|
|
من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨🍳: مَن يكتب قائمة الفلاسفة؟ ..
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 15:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ قد يكون هناك أشخاص في قيمة الفلاسفة الفكرية ، لكن لأسباب شخصية أو أخرى ، مثل الاكتئاب الأكاديمي ، لم يحظوا بموقع داخل اللوحة الفنية المعلقة في «مدرسة أثينا»، وهي من أشهر أعمال رسام عصر النهضة رافائيل سانزيو، الرسام والمهندس المعماري ، رسمها تقريبًا بين عامي 1509 و1511 في الفاتيكان ، وجمع فيها كبار فلاسفة العالم اليوناني القديم ومفكريه ، مثل أفلاطون وأرسطو : فالأول يشير إلى الأعلى ، في إشارة إلى عالم المُثُل ، بينما يمد أرسطو يده أفقيًا نحو العالم المحسوس ، في تلخيص بصري رائع للاختلاف بين اتجاهيهما الفلسفيين ، كما تضم اللوحة فيثاغورس وإقليدس وبطليموس وديوجين وغيرهم ، لكن اللوحة ليست مجرد جدارية عن الفكر ؛ إنها أيضًا قائمة ضيوف ، قائمة تحدد من يستحق أن يُرى ، ومن يُترك خارج الإطار ، ووجود ابن رشد فيها ، الرجل ذو العمامة البيضاء في الجهة اليسرى قرب مجموعة فيثاغورس ، ليس تفصيلًا هامشيًا ، فهو اعتراف غربي بأنه أحد كبار المفكرين الذين قدّموا شرحًا تاريخيًا لأرسطو ، حيث انتقلت شروحاته إلى أوروبا اللاتينية وأثرت بقوة في الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى ، والأهم من ذلك أن وجوده يذكّر بأن الفلسفة اليونانية انتقلت إلى أوروبا عبر الترجمة والتفسير والتطوير في الحضارة الإسلامية .
وفي مسرحية «الخادمات» (Les Bonnes) للكاتب الفرنسي جان جينيه ، تنتحر كلير بعد شربها الشاي المسموم متقمصة شخصية سيدتها ، تخلصًا من العبودية ، يا للسخرية : الحرية عبر فنجان شاي ، والثورة عبر قناع السيدة ! كأن العبيد لا يهزمون السيد إلا إذا ماتوا في زيّه : وإذا كانت «مدرسة أثينا» تسأل : من يدخل التاريخ؟ فإن خادمة تشيخوف تسأل : من يقرأ الوعي من المطبخ ؟ وخادمات جينيه يسألن : ماذا يحدث عندما تتقمص العبودية قناع السيد؟ بين هذه الأسئلة تتشكل سياسة الاعتراف : من يُرى ، ومن يُخدم ، ومن يموت ، وجود ابن رشد في لوحة رافائيل ليس مجرد تكريم فردي ، بل هو اعتراف مشروط بالدور الحضاري للترجمة والتفسير ، فقد انتقلت الفلسفة اليونانية إلى أوروبا عبر وسائط عربية وإسلامية ، وكان ابن رشد واحدًا من أهم من أعادوا قراءة أرسطو وشرحه ، لكن هذا الاعتراف لا يعني العدالة التاريخية ، فابن رشد حاضر في اللوحة ، لكنه حاضر بوصفه استثناءً في قائمة كتبها المركز الأوروبي ، ومن هنا يبدأ السؤال السياسي : من يملك حق كتابة القائمة؟ ومن يُدرج فيها؟ ومن يُحذف منها؟ ، المفارقة أن اللوحة التىّ جمعت فلاسفة اليونان لم تجمع الخادمات ، ولا الكتبة ، ولا المترجمين ، ولا أولئك الذين حملوا الفكر في الظل ، وكأن التاريخ لا يعترف إلا بمن وقف في مركز الصورة ، لا بمن صنع شروط الصورة ، وهنا تصبح «مدرسة أثينا» ليست فقط رمزًا للفلسفة ، بل رمزًا لسلطة الاعتراف الثقافي ، ومنذ ذلك اليوم ، صارت الصورة وثيقة الارتباط بالرمزية السياسية ، بحيث أصبح نفوذها على المتلقي مرهونًا بمقدار هذه الرمزية.
