|
|
من بغداد إلى أكسفورد: مذكرات المؤرخ أفي شلايم الذي هزّ عقيدة (الجدار الحديدي) الإسرائيلية!!
سماك العبوشي
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 04:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
توطئة واستهلال: يأتي مقالي هذا استكمالا لما طرحته في مقالاتي الثلاثة السابقة عن حقيقة جرائم الكيان الإسرائيلي وممارساته سواء في العراق وفي فلسطين، كما سلطت فيها الأضواء على محاولات الكيان الصهيوني لإعادة نبش ملف "يهود العراق"، وتصوير خروجهم في خمسينيات القرن الماضي ـ "مظلومية تاريخية" شارك فيها شعب العراق!!، كما وبينت بأن الهجرة الجماعية لشريحة واسعة من يهود العراق التي جرت في منتصف القرن العشرين (1950-1951) ما كانت نتاج رغبة ذاتية أو اندفاع أيديولوجي عقائدي ليهود العراق؛ بل كانت حصيلة خطة ممنهجة وخبيثة أدارتها منظمة الهجرة السرية الصهيونية "الموساد ليلية"!، كما تطرقت إلى كيفية مواجهة أنشطة المؤسسات والمنظمات الصهيونية المطالبة بحقوق يهود العراق ومواجهة البروباغندا الخاصة بمظلومية اليهود في العراق!؟، وأن مواجهة أنشطة المنظمات الصهيونية والحد من تأثيرها في العراق إنما تتطلب استراتيجية وطنية عراقية متعددة الأبعاد، تجمع بين الفكر والسياسة والقانون والدبلوماسية، وأخيرا تحدثت في مقالي الثالث عن كتاب اليهودي العراقي نعيم جلعادي وكشفه لجرائم تهجير يهود العراق وتواطؤ الموساد الصهيوني بها، وكذلك كشفه لجريمة تسميم مياه عكا من قبل الكيان بميكروبات التيفوئيد!!
في مقالي الجديد هذا، فإنني بمشيئة الله تعالى أستكمل ما بدأته، فأكشف فيه أبرز ما ورد في مذكرات المؤرخ أفي شلايم الصادمة، والذي كسر فيها أقفال الصمت ليقدم دليلاً أكاديمياً قاطعاً يلتقي تماماً مع الاعترافات والشهادات المدوية التي فجّرها قبله الناشط والكاتب اليهودي العراقي "نعيم جلعادي" في كتابه "بن غوريون وفضائح بغداد"؛ كاشفاً فيه عن كيفية قيام الموساد بإدارة شبكة التفجيرات الإرهابية لتهجير يهود العراق لخدمة مخططات بن غوريون، من خلال التضحية بدماء أبناء جلدتهم بما نفذوه من تفجيرات بغية تسريع عملية هجرتهم نحو الكيان الإسرائيلي، كما أوضح بأن الهجرة الجماعية لـ 125 ألف يهودي عراقي عامي 1950 و1951 لم تكن رحلة طوعية نحو "أرض الميعاد"، بل كانت عملية اقتلاع قسري وحشي هندستها الاستخبارات الصهيونية؛ حيث ألقت بقنابل الرعب في حارات بغداد وكنائسها لتجبر المترددين على التخلي عن جنسيتهم والفرار!!. إنها شهادة تاريخية مزدوجة تفكك زيف "الوطن القومي" وتكشف الوجه الحقيقي لكيان قام على اغتيال التعايش والاتجار بدماء وأوطان مواطنيه، كما أنها بحق تُعَدّ مراجعة جريئة تقلب الرواية الصهيونية الرسمية رأساً على عقب، لتثبت بالوثائق كيف صُنِعَت الدولة الموهومة على أنقاض الأوطان المقتلعة ودموع أبناء جلدتها!! ... وعلى الله التكلان.
