|
|
اللّهاية
جليل إبراهيم المندلاوي
كاتب وصحفي
(Jalil I. Mandelawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 04:48
المحور:
الادب والفن
كانت في الرابعة من عمرها، لكنها لم تكن تعرف أن السنوات تُقاس بالأرقام؛ ففي كوردستان أواخر الثمانينيات، كان العمر يُقاس بعدد الأرغفة التي وصلت إلى الفم، وعدد الوجبات التي مرّت من أمامه ولم تصل. وكانت نيشتمان تعرف الصباح من رائحة الخبز، وتعرف المساء من صوت أبيها حين يعود من الحقل، وتعرف أن أمها، مهما كان التعب على وجهها، ستحتفظ لها دائمًا بقطعة صغيرة من الرغيف، حتى في الأيام التي لا يكفي فيها الخبز للكبار. لكنها كانت تعرف شيئًا آخر أيضًا: لهايتها. لم تكن تستطيع التخلي عنها. حين تبكي، تضعها أمها في فمها فتهدأ. وحين تخاف، تبحث عنها بيديها الصغيرتين قبل أن تبحث عن أي شيء آخر. وحين تجوع، تضعها في فمها وتمصّها بصمت، كأنها تستطيع أن تخدع معدتها بشيء يشبه الرضاعة. وحين تنام، تبقى اللهاية في فمها حتى يغلبها النوم. كانت أمها تقول لها أحيانًا: — نيشتمان، اتركيها قليلًا. فتهز الطفلة رأسها بعناد، وتضم اللهاية إلى فمها أكثر، فتضحك أمها وتتركها. لم تكن اللهاية بالنسبة إليها لعبة، بل شيئًا يشبه الأمان؛ شيئًا صغيرًا لا يكتمل خوفها إلا بوجوده. كان اسمها نيشتمان، ولم تكن تعرف أن اسمها يعني الوطن، ولا كانت تعرف ما الوطن. كانت تعرف فقط أن أمها شيلان تناديها بهذا الاسم حين تضحك، وأن أباها جوتيار كان يرفعها إلى كتفيه كلما عاد من الحقل، فتضحك حتى تظهر أسنانها الصغيرة، ثم تضرب بيديها على رأسه وتطالبه بأن يرفعها أعلى، كأن السماء قريبة ويمكن لطفلة أن تبلغها إذا حملها أبوها بما يكفي. كان جوتيار فلاحًا تفوح منه رائحة التراب والبلوط والتبغ الكوردي. يعود مع الغروب، يضع مِسحاته قرب الجدار، يغسل يديه ووجهه، ثم يجلس إلى الخبز والشاي. فيما كانت نيشتمان تحب أن تجلس إلى جواره، وتراقب خطوط كفه الخشنة، وتضع أصابعها الصغيرة في الشقوق التي تركها العمل في الأرض، وتسأله أحيانًا لماذا صارت يداه تشبهان الأرض. أما شيلان، فكانت امرأة اعتاد التعب أن يسكن وجهها من دون أن يطفئ ابتسامتها. كانت يداها خشنتين من حلب الشياه وأعمال البيت، وجلب الماء، وطهي الطعام، لكنهما، حين تمسحان شعر نيشتمان، تصبحان في إحساس الطفلة أرقّ من ملمس الحرير. في صباح ذلك اليوم، كانت شيلان تخبز. جلست نيشتمان قرب الساج تراقب أمها وهي تفرد العجين بكفيها، ثم تضع الرغيف على سطحه الساخن وتقلبه بخفة حتى تتشكل على سطحه بقع ذهبية صغيرة، وتفوح رائحة خبز الرقاق المحمّص. كانت تتابع كل رغيف بعينين متلهفتين واللهاية في فمها، تمصّها ببطء، وكلما رفعت أمها واحدًا عن الساج، اقتربت منه قليلًا، كأنها تخشى أن يضيع نصيبها. مدّت يدها الصغيرة نحو رغيفٍ نزل للتو عن الساج، فضربت شيلان يدها بخفة وقالت: — اصبري... سيحرق فمك. سحبت نيشتمان يدها، ثم التفتت إلى أبيها الذي دخل لتوّه وقالت: — بابا، ماذا أحضرت لي؟ وضع جوتيار يده على صدره، وتظاهر بأنه يفكر. — لا شيء. ضيّقت عينيها وقالت: — كذاب. ضحك وقال: — وكيف عرفتِ؟ أجابت بثقة: — لأن جيبك كبير. ضحكت شيلان، فيما مدّ جوتيار يده إلى جيبه وأخرج حبة جوز صغيرة ووضعها في يد ابنته. قبضت نيشتمان عليها بكلتا يديها كأنها عثرت على كنز، وسقطت اللهاية من فمها. نظر إليها وقال: — هذه لكِ، لكن لا تأكليها الآن. سألته: — لماذا؟ قال: — حتى أعود من الحقل وأعرف إن كنتِ استطعتِ أن تقاوميها. ضحكت، ومدّت يدها فوراً إلى أمها تُريها الكنز الذي أحضره أبوها، ثم أخفت حبة الجوز في جيب ثوبها وحثت عليها بكفها من الخارج كي لا تضيع. تبادلت شيلان وجوتيار النظر؛ كانت ضحكتهما تملأ المكان دفئاً، وضحكة الطفلة العذبة تتردد بينهما لتضفي على الصباح حيوية ومرحاً. في الليلة التي سبقت ذلك الصباح، كان جوتيار قد سمع الشاحنات. كانت الأصوات تأتي من خلف الجبل ثم تخفت، قبل أن تعود أكثر وضوحًا. لم تكن القرية تحتاج إلى من يخبرها بما تعنيه تلك الأصوات؛ فقد سبقتها أخبار القرى الأخرى، وانتقلت الحكايات من بيت إلى بيت، ومن رجل إلى آخر، عن عائلات اقتيدت من منازلها، وعن رجال ونساء نُقلوا إلى أماكن لا يعرفها أحد، وعن قرى أُفرغت من أهلها ثم مُحيت آثارها. جلس جوتيار خارج البيت يحدق في الظلام. خرجت شيلان وجلست إلى جواره، وقالت بصوت منخفض: — سمعت أنهم أخذوا أهل القرية التي وراء الوادي. لم يجب. فقالت: — جوتيار؟ ظل صامتًا. — ماذا سنفعل إذا جاءوا؟ نظر إليها وقال: — نأخذ نيشتمان ونصعد إلى الجبل. ظلت تحدق في الظلام لحظة، ثم قالت: — جوتيار... إذا جاءوا، لا تتركني وحدي مع نيشتمان. التفت إليها. — لن أترككما. مد يده وأمسك يدها. — مهما حدث، لن أترككما. ضغطت على يده، ثم عادت تنظر إلى الجبل. بقيت لحظة صامتة، ثم قامت ودخلت إلى البيت. بقي جوتيار وحده في الخارج، يصغي إلى أصوات الشاحنات البعيدة وهي تقترب ثم تخفت، ثم تعود من جديد. ظل جالسًا حتى طال الليل. وحين دخل أخيرًا، كانت شيلان قد نامت إلى جوار نيشتمان. كانت الطفلة نائمة واللهاية في فمها. أما هو، فلم يستطع أن يغمض عينيه. ظل يصغي إلى ذلك الصوت البعيد، ويتابع في الظلام المسافة التي تفصل القرية عنه، وكأنه ينتظر أن يرى الخطر قبل أن يصل. جاء الصباح، وجاءوا معه، حيث ظهرت الشاحنات العسكرية عند مدخل القرية، تسبقها سحابة كثيفة من الغبار، ثم توقفت تباعًا، ونزل منها رجال بملابس زيتونية يحملون الأسلحة والأوامر، وسرعان ما انتشروا بين البيوت، وراحوا يطرقون الأبواب بعنف. وحين لا يفتح أحد، كانوا يفتحونها بأنفسهم. خلال دقائق قليلة، خرج الناس مذعورين