أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سماك العبوشي - بين عكا وبغداد: القصة الكاملة لإرهاب الصهيونية البيولوجي والاستخباري برواية نعيم جلعادي!!















المزيد.....

بين عكا وبغداد: القصة الكاملة لإرهاب الصهيونية البيولوجي والاستخباري برواية نعيم جلعادي!!


سماك العبوشي

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 02:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توطئة واستهلال:
كم من مثقفينا العرب قد سمع يوما بكتاب عنوانه "فضائح بن غوريون: كيف تخلصت الهاجاناه والموساد من اليهود" لمولفه اليهودي العراقي نعيم جلعاد (خلاصجي سابقا) الصادر عام 1992، والذي يُعَدّ أحد أبرز المراجع التاريخية التي تكشف كواليس تهجير الجالية اليهودية من العراق إلى فلسطين المحتلة ودور الكيان الاسرائيلي فيها بين عامي 1950 و1951!!؟.

لا أنكر بأنني شخصيا لم أسمع من قبل بهذا الكتاب ولا مؤلفه (رغم سماعي عن مؤامرة تهجير يهود العراق عام 1950)، ولما كنت مولعا بمتابعة ملف تهجير يهود العراق في عامي 1950، 1951 والكشف عن ملابسات هذا الحدث، لهذا السبب أحطت به علما مؤخرا حيث ذكر هذا الكتاب، وحيث أنني مؤمن برفع شعار (جهاد الكلمة)، وأهمية نشر الوعي السياسي في بلداننا العربية، لهذا قررت أن أميط اللثام عن هذا الكتاب الهام الذي تحدث عن حقيقة وملابسات حادثة تهجير يهود العراق، فنشرت بحمدالله مقالين سابقين، وعقدت العزم على مواصلة كشف حقيقة جرائم الصهيونية وممارساتها سواء في العراق وصولا الى فلسطين، وقبل البدء بذكر أبرز ما ورد بكتاب نعيم جلعادي المذكور نص عنوانه أعلاه، وجدت أنه من الأهمية بمكان التعريف بشخصية مؤلف هذا الكتاب، وكيف تغيرت قناعاته الفكرية ليصبح معارضا للصهيونية والكيان الإسرائيلي، وبالتالي قيامه بالكشف عن حقيقة التفجيرات المفتعلة في بغداد لترويع اليهود وإجبارهم للهجرة الى الكيان الغاصب.

من هو نعيم جلعادي:
- هو يهودي عراقي، وُلِدَ في الحلة في العراق بتاريخ 18 آذار / مارس 1929 باسم (نعيم خلاصجي)، وانضم إلى الحركة الصهيونية السرية عندما كان عمره 14 عاماً، دون علم والديه، وكان متورطاً في أنشطة سرية.
- اعتقلته الحكومة العراقية وسجنته عام 1947 عندما كان عمره 17 عامًا، وقضى عامين في سجن أبو غريب، وتمكن من الفرار والسفر إلى الكيان الإسرائيلي في مايو 1950، وأثناء إقامته هناك، تغيرت وجهات نظره حول الصهيونية، حيث كتب وأقتبس نصا: "أشعر بخيبة أمل على المستوى الشخصي، وخيبة أمل من العنصرية المؤسسية، وخيبة أمل مما بدأت أتعلمه عن وحشية الصهيونية، وكان الاهتمام الرئيسي الذي كانت لدى (إسرائيل) باليهود من الدول الإسلامية هو توفير العمالة الرخيصة، وخاصة للمزارع"... انتهى الاقتباس.
- بعد الخدمة في جيش الكيان الإسرائيلي بين عامي 1967 و1970، كان جلعادي ناشطًا في حركة الفهود السود الإسرائيلية (هي حركة احتجاجية معارضة وشعبية أسسها شبان من اليهود الشرقيين (المزراحيم) في أوائل عام 1971 في حي "المصرارة" بمدينة القدس، احتجاجاً على التمييز العنصري الممنهج والظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي كانوا يتعرضون له من قبل المؤسسة الحاكمة ذات الأغلبية اليهودية الغربية (الأشكناز)، علما ان هذه الحركة استلهمت اسمها ونمطها الاحتجاجي الراديكالي من حركة الفهود السود للأفارقة الأمريكيين في الولايات المتحدة، ومن أبرز مؤسسيها وقادتها: تشارلي بيتون، وسعادية مرسيانو، ورؤوفين أبيرجل، وكوخابي شميس)!!.
- في الثمانينيات، غادر الكيان الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، ونشر كتابه المعنون "فضائح بن غوريون: كيف تخلصت الهاجاناه والموساد من اليهود" باللغة الإنجليزية ( Ben Gurion s Scandals: How the Haganah and the Mossad Eliminated Jews) ، وقامت بترجمته الى العربية (زينب جابر)، وقد صدرت هذه الترجمة العربية عن دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع في لبنان.
- عاش في الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على جنسيتها وتوفي فيها في 6 مارس عام 2010م.