للمؤرخ (أفي شلايم) أكثر من كتاب مطبوع جدير بالمواطن العربي الاطلاع عليه وتدبره، غير أنني بمقالي هذا سأتناول بشكل مختصر كتابين له، الأول بعنوان "العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي عربي"، والكتاب الثاني يحمل عنوانا "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي". أولا ... كتاب "العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي عربي": يُعد هذا الكتاب الصادر عام 2023، للمؤرخ البريطاني-الإسرائيلي البارز آفي شلايم، أحد أهم المراجعات التاريخية الصادقة لنشوء الكيان الإسرائيلي، علما أن أفي شلايم ينتمي إلى تيار "المؤرخين الجدد" الذين أعادوا كتابة التاريخ بناءً على الأرشيف والوثائق لتفنيد البروباغندا الصهيونية. يقسم شلايم مذكراته هذه إلى ثلاث محطات رئيسية شكلت هويته وفكره الحاضر:
العالم الأول - بغداد (1945 - 1950) .. "جنة مال الله": وُلد شلايم في بغداد عام 1945 لعائلة يهودية ثرية ونافذة. يصف هذه الفترة بشديد الشجن والحنين، مؤكداً أن اليهود العراقيين لم يكونوا "أقلية معزولة"، بل جزء لا يتجزأ من النخبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة العراقية، كما وضّح الكتاب أن التعايش بين الأديان في المجتمع العراقي كان هو السائد والطبيعي قبل عام 1948؛ حيث لم يعرف المجتمع العراقي معاداة السامية المتجذرة في أوروبا!!. قدّم المؤرخ في هذا القسم وثائق وشهادات تاريخية حاسمة تثبت أن الموساد والحركة الصهيونية السرية هما من قاما بـ "تخريب" هذا التعايش، كما وأكد أن زرع المتفجرات في كنس ومرافق بغداد كان خطة صهيونية متعمدة لإثارة الرعب بين اليهود العراقيين ودفعهم للتخلي عن جنسيتهم والهروب قسراً إلى إسرائيل!!
العالم الثاني - إسرائيل (1950 - 1961) .. "أرض الميعاد التي تحولت إلى منفى": تحدث المؤرخ أفي شلايم كيف هاجرت عائلته قسراً عام 1950 وهو في الخامسة من عمره، ليستقروا في ضواحي تل أبيب، فتحولت عائلته الثرية فجأة إلى عائلة فقيرة ومهمشة، هذا كما روى بمرارة كيف عُومل اليهود الشرقيون (المزراحيون) من قِبل النخبة الحاكمة ذات الأصول الأوروبية (الأشكناز)، وكيف تم التعامل مع لغتهم وثقافتهم العربية باعتبارها علامة "تخلف ولغة العدو"، مستذكرا حادثة أليمة بهذا الصدد، حين زاره والده (الذي لم يتقن العبرية قط وظل متمسكاً بالعروبة) وتحدث معه بالعربية أمام رفاقه في المدرسة؛ مما ولّد لدى الطفل آنذاك "عقدة نقص" وشعوراً بالعار من جذوره العربية مما قاده في مراهقته إلى التطرف القومي الصهيوني مؤقتاً كآلية دفاع للتكيف!!
العالم الثالث - لندن (منذ 1961) .. "الملاذ والنضج الفكري": ثم حدثنا شلايم عن انتقاله إلى بريطانيا لإكمال دراسته، حيث وجد في لندن الملاذ الفكري الذي حرره من القيود الإيديولوجية للكيان الإسرائيلي، وتحول هناك إلى بروفيسور في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد وأعاد النظر في وثائق الصراع العربي الإسرائيلي، كما واستعاد شلايم تصالحه التام مع هويته كـ "يهودي عربي"، وبدأ يوجه سهام نقده الأكاديمي الصارم للسياسات الإسرائيلية وجرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني!! لقد تميزت مذكرات المؤرخ آفي شلايم بتقديم "أدلة قطعية