إلى الأزقة؛ نساء يحملن أطفالهن، ورجال يبحثون عن آبائهم وأبنائهم، وشيوخ يحاولون فهم ما يحدث. كان بعضهم قد أخذ بطانية على عجل، وبعضهم حمل كيسًا صغيرًا من الطعام، وامرأة خرجت وهي تضم دجاجة إلى صدرها، بينما لم يحمل آخرون شيئًا سوى أطفالهم. والجميع يسألون إلى أين يذهبون، لكن أحدًا لم يكن يملك جوابًا. خرج جوتيار من البيت، وشيلان خلفه تمسك بيد نيشتمان، والتقت عيناه بعيني زوجته، فعرفا معًا أن الليل الذي قضياه في الانتظار انتهى، وأن الدور قد وصل إليهما. حاول جوتيار أن يتلفت حوله، يبحث عن منفذ بين البيوت أو طريق يقودهم إلى سفح الجبل، لكنه وجد الجنود قد انتشروا عند مداخل القرية وفي الأزقة المؤدية إلى الخارج حتى لم يبق منفذ يمكن سلوكه من دون أن يراه أحد. شدّت شيلان يد نيشتمان، ثم ضمتها إليها عندما اقترب أحد الجنود، بينما أخذ الرجال يُدفعون نحو الشاحنات الواقفة عند طرف القرية. كانت الأوامر تتعالى من كل جانب، والناس يتدافعون وهم لا يعرفون إلى أين يُساقون. حاول رجل مسن أن يعود إلى بيته، فأمسك به أحد الجنود وأجبره على التوجه نحو الشاحنة. عندها صرخت امرأة كانت تبحث عن طفلها بين الجموع: — إلى أين تأخذوننا؟ التفت إليها أحد الجنود وقال ببرود: — إلى مكان آمن. نظرت إلى سلاحه، ثم إلى الشاحنات المحيطة بالقرية، وقالت: — إذا كان مكانًا آمنًا، فلماذا تحملون السلاح؟ لم يجبها الجندي، بل دفعها إلى الأمام. كانت شيلان تمسك يد نيشتمان بقوة، وانحنت نحوها وقالت: — لا تبتعدي عني. هزت الطفلة رأسها، لكن الزحام كان أكبر من يد أم، وأقوى من قدرة طفلة على التشبث بها، ففي لحظة التدافع، سقط رغيف من يد شيلان، وانحنت نيشتمان لتلتقطه. ثوانٍ قليلة فقط. لكن حين رفعت رأسها، لم تجد أمها. رأت ظهورًا كثيرة، وأقدامًا تتحرك، وشاحنة بدأت تبتعد ببطء، وغبارًا يملأ المكان. صرخت: — أمي... لم يجبها أحد، فركضت خطوتين ثم توقفت؛ فقد كان الغبار قد ابتلع أمها وأباها وكل الذين تعرفهم، فيما بقي الرغيف في يديها، وبقيت اللهاية في فمها. لم تعرف نيشتمان إلى أين ذهب أبواها، ولم تعرف أين أخذوا أهل القرية، فالبيوت بقيت في أماكنها، والأبواب ما زالت مفتوحة، فيما بقي الساج في البيت، وعلى سطحه بقايا عجين يابس اسودّ من النار. كان كل شيء يوحي بأن أهله سيعودون بعد قليل. لكن أحدًا لم يعد. وفي أحد الأزقة، ظل حمار مربوطًا إلى وتد ينتظر صاحبه، فيما جلست نيشتمان على عتبة البيت، والرغيف في حجرها، واللهاية في فمها، وراحت تنظر إلى الطريق. كانت تعرف أن أمها ستعود، ولم يكن في عالمها تفسير آخر. في ذلك اليوم حاولت أن تأكل، ثم تذكرت كلام أمها: »لا تأكليها كلها الآن.