أبرز ما ورد بكتابه من أحداث:
تنبع أهمية هذا الكتاب من كون مؤلفه شاهد عيان؛ إذ كان جلعادي ناشطاً سابقاً في الحركة الصهيونية السرية في بغداد (الهاجاناه)، قبل أن يكتشف الخديعة، ويُسقط جنسية الكيان الإسرائيلي عنه، ويهاجر إلى الولايات المتحدة لينشر كتابه هذا على نفقته الخاصة بعدما واجه جلعادي صعوبات بالغة في نشره؛ حيث رُفض تماماً من قبل الكيان الإسرائيلي، كما ولم يستطع نشره في الولايات المتحدة إلا بعد أن قام بتمويل طباعته على نفقته الخاصة وبمجهود ذاتي لتخطي القيود التي فرضت على محتوى الكتاب الحساس، ليصدر عن دار النشر الأمريكية (Glilit Publishing Inc) في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية!!
لم يقتصر كتابه على ملابسات تهجير يهود العراق ودور منظمات صهيونية واضطلاع الموساد بتفجيرات بغداد، فلقد كشف نعيم جلعادي بكتابه هذا أيضا عن عنصرية الكيان الإسرائيلي ضد اليهود الشرقيين، علاوة على السياسات الإجرامية التي اتبعت بحق الفلسطينيين فضلاً عن إيراده لحادثة استخدام الصهاينة لميكروبات التيفوئيد كسلاح بيولوجي لتلويث نبع مياه الشرب المغذي لمدينة عكا بهدف احتلالها، ومحاولتهم الفاشلة لتكرار ذلك في غزة باستخدام ميكروبات التيفوئيد!!.