جديدة وثابتة" حسمت الجدل التاريخي حول هوية المتورطين في تفجيرات بغداد (1950 – 1951)، معتمدا في بحثه الاستقصائي على وثيقتين وشهادتين حاسمتين كشف من خلالهما بالأسماء الأدوار والارتباطات السرية للموساد والهاجاناه في تلك الاعتداءات: 1- المصادر والوثائق الجديدة المكتشفة: 1-1شهادة يعقوب كركوكلي : وهو أحد أصدقاء والدة آفي شلايم القدامى، وكان عضواً ناشطاً وسابقاً في الحركة الصهيونية السرية في بغداد خلال الأربعينيات والخمسينيات، ولقد زوّد (كركوكلي) شلايم باعترافات شفهية وتفصيلية مباشرة حول الآلية السرية التي اتبعتها الشبكة؛ من دفع رشاوى للموظفين، تزوير الأوراق، وتنسيق العمل التخريبي لبث الرعب والتعجيل بالهجرة.!! كما أكد كركوكلي أن زميله في الشبكة الصهيونية (المحامي والصهيوني المتعصب يوسف إبراهيم البصري) كان هو المسؤول المباشر عن تنفيذ 3 تفجيرات من أصل 5 تفجيرات استهدفت المصالح اليهودية في بغداد.. 1-2ملف التحقيقات السري لشرطة بغداد: لقد حصل شلايم عبر الصحفي الاستقصائي العراقي "شامل عبد القادر" على نسخة حقيقية ومصورة من ملف التحقيقات والمحاضر الرسمية لشرطة بغداد لعام 1951، والمكون من 258 صفحة، وتضمن الملف التفاصيل الكاملة لاستجواب "يوسف البصري" وشركائه، واعترافاتهم الدقيقة بكيفية ومواقع زرع المتفجرات. 2- خريطة المتورطين والأدوار المحددة (بحسب شلايم): أعاد شلايم تصنيف وتوزيع المسؤولية عن التفجيرات الخمسة بناءً على الوثائق الجديدة بدقة وكالتالي: 2-1: التفجيرات الثالث والرابع والخامس (الموساد والشبكة الصهيونية المباشرة): بيّن شلايم بأن منفذ هذه التفجيرات هو يوسف إبراهيم البصري بالتعاون مع شريكه شالوم صالح، وأن البصري حصل على القنابل اليدوية ومواد الـ (TNT) المتفجرة من الجاسوس وضابط المخابرات العسكرية الإسرائيلي الشهير ماكس بينيت (Max Binnet) (الذي أدار عمليات مشابهة لاحقاً في مصر وعُرفت بـ "فضيحة لاۆون" عام 1954)، حيث استهدفت هذه القنابل شركة "بيت لاوي" للسيارات (المملوكة ليهود) ومبنى التاجر اليهودي "ستانلي شاشوع"!! 2-2: التفجير الثاني كنيس "مسعودة شمتوب" (الخديعة المركّبة): يرى شلايم أن القنبلة التي ألقيت على الكنيس وأدت لمقتل يهود نفذها شخص عراقي (مدفوعاً بالانتقام الشخصي من تجار يهود)، وكشف شلايم بأنه قد تم تحريضه وتسهيل مهمته عبر ضابط عراقي مرتشٍ في القسم الخاص بمديرية شرطة بغداد يدعى سالم القريشي، والذي تبين أن الشبكة الصهيونية السرية قامت برشوته وتوجيهه لغض الطرف أو الدفع باتجاه العملية لتحقيق نفس الهدف (إثارة الرعب الشديد لزيادة وتيرة الترحيل)!! 2-3: التفجير الأول - مقهى البيضاء: أشار شلايم إلى أن التفجير الأول كان استثناءً نسبيّاً، حيث تقف وراءه جماعة "حزب الاستقلال" القومية المتطرفة .
خلاصة كتاب العوالم الثلاثة: تكمن قوة طرح آفي شلايم في أنه لم يعتمد على تحليلات سياسية عامة، بل واجه الرواية الإسرائيلية الرسمية بأدلة وشهادات من داخل البيت الصهيوني نفسه في بغداد (كركوكلي) ومعززة بالوثائق الجنائية الرسمية للدولة العراقية؛ ليثبت بالوجه الشرعي أن الكيان الصهيوني كان المحرك الأول وصاحب المصلحة في تفجّير كُنُس ومصالح الطائفة الموسوية في العراق من أجل اقتلاعها من جذورها!!
