أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الكلور | الغاز الأصفر المخضر الذي عقم المياه وأشعل الحروب - من حمض الهيدروكلوريك إلى البلاستيك وثقب الأوزون















المزيد.....



الكلور | الغاز الأصفر المخضر الذي عقم المياه وأشعل الحروب - من حمض الهيدروكلوريك إلى البلاستيك وثقب الأوزون


حسين علي حياوي المؤذن
كاتب روائي باحث سياسي

(Hussein Ali Hayawi Al-mu’adhin)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 13:17
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


الكلور: الغاز الأصفر المخضر الذي عقم المياه وأشعل الحروب - من حمض الهيدروكلوريك إلى البلاستيك وثقب الأوزون

يأتي الكلور، الذي يحمل الرمز Cl والعدد الذري 17، سابع عشر العناصر في الجدول الدوري، وهو ثاني عناصر مجموعة الهالوجينات بعد الفلور، وأكثرها وفرة في القشرة الأرضية ومياه البحر. يقع الكلور في الدورة الثالثة تحت الفلور مباشرة، ويصنف كيميائياً ضمن اللافلزات شديدة التفاعلية. يتميز الكلور بكونه غازاً أصفر مخضراً في الظروف القياسية، ذا رائحة نفاذة خانقة تشبه رائحة المسبح، وهو غاز سام وثقيل، يبلغ كثافته 3.2 غرام لكل لتر عند STP، أي أثقل من الهواء بحوالي 2.5 مرة، مما يجعله يتراكم في المناطق المنخفضة والمنخفضات والقباب عند تسربه. الكتلة الذرية للكلور هي 35.45 غراماً لكل مول، ونقطة انصهاره 101.5 درجة مئوية تحت الصفر (171.6 كلفن)، ونقطة غليانه 34.04 درجة مئوية تحت الصفر (239.11 كلفن). الكلور هو العنصر الحادي والعشرون من حيث الوفرة في القشرة الأرضية، حيث يشكل حوالي 0.017% من كتلتها، لكنه العنصر الأكثر وفرة بين الهالوجينات على الإطلاق. في مياه البحر، يعتبر الكلوريد الأنيون الأكثر وفرة، حيث يشكل 55% من كتلة الأملاح الذائبة، أي حوالي 19 غراماً لكل لتر من ماء البحر. الملح الذي نضع على الطعام، كلوريد الصوديوم NaCl، هو المصدر الرئيسي للكلور في الطبيعة، ويقدر مخزون الكلور في محيطات العالم بحوالي 3 × 10¹⁶ طن. الكلور هو عنصر الحياة والموت: هو الذي يعقم مياه الشرب ويحمي الملايين من الأمراض، وهو الذي صنع البلاستيك PVC الذي يغلف الكابلات ويصنع الأنابيب والنوافذ، وهو الذي دخل في تركيب المبيدات الحشرية والمركبات العضوية المكلورة، وهو نفسه الذي استخدم كسلاح كيميائي في الحرب العالمية الأولى وقتل الآلاف، وهو الذي يدمر طبقة الأوزون عندما يتحد مع الفلور والكربون في مركبات CFCs. الكلور هو العنصر الذي يذكرنا بأن كل اكتشاف علمي هو سيف ذو حدين، يمكن أن يستخدم للخير أو للشر، للبناء أو للدمار، لإنقاذ الحياة أو لإنهائها.

قصة اكتشاف الكلور هي واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الكيمياء، وترتبط باسم الكيميائي السويدي العظيم كارل فلهلم شيله، الذي يعتبر واحداً من أعظم المكتشفين في تاريخ العلم، حيث اكتشف العديد من العناصر والمركبات (الكلور، المنغنيز، الباريوم، الموليبدينوم، التنغستن، النيتروجين، الأكسجين، حمض الستريك، حمض اللاكتيك، حمض الأوكساليك، الجليسرين، وكبريتيد الهيدروجين). في عام 1774، كان شيله يبحث عن طريقة لتحضير أكسيد المنغنيز، فقام بتسخين معدن البيرولوسيت (ثاني أكسيد المنغنيز MnO₂) مع حمض الهيدروكلوريك المركز، ولاحظ تصاعد غاز أصفر مخضر ذي رائحة نفاذة خانقة. أدرك شيله أنه اكتشف مادة جديدة، وأطلق عليها اسم "حمض دي فلوجستيك" (dephlogisticated marine acid)، معتقداً أنها تحتوي على الأكسجين وفقاً لنظرية الفلوجستون السائدة آنذاك. لكنه لم يدرك أنه عزل عنصراً جديداً، بل ظن أنه حصل على مركب جديد. في عام 1810، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، تمكن السير همفري ديفي من إثبات أن هذا الغاز هو عنصر جديد وليس مركباً يحتوي على الأكسجين، وأطلق عليه اسم "كلورين" (chlorine) من الكلمة اليونانية "كلوروس" (chloros) التي تعني "أصفر مخضر"، إشارة إلى لونه المميز. الرمز الكيميائي Cl مشتق من نفس الكلمة. في عام 1823، تمكن مايكل فاراداي من تسييل الكلور لأول مرة، مما فتح الباب أمام استخداماته الصناعية. في عام 1835، اكتشف الكيميائي الفرنسي أنطوان جيروم بلارد أن الكلور يتفاعل مع هيدروكسيد الصوديوم ليشكل هيبوكلوريت الصوديوم (المبيض)، مما أحدث ثورة في صناعة المبيضات وتنقية المياه. خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، استخدم الجيش الألماني الكلور كسلاح كيميائي في معركة إيبرس الثانية في بلجيكا في 22 أبريل 1915، حيث أطلقوا 168 طناً من الكلور على الخنادق الفرنسية والجزائرية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1000 جندي وإصابة الآلاف، وكانت هذه أول استخدام واسع النطاق للأسلحة الكيميائية في التاريخ. منذ ذلك الحين، أصبح الكلور رمزاً للرعب الكيميائي، رغم استخداماته السلمية الهائلة في تنقية المياه والصناعة.

