أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جليل إبراهيم المندلاوي - طريقة ركوب الحمار














المزيد.....

طريقة ركوب الحمار


جليل إبراهيم المندلاوي
كاتب وصحفي

(Jalil I. Mandelawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:18
المحور: كتابات ساخرة
    


السياسة عندنا لم تعد تحتاج إلى برلمان، ولا إلى دستور، ولا حتى إلى عقل، يكفي أن يكون لديك ميكروفون، فالـميكروفون هنا أهم من الوثيقة، وأقوى من المحكمة، وأسرع من التحقيق. تستيقظ صباحًا وتفتح هاتفك، فتجد إقليم كوردستان متهمًا بكل شيء: بغلاء الطماطم، بانخفاض سعر الدولار، بغرق شارع في بغداد، أو بجفاف نهر لم يره أحد منذ عشرين عامًا. وقد يرى أحدهم زحامًا خانقًا في شوارع بغداد، فيخرج علينا ليؤكد أن أربيل وراءه، وأنها أرسلت السيارات ليلًا كي تحتل الشوارع منذ الفجر.
ولا أحد يسأل: "أين الدليل؟" فالدليل في هذه الأيام أصبح مثل الضيف الثقيل، يمكن الاستغناء عنه. يكفي أن تقول الجملة بصوت مرتفع، ثم تضع خلفها موسيقى حزينة، وتضيف صورة لشارع في أربيل... وانتهى الأمر! هكذا تُصنع الحقيقة الجديدة: ليس بالبحث، بل بالمونتاج.
ولأنني أخشى أن يتورط بعض السادة في مهنة ركوب الأخبار من دون دليل، رأيت أن أقدم لهم الدليل الإرشادي الرسمي لـ "طريقة ركوب الحمار":
تقف على يسار الحمار، تضع يدك اليمنى على ظهره، واليسرى تمسك بها برقبته، ثم تقفز بقوة فوق ظهره. وليتحرك الحمار، قل: "حا... حا"، ولإيقافه قل: "هووووش" مع شد اللجام، وعند النزول انتبه ألا يرفسك. نتمنى لكم ركوبًا هنيئًا ورحلة موفقة.
لكن المشكلة أن بعض الناس لم يكتفوا بركوب الحمار، بل اكتشفوا أن بالإمكان ركوب الخبر أيضًا، وهذه في الحقيقة مهارة أخرى! قف على يسار الخبر، ضع يدك اليمنى على ظهره، وأمسك عنقه بيدك اليسرى ثم اقفز... لا تقرأ، لا تحقق، لا تسأل، فقط اقفز... فإذا تحرك الخبر في الاتجاه الذي تريده قل: "حا... حا"، وإذا سألك أحدهم: "أين الوثيقة؟ أين الأرقام؟ أين المصدر؟ أين التحقيق؟" فلا تتعب نفسك بالإجابة، قل فقط: "هووووش" واشدد اللجام، فقد تفسد الأسئلة رحلة الحمار.
في بلادنا، أصبح لبعض الأخبار حوافر تأتيك راكضة من مكان مجهول، تحمل فوق ظهرها رواية جاهزة، ولا تعرف من أين جاءت ولا إلى أين ستذهب. المهم أن يكون هناك شخص مستعد للقفز فوق ظهرها، فإذا قيل له: "تمهّل"، قال: "لا وقت للتمهّل". قيل له: "تحقق"، قال: "أنا إعلامي". قيل له: "أين المصدر؟"، قال: "المصدر موجود في التفاصيل". وأين التفاصيل؟ في مكان ما بين الموسيقى والصورة والعنوان الأحمر. ثم ينطلق الحمار: حا... حا... حا...
المشكلة ليست أن إقليم كوردستان فوق النقد، فلا توجد حكومة ولا حزب ولا مسؤول ولا مدينة فوق النقد، وكل شيء قابل للسؤال. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد وبين تحويل كوردستان إلى شماعة يومية تعلق عليها كل خيبات البلاد. النقد يقول: هذه المشكلة، وهذه أرقامها، وهذه مسؤوليتها، وهذه الأدلة. أما الهجوم الإعلامي فيقول: "كوردستان" ثم يغلق الملف، وكأن كلمة "كوردستان" أصبحت تفسيرًا علميًا مكتمل الأركان. ارتفاع الدولار؟ كوردستان. انقطاع الكهرباء؟ كوردستان. غرق شارع؟ كوردستان. لم تمطر؟ انتظر قليلًا... ربما كوردستان مسؤولة عن الطقس أيضًا.
وقد يأتي يوم نسمع فيه مذيعًا يقول: "مصادرنا الخاصة تؤكد أن أربيل تدخلت في ارتفاع أسعار البيض، وأن الدجاجة التي كانت تستعد لخفض إنتاجها تلقت توجيهات برفع عدد البيضات يوميًا".
وسينقسم الناس بعدها إلى فريقين: فريق يصدق، وفريق يطالب بتشكيل لجنة للتحقيق مع الدجاجة. وهكذا تصبح أربيل في مخيلة بعض أصحاب الميكروفونات ليست مدينة، بل غرفة عمليات وجهاز تحكم للعراق كله، اضغط "كوردستان" تظهر الأزمة، اضغط مرة ثانية تظهر المؤامرة، اضغط للمرة الثالثة فتظهر الحقيقة نفسها وهي تحاول الهرب من الشاشة.
