أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جليل إبراهيم المندلاوي - جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟















المزيد.....

جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟


جليل إبراهيم المندلاوي
كاتب وصحفي

(Jalil I. Mandelawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 00:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يبدو أن حياد إقليم كوردستان في صراعات المنطقة قد أصاب البعض بـ "الحساسية المزمنة"، ففي الشرق الأوسط، لا يبدو الحياد خياراً مريحاً، بل تهمة جاهزة بدت أشبه بقانون غير مكتوب يقول: "إذا لم تكن معي في خندقي وتلطخ وجهك بالطين، فأنت حتماً تسكن في معسكر الموساد"، ضمن هذا المنطق الحاد، يجد إقليم كوردستان نفسه في موقع معقّد، إذ اختار أن ينأى بنفسه عن صراعات المحاور، وأن يتبنى سياسة توازن دقيقة، غير أن هذا الخيار، بدلاً من أن يوفر له الحماية، جعله هدفاً لهجمات متكررة، ليبدو وكأنه ارتكب "المعصية الكبرى" حين قرر أن يغسل يديه من "حفلات الزار" الإقليمية، ويمسك العصا من المنتصف، حيث تحول إلى هدف دائم لرسائل "بريدية" طائرة، لا تحمل طوابع، بل تحمل رؤوساً متفجرة.

تتكرر في خطاب الجهات التي تستهدف الإقليم رواية جاهزة وهي وجود "الموساد" في أربيل، حتى صارت تشبه قصص "الطنطل" في التراث الشعبي، تسمع به ولا تراه، كما إن الجميع يتحدث عن شكله المخيف، لكن لا أحد يملك صورة سيلفي معه، فهذه الرواية تؤدي وظيفة سياسية واضحة، فهي تمنح غطاءً شرعياً للهجمات أمام الجمهور، وتحوّل الضربات إلى ما يبدو كأنه "دفاع استباقي"، فيقوم المهاجمون بقصف مناطق مدنية أو منشآت غير عسكرية دون أدلة ملموسة تدعم المزاعم المعلنة، ويخرجون ببيانات عريضة عن تدمير "وكر للعصافير الاستخباراتية"، بينما الحقيقة هي أنهم يبحثون بين الأنقاض فلا يجدون حتى "نجمة داوود" على علبة كبريت، لتكون ذريعة لسحب الإقليم وإدخاله في المحرقة، كما لم يجدوا بين الأنقاض حتى "هوية تعريف" واحدة لموساد حي أو ميت.

المشكلة ليست في وجود "إسرائيليين" الذين لم يجدوا منهم حتى "فردة حذاء" واحدة بعد كل قصف، المشكلة تكمن في أن أربيل ترفض أن تكون "ساحة تصفية حسابات" بالنيابة عن الآخرين، وهذا الصمت العقلاني يستفز هواة الضجيج الصاروخي، ففي عرف هؤلاء، أن الابتعاد عن صراع المحاور هو "خيانة عظمى" تستوجب البارود، كما يبدو أن "الموساد" في عرف هؤلاء هو مجرد "شماعة" لشرعنة هواية القصف الليلي، لأن الاعتراف بأنك تقصف مدينة لأنها "ناجحة ونظيفة" هو اعتراف بالفشل الأخلاقي.

أما "حكاية القواعد"، فهي المفارقة الأبرز والتي تتجلى في العلاقة بين أربيل وبغداد، فبينما تستضيف الأراضي العراقية قوات دولية ضمن أطر رسمية وبموافقة الحكومة الاتحادية، تصبح بعض المواقع في إقليم كوردستان هدفاً لهجمات بحجة وجود تلك القوات.. هذا التناقض يعكس طبيعة المشهد العراقي المركب، حيث تتداخل قرارات الدولة مع حسابات فاعلين آخرين يمتلكون أدوات تأثير مستقلة، ما يجعل الإقليم ساحة أسهل لتبادل الرسائل.

النكتة التي ترفض أن تنتهي، أنهم يصرخون ضد "الاحتلال" في الفضائيات، ويرسلون مسيرة لقصف مطار أربيل حيث تتواجد قوات التحالف الدولي بـ "فيزا" رسمية ومباركة من بغداد، المفارقة هنا أن هذه القوات موجودة بموافقة الحكومة الاتحادية التي يشارك فيها "أصحاب المسيرات" أنفسهم ويجلسون على كراسيها في بغداد، لكن القصف في أربيل "حلال" والسكوت في بغداد "واجب وطني"، والهدف الحقيقي هو إحراج القيادة الكوردية لإجبارها على اختيار "معسكر" معين، وكسر بيضة الحياد التي ترفض أربيل التخلي عنها، أو أن تقليها في مقلاة المحاور.

ولأن العبث لا حدود له، لم يقف الأمر عند البعد السياسي، كما لم يتوقف الأمر عند البيوت والمنشآت، بل امتدت نيران "الجيران والفرقاء" لتستهدف قوات البيشمركة، التي تُعد إحدى ركائز الأمن في العراق، فهي القوة التي لولاها لكان "الدواعش" الآن يتجولون في أسواق عواصم كبرى، فهذا الاستهداف لا يمكن قراءته كحوادث معزولة، فهو ليس خطأً تقنياً في الإحداثيات، بل هو جزء من محاولة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة، ومحاولة صريحة لزعزعة الركيزة الأمنية التي تحمي استقرار الإقليم، ورسالة فجة وواضحة مفادها: "لا حصانة لأحد ما لم ينخرط في مشروعنا، ولا مكان لقوة مستقلة خارج الاصطفافات الكبرى، فإما أن تكون بيدقاً في رقعتنا، أو أنك عدو تستحق الغدر"، إنهم يحاولون تحويل حماة الأرض إلى وقود في صراعاتهم الجانبية، وحين يرفض المقاتل الكوردي أن يكون "مجرد رقم" في حساباتهم، تأتيه المسيرة الغادرة لتخبره أن ضريبة "الحكمة" قد تكون الموت.

