أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية وخلق سوق عقاري















المزيد.....

مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية وخلق سوق عقاري


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 08:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في منتصف مارس 2025، وقبل أن تستقر الأمور في الخرطوم، جاءت الجرافات إلى العزبة ببحري. لم يكن هناك إنذار مسبق، ولا مهلة، ولا وثيقة تُسلَّم لأحد. جاء موظفون بزي عسكري، تتقدمهم الجرافات، وهُدمت البيوت بما فيها الأثاث. تقول شهادات جمعتها مجلة "أتر" إن الناس لم يجدوا وقتاً لإخراج شيء. امرأة حاولت إنقاذ مصحف جدها، فوجدته تحت الأنقاض. رجل خرج بملابسه فقط. طفل فقد كتبه المدرسية. هذه ليست حكاية فردية معزولة، بل نموذج لما حدث ويحدث في عشرات الأحياء.

بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم في 20 مايو 2025، أعلن جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات بولاية الخرطوم أن خطته تستهدف أكثر من سبعين ألف منزل ومتجر وسوق، مع أرقام إعلامية تتحدث عن خمسة وسبعين ألفاً.

وهنا يبدأ السؤال المادي الأول، وهو ليس "كم؟" بل "لماذا؟". لماذا تُهدم هذه البيوت تحديداً؟ لماذا هذه الأحياء دون غيرها؟ لماذا في هذا التوقيت؟ والإجابة لا تأتي من الأرقام، بل من الوقائع الميدانية.

في محلية الكدرو، طعن محامو متضررين بعدم قانونية قرارات الإزالة. الحجة التي قدموها ليست أخلاقية، بل قانونية: سكان المربع يملكون عقوداً وشهادات حيازة صادرة من الجهة الإدارية نفسها التي أرسلت الجرافات. أي أن الدولة لا تنزع أرضاً مشاعة أو غير موثقة فقط، بل تخرق ملكية معترفاً بها إدارياً. هذا تناقض بين الشكل القانوني لجهاز الدولة والمضمون الطبقي لممارسته. وفي سوق مصفاة الجيلي، تجار يقولون إن محالهم كانت مرخصة رسمياً من محلية بحري. بعضهم هدد بمقاضاة الولاية والمطالبة بتعويضات عن الأرض والمحال معاً. هل نجحوا؟ لا أحد يعرف. فالقضاء بطيء، والمحامين مكلفون، والوقت ليس في صالح من فقد مصدر رزقه.

من يمتلك القدرة على الانتظار؟ في العزبة، لم يكن هناك وقت للانتظار. الجرافات جاءت، والبيوت سقطت، والأثاث دُفن. أما في الكدرو، فهناك من يملك القدرة على التعاقد مع محام، وعلى الوصول إلى المحكمة، وعلى الانتظار. هذه ليست مسألة قانونية فقط، بل مسألة طبقية: من يملك الوقت يملك الحق، ومن لا يملك الوقت لا يملك شيئاً. والزمن هنا ليس عاملاً محايداً، بل أداة طبقية. فالحرب لا تعيد توزيع الأرض فقط، بل تعيد توزيع القدرة على الانتظار. من يستطيع الاحتفاظ بأرضه حتى ترتفع قيمتها بعد إعادة الإعمار؟ ومن يُجبر على بيعها فوراً بأي سعر لأن ليس لديه ما يعيل به أسرته؟ هذه الأسئلة هي ما يحدد من سيخرج من الأزمة مالكاً ومن سيخرج أجيراً.