ثانيا... "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي": لقد أصدر المؤرخ البريطاني-الإسرائيلي أفي شلايم (Avi Shlaim) مجموعة من الكتب والدراسات الأكاديمية التاريخية التي أحدثت ضجة كبيرة، وركزت على تفكيك العلاقات السياسية والاستخباراتية بين إسرائيل والدول العربية، مستنداً إلى الأرشيف الإسرائيلي والبريطاني المفرج عنه، ولعل كتابه المعنون: "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي" (The Iron Wall: Israel and the Arab World)، هو أشهر كتبه وأوسعها انتشاراً (صدر عام 2000 وصدرت منه طبعة محدثة عام 2014)، والذي يحلل فيه السياسة الخارجية والعسكرية للكيان الإسرائيلي تجاه العرب منذ عام 1948 وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين، ويثبت كيف تحولت عقيدة "الردع العسكري الحتمي" إلى أداة دائمة لرفض السلام والتوسع الاستيطاني!! إن الفكرة المركزية لكتاب "الجدار الحديدي" ركزت على أن السياسة الخارجية الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى القرن الحادي والعشرين قد قامت على عقيدة عسكرية استعمارية صاغها اليميني "زئيف جابوتنسكي" عام 1923، وتتلخص في استحالة التفاهم مع العرب طوعاً، والاعتماد المطلق على جدار حديدي من السلاح والردع لإخضاعهم وكسر إرادتهم، ولقد حلل أفي شلايم في هذا الكتاب السياسة الخارجية والعسكرية لإسرائيل تجاه العرب منذ عام 1948 وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين، وأثبت فيه كيف تحولت عقيدة "الردع العسكري الحتمي" إلى أداة دائمة لرفض السلام والتوسع الاستيطاني.!! وإليكم أبرز النقاط والمحاور والتحليلات الواردة في هذا الكتاب الضخم: 1-تفكيك أصل المفهوم (عقيدة جابوتنسكي): يوضح شلايم أن القيادي الصهيوني زئيف جابوتنسكي كان أول من كتب أن الفلسطينيين لن يتنازلوا عن أرضهم طوعاً، وبناءً على ذلك، رأى جابوتنسكي أن أي حوار مع العرب في البداية هو هراء، وأن الحل الوحيد هو بناء المشروع الصهيوني خلف "جدار حديدي" من القوة العسكرية يعجز العرب عن هدمه، كي يصلوا إلى مرحلة اليأس المطلق!! 2-الخطيئة التاريخية لقادة الكيان الإسرائيلي (سوء الفهم والتشويه): يطرح شلايم أقوى حجة في كتابه بأن قادة الكيان إلاسرائيلي (من اليمين واليسار) قد حوّروا وشوّهوا فكرة جابوتنسكي الأصلية، الذي كان يرى "الجدار الحديدي" بأنه مرحلة مؤقتة؛ أي إخضاع العرب الفلسطينيين بالقوة أولاً، ثم التفاوض معهم من مركز قوة للوصول إلى تسوية تاريخية ومنحهم حقوقاً، وبالمقابل، أثبت شلايم أن قادة الكيان الغاصب (مثل ديفيد بن غوريون، وإسحاق شامير، وبنيامين نتنياهو لاحقاً) وقعوا في أسر الجدار؛ فحولوا القوة العسكرية من "وسيلة مؤقتة للتفاوض" إلى غاية دائمة للحياة لإبقاء الفلسطينيين تحت الخضوع الدائم والتنصل من الدبلوماسية.!! 3- دحض أسطورة "البحث الإسرائيلي عن السلام": هاجم الكتاب الرواية الصهيونية التقليدية التي تزعم أن "إسرائيل" تمد يدها للسلام دائماً بينما يرفض العرب، حيث أثبت شلايم بالوثائق والأرشيف الرسمي أن حكومات الكيان الإسرائيلي المتتالية كانت تفضل التوسع الجغرافي وبناء المستوطنات على السلام، وأن دبلوماسية الكيان الإسرائيلي اتسمت بـ المماطلة والمراوغة المتعمدة؛ حيث عُرض على الكيان الإسرائيلي فرص حقيقية ومبادرات سلام عربية بعد عام 1967 (مثل مبدأ الأرض مقابل السلام الكامل)، لكنها قوبلت بالرفض رغبةً في استمرار الاحتلال!! 4- التوجه التوسعي وبن غوريون: كشف الكتاب بالوثائق المفرج عنها أن ديفيد بن غوريون وافق على قرار تقسيم فلسطين عام 1947 كـ (خطوة تكتيكية مؤقتة فقط!!)، فيما كانت عيون قادة الكيان متجهة دائماً للتوسع صوب النقب، والضفة الغربية، وغزة، وجنوب لبنان، والجولان وسيناء، وهو ما تحقق لاحقاً عبر شن حروب هجومية!!. (تساؤل كبير وخطير أطرحه في مقالي هذا، بخصوص رفع السرية في ثمانينيات القرن الماضي عن الوثائق الصهيونية والبريطانية، بخصوص موافقة ديفيد بن غوريون على قرار التقسيم أنها كانت (مؤقتة وتكتيكية!!!)