوب، وتوغلات برية، فإن القيادة السياسية اللبنانية تتميز بحالة مخزية من "الاحتواء الهش" والتصريحات الدبلوماسية التي تدعو لضبط النفس، مع دعوات مستمرة منها إلى وقف العدوان الإسرائيلي وتطبيق القرار 1701، هذا كما أعلنت الرئاسة اللبنانية عن ترحيبها وسعيها لإجراء مفاوضات (سلام!!) مع الاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية!!
وجوابا على الشق الثاني من التساؤل الأول، فيما يخص القيادة العسكرية اللبنانية (الجيش اللبناني): فبرغم استمرار العدوان الإسرائيلي الغاشم على جنوب لبنان، فلم يصدر رد فعل واحد من الجيش اللبناني إزاء كل الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية التي تقتل أبناء لبنان من المدنيين بدم بارد، نساء وأطفالا وكبار سن، حيث اقتصر لعمري دورها فقط على التزام الصمت المطبق والتفرج إزاء ما يجري من انتهاكات إسرائيلية للسيادة اللبنانية، وتوثيق منها للخروقات الإسرائيلية، ومحاولة الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والانتشار في المناطق الحدودية بالتنسيق مع قوات اليونيفيل (إذا سمحت الظروف الميدانية)!!
وإجابة على التساؤل الثاني بخصوص موقف جامعة الدول العربية، فأقول واثقا موقنا مطمئنا، بأن موقفها لا يختلف أبدا عن موقفها إزاء أحداث غزة والعدوان الإسرائيلي، فهي تتقن فن ديباجة وصياغة عبارات الشجب والتنديد، حيث اكتفت – كعادتها دوما – بإدانة وشجب العدوان الإسرائيلي على لبنان، واصفة إياه بـ"الهمجي والمتمادي"، كما وأكدت الجامعة العربية الموقرة، في اجتماعاتها وعلى لسان أمينها العام، تضامنها الكامل مع الدولة اللبنانية، مطالبة بوقف فوري للغارات، ودعمها لسيادة لبنان ووحدة أراضيه في وجه الاعتداءات المستمرة التي استهدفت المدنيين والبنى التحتية!!
خلاصة ما أقول:
أعلم جيدا أنني بما سأقوله أدناه قد يغضب بعض الأصدقاء الكرام، لكنها الحقيقة التي يجب أن تُقال ويُماط عنها اللثام، علما أن بعضا مما سأقوله كنت قد ذكرته في مقالين سابقين لي، وهي كالتالي:
أولا... اللوم كل اللوم على النظام العربي منذ أربعينيات القرن المنصرم، حين كان الكيان الإسرائيلي آنذاك كخلية سرطان صغيرة فأهملت وتركت تنمو وتقوى دون أن تكافح وتجتث من قبل النظام العربي، حتى بات الكيان اللقيط اليوم بهذه القوة والمنعة والغطرسة !!
ثانيا ... أن عدونا الرئيسي والتاريخي هو الكيان الإسرائيلي، وأنه يمتلك مشروعا تلموديا توسعيا اسمه (الشرق الأوسط الجديد)، وأنه يسعى جاهدا وبمكر لتحقيقه وتنفيذه على حساب أمتنا وفي ظل تشرذم دولنا العربية، كما وأن النظام الإيراني له مشروع قومي هو الآخر للسيطرة والهيمنة على منطقتنا العربية، وأنه قد انتهز فرصة غياب مشروع قومي عربي تحرري نهضوي يجابه الكيان الصهيوني ومشاريعه التوسعية، فاعتلى مركب الدفاع عن فلسطين والقدس ورفع شعار تحريرها لدغدغة مشاعر العرب ودفعهم بالتالي للالتفاف حوله والالتحام به!!
ثالثا ... إن ما ساعد ايران على نشر وبسط واتساع نفوذها في ساحة الصراع العربي الاسرائيلي هو تقاعس وخذلان أنظمة العهر والانحطاط العربي عن أداء دورها القومي تجاه قضية فلسطين، وذلك لعمري ما شاهدناه وتلمسناه إبان معركة طوفان الأقصى وما تلاها من أحداث، جسام وتحديدا في الضفة الغربية وعلى الساحة اللبنانية، وذلك لعدم امتلاكها لمشروع قومي نهضوي واعد، مما سمح لإيران بالتوسع والتمدد، من خلال حملها لشعار (تحرير القدس) وذلك لاستقطاب مشاعر أبناء العروبة التوّاقين لتحرير القدس من براثن الاحتلال الإسرائيلي!!.
رابعا ... أن الكيان الإسرائيلي قد استشعر منذ فترة ليست بالقصيرة قوة إيران المتصاعدة واتساع نفوذها مؤخرا في المنطقة العربية، وأنها باتت تنازعه وتقاسمه النفوذ والهيمنة عليها، لهذا تحرك بدعم وإسناد أمريكي لوقف ذلك التمدد وانهائه ليبقى هو القوة الوحيدة المهيمنة على منطقتنا العربية وبالتالي تحقيق مشروعه التلمودي!!
وأضيف لما سبق من نقاط ذكرتها في مقالات سابقة لي عن قناعتي، فأقول:
خامسا ... وإزاء ما تقدم من حقائق، وفي ظل غياب إرادة أنظمة عربية عن أداء واجبها الشرعي والقومي والأخلاقي في مقارعة الاحتلال والتصدي له وتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فإنني لا الوم حزب الله اللبناني حين دفعته عقيدته لانتهاج سياسة نصرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وانخراطه في محور المقاومة ورفع شعار تحرير القدس، فاللوم كل اللوم يقع على أنظمة العهر العربية التي انغمس بعضها في مشاريع التطبيع مع الكيان، واتفاقيات ما يسمى بالديانة الإبراهيمية، فراحت تتساوق وتتعاون مع الكيان الإسرائيلي في أفريقيا (الحبشة، الصومال، أرتيريا) لمد أذرع الكيان هناك لإحكام الطوق والتضييق على أمتنا العربية، أو من خلال مساعدته في زعزعة استقرار دول عربية بدعم فصائل مناوئة للأنظمة العربية (ليبيا، السودان) من خلال تشتيت قواها وتفتيت لحمتها ودخولها في نزاعات واحترابات داخلية!!
إننا بلاشك وبدون مواربة، نعيش في أحط وأخس وأوهن فترة من عمر أمتنا العربية بفضل تخاذل أنظمتها وأذعانها لإرادة قوى الاستكبار العالمي وتخليها عن أداء دورها في نهضة الأمة وانعتاقها من حالة الخضوع والخنوع لإرادة الكيان الغاصب، وأخشى ما أخشاه أن يتحقق للنتن ياهو حلمه التوراتي بـ (إسرائيل الكبرى) من الفرات الى النيل، نزولا حتى خيبر!!
3 مايس / مايو 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