والأرض لا تُنتزع لتُترك فارغة. في الثالث والعشرين من يوليو 2026، خرج والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة في جولة رافقه فيها الأمين العام لحكومة الولاية، ووزير الثقافة والإعلام والسياحة، والأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية، والمدير التنفيذي لمحلية الخرطوم. ووقف الوالي على "أوضاع المواقع السياحية والترفيهية والخدمية التي تعد واحدة من أهم واجهات العاصمة السياحية وأكثرها جذباً للمواطنين والزوار". ثم وجّه بإزالة "جميع الأنشطة العشوائية والتعديات التي شوهت المظهر الحضاري للمنطقة"، وأمر بـ"إعداد تصور متكامل لتطوير شارع النيل والارتقاء بخدماته ومرافقه العامة حتى يصبح متنفساً جاذباً للأسر والعائلات ومقصداً سياحياً وترفيهياً". وأكد أن حكومة الولاية تولي "اهتماماً كبيراً بقطاع السياحة والترفيه باعتباره أحد القطاعات الحيوية التي يمكن أن تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل". ووجه بـ"مراجعة جميع التعاقدات الخاصة بالمستثمرين وأصحاب المنشآت السياحية بالمنطقة والتأكد من التزامها بالاستخدامات المحددة وفق التصاديق الممنوحة لها".

اقرأ النص مرة أخرى. لا تجد فيه كلمة "سكان"، ولا "أحياء"، ولا "مجتمعات". تجد "الأنشطة العشوائية"، و"التعديات"، و"التشوهات". هذه ليست لغة وصفية، بل لغة إنشائية. من يسمي حياً "عشوائياً" لا يرى في إزالته جريمة، بل تصحيحاً. ومن يسمي بسطة "تعدياً" لا يرى في هدمها فقدان رزق، بل استعادة نظام. والخطاب هنا لم يعد خطاب "الأمن" ولا "هيبة الدولة"، بل خطاب "الواجهة الحضارية" و"المقصد السياحي" و"المتنفس للأسر والعائلات". الأرض التي كانت كورنيشاً شعبياً يلتقي فيه الناس، تتحول إلى "واجهة نيلية" تُطوَّر لتصبح "مقصداً سياحياً". وهذا هو بالضبط الانتقال من القيمة الاستخدامية إلى القيمة التبادلية، وهو جوهر ما وصفه ديفيد هارفي بـ"التراكم عبر نزع الملكية": تحويل الأصول التي كانت تخدم الحياة اليومية إلى أصول تُدرّ عائداً نقدياً.

لكن من هم "المستثمرون وأصحاب المنشآت السياحية" الذين ستُراجَع تعاقداتهم؟ النص الرسمي لا يسمي أحداً. ومن هي الجهات التي ستحصل على عقود تطوير شارع النيل بعد إخلائه من "الأنشطة العشوائية"؟ النص لا يجيب. هذه فجوة جوهرية في التوثيق. غياب البيانات لا ينفي وجود نمط، لكنه يحدّ من قوتنا في تسمية المستفيدين. ما نملكه هو نمط ظاهر — إزالة تتبع خريطة طبقية، وخطاب يبررها، وقانون يُخرق، وتعويض غائب — يستدعي التحقق، لا استنتاج مكتمل. ومواصلة البحث في سجلات التراخيص، وعقود الامتياز، والشركات المستفيدة، ومصادر التمويل، مهمة لم تُنجز بعد.

وهنا يظهر البعد المقارن. ما يجري في الخرطوم ليس فريداً، لكنه ليس نسخة مطابقة لتجارب أخرى. في بيروت بعد الحرب الأهلية، أُعيد إعمار وسط المدينة عبر شركة "سوليدير"، التي أزالت سكانه الأصليين وحوّلت المنطقة إلى مركز تجاري وسياحي. لكن سوليدير رافقتها تعويضات وأسهم لبعض أصحاب العقارات، وإن كان ذلك موضع نقد واسع. في بغداد بعد 2003، ارتبطت إعادة التشكيل العمراني بالاقتتال الطائفي والتهجير أكثر من ارتباطها بمشاريع إعمار منظمة. وفي غروزني بعد الحربين الشيشانيتين، جاءت إعادة الإعمار كمشروع سياسي-أمني قبل أن تكون مشروعاً عقارياً. أوجه الشبه مع الخرطوم قائمة — الإزالة، التهجير، تحويل الأرض إلى سلعة — لكن الفروق أيضاً قائمة. ما يمنح الخرطوم خصوصيتها هو غياب التعويض المنظم، وضعف الشفافية، وطابع الإزالة الذي يميل أكثر إلى الإبعاد النهائي من إعادة التوطين.