لكن الحقيقة، ولحسن الحظ، ليست جهاز تلفزيون، ولا يمكن تغيير قناتها بجهاز تحكم، قد تتأخر، قد تضيع وسط الضجيج، قد يركب فوقها عشرة حمير من الأخبار، لكنها في النهاية تبقى حقيقة. ليس المطلوب من كوردستان أن تكون بلا أخطاء، فالكمال اختراع إعلامي آخر، ولا توجد حكومة ولا مدينة ولا حزب ولا صحفي معصوم من الخطأ.
لكن عندما يتحول الخطأ إلى ذريعة لصناعة اتهام دائم، وعندما يصبح اسم منطقة كاملة جوابًا جاهزًا عن كل سؤال، فإننا لا نكون أمام صحافة... نكون أمام شيء آخر يشبه ركوب الحمار.
الصحافة الحقيقية لا تبدأ بالميكروفون بل تبدأ بالسؤال، ولا تنتهي بالصراخ بل تنتهي بالدليل. الصحفي يسأل: ماذا حدث؟ من المسؤول؟ أين الوثيقة؟ ما الأرقام؟ من يقول ذلك؟ وما رأي الطرف الآخر؟ أما الذي يعرف الإجابة قبل أن يبحث عن السؤال، فهو لا يحقق في الخبر، بل يبحث عن خبر يخدم الإجابة التي قررها مسبقًا... وهنا تبدأ رحلة الحمار.
لذلك، أيها السادة، إذا أردتم ركوب الأخبار فتعلموا أولًا كيف تركبون الحمار: قفوا إلى جانبه لا فوق الحقيقة، وضعوا أيديكم على الوثائق لا على رقاب الناس، ثم تأكدوا من اللجام، فإن كان الخبر بلا دليل فلا تركبوه، وإن كان الاتهام بلا مصدر فاتركوه في مكانه، وإن كانت الصورة قديمة فلا تجعلوها شاهدًا على حادثة جديدة، وإن كان الخطأ فرديًا فلا تحولوه إلى تهمة لشعب كامل.
وإذا قال لكم أحدهم: "لكننا نريد عنوانًا مثيرًا"، قولوا له: العنوان المثير لا يجعل الكذبة حقيقة. وإذا قال: "لكن الناس تريد أن تسمع هذا"، قولوا له: الناس تستحق أن تسمع الحقيقة حتى عندما لا تعجبها.
وفي النهاية، هناك قاعدة بسيطة: كوردستان ليست حمارًا كي يركبها أحد. كوردستان مكان، وأهلها بشر، وحكومتها قابلة للنقد، وسياسيوها قابلون للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للنقاش، لكنها ليست وسيلة نقل لكل من يريد الوصول إلى الشهرة بأقصر طريق. فمن يريد أن ينتقدها فليحمل وثيقته، ومن يريد أن يتهمها فليحمل دليله، ومن يريد أن يحقق معها فليفتح ملفه. أما أن يضع صورة لأربيل ويقول: «كوردستان فعلت!» ثم يشد اللجام وينطلق... فهذا ليس تحقيقًا ولا تحليلًا ولا صحافة، هذا فقط... طريقة ركوب الحمار. وعند النزول، لا تنسوا أن تلتفتوا خلفكم، فربما يكون الخبر قد رفسكم هذه المرة، والحمار —كما تعلمون— لا يتحمل مسؤولية راكبه.



#جليل_إبراهيم_المندلاوي (هاشتاغ)       Jalil_I._Mandelawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذين انتصروا
- حكاية مثل آلاف الحكايا
- في زمنِ الحظيرة
- يا صاحب الكرش الكبير
- قيامة الأثر
- خارج حدود النص
- جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستا ...
- حينما أنهض من موتي
- شاءَتْ
- سِفْرُ الشَّتَاتِ
- قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-
- ما وراء الباب
- ماتت ملك
- مادورو.. وحنفية الحمّام
- مقاعد فارغة وامتيازات مضمونة
- إعلان بيع وطن
- رباعيات.. بلا عنوان
- بقايا اعتذار
- ما بعد الحادية عشرة ليلا
- في قبضة الجلاد


المزيد.....




- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
- اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا ...
- هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
- أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد ...
- في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا ...
- من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا ...
- مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
- 27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
- سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
- افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - جليل إبراهيم المندلاوي - طريقة ركوب الحمار