سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 23:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمهيد واستهلال:
أما آن للعراق أن يستقر وينتعش!!؟
إنه لعمري ليس مجرد سؤال سياسي أو اقتصادي، بل هو أنين وتطلع يحمله كل عراقي وعربي أصيل تجاه بلد عريق كالعراق يمتلك كل مقومات الثراء والريادة، لكنه للأسف الشديد يرزح تحت وطأة الأزمات (المفتعلة) المتلاحقة.!!
في مقالي المتواضع هذا، سأحاول أن أدلي بدلوي فأسلط الأضواء على واقع العراق وما يعانيه من أزمات سياسية واقتصادية، والتي انبرى لها السيد رئيس الوزراء العراقي على فالح الزيدي محاولا أن ينهض بواقع العراق كي يتعافى من جديد فيأخذ دوره الريادي في المنطقة العربية، والاقليم وحتى في العالم، ومن أجل إيصال فكرة مقالي هذا، فإنني سأعمل على تقسيمه الى محورين اثنين لتكتمل الصورة ونصل الى الهدف والمبتغى من هذا المقال ... وعلى الله التكلان.
المحور الأول (شروط استقرار أي بلد في العالم):
كلنا يعلم يقينا بإن استقرار أي دولة في العالم تعتمد في الواقع على شبكة متكاملة من العوامل السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والأمنية التي تعمل معاً دون تجزئة أو انفصام لحماية كيان الدولة واستقلاله، وبالتالي تحقيق رفاهية مواطنيها، هذه العوامل هي:
أولا: الاستقرار السياسي والحوكمة، وتتضمن ما يلي:
1- سيادة القانون، من خلال تطبيق القوانين بعدالة وعلى الجميع دون تمييز أو استثناء.
2- المؤسسات القوية، ويتم ذلك ببناء مؤسسات حكومية مستقلة وقادرة على إدارة شؤون الدولة بكفاءة وشفافية.
3- الشرعية السياسية، وتعني وجود نظام حكم يحظى بقبول وثقة الأغلبية الشعبية عبر آليات سلمية واضحة لتداول السلطة.
4- مكافحة الفساد والالتزام بالشفافية والمساءلة وذلك لحماية المال العام ومنع استغلال النفوذ.
ثانيا: الأمن والسلم الأهلي، ويتحقق ذلك بالنقاط التالية:
1- الاحتكار الشرعي للسلاح، بحيث تكون القوة العسكرية والأمنية حصرا بيد الدولة فقط (الجيش والشرطة).
2- حماية الحدود وتأمين الدولة من التهديدات الخارجية، ومنع التدخلات الأجنبية.
3- التماسك الاجتماعي، ويتم ذلك من خلال نبذ الطائفية والعرقية، وقبول التعددية، وتعزيز مفهوم المواطنة الشاملة.
ثالثا: الاستقرار الاقتصادي، وتتمثل بالمؤشرات التالية:
1- العدالة الاقتصادية، وذلك من خلال توفير فرص عمل عادلة، وتقليص الفجوة بين الطبقات، ومحاربة الفقر والبطالة.
2- تنوع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد على مورد واحد (مثل النفط)، وبناء اقتصاد إنتاجي مستدام.
3- البنية التحتية، وتتمثل بتوفير خدمات أساسية قوية كالنقل، والطاقة، والمياه، والاتصالات لجذب الاستثمارات.
رابعا: التنمية الاجتماعية والخدمات، وتشمل النقاط التالية:
1- التعليم والوعي، ويتم ذلك من خلال تطوير منظومة تعليمية حديثة تشجع على الفكر النقدي وتؤهل الشباب لسوق العمل.
2- الرعاية الصحية، وتشمل تأمين نظام صحي شامل يضمن سلامة المواطنين الجسدية والنفسية.
3- صون الحقوق والحريات، من خلال حماية حقوق الإنسان الأساسية وحرية التعبير في إطار القانون لتعزيز شعور الانتماء.
المحور الثاني (مقومات انتعاش العراق وما العقبات البنوية التي تمنع استقراره):
كي نجيب على تساؤلنا الوارد في مستهل المقال، وعند تحليل واقع العراق جيو- سياسياً واقتصادياً، فإننا نجد بأن الإجابة عليه تتراوح بين "نعم" قريبة و"لكن" مشروطة، وتلخصها المحاور والمسارات الاستراتيجية التالية:
أولا: مقومات الانتعاش (لماذا يمتلك العراق فرصة ذهبية؟)
العراق ليس بلداً فقيراً يبحث عن معونات دولية، بل هو دولة غنية شوهت الحروب والصراعات والتجاذبات ملامحها، فهو يمتلك المقومات التالية:
1- ثروة نفطية وهيدروكربونية هائلة: يمتلك العراق ثاني أو ثالث أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في المنطقة، وهو مصدر مالي ضخم كفيل بتحويل البلاد إلى ورشة إعمار عالمية.