والأرض لا تُنتزع من البشر فقط، بل من الذاكرة أيضاً. سوق النسوان في كسلا، الذي احتجت بائعاته في سبتمبر 2026 وأغلقن شارعاً رئيسياً، ليس مجرد مكان لبيع المنتجات اليدوية؛ إنه تاريخ نسائي من العمل والاستقلال الاقتصادي. وحين يُزال جزء منه، فإن ما يُمحى ليس فقط بساطاً أو مظلة، بل إرثاً اجتماعياً واقتصادياً لطبقات شعبية صنعت حياتها في هذا المكان. التطهير الرمزي — محو الذاكرة كشرط لإعادة الكتابة — هو الوجه الخفي لنزع الملكية المادي.

لكن المقاومة موجودة. محامو الكدرو لم يستسلموا، ورفعوا دعاوى بعدم قانونية القرارات. وبائعات كسلا أغلقن الشارع الرئيسي احتجاجاً على إزالة جزء من "سوق النسوان"، وطالبن بوقف الإزالة وتوفير مواقع بديلة. وهذه النماذج ليست مجرد ردود فعل عاطفية، بل أشكال أولية من التنظيم الطبقي في مواجهة نزع الملكية. السؤال ليس هل ستنجح هذه المقاومة في وقف الجرافات اليوم، بل هل ستتحول إلى وعي طبقي منظم يربط بين قضايا الأرض والعمل والسكن والذاكرة في مدينة يجري إعادة هندستها لخدمة رأس المال؟

ما يجري في الخرطوم ليس تخطيطاً عمرانياً بريئاً. إنه نزع ملكية بدائي في نسخته الحضرية: فصل الجماهير عن الأرض التي تسكنها، لخلق سوق عقاري جديد، تحت غطاء أمني، وبشرعية قانونية مشكوك فيها، ودون تعويض عادل. والمستفيد المرجّح — وفق النمط العام لا الأسماء المؤكدة — ليس "الشعب"، بل طبقة ملاك الأراضي والمستثمرين العقاريين والمقربين من جهاز الدولة، الذين يحددون أي أرض تُزال وأيها تُطوَّر، وأي واجهة نيلية تتحول إلى "مقصد سياحي" وأي حي شعبي يُترك لمصيره. تحديد هذه الأسماء بالضبط، وربط كل قطعة أرض أُخليت بجهة استثمارية بعينها، مهمة بحثية لاحقة لم تُنجز بعد.

في العزبة ببحري، امرأة ما زالت تبحث عن مصحف جدها تحت الأنقاض. في الكدرو، محامٍ يحمل ملف دعوى لا يعرف متى تُنظر. في كسلا، بائعة أغلقت الشارع لأنها لم تجد مكاناً تبيع فيه. هؤلاء ليسوا أرقاماً في إحصاء، ولا فئات في تصنيف. هؤلاء هم من تنتزع منهم المدينة قطعة قطعة، وهم أيضاً من يطرح السؤال الذي لا جواب رسمي عليه: من يملك حق البقاء؟

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة


المزيد.....




- بوتين يتلقى دعوة لحضور قمة الـ20 في أمريكا.. هل سيحضر؟
- السفير الإسرائيلي لدى واشنطن بعد إصابة نجله: ابني يحتاج إلى ...
- باكستان.. توجيه ضربات جوية لمواقع في أفغانستان
- من سيكسر الصمت النووي؟
- آثار بعيدة المدى للتعرض المبكر للسكر على الدماغ والصحة النفس ...
- بالأرقام: هكذا يتعامل المجتمع الروسي مع فائض الطعام
- لحظة قفز طيارين من طائرة تدريب قبل تحطمها في بريطانيا
- لقاء شي وترامب يجري تحت راية الواقعية والحزم
- الجيش الأوكراني يتبنّى مفهوم هتلر في الدفاع
- أزمة الوقود العالمية ما زالت في بدايتها


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية وخلق سوق عقاري