« فكسرت منه قطعة صغيرة ومضغتها ببطء، ثم أعادت الباقي إلى حجرها، بينما عادت اللهاية إلى فمها. كانت جائعة، لكنها لم تعرف كيف تقول إن الجوع صار أكبر من اللهاية، فكلما اشتد الجوع، مصّتها أكثر وانتظرت. وكلما سمعت صوتًا رفعت رأسها، وكلما ظهر شخص عند نهاية الطريق ظنته أمها، ثم تكتشف أنه جندي، أو ظل، أو أحد الرجال الذين كانوا يمرون في القرية قبل أن يرحلوا. وفي اليوم التالي، كانت لا تزال تنتظر. لم تكن تعرف أن أبويها لن يعودا، ولم تكن تعرف أن الشاحنات التي أخذتهما لم تكن ذاهبة إلى المكان الآمن الذي تحدث عنه الجندي. أما الذين اقتيدوا من القرية، فلم يكونوا ذاهبين إلى مكان آمن، فقد كانت الشاحنات تمضي بهم إلى المعتقلات والسجون، حيث تُنتزع الأسماء من أصحابها وتتحول العائلات إلى أرقام وسجلات. وبعد ذلك، غابت أخبار كثير منهم، ودُفن عدد كبير من الضحايا في مقابر جماعية بعيدة عن قراهم، بينما بقيت عائلاتهم سنوات طويلة تبحث عن أثر لا يأتي، أو قبر لا يحمل اسمًا. لكن نيشتمان لم تكن تعرف شيئًا من ذلك. كانت تعرف فقط أن أمها قالت لها ألا تبتعد عنها، ولذلك ظلت تنتظرها. ومع حلول اليوم التالي، بدأ الجوع يمحو من رأسها ترتيب الساعات، لكنه لم يستطع أن يمحو انتظارها. في الجهة الأخرى حيث القوة العسكرية، كان ثمة جندي يرقب المشهد بصمت. لم تحمل عيناه ذلك الجمود الذي ألفه الآخرون في وجوه بعض الضباط. كلما انكسر باب بيتٍ بالقوة، أو تعالت صرخة امرأة، أو تشبث طفلٌ مرعوب بأذيال ثوب أمه، كان يخفض عينيه ويتظاهر بالانشغال، كأنه لم يرَ شيئاً. كانت تفصله عن دياره مسافاتٌ بعيدة، حيث تنظره زوجة وطفلان يركضان كلما سمعا وطأة قدمين عند الباب علّه يكون هو، فكانت ضحكات صغاره ما تزال ترنّ في أذنيه وتقطع صمت غربته. وقبل أن يغادر بيته بأيام، كان ابنه الصغير قد سأله: — أبي، متى تعود؟ أجابه يومها: — قريبًا. ثم وضع يده على رأسه. لم يكن يعرف أن كلمة «قريبًا» ستظل عالقة في ذاكرة الطفل، فحين جاء الأمر بالتحرك إلى كوردستان، لم يكن أمامه خيار؛ كان جنديًا، والجندي في تلك المؤسسة لا يسأل إلى أين، ولا لماذا، ولا ماذا سيحدث لمن يقفون أمامه. وفي تلك القرية، كان يحاول أن يفعل أقل ما يستطيع، وأن يرى أقل ما يستطيع، وأن يمر من بين البيوت من دون أن يلتقي كثيرًا بعيون أهلها. لكن العيون كانت تلاحقه. أما الضابط الذي يقود المجموعة، فلم يكن أحد يعرف من أين جاء، حتى هو لم يكن يعرف، فقد عُثر عليه، بحسب القصة الوحيدة التي بقيت في ملفه، رضيعًا عند الفجر أمام باب دار حكومية للأيتام. كان ملفوفًا بقطعة قماش رقيقة، ولم تكن معه ورقة تحمل اسمًا، ولا علامة تدل على أبيه أو أمه. لم يجد الحارس الذي فتح الباب في ذلك الصباح أحدًا في الزقاق، وإنما وجد الطفل وحده يبكي أمام العتبة، فأدخله إلى الدار. وفي السجل الرسمي كُتب أن الأب مجهول، والأم مجهولة، والاسم لا يوجد؛ ثم أعطاه الموظف رقمًا. كبر الرقم في الميتم قبل أن يكبر