من ناحية الوفرة الطبيعية والتوزيع، الكلور هو العنصر الحادي والعشرون في القشرة الأرضية، والعنصر الأكثر وفرة بين الهالوجينات. لا يوجد الكلور في الطبيعة بشكله الحر (Cl₂) أبداً، لأنه شديد التفاعل، بل يتواجد دائماً في صورة مركبات، وأهمها كلوريد الصوديوم NaCl (الهاليت، الملح الصخري)، الذي يشكل رواسب ضخمة في القشرة الأرضية (في المناجم تحت الأرض وفي القباب الملحية) وفي مياه البحر. تشمل معادن الكلور الأخرى: الكارناليت (KMgCl₃·6H₂O)، والسيلفيت (KCl)، والفلوريت (CaF₂، لكنه يحتوي على الفلور وليس الكلور)، والأباتيت (Ca₅(PO₄)₃(F,Cl,OH))، والكلوراباتيت. في المحيطات، يشكل الكلوريد 55% من كتلة الأملاح الذائبة، بتركيز يبلغ حوالي 19 غراماً لكل لتر، أي ما يعادل 1.9% من كتلة ماء البحر. إجمالي كتلة الكلور في محيطات العالم يبلغ حوالي 3 × 10¹⁶ طن، وهي كمية هائلة تكفي لآلاف السنين بمعدلات الاستهلاك الحالية. في الغلاف الجوي، يوجد الكلور بكميات ضئيلة جداً، معظمه في صورة مركبات كلوروفلوروكربونية (CFCs) التي تصل إلى الستراتوسفير وتتحلل بالأشعة فوق البنفسجية لتطلق ذرات الكلور التي تدمر الأوزون. في الكون، الكلور هو العنصر التاسع عشر من حيث الوفرة، ويتشكل في قلوب النجوم الضخمة من خلال عملية احتراق الأكسجين والنيون، حيث تندمج نوى الأكسجين والنيون لتشكل الكبريت والأرجون والكلور والكالسيوم في المراحل المتأخرة من عمر النجم. المستعرات الأعظمية تقذف الكلور إلى الفضاء بين النجمي، حيث يندمج في السحب التي تشكل أنظمة شمسية جديدة. في جسم الإنسان، الكلور هو العنصر الحادي عشر من حيث الوفرة، حيث يشكل حوالي 0.15% من الوزن، ويوجد معظمه في صورة أيون الكلوريد Cl⁻ في السوائل خارج الخلوية والدم، وهو الأنيون الرئيسي في هذه السوائل، ويلعب دوراً محورياً في تنظيم الضغط الأسموزي وتوازن السوائل والحموضة والقاعدية.