وأدناه المحاور التي استطعت إبرازها مما ورد بكتاب نعيم جلعادي وكما يلي:
أولا: تفجيرات بغداد المفتعلة:
1-الخديعة الكبرى من وراء التفجيرات:
لقد أكد نعيم جلعادي بكتابه آنف الذكر أن التفجيرات التي استهدفت كنيس "مسعودة شمتوب" والمركز الثقافي الأمريكي ومقاهي ومحلات يهودية في بغداد لم تكن من فعل العراقيين، حيث كشف وبالأسماء والوثائق أن شبكات التجسس الصهيونية (مثل حركة الرواد البابليين) هي من زرعت المتفجرات لإثارة ذعر اليهود وإجبارهم على الهجرة، لخلق وهم وانطباع بأن العراق يضطهد اليهود وبالتالي تشويه صورة العراق أمام الرأي العام الأمريكي من جانب، ولتسريع وتيرة ترحيلهم (التي سنذكرها لاحقا في مقالنا) من جانب آخر!!
لقد أوضح نعيم جلعادي بكتابه هذا أن استهداف كنيس "مسعودة شمتوب" تحديدا (الذي كان مركزاً لتجميع المهاجرين اليهود في بغداد بغية مغادرتهم العراق باتجاه الكيان الإسرائيلي) كان يهدف إلى خلق حالة من القلق والرعب لدفع الطائفة اليهودية نحو الهجرة الجماعية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما ركز جلعادي في كتابه آنف الذكر على قانون إسقاط الجنسية رقم (1) لسنة 1950، الذي شرّعته حكومة رئيس الوزراء العراقي توفيق السويدي (كان هذا القانون يسمح لليهود العراقيين بالتخلي عن جنسيتهم طوعاً للهجرة، وحددت المادة الخامسة منه مدة نفاده بـ سنة واحدة فقط تنتهي في آذار/مارس 1951)، حيث روى جلعادي في كتابه الأهمية القصوى لـ "فترة نفاد القرار" والملابسات المحيطة بها عبر النقاط التالية:
- العزوف الأولي عن التسجيل: ذكر جلعادي أنه في الأشهر الأولى من صدور القانون، لم يسجل لإسقاط الجنسية والهجرة سوى بضعة آلاف من اليهود الفاشلين اقتصادياً أو العقائديين الصهاينة؛ بينما فضلت الأغلبية الساحقة (التي كانت ميسورة الحال ومندمجة في المجتمع العراقي) البقاء في وطنها.
- اقتراب المهلة من الانتهاء: ومع مرور أشهر عام 1950 وقرب موعد انتهاء مفعول القانون (آذار 1951) دون تحقيق "الكتلة البشرية" المطلوبة للهجرة إلى الكيان الإسرائيلي، أصيبت الحركة الصهيونية بالذعر؛ لأن انتهاء المدة يعني إغلاق باب الهجرة القانونية وفشل المخطط!!
- توقيت التفجيرات والضغط النفسي: ربط جلعادي في كتابه مباشرةً بين اقتراب نهاية مهلة قانون توفيق السويدي وبين تصاعد وتيرة التفجيرات، ومن أبرزها تفجير كنيس "مسعودة شمتوب" الذي وقع في 14 كانون الثاني/يناير 1951، أي قبل أسابيع قليلة جداً من انتهاء مفعول القانون وإغلاق باب التسجيل.
- النتيجة الصادمة: أوضح جلعادي أن هذا التوقيت الخبيث للتفجيرات كان مقصوداً لإيقاع الرعب في قلوب العائلات المترددة، وإيهامهم بأن بقاءهم بعد انتهاء مهلة القانون سيعرضهم للموت؛ مما تسبب في تزاحم وتجمع طوابير هائلة من اليهود أمام مراكز التسجيل لإنقاذ أنفسهم قبل فوات الأوان ونفاد المهلة القانونية!!، لذلك، فإن جلعادي يعتبر "فترة نفاد القانون" هي المحرك والدافع الرئيسي وراء لجوء عملاء الموساد إلى خيار التفجيرات الإرهابية لضمان ترحيل أكبر عدد ممكن من الطائفة قبل انتهاء المدة الرسمية!!
2.التوافق السري والصفقة المشينة:
تحدث الكتاب عن تقاطع مصالح بين ديفيد بن غوريون (رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي آنذاك) وبين نوري السعيد الذي تولى رئاسة الحكومة خلفا لتوفيق السويدي بتاريخ 15 ايلول/سبتمبر 1950(وهي الوزارة الحادية عشرة في مسيرته السياسية، وبوصول نوري سعيد لرئاسة الحكومة فقد شهد تحولاً جذرياً في التعامل مع ملف تهجير اليهود، حيث انتقل الموقف من السماح القانوني بالهجرة إلى التنسيق العملي المباشر لتسريع الرحيل الجوي عبر ما عُرف إسرائيلياً بـ "عملية علي بابا" أو "عملية عزرا ونحميا")، فلقد كان بن غوريون بحاجة ماسة لـ "عنصر بشري" لتأسيس الدولة وملء الفراغ بعد طرد الفلسطينيين، وفي المقابل، أراد نوري السعيد التخلص من اليهود لكون كثر منهم كانوا ناشطين في الحركات اليسارية والمعارضة، مما ترتب على هذه التفاهمات تشريع العراق لقانون إسقاط الجنسية وتجميد أملاك اليهود لدفعهُم للخروج بلا عودة.!!
3. الرؤوس والمنفذون (تفكيك شبكة التفجيرات):
لم يتوقف نعيم جلعادي في كتابه عند توجيه الاتهامات العامة، بل غاص في البنية التنظيمية للشبكة الصهيونية السرية في بغداد، كاشفاً عن الأسماء التي أدارت ونفذت هذه العمليات، ففي قمة الهرم الاستخباري، يشير جلعادي إلى "مردخاي بن بورات"، المبعوث الخاص الذي أرسلته تل أبيب لإدارة مخطط التهجير، والذي كان بمثابة العقل المدبر والمحرك العام للأنشطة السرية قبل نجاحه في الفرار، أما على الأرض، فقد وثّق الكتاب تفاصيل سقوط الخلية التنفيذية التي أدانتها المحاكم العراقية لاحقاً؛ حيث برز اسم المحامي اليهودي "يوسف إبراهيم البصري" كقائد ميداني للجناح التنفيذي للتفجيرات، ومعه "شالوم صالح شالوم" الذي تولى نقل وإلقاء القنابل (وقد نُفذ بحقهما حكم الإعدام في بغداد عام 1952).
كما تطرق جلعادي إلى أدوار عناصر أخرى مثل "يوسف خبّازة"، وعميل الاستخبارات الإسرائيلي "يهودا تاجر" الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد؛ مؤكداً أن هؤلاء المنفذين -وعلى رأسهم البصري وصالح- كانوا يتحركون بخيوط تُدار مباشرة من إسرائيل لإنقاذ مخطط الهجرة من الفشل عبر ترويع أبناء جلدتهم.
4.التمييز العنصري ضد "اليهود العرب":
روى جلعادي تجربته وتجربة آلاف اليهود العراقيين الذين صُدموا فور وصولهم إلى الكيان الإسرائيلي، فبدلاً من استقبال قادة الكيان لهم واعتبارهم مواطنين، فإنهم عُوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية (يهود مزراحيون / شرقيون) وتم إسكانهم في مخيمات قاسية (المعبروت)، وتعرضوا لتمييز ممنهج من قِبل النخبة الأشكنازية (الغربية).!!

