|
|
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر التونسي محمد الهادي حفصاوي
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 11:51
المحور:
مقابلات و حوارات
«محمد الهادي حفصاوي: الشاعر الذي ضبط إيقاع القصيدة على ساعة الإدارة وتصوّف في محراب الحرف»
بين صرامة الخطط الإدارية كـ"معتمد" ورهافة الحس الإبداعي كشاعر، يقف الأديب التونسي محمد الهادي حفصاوي في مسافة خاصة جداً من الكتابة. هو ابن "سيدي علي بن عون" الذي لم ينسلخ يوماً عن تربته الأولى، والمربي الذي علّم أجيالاً كيف يتنفسون لغة الضاد. في هذا الحوار، لا نبحث عن الإجابات الجاهزة، بل نفتش معه عن "هجران الحرف"، وكيف تولد "وضيئات المنى" من رحم المعاناة، وما الذي يحدث حين يخلع المسؤول عباءة الإدارة الرسمية ليتحصن بـ"مدينة الظلال". محور الجغرافيا والهوية و"سيدي بوزيد" سؤال 1: تولد القصيدة أحياناً من رحم الأرض. كيف أعادت جغرافية "سيدي علي بن عون" تشكيل وعيك اللغوي، وهل لتراب الوسط التونسي "رائحة" تشمها في قصائدك؟ إن المشتغل على الحرف الجميل يترجم في محاولاته تجارب ووقائع ذات أثر عميق في نفسه ومزاجه، وهي لا بد لصيقة بمعيشه اليومي حيث هو في محيطه الجغرافي الفيزيائي وبين من يؤثثون واقعه الملموس وسطاً اجتماعياً بمختلف الصلات الدموية والعاطفية التي تشده إلى الآخر. ومحاولاتي الأولى لما كنت في ريعان شبيبتي كانت تعبق برائحة الموطن الريفي الجميل، بما فيه ومن فيه، وما زال ذاك الأريج حاضراً في محاولاتي إلى اليوم لا سيما تلك التي فيها حنين وشجن. بعض المحاولات الأدبية الأولى جاءت مطرزة بأسماء أماكن من الموطن الريفي وموشاة بتفاصيل مادية منه؛ كتضاريس الأرض وتسميات الأماكن التواضعية الضيقة. سؤال 2: يُقال إن الأطراف وهوامش المدن تصنع شعراء أشد عمقاً من الحواضر الكبرى. ما الذي منحته إياك نشأتك هناك وجعل قصيدتك عصية على الذوبان؟ الحقيقة أن درجة عمق الإبداع ليست رهينة البيئة المكانية وحدها، وليس صحيحاً أن الحياة في قلب الحاضرة قد تحرم التجارب عمقاً وتحكم على الإبداع بالسطحية وتواضع القيمة الفنية. فالروايات الكبرى والأبلغ عربياً وعالمياً—من نجيب محفوظ إلى جيمس جويس إلى من سواهما—إنما كُتبت في قلب الحواضر وتحدثت عن زخم الحياة فيها، ولعل نسق الحياة السريع الكثيف الضاغط في قلب المدينة هو الذي يكون قادح الإبداع الأدبي لدى الكاتب أو الشاعر على حد سواء. صحيح أن هوامش المدن أقل حركية وضجيجاً وضغوطاً من أتون الحواضر، بما يتيح للمبدع هدوءاً أكثر وفرصة أوسع للتأمل والرؤية الواضحة، ولكني أؤمن أن الأدب تجارب نفسية ديناميكية فارقة سلباً وإيجاباً، تخرج الفنان من الرتابة والهدوء المعتادين وتقطع عليه نسق حياته العادي. سؤال 3: في نصوصك حنين جارف لـ"بيتنا العتيق". هل الكتابة بالنسبة لك هي محاولة مستمرة لإعادة ترميم بيت الطفولة الذي غادرته في الواقع؟ الكتابة تكون في أغراض ولغايات شتى، ودوافعها كأهدافها متنوعة ولا تحصى. وإذا كتبتُ استذكاراً لأيام الطفولة وحياة الريف—وكثيراً ما أفعل ذلك—فإن الكتابة بهذا الشكل وفي هذا المنحى شكل من أشكال رفض نسق الحياة الراهن بمؤثراته البيئية المختلفة وبمكوناته وشبكة علاقاته ونسقه ونظامه الحالي، وهكذا تكون الكتابة حنيناً إلى ماضٍ نتمنى أن نسترده أو قل هي ترميم لبيت الطفولة الذي ابتلعه الزمن. ولكن الشعر بساط أثيري يدلف بنا إلى قضايا الواقع المختلفة؛ من الوجداني إلى الاجتماعي إلى السياسي المحلي والقومي والعالمي إلى ما هو تأملي ذهني. محور اشتباك الشِّعر بالإدارة والتعليم سؤال 4: عشت لسنوات في خطة "معتمد"، وهي وظيفة تتطلب صرامة وجفافاً إدارياً لمواجهة تفاصيل اليومي المعقد. كيف كان الشاعر بداخلك ينجو من "بيروقراطية" الوظيفة؟ الحقيقة أن معاقرتي ومطاولتي للحرف الجميل كانتا في فترتين ذهبيتين؛ الأولى طالباً جامعياً، وأنا شاب يافع ينهل من معين الأدب ويحتك بوسط أكاديمي رفيع يشحذ فيّ الرغبة في الاشتغال على الحرف البليغ الجميل، وهي فترة غالية وعزيزة من عمري أنتجت فيها محاولات شعرية كثيرة اهتم ببعضها الأستاذان المنجي الشملي وهند عزوز في برنامج "مع الأدباء الناشئين" الذي كان يبث مباشرة عبر موجات الإذاعة الوطنية، وكان بعضها الآخر ينشر بجرائد "البيان" و"الصريح" و"بلادي"، وآسف حق الأسف لضياع أغلب إنتاجي في تلكم الأيام. أما الفترة الذهبية الثانية فهي ركوني إلى القلم والقرطاس بحكم إحالتي مبكراً على المعاش وبإرادتي، ففي هذه الفترة وجدت الكتابة خير مالئ لفراغي وظللت أكتب وما زلت في شتى الأغراض؛ مقالاً وخاطرة وأقصوصة وشعراً. أما وأنا أستاذ أو ناظر دراسات أو رئيس بلدية أو معتمد، فلقد كنت أكتفي إما بتقويم محاولات التلاميذ الأدبية أو أطالع الشعر والأدب من حين لآخر، وأعترف أني أحجمت خلال تلك الفترة عن مطاولة الحرف، فالمسؤوليات والخطط التي كنت أتولى كانت تحول بيني وبين الكتابة، بل إن بعضها يقتل فيك كل ملكة فنية إبداعية! سؤال 5: هل حدث أن كتبت بيتاً شعرياً على هامش تقرير إداري رسمي؟ وكيف تصالح الشاعر مع رجل الدولة في داخلك؟ الحقيقة أني لم أكتب خلال فترة مسؤوليتي معتمداً ولا بيتاً شعرياً واحداً، وخرس صوت الأديب في تلك الفترة تماماً. سؤال 6: قضيت سنوات طويلة في قطاع التربية والتعليم كناظر ومربٍّ. برأيك، هل أفسد التعليم ذائقة الجيل الجديد للشعر، أم أن المشكلة في المناهج التي تحنط الحرف؟ الحقيقة أني كنت درّست تلاميذ الثمانينات والتسعينات في بدايتها العربية لغة وأدباً وعروضاً، وكانت النصوص المختارة ضمن البرنامج الدراسي منتقاة بعناية وترغب التلميذ في الأدب وتحضه على الكتابة التجريبية، وقد كان لي تلاميذ كثيرون مبدعون في السرد كالأقصوصة والقصة والخاطرة والمقال وفي الشعر أيضاً، لا سيما وقد كان التلميذ يدرس علم العروض فتهذب ملكاته الفنية والإيقاعية والموسيقية. أما وقد منع التلاميذ فيما بعد من دراسة العروض، ودخلنا عصر الرقمنة بمؤثرات العولمة والوسائط الحديثة للاتصال والتواصل، فقد أضعف هذا التيار اهتمام الناشئة بالأدب، وأضحى تعاملهم معه مدرسياً براغماتياً؛ أي لضمان النجاح من سنة إلى أخرى وبالأخص في امتحان بكالوريا الآداب. سؤال 7: ما الذي يتعلمه الشاعر من مهنة "الناظر"؟ هل ضبط الإيقاع في المعهد يشبه ضبط تفعيلات البحر الشعري؟ لا علاقة بينهما البتة، ولا أذكر أني كتبت بيتاً واحداً خلال سبع سنوات كنت خلالها ناظر دراسات، وإن أصلحت عشرات المحاولات الأدبية التلمذية خلالها. محور الأسلوب والنزعة الوجدانية والفلسفية سؤال 8: في نصوصك نزعة وجدانية تميل أحياناً إلى التصوف والتأمل الفلسفي. أين تنتهي العاطفة الفطرية وتبدأ الفلسفة الواعية في هندسة قصيدتك؟ الأدب ظل لمسيرة الإنسان في الحياة؛ نبدأ حياتنا انفعاليين عاطفيين، وتفور دماء الشباب في أوصالنا فترانا وجدانيين محتفلين بالحس والعاطفة عشقاً وصبابة وحماسة لقضايا المجتمع والأمة والإنسانية. نكتب عشاقاً والهين، ونكتب عروبيين ملتزمين متحمسين، ونكتب ثوريين منتصرين للمهمشين والمفقرين والجوعى والمستغلين اجتماعياً، ونكتب ثائرين على كل الأنساق السائدة في ذهنية المجتمع ونظمه بما في ذلك السياسي، نكتب في كل ذلك منفعليين عاطفيين وجدانيين. حتى إذا تقدم بنا قطار العمر ونضج تفكيرنا ووعينا، هدأت سورة العاطفة في أعماقنا وأصبحنا نحتكم إلى صوت العقل والموضوعية، فكنا أشد ميلاً إلى الهدوء والفكر الرصين الذي يقدر الإكراهات المختلفة حق قدرها ويعرف حدود الممكن والمنشود، ويقول المتنبي في ذلك: وما ينقص من شباب الرجال ... يزد في نهاها وألبابها ثم إننا كلما كبرنا صرنا أشد ميلاً إلى التأمل والتصوف نشداناً للسكينة الروحية والأمان النفسي، لا سيما والأسئلة الوجودية الكبرى ضاغطة دائماً على وعينا؛ إنه الإنسان بسليقته الفطرية باحثاً عن شاطئ الأمان في عالم ضاغط متقلب. 9.تتميز لغتك بقاموس فخم يدمج الفصاحة الكلاسيكية بالرومانسية الحديثة. كيف توازن بين الحفاظ على هيبة اللفظ العربي القديم دون أن تسقط في فخ التقعير؟ السجل اللغوي الأدبي ،وفي الشعر خصوصًا يجب أن يظل من درجة عالية أصيلة نبيلة ..أي أن يكون كلاسيكيًا فصيحًا . وهذا معناه أن ينتقى اللفظ والعبارة بأناة وإحكام؛ فتكون في متناول إدراك المتلقي ذي الحد الأدنى من الثقافة الأدبية ..ولا تكون من ميت الألفاظ ومتجاوز المفردات ..والشاعر الحق يجب أن يحرص على جمالية أسلوبه دون تصنع ..فالقاموس الأدبي العربي من الغني بحيث يمنحك مساحات ممتدة لانتقاء العبارة الأنيقة الدالة ،والتي تلقى استحسانا في ذائفة المتلقي .فالأدب يجب أن تكون لغته من سجل أعلى من السجل العامي المبتذل ،أو الصحفي الجاف أو المدرسي الموجه.أو الإجرائي المحنط....لغة الشعر لفظ اصيل أنيق وعبارة كثيفة الدلالة قوية الإيحاء ..حتى في مستوى أصواتها وحروفهاوجرسها وموسيقاها يتبغي أن تكون مما يستسيغه السامع .ويستلطفه.. وهذه مهمة شاقة على قدر جلالها وجلال مقام الأدب.فالحرص على أناقة اللغة وجزالتها وأصالتها يجب ألا تسقطنا في الصنعة المفرطة والتصنع والتقعر أو ما بُسمى تواضعًا مستحدثًا بالتفاصح ...فالشاعر الحق مطالب بتناسب الأسلوب مع المعنى، وأن تكون حروفه أصدق ترجمان أوفى معبر عن تجربته بكل تفاصيلها العاطفبة. الفكرية ..بكل انفعالاته وهواجسه ترجمة وفية عميقة دون تزييف ولا مبالغة ولا تصنع....والشاعر الحق يدرك يقينًا أن عبارته وأسلوبه ولغته هي الفيصل في الحكم له أو عليه وأن اهتمامه بالشكل وأناقة العبارة الزائد عن اللزوم سيخرج عمله الفني من دائرة الصدق ،ويضعف أدبيته...وإجمالا نقول إن الحرص على أناقة اللغة وأصالتها يجب ألا توقعنا في التصنع والتقعر والمبالغة الفجة؛ فيصبح ما حبرناه مجرد نظم لا شعرًا...الشعر الحق لا افتعال فيه ولا ابتذال . سؤال 10: الموسيقى الداخلية في نصوصك عالية الشجن. هل تكتب وأنت تسمع لحناً ما، أم أن الشجن التونسي الدفين (كالصالحي) هو ما يملي عليك إيقاعك؟ رغم تمكني من علم العروض وإلمامي بكل البحور الخليلية فإني أؤمن بأن الأدب معطى حي متطور، فليس من الأصالة في شيء إلزام النفس بالقصيد العمودي وحصر الشعر في الموازين الخليلية. أؤمن بأن القصيدة النثرية شعر وإن لم تلتزم وحدة الإيقاع والتفعيلة؛ حسب الشاعر أن يلتزم إيقاعاً وموسيقى داخليين يثبتهما بشيء من السجع مثلاً أو التقفية الموحدة من مقطع إلى آخر، واعتماد ما يشبه التوازي بين الأسطر مع توزيع منتظم أو يكاد للحركة والسكون عبر الأسطر الشعرية، وهذه الصنعة تكسبك إياها الممارسة وطول الدربة. تفكيك القضايا والنصوص (هجران الحرف ووضيئات المنى) سؤال 11: في قصيدتك "هجران الحرف"، هل تبكي انقطاع الوحي الشعري عجزاً، أم أن صمت الشاعر أحياناً هو أعلى درجات البلاغة؟ "هجران الحرف" كانت ترجمة لتجربة عصيبة اجتمعت فيها مؤثرات خارجية وباطنية ضاغطة، عذت بالحرف ولذت فلم يسعفني، وكان دون قوة الانفعال والتأثر فأعلنت الكفر بالشعر. ولكني ما ألقيت بحمولتي الباطنية المشتعلة إلا حين حبرت القصيدة؛ فالحرف نسخط عليه وندينه ونتهمه بالتقصير ونثور عليه، ونكتشف أننا أودعناه كل أوجاعنا لحظة سخطنا عليه. والصمت الذي أعلناه لحظة يأسنا من الحرف كان صمتاً وهمياً، لأننا ما استفرغنا شحنة الثورة والانكسار إلا بفضل الحرف عينه. سؤال 12: متى يصبح الحرف "عدواً" لمحمد الهادي حفصاوي، ومتى يصبح الملاذ الأخير؟ هو في كل الأحوال ملاذ، وكما أسلفت، تكون لحظة المعاناة أحياناً أكبر من الحرف وأبلغ مدى فندين الحرف ونتهمه بالتقصير وزوال الجدوى، ولكننا في لحظة أوج المعاناة والتنكر للحرف أو تنكر الحرف لنا نكتشف أن لا مهرب منه إلا إليه، فأزمتنا تلك لا يملك مفاتيح مغاليقها إلا الحرف ذاته. سؤال 13: نصوصك مثل "وضيئات المنى" و"مدينة الظلال" تحمل أبعاداً بصرية واضحة. لو لم تكن شاعراً، هل كنت ستختار الرسم لتجسيد هذه الظلال والمنى؟ لو لم أكن شاعراً لاكتفيت بتملي تلك الصور الحسية الجميلة أضواءً وألواناً، فالجمال مطلوب في كل مستوياته وأبعاده. سؤال 14: ما هي القضية الإنسانية التي تشعر أنك كلما اقتربت منها في شعرك، خانتك الكلمات لأن الوجع أكبر من اللغة؟ قضايا الظلم والقهر وامتهان الإنسان. تخونني الكلمات أمام قضايا جليلة كالواقع العربي البائس، ومعاناة الشعب الفلسطيني، وجور النظام العالمي الجديد، ولعل أشد ما يؤلمني ويلجم قلمي في آن واحد هو هذا الهوان العربي أمام الأعداء. سؤال 15: كتبت عن "أسرار الفتون". هل الجمال في نظرك يحتاج إلى الغموض والأسرار ليبقى حياً، أم أن الوضوح يقتل الشِّعر؟ الجمال يحتاج فعلاً إلى بعض الغموض والإبهام المحبب الشفيف حتى يظل جميلاً، شريطة ألا يتحول الغموض إلى تشفير أو لغز أو أحجية، فذاك ما أسميه شعر الطلاسم. ولكن الوضوح والمباشرة في الأدب يقتلان الجمال؛ فالأدب الحق يشعرك بانفعالاته وتفاصيل تجربته النفسية إيحاءً وتلميحاً واستنتاجاً تدل عليها ظواهر الشكل الأسلوبية واللغوية والبلاغية والإيقاعية والمعجمية وتوظيف المرجعيات الأدبية تخييلاً ومجازاً، ولا يصرح لك بانفعالاته فإن فعل ضعفت أدبية خطابه. أسئلة السيكولوجية والذات المبدعة سؤال 16: هناك شعراء يكتبون بدافع الفرح، وآخرون بدافع الندوب. ما هي الندبة التي فتحت بوابات الشعر لدى محمد الهادي حفصاوي؟ أنا أكتب لحظة الفرح والجذل ولحظة الانكسار وضياع الأمل، وكثيرة هي الندوب التي تكون قادحاً إبداعياً في حياتي؛ فقد الوالدين والأحبة أحدها، وتردي الواقع العربي رئيسي في إيقاظ قريحتي وإلهابها، ومظالم المجتمع في حق المهمشين والفقراء أليمة وباعثة على البوح. سؤال 17: هل تشعر أحياناً بالغربة داخل المشهد الثقافي المعاصر؟ وكيف تحمي عزلتك الإبداعية من ضوضاء منصات التواصل الاجتماعي؟ حيثما التفتّ وجدت الرداءة طاغية؛ وسائل الإعلام المحلية والعربية تقدم أطباقاً ثقافية غثة مفسدة للذوق خادشة للياقة بكل أبعادها، حتى لغة التواصل الإعلامي رديئة، والدراما المحلية والمستوردة والمادة الإعلامية ككل لا تبني المواطن المفكر المريد المسؤول الفاعل. ووسائل الاتصال الاجتماعي ومنصاته يشيع فيها فكر خليط بين إسفاف وتهريج وخرافة وكذب ومغالطات وتكييف مدبر للعقول وتخريب للذائقة والقيم. لذلك فالانتقاء واجب ولا مناص منه، يجب انتقاء المنصات الفكرية التي نتفاعل معها ونتواصل، والغربلة مطلوبة دائماً. سؤال 18: عندما تقرأ قصيدة كتبتها قبل عشرين عاماً، هل تشعر بالدهشة أم بالرغبة في إعادة صياغتها؟ متى تموت القصيدة في عين صاحبها؟ أضعت أغلب قصائد الأمس، ولكني ما زلت أحفظ بعضها عن ظهر قلب وأراه صالحاً إلى اليوم؛ فالقصيد الحق لا عمر له وصلاحيته ممتدة بلا ضفاف إذا اجتمعت فيه خلتان: صدق التجربة وجمال الصوغ، والقصيد الناضج لا يُعدّل بل يظل على حاله. سؤال 19: كيف تتعامل مع لحظة "الارتياب"؟ تلك اللحظة التي يشك فيها الشاعر في جدوى كل ما كتبه. الشاعر إنسان والإنسان مواقف نسبية، وقد يقع الشاعر تحت طائلة الارتياب فيشك في جدوى ما كتبه، ويحدث هذا كثيراً. حسبك أن تقارب مظلمة فلسطين أمام تجاهل العالم للمظلمة والمحرقة وأمام موازنات المعضلة؛ وثمة العالم ينتابني ارتياب في كل حرف كتبته في القضية، ولكني سرعان ما أثوب إلى رشدي فأقول للباطل صولة ويزول، فيزول الارتياب. سؤال 20: كتبت الخاطرة والنثر إلى جانب القصيدة العمودية والتفعيلة. أي من هذه الأشكال يحمل شفرتك الوراثية الحقيقية؟ كلها بنات خاطري، وكلها تحمل جيناتي الإبداعية. قضايا ثقافية معاصرة وعامة سؤال 21: يعيش العالم العربي تحولات كبرى، ويُقال إن زمن الشعر ولى لصالح الرواية. ما الذي يستطيع الشعر قوله اليوم وتعجز عنه الرواية؟ هناك من يزعم أن زمن الشعر قد ولى، وأن الرواية هي جنس الأدب الراهن، وهو قول فيه نظر؛ فالشعر لا يموت، والشعر أولى بالحياة والاستمرارية قياساً إلى الرواية، لأن طول الرواية أول عوائق شعبيتها اليوم، فالقارئ المعاصر نافد الصبر ولا يستطيع متابعة قصة طويلة بتقلبات أحداثها وتنوع شخصياتها وتشابك علاقاتهم. والشعر أقبل للمتابعة لأنه الأقرب إلى وجدان القارئ، وجماليته الشكلية والفنية أول مدعاة لإقبال الناس عليه أكثر من سواه. سؤال 22: كيف ترى حركة النقد الأدبي في تونس حالياً؟ هل أنصفك النقاد، أم أن النقد أصبح يركض خلف الأسماء المكرسة إعلامياً فقط؟ النقد في تونس، كما في أغلب الأقطار العربية، حبيس أروقة الجامعة ولم يتحول—كما هو الحال في مصر أو لبنان أو سوريا أو الكويت، وكما في الغرب—إلى صناعة لها أعلامها ومؤسساتها، وميكانيزمات نشاطها ومقدراتها ووسائلها الفنية والتكنولوجية والمالية. لذلك من الطبيعي ألا أجد لنفسي، وأنا الكاتب الذي يرى تجربته في حدود الهواية، صدىً محلياً كبيراً في المجال النقدي، وهذا سياق طبيعي؛ فقامات كبيرة في مجالات المسرح والرواية لم تنصفها حركة النقد الضعيفة وظلت مغمورة وهي حقيقة بجائزة نوبل للآداب، وأذكر هنا الروائي والقصاص الكبير عبد القادر بنحاج نصر، والكاتب المسرحي العلم عز الدين المدني. سؤال 23: القصيدة التونسية لها خصوصية مغاربية فريدة تجمع بين اللسان العربي والعمق الإفريقي والانفتاح المتوسطي. أين يتجلى هذا المزيج في نصوصك؟ النص الأدبي يولد مضمخاً بعبق بيئته، وتظل نصوصي أو محاولاتي عربية الثوب والقوام خالصاً، أما البعدان الإفريقي والمتوسطي فلا يظهران فيها. سؤال 24: يرى البعض أن الجوائز الأدبية أفسدت الشِّعر وجعلته يُكتب "على المقاس". ما موقفك من هذه المحافل؟ التكسب أو شعر الكدية ذميم في نظري منذ العهد العباسي إلى اليوم، والشعر المنظوم لتحصيل جائزة يظل مصطنعاً متكلفاً ضعيف الأدبية والشاعرية وإن حسن نظمه. سؤال 25: إذا أردنا أن نلخص تجربة محمد الهادي حفصاوي في كلمة واحدة خارج القاموس الشعري المعتاد، فماذا ستكون هذه الكلمة، ولماذا؟ تجربتي الشعرية الشخصية هي محاولات تجريبية لا تعدو حدود الهواية، أو الغواية أحياناً بل معظم الأحيان، لذلك كثيراً ما أقول إنني "أقترف" الشعر.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع عبد المجيد عبوبي
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوارٌ مع الشاعر والمربي س
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع الشاعرة المغربية
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع عبد المؤمن الزياني
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:عبد اللطيف النيلة في حوار
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نز
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : مع الشاعر عبدالرحمان ا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر وا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع النحات ناجح أبو غنيم
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والإعلام
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةحوار خاص مع الشاعر منذر ال
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :.. حوار مع الكاتب والشاع
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: كاردينيا الغوازي.. في مخ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة العراقية -فوز
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار مع الباحث والشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار شامل مع القاص والش
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةعقيل الجبوري في حوار عبر أ
...
المزيد.....
-
غياب لافت.. لماذا لم يصطحب شي رؤساء كبرى الشركات الصينية إلى
...
-
موسكو تتوعد برد على عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد رئيسة تحرير
...
-
الجيش الأمريكي يصد مسيّرات إيران بالليزر
-
مفتي السعودية يصدر بياناً يحث على -الرباط والجهاد- ضد الحوثي
...
-
إزالة الدراجات وإغلاق الشوارع في باريس مع استقبال البابا ليو
...
-
استقبال حافل للرئيس الصيني في البيت الأبيض.. هل حققت قمة ترا
...
-
تقارير: إيران تقترح خطة مدتها 7 أيام لإعادة فتح مضيق هرمز
-
روسيا.. قتيلان وجرحى بهجوم أوكراني بالمسيرات
-
إعلام غربي: روسيا حققت ثورة في مجال الطائرات المسيرة النفاثة
...
-
مصر.. وفاة مفاجئة لطليقة نجم الأهلي شادي محمد وتحرك ضد المست
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|