، علما بأن آفي شلايم قد سلط الأضواء على هذه الرسائل والمحاضر التي أثبتت أن قبول التقسيم كان (خطوة مرحلية لبناء القوة العسكرية والتوسع!!)، فلماذا إذن لم تأخذ قيادة منظمة التحرير الفلسطيني بالحُسْبان هذا الامر الخطير قبل أن تقع في فخ اتفاقية أوسلو وتوافق عام 1993 عليها واعترافها بالكيان الإسرائيلي)!!؟ 5- تصفية الحمائم السياسية: استعرض شلايم الصراع الداخلي في الكيان الإسرائيلي، موضحاً كيف تمت تصفية وعزل أي صوت سياسي يميل للاعتدال والدبلوماسية الحقيقية؛ مثل الإطاحة برئيس الوزراء المعتدل موشيه شاريت عام 1956 لصالح مدرسة بن غوريون الهجومية الفجة، وصولاً لاغتيال إسحاق رابين عام 1995 لأنه حاول فتح كوة صغيرة في الجدار عبر اتفاقيات أوسلو!!. في ختام مقالي المطول هذا، فإن أفي شلايم يقدّم عبر كتابيه "الجدار الحديدي" و"ثلاثة عوالم" وثيقة تاريخية واستراتيجية تفكك البنية الفكرية والعسكرية للكيان الصهيوني، فبينما يثبت في "ثلاثة عوالم" كيف اغتالت الصهيونية الهوية المشتركة لـ "ليهود العرب" في بغداد وجعلت من أبنائها وقوداً ديموغرافياً لمشروعها، يأتي "الجدار الحديدي" ليكون التشريح الأعمق لعقيدة الترسانة العسكرية التي تحكم الكيان الإسرائيلي؛ وهي العقيدة القائمة على فرض الأمر الواقع بالقوة الباطشة ورفض الحلول السياسية.!! إن ما نشهده اليوم من حرب إبادة وتدمير ممنهج في قطاع غزة، والتصعيد العسكري والتهجير القسري المتسارع في الضفة الغربية عبر عمليات اجتياح المخيمات وتفكيكها ديموغرافياً، وصولاً إلى استباحة السيادة والقصف الدموي المستمر في جنوب لبنان؛ إنما هي المصداق الميداني الأوضح والتطبيق الحرفي والأكثر وحشية لنظرية "الجدار الحديدي" التي صاغها زئيف جابوتينسكي وتبنتها حكومات الكيان الإسرائيلي المتعاقبة بدء من بن غوريون وصولا الى حكومة النتن ياهو، كما أن مجريات الأحداث الراهنة تثبت دقة ما طرحه "شلايم" في مؤلفاته الأخيرة ومقابلاته (مثل كتابه الحديث الإبادة الجماعية في غزة )؛ حيث تحول "الجدار" من مجرد استراتيجية دفاعية مفترضة إلى أداة توسعية استعمارية تسعى لمحو الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتصفية قضية اللاجئين، وفرض الهيمنة بالنار من النهر إلى البحر وما وراء الحدود!!. أن الوجود الصهيوني لم يكن يوماً قصة "ديمقراطية أو إنقاذ"، بل هو جدار من الحديد والنار حطّم جسور التعايش في بلاد الرافدين والشرق الأوسط؛ لتبقى كتابات شلايم الرصينة وثيقة إدانة أكاديمية وإنسانية شجاعة تفضح زيف المظلوميات المصنوعة وتؤكد أن سلام المنطقة لن يتحقق إلا بهدم هذا الجدار الحديدي وتفكيك الفكر الاستيطاني الذي يقتات على دماء الشعوب العربية واستقرارها!! وأمام هذا الواقع الدامي والمنقلب على كل المواثيق، فإن الأطروحات الفكرية والتاريخية لأفي شلايم تصبح بمثابة إنذار استراتيجي حاد للأنظمة العربية برمتها، ودعوة ملحة لها لإعادة النظر بشكل جذري وجاد في مسارات "التطبيع!!" والاتفاقيات المبرمة مع هذا الكيان، فالاستمرار في نهج التطبيع واقتصار المواقف على التنديد الدبلوماسي لم يعد عاجزاً عن حماية الحقوق العربية فحسب، بل يُستغل صهيونياً كغطاء سياسي لتمرير مشاريعه الاستيطانية وتثبيت جدار حديدي جديد يعزل العواصم العربية ويقوض أمنها القومي الواحدة تلو الأخرى!! كما تؤكد الشواهد الحية والموثقة أن الوجود الصهيوني لم يكن يوماً شريكاً يبحث عن سلام أو ديمقراطية، بل هو منظومة تقتات على دماء الشعوب واستقرارها، وأن هذا التمدد العدواني لن يتوقف إلا بتبني الدول العربية لاستراتيجية مواجهة موحدة تعتمد على الردع السياسي والاقتصادي، وإجهاض فخاخ السلام الوهمي؛ لتظل كتابات شلايم الرصينة صرخة أكاديمية وإنسانية شجاعة تؤكد أن سلام الشرق الأوسط لن يتحقق مطلقاً ببناء جدران التطبيع والمهادنة، بل بهدم هذا الجدار الحديدي وتفكيك الفكر الاستيطاني من جذوره التاريخية والمعاصرة!!.