بالانتقال إلى الخواص الفيزيائية والذرية للكلور، نجد هالوجيناً نموذجياً يتمتع بخواص فريدة تجعله شديد التفاعل ومتعدد الاستخدامات. ترتيبه الإلكتروني هو [Ne] 3s² 3p⁵، أي أن لديه سبعة إلكترونات تكافؤ في الغلاف الثالث بعد غلاف النيون المغلق، وله مدار واحد شاغر يمكن أن يحتوي على إلكترون إضافي ليصل إلى التوزيع الإلكتروني المستقر للأرغون (3s² 3p⁶). لذلك، فإن الكلور يميل بشدة إلى اكتساب إلكترون واحد ليصبح أيون الكلوريد Cl⁻، وهو أيون كبير نسبياً (نصف قطره 181 بيكومتر). طاقة التأين الأولى للكلور هي 1251.2 كيلوجول لكل مول، وهي أقل من الفلور (1681) ولكنها أعلى من البروم (1140) واليود (1008). الميل الإلكتروني للكلور هو الأعلى بين جميع العناصر (349 كيلوجول لكل مول)، أي أنه يطلق أكبر قدر من الطاقة عند اكتساب إلكترون، مما يجعله أكثر العناصر رغبة في الحصول على إلكترون. السالبية الكهربية للكلور على مقياس بولنغ هي 3.16، وهي ثالث أعلى قيمة بعد الفلور (3.98) والأكسجين (3.44)، مما يعني أن الكلور في مركباته يسحب الإلكترونات بقوة من العناصر الأخرى، ويكون دائمًا الطرف السالب في الروابط (باستثناء الفلور والأكسجين). جزيء الكلور Cl₂ له رابطة تساهمية أحادية (Cl–Cl) طولها 198.8 بيكومتر، وطاقة تفكك الرابطة هي 242.6 كيلوجول لكل مول، وهي أعلى من الفلور (158.8) ولكنها أقل من البروم (193.9) واليود (151). هذه الطاقة المعتدلة تعني أن رابطة Cl–Cl ليست قوية جداً ولا ضعيفة جداً، مما يجعل الكلور متفاعلاً لكن ليس بعنف الفلور. الكلور غاز أصفر مخضر في الظروف القياسية، وعند تبريده إلى ما دون 34 درجة مئوية تحت الصفر يصبح سائلاً أصفر مخضراً، وعندما يتجمد يصبح بلورات صفراء باهتة. الكلور السائل له كثافة 1.5649 غرام لكل مليلتر عند نقطة الغليان، وهو أثقل من الماء. الكلور قابل للذوبان في الماء (0.73 غرام لكل لتر عند 20 درجة مئوية)، ومحلوله المائي يسمى "ماء الكلور"، وهو يستخدم كمطهر ومبيض. الكلور قابل للذوبان أيضاً في المذيبات العضوية مثل ثاني كبريتيد الكربون CCl₄ والبنزين. الكلور له رائحة نفاذة خانقة، وهو سام للجهاز التنفسي، ويسبب تهيج العينين والحلق والرئتين، ويمكن أن يؤدي إلى الموت في التراكيز العالية (أكثر من 1000 جزء في المليون). الحد الأقصى للتعرض المسموح به في أماكن العمل هو 0.5 جزء في المليون لمدة 15 دقيقة، و 1 جزء في المليون لمدة 8 ساعات.

الخواص الكيميائية للكلور تجعله واحداً من أكثر العناصر تفاعلية في الجدول الدوري، وهو مؤكسد قوي، لكنه أقل عدوانية من الفلور. يتفاعل الكلور مع جميع الفلزات تقريباً، باستثناء الذهب والبلاتين وبعض المعادن النبيلة الأخرى التي تقاومه في درجة حرارة الغرفة، لكنها تتفاعل معه عند التسخين. مع الصوديوم، يتفاعل الكلور بعنف ليشكل كلوريد الصوديوم NaCl (ملح الطعام): 2Na + Cl₂ → 2NaCl، وهو تفاعل طارد للحرارة بشدة (ΔH = -411 كيلوجول لكل مول)، ويصاحب بلهب أصفر ساطع. مع الحديد، يتفاعل الكلور عند التسخين ليشكل كلوريد الحديد الثلاثي FeCl₃ (الذي يتسامى إلى بخار بني محمر): 2Fe + 3Cl₂ → 2FeCl₃. مع النحاس، يشكل كلوريد النحاس الثنائي CuCl₂ (بلورات خضراء زرقاء): Cu + Cl₂ → CuCl₂. مع الهيدروجين، يتفاعل الكلور في وجود ضوء الشمس الساطع أو عند التسخين ليشكل كلوريد الهيدروجين HCl: H₂ + Cl₂ → 2HCl، وهو تفاعل سلسلي جذري عنيف، يمكن أن ينفجر إذا تم خلط الغازين في وجود ضوء قوي. مع اللافلزات الأخرى: مع الفوسفور، يشكل الكلور ثلاثي كلوريد الفوسفور PCl₃ وخماسي كلوريد الفوسفور PCl₅؛ مع الكبريت، يشكل ثنائي كلوريد الكبريت SCl₂ ورباعي كلوريد الكبريت SCl₄؛ مع الكربون، لا يتفاعل الكلور مباشرة في درجة حرارة الغرفة، لكن عند درجات حرارة عالية (600-1000 درجة مئوية) يشكل رباعي كلوريد الكربون CCl₄ (سائل سام) وكلوريدات كربونية أخرى. مع الماء، يتفاعل الكلور ببطء ليشكل حمض الهيدروكلوريك HCl وحمض الهيبوكلوروس HClO: Cl₂ + H₂O ⇌ HCl + HClO. هذا التفاعل هو أساس استخدام الكلور كمطهر للمياه، لأن حمض الهيبوكلوروس هو العامل المؤكسد القوي الذي يقتل البكتيريا والفيروسات والطحالب. مع القلويات، يتفاعل الكلور ليشكل هيبوكلوريت (المبيض): Cl₂ + 2NaOH → NaCl + NaOCl + H₂O. مع الأمونيا، يتفاعل الكلور ليشكل كلورامينات (NH₂Cl، NHCl₂، NCl₃) التي تستخدم كمطهرات في مياه الشرب، لكنها أيضاً ملوثات خطيرة. الكلور يتفاعل مع معظم المركبات العضوية، إما بالإضافة (مثل إضافة الكلور إلى الإيثيلين لإنتاج ثنائي كلورو الإيثان) أو الاستبدال (مثل استبدال ذرة هيدروجين في الميثان بذرة كلور لتكوين كلورو الميثان). هذه التفاعلات هي أساس تخليق المركبات العضوية المكلورة (المذيبات، المبيدات، البلاستيك، الأدوية).