تزداد دلالة هذه الهجمات وضوحاً عند النظر إلى توقيتها، فالمثير للريبة أن هذه الهجمات تزداد "حماساً" كلما بدأ الدخان الأبيض يتصاعد من طاولات الحوار بين أربيل وبغداد، وكأن الصواريخ تتحول إلى أداة تعطيل، لا تستهدف موقعاً بعينه بقدر ما تستهدف مساراً سياسياً كاملاً، في محاولة لإبقاء التوازنات الهشة على حالها ومنع تشكّل تفاهمات مستقرة، والصواريخ هنا ليست سلاحاً عسكرياً، بل هي "ممحاة سياسية" تحاول مسح أي اتفاق سياسي يعيد المياه لمجاريها، ووسيلة ضغط لتقويض نموذج الإعمار الذي يمثل "إهانة بصرية" صريحة لمن فشلوا في بناء رصيف واحد أو تبليط شارع يتيم في مناطق نفوذهم رغم الميزانيات الانفجارية التي تبخرت في جيوب "المقاومين" للنزاهة.

الحقيقة المرة هي أن الجريمة الكبرى التي لا تغفرها الصواريخ لإقليم كوردستان ليست "الموساد" القابع في خيالهم، ولا "القواعد" التي تعيش في الأوراق الرسمية لبغداد، بل هي جريمة "الرفاهية المستفزة"، أو ما يمكن أن نطلق عليه تسمية "النموذج المختلف"، فبينما يغرق الآخرون في وحل الأزمات المفتعلة، يصر الإقليم رغم تحدياته على أن يكون لديه شوارع نظيفة وكهرباء لا تنقطع إلا بقرار "مسيرة" طائشة، وهذا التباين قد يتحول بحد ذاته إلى مصدر توتر، إذ يخلق مقارنة غير مريحة، ويُفسَّر أحياناً كخروج عن "سياق الفوضى" الذي يراد تعميمه، فإقليم كوردستان يُعاقب لأن لديه طموح غير مسموح به في غابة "المحاور"، المطلوب ببساطة هو أن يتخلى عن وعيه، ويتوقف عن البناء والإعمار، وينخرط في حروب الوكالة بالنيابة عن "القوى الكبرى" في المنطقة، لكن يبدو أن الرد الكوردي لا يزال ثابتاً: "سنبقى محايدين، وسنبني ما تهدمونه، حتى لو تحولت سماؤنا إلى شاشة عرض لمسيراتكم العبثية، فالفرق بيننا وبينكم، هو الفرق بين من يبني رصيفاً ومن يحفر خندقاً".


وإجمالاً، لا يمكن اختزال استهداف إقليم كوردستان في سبب تقني أو ذريعة أمنية واهية، إنه نتاج تداخل معقد بين جنون العظمة الإقليمي وحسابات الفشل الداخلي، ورسائل ردع متبادلة، غير أن الثابت في هذه المعادلة هو أن خيار "الحياد في بيئة مستقطبة"، لا يُنظر إليه كمساحة حكمة، بل كفراغ يجب ملؤه أو كسرُه، وبين محاولات الضغط هذه، يبقى التحدي الأكبر أمام الإقليم هو الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، والاستمرار في بناء النموذج المستقر، دون الانجرار إلى صراعات قد تقوض الأسس التي قام عليها هذا الاستقرار.



#جليل_إبراهيم_المندلاوي (هاشتاغ)       Jalil_I._Mandelawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينما أنهض من موتي
- شاءَتْ
- سِفْرُ الشَّتَاتِ
- قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-
- ما وراء الباب
- ماتت ملك
- مادورو.. وحنفية الحمّام
- مقاعد فارغة وامتيازات مضمونة
- إعلان بيع وطن
- رباعيات.. بلا عنوان
- بقايا اعتذار
- ما بعد الحادية عشرة ليلا
- في قبضة الجلاد
- صمت المواقيت
- فوضى ما قبل التنقيح.. العراق بين الكوميديا والمأساة السياسية
- نبوءة (ثلاثية التجلي)
- ممزّق .. كهذا الوطن
- كوتا الهوية المفقودة وتمدد الوهم القومي
- من يمثل من؟.. نائب يجرّب السلطة على الشعب بدل أن يمارسها لأج ...
- في حضرة الألم


المزيد.....




- حسام زملط لـCNN عن العنف بالضفة الغربية: حملة إرهاب منظمة تر ...
- إيران تقرّ بـ-تبادل رسائل- مع أمريكا عبر -دول صديقة-.. ماذا ...
- كوريا الشمالية تستقبل لوكاشينكو بمراسم رسمية في بيونغ يانغ
- ترامب يتوعّد بـ-فتح أبواب الجحيم- على إيران في حال عدم التوص ...
- حرب إيران تنذر بشبح أزمة صناعية قد تكون -الأسوأ- في التاريخ ...
- نيران الحرب تلتهم الخليج: العراق يقاتل نفسه؟
- السلطات الإسرائيلية تنفذ قرارات إخلاء بحق 11 عائلة فلسطينية ...
- وسط تعدد الأجهزة.. من يدير العقل الاستخباراتي في إيران؟
- عراقجي: قواعد واشنطن في المرمى ولا مفاوضات تحت النار
- البيت الأبيض: ترمب يزور الصين منتصف مايو


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جليل إبراهيم المندلاوي - جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