أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - فن الرحمة و القوة: جدلية سيادة الدولة و ارتقاء الفرد














المزيد.....

فن الرحمة و القوة: جدلية سيادة الدولة و ارتقاء الفرد


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


​بقلم: أحمدكانون
​لطالما تأملتُ في تلك المفارقة الأخلاقية التي تضعنا أمام التساؤل الأصعب: متى تتحول الرحمة إلى خطأ استراتيجي، ومتى تصبح القسوة ضرورة وجودية؟ حين نُخضع مفهوم "الرحمة" لمشرط التحليل بعيداً عن العواطف، نكتشف أنها في بعض المواقف ليست سوى قناع للضعف، أو مقدمة لانهيار حتمي، سواء على مستوى هيكل الدولة أو في أعماق النفس البشرية.
​إذا نظرنا من نافذة الواقعية السياسية كما صاغها مكيافيلي، نجد أن الدولة كيان حي يحتاج إلى مناعة صارمة. في فترات التأسيس العسيرة أو عند مواجهة خطر التمرد والخيانة، تصبح الرحمة المفرطة بمثابة استدعاء صريح للفوضى. الحاكم الذي يتردد في ممارسة "القسوة الجراحية" لاستئصال بؤر الخطر، خوفاً من تشوه صورته الأخلاقية، يرتكب جريمة في حق المجتمع بأسره. إن إعدام قلة متمردة بلا رحمة هو، في جوهره الديالكتيكي، أسمى درجات الرحمة بالأغلبية الصامتة؛ لأنه يحفظ هيبة القانون ويمنع انزلاق الدولة إلى حرب الكل ضد الكل. هنا، تنعدم الرحمة تجاه كل ما يهدد الاستقرار المؤسسي، لأن التسامح مع الخيانة هو بمثابة تفويض بإسقاط الكيان.
​وعلى النقيض الظاهري، وفي عمق متصل، يأخذنا فريدريك نيتشه إلى مساحة أكثر تجريداً وراديكالية؛ إلى الداخل الإنساني. حيث لا يتحدث عن بقاء الدولة، بل عن "ارتقاء الذات". بالنسبة لنيتشه، الشفقة مرضٌ مُعدٍ، ومستنقع يستنزف الطاقة الحيوية للإنسان. المواقف التي يجب أن تنعدم فيها الرحمة هنا هي تلك التي نواجه فيها ضعفنا الخاص، أو حين نصطدم بتلك المنظومات الأخلاقية التي تقدّس الاستكانة وتعرقل انطلاق "إرادة القوة". لا رحمة ولا شفقة في رحلة تجاوز الذات نحو "الإنسان الأعلى"؛ فالتطور يتطلب تدميراً ذاتياً وقاسياً للنسخ الهشة من ذواتنا. وحين نرحم شخصاً غارقاً في عدميته ونشاركه ألمه دون أن ندفعه للنهوض، فإننا لا ننقذه، بل نضاعف حجم المعاناة في العالم ونسمح لعدوى الانحطاط بالتسلل إلينا.
​وإذا كان مكيافيلي قد نظّر للقسوة العارية كضرورة استراتيجية، ونيتشه للقوة كإرادة فردية متجاوزة، فإن ميشيل فوكو يقتحم هذه الجدلية ليفكك الوجه الأكثر دهاءً للسلطة في العصر الحديث. يطرح فوكو تساؤلاً جوهرياً: ماذا لو أدركت الدولة أن القسوة الجراحية المباشرة والمكشوفة باتت مكلفة، وتستفز التمرد بدلاً من إخماده؟ هنا، يكشف لنا فوكو عن تحول مرعب في آليات سيادة الدولة. فالدولة الحديثة، تحت عباءة الديمقراطية، لم تتخلَّ عن العنف ولم تصبح أكثر "رحمة" بدافع أخلاقي، بل قامت بأقلمة العنف وتحويله إلى شكل غير مرئي. انتقلت السلطة من الاستعراض الدموي للقوة إلى ما يسميه "السلطة الانضباطية". ترتدي القسوة في النظم الحديثة زياً مؤسسياً ناعماً؛ حيث تتخلى الدولة عن المقصلة لصالح شبكة معقدة من المؤسسات "الإصلاحية" والبيروقراطية، لا لتمارس البطش الجسدي، بل لتنتج "أجساداً طيِّعة" تخضع للقانون طواعية. إن الرحمة التي تدعيها الدولة الديمقراطية الحديثة ليست سوى قناع لتقنية سيطرة متطورة؛ فالحاكم المعاصر لم يعد بحاجة لإعدام المتمردين، بل يكفيه تصنيفهم عبر خطابات الطب والقانون كـ "مختلين" أو "منحرفين"، ليعزلهم ويصادر فاعليتهم تحت لافتة إنسانية براقة تُسمى إعادة التأهيل. العنف هنا لم يختفِ، بل أصبح خفياً ومبرراً أخلاقياً.