صاحبه. لم يعرف أمه، ولم يعرف أباه، ولم يكن يعرف حتى إن كان له اسم حقيقي نادته به امرأة ذات يوم. وكل ما سمعه عن أصله جاءه من ألسنة المشرفين والحراس. في إحدى المرات، قال له رجل ساخرًا إن المرأة التي ولدته ربما لم تكن سوى واحدة من «بنات الليل«. لم يعرف إن كان ذلك صحيحًا، ولم يعرف حتى ماذا تعني العبارة تمامًا في طفولته، فكبر وهو يحمل ذلك العار. لكنه فهم شيئًا واحدًا: أن المرأة التي ولدته كانت شيئًا ينبغي أن يخجل منه. وحين كان في السابعة، رأى طفلًا من جناح آخر تركض إليه أمه عند باب الدار. وقف بعيدًا يراقبها وهي تمسح شعره وتضمه إليها، وظل ينظر حتى اختفيا. في تلك الليلة سأل المشرف: — أين أمي؟ نظر إليه الرجل طويلًا، ثم قال: — لا تسأل عن أشياء لا تخصك. ومنذ ذلك اليوم لم يسأل، وتعلّم أن يخفض عينيه، وأن يطيع، وأن ينفذ الأمر قبل أن يفكر فيه. وزرعوا في رأسه أن الضعف عار، وأن الرحمة ضعف، وأن السؤال تمرد، وأن الطاعة هي الطريق الوحيد للنجاة. أطعموه الخبز اليابس، وعلموه أن الرجل العظيم لا يخطئ، وأن الوطن يبدأ وينتهي عند صورة معلقة على الجدار. وعندما كبر، وجدوا فيه الصفات التي كانوا يبحثون عنها: رجلًا لا يسأل، لا يعترض، ولا يسمح لذاكرته أن تقف في طريق الأمر. وحين أرسلوه إلى كوردستان، قال له الضابط الأعلى: — لا تتردد. هز رأسه. فقد كان يعرف أن التردد أخطر من الرصاصة. في اليوم التالي، وصلت الجرافات إلى القرية. بدأت البيوت تتحول إلى أهداف في عيون الرجال الذين جاءوا لمحوها. تقدمت الجرافات بين الأزقة، وراحت أسنانها الحديدية تقتلع الجدران واحدًا بعد آخر، بينما كان جنود آخرون يرشون الوقود على بيوت أخرى، وتتحرك مجموعة ثالثة بين الأزقة لتجهيز بيوت أخرى للهدم والتفجير. كان الجندي صاحب الطفلين يقف قرب إحدى الجرافات، وكلما انهار جدار، شعر أن شيئًا ينهار داخله أيضًا، لكنه لم يكن يملك إلا أن يصمت. قال له الضابط: — تحرك. انصاع ودخل أحد البيوت، ثم خرج بعد لحظات وقال: — لا أحد هنا. أجابه الضابط: — إذن ساووه بالأرض. وأومأ لسائق الجرافة كي يتقدم. واصل الجندي تقدمه بين الأزقة، فوجد ساجًا باردًا، وعلى سطحه دائرة من عجينٍ محترق، فتوقف للحظة. ثم رأى في حجرةٍ مجاورة سريرًا صغيرًا بلا طفل، وفي زاوية الممر لعبةً خشبية مكسورة. انحنى وأمسك بها؛ كان بوسعه أن يتخيل يد طفلٍ تُطوّقها. تأملها برهة، ثم أعادها إلى مكانها ومضى. دوّى خلفه صوت الجرافة وهي تجرف جداراً، ثم تلته فرقعة انفجارٍ في الجهة المقابلة من القرية. رفع رأسه؛ كانت سحابة الغبار تتعالى فوق البيوت، وفجأة سمع صوتًا ضعيفًا... صوت طفل. التفت، فإذا بنيشتمان جاثية قرب حائطٍ منخفض، وحدها. اقترب منها، فرفعت رأسها ولم تهرب؛ ربما لأنها لم تعد تملك القوة على الهرب، وكانت اللهاية ما تزال في فمها. سألها: — أين أبوك؟ نظرت إليه ولم تجب. ثم تابع: — وأمك؟ قالت بعد صمت: — راحت تجلب الخبز. ظل ينظر إليها. — ومتى ترجع؟ رفعت عينيها إليه وقالت: — عندما يبرد الخبز. شعر بشيء يضغط على صدره، فجلس على ركبته أمامها، ثم أخرج من جيبه قطعة خبز كان قد احتفظ بها من حصته، ومدها إليها. لم تمد يدها فورًا. نظرت إلى الخبز، ثم إلى وجهه، وكأنها تحاول أن تتأكد من أنه لن يأخذ منها شيئًا في المقابل. قال لها: — خذي. أخذته بكلتا يديها، وشمته، ثم ضمته إلى صدرها. قال: — كلي. هزت رأسها وقالت: — ماما ترجع. سألها: — ماذا؟ قالت وهي تنظر إلى الطريق: — إذا برد الخبز... ترجع ماما. لم يجد الرجل ما يقوله؛ إذ سكنه خوفٌ مفاجئ، وتخيل أحد طفليه هناك في دياره البعيدة ينتظر على العتبة بالطريقة نفسها. نظر إلى نيشتمان، ثم إلى الجرافة التي كانت تستعد لهدم البيت، وقال بصوت منخفض: — لا تخافي. لكن صوته كان يرتجف. ثم جاءه صوت الضابط من خلفه: — ماذا تفعل؟ نهض الجندي بسرعة وقال: — وجدت طفلة، سيدي. نظر الضابط إلى نيشتمان وقال: — أحضرها واتبعني قال الجندي: — إنها وحدها... ومذعورة يا سيدي. — قلت أحضرها واتبعني. نظر الجندي إلى الطفلة، ثم إلى الضابط وقال: — سيدي... إنها طفلة. التفت الضابط إليه ببرود وقال: — وهل جئت إلى هنا لتعلّمني الفرق بين الطفل والعدو؟ لم يجب الجندي. اقترب من نيشتمان وحاول أن يأخذها بعيدًا عن البيت، لكن الضابط قال: — اتركها. توقف. — سيدي؟ — قلت اتركها. ظل الجندي مكانه لحظة، ثم اضطر إلى التراجع. كانت نيشتمان تنظر إلى الرجلين ولا تفهم ما يحدث. أسرع الضابط نحوها، وسحبها بعنف فجرجرها خلفه. سقطت قطعة الخبز من يدها، وسقطت اللهاية من فمها، حاولت أن تمد يدها لترفعها عن الأرض فلم تستطع، فيما تبعهما الجندي بذعر. وصل الضابط إلى حقل قريب، فرأت نيشتمان مسحاة ملقاة على الأرض، فعرفتها على الفور؛ إنها مسحاة أبيها. توقف الضابط وجثا أمامها ورفع مسدسه، ثم أنزل الفوهة السوداء الباردة حتى صارت قريبة من وجهها. في تلك اللحظة، لم ترَ نيشتمان بدلة زيتونية ولا وجهًا خاليًا من الرحمة؛ بدا المشهد لعينين أثقلهما الجوع والخوف غريبًا ومبهماً. لم تكن تعرف ما الذي يحمله الرجل، ولا لماذا يرفعه نحوها. فاقتربت منه ببراءة طفل لم يعد يعرف الفرق بين ما يخيفه وما ينتظره. مدّت فمها إلى الفوهة، وبدأت تمصّها، ثم أغمضت عينيها. وبقي الجندي يراقبها ، كان يرى طفلة جائعة لا تعرف ما الذي أمامها، ولم يحتمل المشهد، فصرخ: — سيدي! إنها تظنها اللهاية... إنها جائعة! التفت الضابط إليه، ثم صوب سلاحه نحوه. لم يتردد، أطلق النار، فسقط الجندي. ساد الصمت للحظة، ثم عاد صوت الجرافات، وعاد صوت النار، وعاد الغبار. عاد الضابط بعينيه إلى نيشتمان. كانت الطفلة لا تزال واقفة أمامه، لا تفهم ما حدث. لم يكن