2- الموقع الجيوسياسي العبقري: يمثل العراق حلقة الوصل الطبيعية بين الخليج العربي، وبلاد الشام، وتركيا، وصولاً إلى أوروبا، ويعتبر مشروع "طريق التنمية" الاستراتيجي (الذي يربط ميناء الفاو بتركيا) خطوة حقيقية لتحويل العراق إلى ممر تجاري دولي ينافس الممرات العالمية.
3- رأس المال البشري: مجتمع فتي، يمتلك كفاءات علمية وأكاديمية وثقافية قادرة على إدارة أعتى المؤسسات إذا ما توفرت لها البيئة الآمنة والمستقرة.
ثانيا: العقبات البنيوية (ما الذي يمنع استقرار العراق الكامل وانتعاشه حتى الآن؟):
رغم الفرص الكبيرة ومقومات استقرار العراق التي ذكرناها آنفا، فإن هناك "مكابح" تاريخية وهيكلية تعطل هذا الانتعاش، منها:
1- المحاصصة السياسية والفساد الإداري: النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، والقائم على توزيع المكاسب والامتيازات بناءً على الهويات الفرعية (الطائفية والعرقية)، أنتج بطبيعة الحال وكتحصيل حاصل ترهلاً إدارياً وفساداً مالياً كبيرا يستنزف ميزانية الدولة في النفقات التشغيلية بدلاً من الاستثمارية.
2- التدخلات الإقليمية والدولية: الصراع "الأمريكي-الإيراني" الطويل على أرض العراق، وتداخل مصالح الدول المجاورة، جعل القرار السيادي العراقي في فترات كثيرة رهينة لالتزامات خارجية لا تخدم التنمية الداخلية.
3- السلاح المنفلت وضعف مؤسسات الدولة: وجود جماعات مسلحة وميليشيات خارج إطار الدولة يُضعف هيبة القانون، كما ويطرد الاستثمارات الأجنبية التي تبحث بالدرجة الأولى عن "بيئة آمنة ومستقرة تشريعياً وأمنياً"!!.
ثالثا: خارطة الطريق لاستقرار العراق وانتعاشه:
إن استقرار العراق وانتعاشه ليسا مستحيلين، وهناك بوادر إصلاحية تظهر بين الحين والآخر، لكنها تتطلب استدامة وإرادة حقيقية وجدية، وذلك عبر:
1- تنويع الاقتصاد، من خلال التخلص من "اللعنة الريعية" للنفط (حيث يعتمد العراق على النفط لتمويل أكثر من 90% من موازنته)، والاهتمام الجاد بالزراعة، والصناعة، والسياحة الدينية والأثرية.
2- تصفير الأزمات الخارجية وذلك بتبني بغداد لسياسة "التوازن الإيجابي" وجعل العراق ساحة للتلاقي والوساطة (كما حدث في الوساطات السعودية-الإيرانية السابقة) بدلاً من كونها ساحة للصراع!!.
3- حصر السلاح بيد الدولة، وتقوية الجيش والمؤسسات الأمنية الرسمية لفرض سلطة القانون وحماية المستثمر المحلي والأجنبي.
لنأتي الآن الى مربط فرسنا وزبدة حديثنا ومقالنا، فنقول:
إن فرصة انتعاش العراق وعودة الاستقرار إليه في ظل حكومة السيد الزيدي ترتبط بمدى قدرته (كخلفية اقتصادية وكونه مستقلا) على تحويل برنامجه الطموح للإصلاح المالي ومكافحة الفساد وحصر السلاح إلى واقع ملموس، وباعتباره أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق، وكونه رجلاً قادماً من قطاع المال والأعمال، وأنه لا ينتمي لأي حزب سياسي أو كتلة بعينها، فإن حكومته التي أتمت أول 100 يوم لها تحمل مزيجاً من الفرص الواعدة والتحديات المعقدة وفق المؤشرات التالية:
أولاً: المقومات وفرص الانتعاش (النقاط الإيجابية)
1- ثورة إصلاح مالي واقتصادي، من خلال إصلاح القطاع المصرفي وضبط المنافذ الحدودية ومكافحة تهريب العملة.