ثانيا: جرائم صهيونية أخرى داخل الكيان الإسرائيلي:
لم يقتصر كتاب نعيم جلعادي على أحداث العراق فحسب، بل سلط الأضواء على تجربته الصادمة بعد هجرته إلى الكيان الإسرائيلي عام 1950، وكما يلي:
1- جريمة تسميم مياه عكا بميكروبات التيفوئيد:
لقد سلط كتاب نعيم جلعادي، في طبعاته اللاحقة ومحاضراته التوثيقية الضوء على هذه الجريمة كدليل على لجوء الحركة الصهيونية إلى "الإبادة البيولوجية والتطهير العرقي" كأدوات سياسية وعسكرية لتأسيس الدولة، وأدناه أبرز النقاط والمحاور التي ركّز عليها الكتاب حول هذه الحادثة:
• الهدف تطهيري وليس عسكريا فحسب: أكد جلعادي أن استخدام ميكروبات التيفوئيد لم يكن يهدف إلى حسم المعركة مع مقاتلي عكا عسكرياً فحسب، بل كان الهدف الأساسي هو إجبار المدنيين الفلسطينيين على النزوح والفرار الجماعي من خلال نشر وباء قاتل لا يمكن السيطرة عليه، لضمان تفريغ المدينة كلياً وتغييرها ديموغرافياً!!
• استهداف المصدر الحيوي (قناة الكابري): ركز الكتاب على الجانب الجغرافي للعملية؛ حيث أوضح أن الصهاينة استغلوا اعتماد عكا التاريخي على "قناة مياه كابري" المكشوفة الممتدة من الينابيع، وقاموا بحقن جراثيم التيفوئيد في نقطة استراتيجية خارج أسوار المدينة لضمان وصول التلوث إلى كل منزل ومنشأة داخل عكا!!
• التغطية على الجريمة باتهام "العرب": أشار جلعادي إلى أن الماكينة الإعلامية الصهيونية حاولت آنذاك ممارسة التضليل عبر الادعاء بأن الوباء انتشر نتيجة "قلة النظافة وانعدام الوعي الصحي لدى العرب واللاجئين المكدسين في المدينة"، وهي الرواية التي دحضتها تقارير الصليب الأحمر والجيش البريطاني لاحقاً بعد ثبوت تلوث المياه من المصدر الخارجي، كما كشفها مؤرخون إسرائيليون مثل بني مورس وبنيامين كيدار الـ "Smoking Gun" (الدليل القاطع) عبر وثائق رسمية رُفعت عنها السرية!!
• امتداد المخطط إلى غزة: ربط جلعادي بين ما حدث في عكا وبين محاولة تكرار الجريمة ذاتها في قطاع غزة في مايو 1948؛ حيث ذكر كيف أرسلت قيادة الهاغاناه مبعوثين بميكروبات التيفوئيد لتلويث آبار مياه غزة لإبادة الجيش المصري واللاجئين، لكن السلطات المصرية أحبطت العملية واعتقلت المنفذين (عزرا افندوبولس ودافيد حورين) وأعدمتهما.
• الربط الأخلاقي والسياسي العام: استخدم جلعادي هذه الحادثة في كتابه ليبرهن للقارئ الغربي واليهودي أن "أخلاقيات الجيش الذي لا يقهر" صُنعت على أنقاض عمليات تسميم مياه وإبادة بيولوجية، معتبراً أن من سمّم مياه العرب في عكا لم يتردد في إلقاء القنابل على اليهود في بغداد لتحقيق الهدف الصهيوني ذاته وهو "تجميع الشتات بالترهيب"!!
2-بلدة المجدل الفلسطينية وترويع أبنائها وإجبارهم على النزوح عنها:
ذكر نعيم جلعادي بكتابه أنه بعد وصوله إلى الكيان الإسرائيلي بفترة وجيزة، تم إرساله للعمل في بلدة "المجدل" الفلسطينية (عسقلان)، وهي بلدة قريبة جداً من حدود قطاع غزة (الذي كان آنذاك تحت الإدارة المصرية) ، وبسبب إجادته للغة العربية، فقد تم تعيينه في مكتب الحاكم العسكري الإسرائيلي هناك، وكانت مهمته المحددة هي إجبار السكان الفلسطينيين المحليين في (المجدل) على توقيع وثائق تفيد بأنهم يتنازلون عن أراضيهم بمحض إرادتهم، ومن ثم ترحيلهم قسراً عبر الحدود إلى قطاع غزة ليحل محلهم مستوطنون يهود، فكانت هذه هي نقطة التحول الكبيرة في تفكيره كما ذكرها بكتابه، مدركا حجم التطهير العرقي والظلم الذي تعرض له الفلسطينيون، حيث عاين بنفسه كيف أُكره الفلسطينيون تحت التهديد على التوقيع والنزوح نحو غزة، مما جعله يربط بين المؤامرة التي هجّرت يهود العراق والمؤامرة التي طردت شعب فلسطين!!.