أيضاً ، في قصة تشيخوف «السكير» ، تظهر روبرت ، الخادمة التىّ تخدم رجلًا ثملًا ، سألتها ذات يوم : «ما الذي يبقيكِ في خدمة رجل ثمل طوال الليل؟ ألا تخشين عبثي عندما تأخذ الخمر بعقلي فأصبحت لست أنا؟!» ضحكت ثم قالت : «يا سيدي ، كل الذين حاولوا انتهاك جسدي لم يكونوا يشربون الخمر حينها ، إنني لم أر واحدًا منهم ثملًا ! كانوا يقرؤون ويكتبون ويسدون النصيحة ويقطرون حكمة ويرسمون الصليب طوال الوقت ، وحدك أنت لم تحاول » ، فقلت : «كيف؟! هل بإمكانك أن تصفين لي كيف أكون في ثمالتي وكيف تطمئنين إليّ؟» قالت روبرت : «عندما تأخذك الثمالة تبكي وتردد أشياء أكاد أدونها من فرط إحساسها » فسألتها : «هل تذكرين منها شيئًا ؟ أي شيء؟!» قالت : «نعم.. تُقسم لامرأة أنك لا تزال تحبها ولن تحب سواها » قلت : «وما الذي يطمئنك في هذا؟» قالت: «اللاشعور يا سيدي » فقلت مندهشًا : «ماذا تقصدين باللاشعور؟» قالت : «لقد قرأت أننا عندما نغيب عن الوعي تتحكم فينا قوى أعظم وأصدق لا تكذب أبدًا ، لأننا ببساطة نكون فاقدين السيطرة عليها ، كل شيء يفقد الإنسان السيطرة عليه لا يكذب » .
لقد أدركت الخادمة ما يعجز عن إدراكه كثيرٌ ممن يحملون درجاتٍ علميةً نالوها من جامعاتٍ مُعلَّبة ؛ إحاطةٌ لا تُمنح بالشهادات ، ولا تُكتسب من قاعات الجامعات ، بأن سيدها السكير بريء ولطيف وصاحب أخلاق رفيعة وصادق لحظة ثمالته ، وهو ما يضعه في مرتبة الفلاسفة الذين استطاعوا التمييز بين المنحط الذي يكون في كامل وعيه ويخطط للانقضاض عليها ، وآخر يسكر حتى ينعي حبه وحبيبته ، فالأخير ، لأنه يعيش في مجتمع فاسدًا أخلاقيًا وممتلئ بالوضاعة والتوحش ، يُصنَّف بالبريء الساذج ، وفي مثل هذا المجتمع لا يتوجب إظهار الطيبة ، لأنها ستُفهم خطأً ، ومن الحرص أن يتجنب السكير الوصول إلى مرحلة متقدمة من الثمالة حتى لا ينكشف ما يحمل من براءة وطيبة وأخلاق ، بل إن الصدق في هذه المجتمعات يُفهم على أنه عدم قدرة الصادق على امتلاك فن المراوغة ، ما دام يُصنَّف الذئب بالذكاء ، وصاحب الأخلاق بالأهبل ، وهنا تتحول الخادمة من مجرد شخصية ثانوية إلى فيلسوفة هامشية ، إنها لا تقرأ الكتب ، بل تقرأ الإنسان ، وهي تكشف أن الأخلاق قد تكون أصدق في لحظة اللاشعور منها في لحظة الوعي ، لكن المجتمع لا يمنح هذه المعرفة مكانًا في لوحة الفلاسفة ، لأنها معرفة قادمة من المطبخ ، لا من القاعة .