في وجه الضابط ارتباك أو تردد. لكن شيئًا قديمًا بدأ يتحرك خلف عينيه. جاء صوت من بعيد: أمر قصير حازم. رفع الضابط رأسه، ثم نظر إلى الطفلة. عاد الرقم الذي زرعوه فيه إلى مكانه، وعاد الثوب الزيتوني، وعاد الرجل الذي صنعوه منه. أغمض عينيه لحظة؛ رأى في طفولته باب دار الأيتام، ورأى نفسه رضيعًا ملفوفًا بقطعة قماش رقيقة. رأى العتبة والفجر والطفل الذي بكى ولم يأتِ أحد. ثم رأى صورة أخرى بعيدة، لا يعرف إن كانت حقيقية أم اخترعتها ذاكرته كي تعطيه أمًا لم يعرفها: امرأة تنحني فوقه، ويد تمسح رأسه، وصوت لا يستطيع أن يتذكر كلماته. ثم فتح عينيه. كانت نيشتمان لا تزال أمامه، لكن وجهه بقي جامدًا، وظل سلاحه في يده، وخلفه كان الجندي ملقى على الأرض، فيما كانت الجرافات تواصل عملها، تهدم بيتًا بعد بيت، والنار تأكل ما تبقى من أبواب ونوافذ وذكريات، والشاحنات تمضي جنوبًا حاملة رجالًا ونساءً وأطفالًا اقتُلعوا من بيوتهم. بعد رحيل الجنود، بقي البيت مفتوحًا، وبقي الساج في مكانه، وعلى سطحه بقايا عجين سوداء. بقيت بعض الجدران واقفة كأنها تحاول أن تتذكر أصحابها، بينما تحولت بيوت أخرى إلى ركام. وبقي الحمار مربوطًا إلى وتده، وظل الغبار معلقًا في الطريق طويلًا، قبل أن تهدأ الريح. وعلى التراب، بقيت اللهاية.
#جليل_إبراهيم_المندلاوي (هاشتاغ)
Jalil_I._Mandelawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حذاء بمقاس الموت
-
نقطة صفر
-
كوردستان بين الكرخ والرصافة
-
طريقة ركوب الحمار
-
الذين انتصروا
-
حكاية مثل آلاف الحكايا
-
في زمنِ الحظيرة
-
يا صاحب الكرش الكبير
-
قيامة الأثر
-
خارج حدود النص
-
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستا
...
-
حينما أنهض من موتي
-
شاءَتْ
-
سِفْرُ الشَّتَاتِ
-
قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-
-
ما وراء الباب
-
ماتت ملك
-
مادورو.. وحنفية الحمّام
-
مقاعد فارغة وامتيازات مضمونة
-
إعلان بيع وطن
المزيد.....
-
ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية لأول مرة في الأردن
-
-طريق العودة-.. حكايات نزوح السوريين تصل إلى شاشة السينما
-
كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
-
المصري ويجز يثير الجدل بأغنية تتضمن كلمات من حديث نبوي
-
كيف وُلدت -مغامرات المهندس العجيبة- بالعربية؟
-
زهرة المنصوري: -ليته كان هراء!- تُسائل الذاكرة وزمن السيبة ف
...
-
لافروف وبدر عبد العاطي يزيحان الستار عن لوحة تذكارية تخليدا
...
-
-مع تميم-.. التراث والثقافة سبيل لخلاص الأمم من الأزمات الوج
...
-
الحرب بعيون نساء يمنيات.. -المحطة- يفتتح مهرجان الدوحة السين
...
-
ملحن مصري شهير في قبضة الأمن ويعترف ببيع مخدرات خام لأصحابه
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|