ثالثا: الضغوطات التي تعرض لها نعيم جلعادي داخل الكيان لمنعه من نشر كتابه وكتم شهادته:
لقد ذكر نعيم جلعادي في كتابه وفي مقدمات طبعاته اللاحقة سلسلة من الضغوطات والملاحقات الصارمة التي تعرض لها داخل الكيان الإسرائيلي لمنعه من نشر هذه الحقائق وكتم شهادته، حيث واجه جلعادي تضييقاً ممنهجاً من الأجهزة الأمنية والمؤسسات الإسرائيلية بسبب خطورة المعلومات التي يمتلكها كعضو سابق في الحركة الصهيونية السرية في العراق، وتلخصت أبرز الضغوطات التي سردها في النقاط التالية:
1.الرقابة العسكرية الصارمة والمصادرة: خضع كتاب جلعادي ومذكراته للرقابة العسكرية الإسرائيلية الصارمة (Military Censor)، والتي حظرت نشر أو طباعة أي تفاصيل تتعلق بالنشاط السري للموساد والهاغانا في بغداد أو عمليات التطهير العرقي، كما داهمت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية منزله ومكتبه عدة مرات، وقامت بمصادرة وثائق، ومذكرات، وتقارير رسمية كان قد جمعها لإثبات تورط "مردخاي بن بورات" والخلية الصهيونية في تفجيرات بغداد!!
2.التضييق المعيشي والمحاربة في الرزق: تعرض جلعادي لـ "العزل الاجتماعي والاقتصادي"؛ حيث طُرد من وظيفته وتم وضع اسمه على القوائم السوداء لمنع توظيفه في أي مؤسسة حكومية أو خاصة داخل الكيان الإسرائيلي، كما تمت محاربته في رزقه كوسيلة للضغط النفسي والمادي عليه لإجباره على التراجع عن كتابة مذكراته أو مقايضته بالصمت مقابل تحسين وضعه المعيشي!!
3.الملاحقة الأمنية والتهديد والاستجواب والتحقيق: استُدعي جلعادي مراراً وتكراراً من قبل جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) للتحقيق معه، ووجهت إليه اتهامات بالخيانة العظمى ومحاولة تشويه سمعة الدولة والمساس بأمنها القومي، كما تلقى تهديدات مبطنة ومباشرة تمس سلامته الشخصية وسلامة عائلته إذا أصر على المضي قدماً في نشر هذه الفضائح.!!
4.التهميش والتشهير الإعلامي: قامت وسائل الاعلام العبرية بشن حملات لتشويه سمعته، ووصفته بأنه "مختل عقلياً"، أو "عميل للعرب"، أو "يهودي كاره لنفسه" (Self-hating Jew)، وذلك لإسقاط أي مصداقية تاريخية عن شهادته قبل أن تخرج للعلن!!
لقد أوضح جلعادي بكتابه أن هذا الحصار الشامل والإدراك بأن حياته أصبحت في خطر، هو ما دفعه إلى اتخاذ القرار النهائي بالتخلي عن الجنسية الإسرائيلية والهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي، وهناك بعيداً عن قبضة الرقابة العسكرية الإسرائيلية، تمكن من نشر الكتاب عام 1992 بتمويل شخصي مالي محدود وصعوبة بالغة!!