2- شراكات طاقة كبرى مع شركات عالمية رصينة، وذلك من خلال إبرام الحكومة تعاقدات بارزة لتطوير الحقول النفطية والغازية؛ كما جرى على سبيل المثال لا الحصر مع حقل غرب القرنة مع شركة شيفرون، وحقل عكّاز مع شلومبرغر، مع تفويض جنرال إلكتريك بحل معضلة الكهرباء جذرياً لجعل عام 2027 عام مضاعفة الطاقة (كما صرّح مؤخرا عبر الاعلام).
3- الحزم والجدية في ملف مكافحة الفساد، مع ضرورة الاستمرار على استكمال ما بدأه في "صولة الفجر" والتي أحدثت "زلزالاً" داخل المؤسسات الحكومية والتشريعية بتوقيف شخصيات رفيعة ووزراء سابقين وملاحقة هدر المال العام.
4- خطوات حصر السلاح بيد الدولة، حيث أبدى الزيدي صرامة في جعل قرار الحرب والسلم حصرياً للمؤسسات الأمنية الرسمية، كما أنه نجح بموجبها في إقناع بعض الفصائل بالانضواء تحت لواء الدولة والعمل السياسي، وبذلك ستنتهي والى الابد حالة اللادولة التي نعيشها!!.
5- القبول الدولي والتحوط الاستراتيجي، ولكون السيد علي الزيدي وجهاً مستقلاً، فقد حظي بدعم شعبي عراقي، علاوة على دعم دولي ملموس، مما يسهل إعادة دمج البنوك العراقية في النظام المالي العالمي.
ثانياً: التحديات والمكابح (التي قد تعطل الاستقرار)
1- الكابينة الوزارية الناقصة، حيث نالت حكومة الزيدي ثقة البرلمان بـ 14 وزيراً فقط من أصل 23، وتدار 9 حقائب أساسية (كالداخلية والدفاع) بالوكالة حتى الآن بسبب الخلافات والمساومات والتجاذبات بين الكتل السياسية التي تتسيد المشهد السياسي العراقي منذ 2003!!.
2- حدود القوة التنفيذية: يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن قوة الزيدي مستمدة من الانقسامات داخل "الإطار التنسيقي" الحاكم، وبما أنه يفتقر لقاعدة حزبية برلمانية خاصة به، فإن استمرار نجاحه مرهون بمدى توافق هذه القوى الإقليمية والمحلية المتنافسة.!!
3- أزمة السلاح والانسحاب الأمريكي، حيث حدد الزيدي لجميع الفصائل العراقية المسلحة لإلقاء السلاح في مهلة تنتهي في 30 سبتمبر/ أيلول 2026، وهو موعد يتزامن مع خروج القوات الأمريكية من العراق، لينهي هذا القرار الوجود العسكري الأمريكي في الأراضي العراقية والذي استمر منذ غزو عام 2003، وهو ملف يمثل تحدياً أمنياً حرجاً في ظل رفض بعض الجماعات نزع سلاحها!!.
4- الأزمات الجيوسياسية الإقليمية، فكلنا يعلم ما تواجهه الحكومة العراقية من تداعيات أزمة إغلاق مضيق هرمز التي أثرت سلباً على معدلات تصدير النفط العراقي، مما دفع رئيس الوزراء للتوجيه العاجل على تطوير وتوسيع ثلاثة منافذ ومسارات برية رئيسية لتصدير النفط العراقي، وذلك ضمن خطته الاستراتيجية العاجلة لتنويع قنوات التسويق وتفادي الأزمات البحرية الناجمة عن اضطرابات مضيق هرمز، وهذه المنافذ هي المنفذ البري الجديد نحو سوريا (منفذ ربيعة)، المنفذ البري الشمالي عبر تركيا (ميناء جيهان)، مشاريع الأنابيب البرية المستقبلية (خط البصرة - كركوك - جيهان).
ختاما ...
لنشد جميعا أزر رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ونطالبه باستكمال شروط ومتطلبات نهضة العراق، فلقد آن للعراق أن يستقر وأن يهنأ شعبه بثرواته وخيراته، والتاريخ يعلمنا أن بلاد الرافدين تمتلك قدرة مرعبة على النهوض بعد كل كبوة (المرونة التاريخية) متى ما تهيأت الأسباب الموضوعية لذلك، ولا ننسى أن استقرار العراق ليس مصلحة عراقية فحسب، بل هو الركيزة الأساسية لاستقرار الشرق الأوسط بأكمله.
والله ولي التوفيق.
17 آب / أغسطس 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