قال تعالى في سورة هود، الآية 88: "قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ".
15 / 9 / 2026
#سماك_العبوشي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين عكا وبغداد: القصة الكاملة لإرهاب الصهيونية البيولوجي وال
...
-
حصان طروادة الرقمي وفخاخ -الحنين المغشوش-: كيف نغلق ملف -يهو
...
-
من -عزرا ونحميا- إلى منصات -التطبيع الناعم-: قراءة في الأهدا
...
-
من -دولة المكونات- إلى -دولة القانون-: المسارات التشريعية نح
...
-
ثلاثية الموت السريري للعراق: الطائفية، الفساد، والمحاصصة !!.
-
مربع النفوذ المغلق: -جرف الصخر- كعقدة في منشار حصر السلاح!!
-
مخطوطات قُـمْران: الكنز الأثري الذي نسف أساطير الصهيونية!!
-
نبوءات حزقيال خارطة طريق للكيان الإسرائيلي!!
-
أما آن للعراق العظيم أن يستقر وينتعش !!؟
-
محمود عباس: بائع الوهم وعَرّاب التصفية!!
-
خدعة كبيرة تحت مسمى: -مجلس سلام غزة-!!
-
أما آن أوان لجم نظام بن زايد وتحجيم شره!!
-
هل سمعتم يوما بالإنجيلية التدبيرية !؟
-
ما يجري في جنوب لبنان أكبر من محاربة حزب الله!!
-
هل القواعد الامريكية في دول الخليج لحمايتها ... أم ماذا!!؟
-
ترامب يرمي غصن الزيتون ويمتشق السيف!!
-
ننتظر وشاية الأحجار والأشجار باليهود!!
-
أقول لترامب : -عجيب أمور، غريب قضية-!!
-
بنيامين نتنياهو، الصادق البار بالكيان -الإسرائيلي-!!
-
أما آن لنا استثمار عزلة الكيان الإسرائيلي!!
المزيد.....
-
رأي.. عبدالله بن عادل فخرو يكتب: صُنع في الخليج.. من شعار لل
...
-
عمرو موسى بعد لقاء السيسي ومحمد بن سلمان: لم يعد الصمت خيارً
...
-
إسرائيل تدمر منصات صواريخ في جنوب لبنان.. وسجال داخل البرلما
...
-
ممرّان يضغطان على حسابات القاهرة والرياض.. هرمز وباب المندب
...
-
قبل لقاء ترامب وشي المرتقب.. وزير الخارجية الإيراني يزور الص
...
-
احتجاز ما لا يقل عن 150 محتجا مؤيدا لمجتمع الميم في حملة أمن
...
-
تقرير: واشنطن هاجمت قوارب إيرانية حاولت الاستيلاء على مسيّرة
...
-
تدريبات على السلاح ورصد للمعارضين في الخارج.. ماذا وراء تحرك
...
-
مصر ـ اتهامات للسلطات بإزالة -مساحات خضراء-.. والحكومة توضح
...
-
-حرب- مصر على أشجارها.. من يقف وراءها ومن يدفع الثمن؟
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|