في ختام مقالنا ...
إن كتاب نعيم جلعادي ليس مجرد سرد لأحداث تاريخية منفصلة، بل يضع القارئ أمام حقيقة بنيوية واحدة تلخص العقيدة السياسية التي قامت عليها الحركة الصهيونية، فمن خلال تفكيك "فضائح بغداد" وكشف ملابسات تفجيرات كنيس مسعودة شمتوب، بالتوازي مع تسليط الضوء على جريمة تسميم مياه عكا بميكروبات التيفوئيد، يبرهن جلعادي على أن ترويع المدنيين كان سلاحاً استراتيجياً عابراً للحدود والهويات، ففي عكا عام 1948، استُخدم الوباء البيولوجي لتهجير الفلسطينيين وإخلاء الأرض، وفي بغداد عام 1951، استُخدمت قنابل الموساد لترهيب اليهود العراقيين واقتلاعهم من وطنهم الأم لدفعهم نحو الهجرة!!.
إنها المفارقة الصادمة التي عاشها جلعادي بنفسه ودفعته للتمرد فكرياً؛ حيث وجد أن من لم يتردد في تسميم مياه شعب فلسطين لتأسيس الدولة، هو نفسه من لم يتردد في إلقاء القنابل على أبناء جلدته من اليهود لإجبارهم على بنائها، ليظل كتابه شهادة تاريخية حية تكشف كيف صُنعت المأساة من أروقة المخططات السرية!!
13 / 9 / 2026



#سماك_العبوشي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حصان طروادة الرقمي وفخاخ -الحنين المغشوش-: كيف نغلق ملف -يهو ...
- من -عزرا ونحميا- إلى منصات -التطبيع الناعم-: قراءة في الأهدا ...
- من -دولة المكونات- إلى -دولة القانون-: المسارات التشريعية نح ...
- ثلاثية الموت السريري للعراق: الطائفية، الفساد، والمحاصصة !!.
- مربع النفوذ المغلق: -جرف الصخر- كعقدة في منشار حصر السلاح!!
- مخطوطات قُـمْران: الكنز الأثري الذي نسف أساطير الصهيونية!!
- نبوءات حزقيال خارطة طريق للكيان الإسرائيلي!!
- أما آن للعراق العظيم أن يستقر وينتعش !!؟
- محمود عباس: بائع الوهم وعَرّاب التصفية!!
- خدعة كبيرة تحت مسمى: -مجلس سلام غزة-!!
- أما آن أوان لجم نظام بن زايد وتحجيم شره!!
- هل سمعتم يوما بالإنجيلية التدبيرية !؟
- ما يجري في جنوب لبنان أكبر من محاربة حزب الله!!
- هل القواعد الامريكية في دول الخليج لحمايتها ... أم ماذا!!؟
- ترامب يرمي غصن الزيتون ويمتشق السيف!!
- ننتظر وشاية الأحجار والأشجار باليهود!!
- أقول لترامب : -عجيب أمور، غريب قضية-!!
- بنيامين نتنياهو، الصادق البار بالكيان -الإسرائيلي-!!
- أما آن لنا استثمار عزلة الكيان الإسرائيلي!!
- ما عجز عنه النتن ياهو حققه له ترامب وبمباركة عربية إسلامية!!


المزيد.....




- كوشنر: موسكو حددت بوضوح ما تريد تحقيقه فيما ترفض كييف الشروط ...
- دميترييف يشكك في إمكانية إبطاء تطور الذكاء الاصطناعي
- -آبل- في مرمى الانتقادات.. آيفون Duo القابل للطي يثير مخاوف ...
- بزشكيان: إيران لن تستسلم.. إن كان الأمريكيون محاربين فليواجه ...
- سوريا.. توغلات إسرائيلية جديدة في القنيطرة ودرعا وسط تصاعد ا ...
- ترامب يمزح بشأن نجله دونالد جونيور وزوجته ميلانيا ويثير ضحك ...
- منظمة معاهدة الأمن الجماعي تسعى لبناء هيكل أمني جديد في أورا ...
- هنغاريا تطالب بريطانيا بإعادة حصانين أُهديا للملك تشارلز بمن ...
- -جنود وهميون- وتبادل اتهامات.. مصدر غربي يكشف لماذا سقطت الم ...
- غاماليا: لقاح السل الروسي الجديد يدخل المرحلة الثالثة من الت ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سماك العبوشي - بين عكا وبغداد: القصة الكاملة لإرهاب الصهيونية البيولوجي والاستخباري برواية نعيم جلعادي!!