​إن التأمل العميق في ديناميكيات السلطة يقودنا إلى نقطة الانصهار بين بطش مكيافيلي السياسي، وتجاوز نيتشه الوجودي، وانضباط فوكو المؤسسي. تتقاطع هذه الرؤى الثلاث في جوهر واحد: "مبدأ السيادة وإرادة القوة".
​القوة، سواء تجسدت في مؤسسات حاكمة، أو في إرادة فردية، أو في شبكات بيروقراطية معقدة، لا تعمل في فراغ، بل هي تدفق مستمر يتطلب الحماية من عوامل التآكل (الإنتروبيا). توحيد هذه المفاهيم يتجلى في إدراك أن "الرحمة في غير موضعها" هي تفريط في هذه السيادة. الدولة عند مكيافيلي لا ترحم ما يفكك نسيجها، والفرد عند نيتشه لا يرحم العادات التي تكبح تفوقه، والدولة الحديثة عند فوكو تمارس أقصى درجات الهيمنة وتسميها رحمةً وحقوقاً. جميعهم يواجهون صراعاً ضد "الفوضى": فوضى التمرد في الشارع، وفوضى الغرائز في النفس، وفوضى الخروج عن المعيار في المجتمع الديمقراطي.
​هذا التقاطع يفرز لنا فهماً جديداً للقوة؛ القوة ليست مجرد قدرة على البطش بالآخر، بل هي القدرة على تحمل عبء القسوة الضرورية للحفاظ على النظام والارتقاء، سواء كانت قسوة دموية، أو نفسية، أو مؤسسية ناعمة. الحاكم المستنير، والفرد المتجاوز لذاته، والأنظمة الحديثة، يدركون جميعاً أن بناء الهيكل القوي يتطلب التضحية بالراحة العاطفية اللحظية التي تمنحها الشفقة الساذجة، لصالح الغاية الأسمى.

​لا تُنكر هذه الرؤية قيمة الرحمة في ذاتها، ولكنها تعيد تعريف شرطها الأساسي: الرحمة الحقيقية الفعالة لا يمكن أن تنبع إلا من موقع الفائض، القوة، والسيادة المطلقة، أما الرحمة التي تنبع من الخوف، التردد، أو الهشاشة، فهي ليست سوى استسلام مقنّع يمهد الطريق للانهيار.. دولاً وأفراداً.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الشكل و الوظيفة في العمارة و الملابس:
- عقول صممت للغابة: نغامر بها في العصر الرقمي!:
- تأديب العقل!: سلطة العائلة والقبيلة وتاريخ وصم المخالف بالجن ...
- تأديب العقل: كيف تصنع السلطة الواقع و متى تصم المعارضين لها ...
- فقه اللحظة: قوة -الآن- بين تمرد أوشو وتأملات الفلاسفة؛
- ​رحيل السند: عن مرارة الفقد وحكمة البقاء:
- السلطة و ثالوث الفقر و الجهل و المرض:
- عندما يؤكل رأس الزوج
- الزوج والزوجة: رقصة الصراع الأبدي:
- تطور عكسي! : من الغابة إلى منصات إطلاق الصواريخ!:
- اللغة الأم: الإدراك و السيادة في العلم والأدب:
- السيادة الإبستمولوجية وتفكيك عقدة التبعية: الدرس المسكوت عنه ...
- تأملات في النميمة؟.
- بين المعرفة الادبية و العلمية: هل تحفظ اللغة ما تضيعه الكوار ...
- الوهم والواقع: الهندسة العكسية للقدر البشري عبر النبوءة ذاتي ...
- الفساد المُدار: الضرورة الهيكلية لاستقرار الهرم المجتمعي! :
- التمرد الخلوي: كيف يساعدنا فهم تطور السرطان في مواجهته؟ (الأ ...
- فلسفة التجرد: الجسد كساحة للتمرد على السياسة الحيوية:
- الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض:
- القُبلة: من الغريزة الشهوانية الى التعقيد الوجودي:


المزيد.....




- البنتاغون: الحرب مع إيران كلفت أمريكا 45.1 مليار دولار
- توجيه من الملك سلمان بإطلاق اسم أمير راحل على جامعة سعودية
- سوريا توقف 5 من كبار ضباط سلاح الجو في عهد الأسد.. ما التهم ...
- بعد استهداف خط أنابيب -شرق - غرب-.. -أرامكو- تعلّق شحنات نفط ...
- اليمن ـ نزوح عشرات الآلاف و-الأزمة الإنسانية تتفاقم ساعة بسا ...
- هانتر بايدن يتهم إسرائيل بتدبير -مؤامرة- والسماح لحماس بشن ه ...
- حسن بيكر: الشرق الأوسط -سيكون أكثر استقرارا- إذا امتلكت إيرا ...
- أول تعليق مصري على مقتل بحار بسبب قصف أوكراني
- باكستان لإيران.. يجب كبح هجمات الحوثيين ضد السعودية
- سيرغي سوبيانين يفتتح في موسكو أحد أكبر متاحف النقل في العالم ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - فن الرحمة و القوة: جدلية سيادة الدولة و ارتقاء الفرد