إذا كانت خادمة تشيخوف تكشف زيف السيد من موقع الخدمة ، فإن خادمات جان جينيه في مسرحية «الخادمات» يذهبن إلى النهاية المأساوية ، حين تغيب السيدة ، تخلو الخادمتان كلير وسولانج إلى طقس سادي رمزي ، تتقمصان فيه دور السيدة والخادمة ، إنه تمثيل للسلطة داخل غياب السيد : كأن العبودية لا تحتاج إلى سيد حاضر كي تستمر ، بل تكفي مسرحيته ، وفي نهاية اللعبة ، تشرب كلير الشاي المسموم متقمصة شخصية سيدتها ، فتنتحر بوصفها سيدة لا خادمة ، تخلصًا من العبودية ، لكن هذا التخلص مأساوي ومشكوك فيه : فهي لا تهدم مسرح السيد ، بل تكرره حتى النهاية ، فالحرية هنا ليست خروجًا من العلاقة ، بل موت داخل قناع السيد ، وهكذا يتحول القناع من وسيلة تمثيل إلى سجن أخير ، فالفرق بين خادمة تشيخوف وخادمات جينيه هو الفرق بين وعي هامشي يكشف زيف السيد ، ووعي مأساوي يموت داخل زيّه ، الأولى تقرأ اللاشعور فتكشف براءة السكير ؛ والثانية تتقمص السيدة فتموت في زيّها ، وفي الحالتين ، تبقى السلطة هي التىّ تحدد من يلبس القناع ، ومن يدفع الثمن .
لذا ، يصبح السؤال السياسي أكثر إلحاحًا : مَن يكتب قائمة الضيوف في «مدرسة أثينا»؟ ومن يقرر أن يظهر الفيلسوف في اللوحة ويختفي الخادم في المطبخ؟ ، ومن يمنح ابن رشد مكانًا في الفاتيكان ، بينما يترك خادمات جينيه يقتلن أنفسهن على خشبة المسرح؟ ، فإن الخادمة في قصة تشيخوف تكتشف اللاشعور ، وخادمات جينيه يكتشفن أن السلطة لا تُهزم بالتقليد ، والفرق بينهما هو الفرق بين وعيٍ هامشي يكشف زيف السيد ، ووعيٍ مأساوي يموت داخل زيه .
إن كان ابن رشد في اللوحة يذكّر بأن الفلسفة اليونانية مرت بالترجمة العربية ، فإن خادمات جينيه يذكّرن بأن الحضارة نفسها مرت بمطبخ الخدم ، وليس المطلوب أن نضيف وجوهًا جديدة إلى اللوحة فقط ، بل أن نعيد رسم اللوحة : من يحضر ، ومن يخدم ، ومن يُنسى ، ومن يُدفن تحت قناع السيد .
الحرية لا تُشترى بفنجان شاي مسموم ، ولا تُمنح بطفرة في لوحة ؛ إنها نقد للعلاقة ذاتها التىّ تصنع سيدًا وخادمًا ، وفيلسوفًا وخدمًا ، داخل مسرح واحد ، فالمسألة ليست من يستحق أن يُضاف إلى اللوحة ، بل من يملك حق رسم الإطار … والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴
...
-
الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا
...
-
من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال
...
-
السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
-
الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و
...
-
صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
-
من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
-
بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة
...
-
إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق
...
-
الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ
...
-
قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا
...
-
سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ
...
-
طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة
...
-
-الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية:
...
-
لا تنسوا حذائي ..
-
الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه
...
-
نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من
...
-
حين تسقط الأقنعة 😷…
-
من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد
...
-
العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
المزيد.....
-
أستراليا تؤكد تحويل أجزاء من مقاتلات F-35 الأمريكية إلى هونغ
...
-
علياء السالمي تكشف تفاصيل أزياء الفريق السعودي في الألعاب ال
...
-
شاهد.. كيف علّق ممداني على حظر ترامب لـCNN وPolitico وMS Now
...
-
روبيو يكشف موقف إدارة ترامب من لقاء الإيرانيين في نيويورك..
...
-
-ليسوا ميليشيا بل دولة-.. خطة إسرائيلية لسحق الحوثيين وتطبيق
...
-
دفن إسرائيلي قتل في إطلاق نار بالضفة الغربية
-
رغم ترك ليفربول.. محمد صلاح يتلقى عقوبة إنجليزية
-
برلمانية المؤتمر بالشيوخ: الهوية الوطنية المصرية ركيزة أساسي
...
-
النائب شعبان رأفت: التحرك المصري يعزز حضور القاهرة في مواجهة
...
-
منعٌ من دخول البيت الأبيض ودعوى قضائية.. مواجهة مفتوحة بين ت
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|