من ناحية النظائر، الكلور الطبيعي يتكون من نظيرين مستقرين: كلور-35 (³⁵Cl) بنسبة 75.77%، وكلور-37 (³⁷Cl) بنسبة 24.23%. النسبة بين النظيرين (حوالي 3:1) ثابتة تقريباً في جميع العينات الطبيعية، لكن هناك اختلافات طبيعية طفيفة (تصل إلى 0.001) بسبب العمليات الكيميائية والبيولوجية، وتستخدم هذه الاختلافات في علم النظائر المستقرة لتتبع مصادر الكلور في البيئة والجيولوجيا. النظير ³⁵Cl هو الأكثر وفرة، والنظير ³⁷Cl هو الأثقل. كلاهما مستقر (لا يتحلل إشعاعياً). النظائر المشعة للكلور تشمل كلور-36 (³⁶Cl) الذي عمر نصف 301,000 سنة، ويتحلل بإصدار إلكترون بيتا (β⁻) إلى أرغون-36 ³⁶Ar، أو بإصدار بوزيترون (β⁺) إلى كبريت-36 ³⁶S. ينتج ³⁶Cl في الغلاف الجوي من تفاعل الأرغون-36 مع البروتونات الكونية، وفي القشرة الأرضية من تفاعل الكلور-35 مع النيوترونات الكونية، ومن التجارب النووية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. يستخدم ³⁶Cl في علم الجيولوجيا لتأريخ المياه الجوفية والرواسب الجليدية والرواسب البحرية، وفي علم الآثار لتأريخ العظام والأسنان، وفي الفيزياء النووية لدراسة تفاعلات النيوترونات. كلور-38 (³⁸Cl) له عمر نصف 37.24 دقيقة، ويستخدم في الطب النووي لقياس حجم البلازما وتدفق الدم في الكلى والدماغ، وفي الأبحاث البيولوجية. كلور-39 (³⁹Cl) عمر نصف 55.6 دقيقة. النظائر المشعة قصيرة العمر الأخرى (³⁴Cl، ³⁴mCl، ³⁶mCl، ⁴⁰Cl) ليس لها تطبيقات عملية تذكر.

طرق تحضير الكلور صناعياً تعتمد على التحليل الكهربائي لمحلول كلوريد الصوديوم (المحلول الملحي) أو لكلوريد الصوديوم المنصهر. الطريقة الأولى والأكثر شيوعاً هي التحليل الكهربائي للمحلول الملحي في خلايا كهروكيميائية خاصة، وهي العملية الأساسية في صناعة الكلور وهيدروكسيد الصوديوم (الصودا الكاوية) والهيدروجين. هناك ثلاث تقنيات رئيسية: خلية الزئبق (Mercury Cell)، وخلية الحجاب الحاجز (Diaphragm Cell)، وخلية الغشاء (Membrane Cell). في خلية الزئبق، يستخدم الزئبق السائل كمهبط، حيث يتكون ملغم الصوديوم (NaHg) الذي يتفاعل مع الماء في خلية منفصلة لإنتاج هيدروكسيد الصوديوم والهيدروجين. في خلية الحجاب الحاجز، يفصل الحجاب الحاجز (المصنوع من الأسبستوس أو البوليمرات) بين المصعد والمهبط لمنع اختلاط الكلور مع هيدروكسيد الصوديوم. في خلية الغشاء، وهو الأحدث والأكثر صداقة للبيئة، يفصل غشاء تبادل أيوني (مصنوع من البوليمرات الفلورية مثل Nafion) بين المصعد والمهبط، ويسمح بمرور أيونات الصوديوم فقط، مما يمنع اختلاط الكلور مع الهيدروكسيد. التفاعل الكلي في جميع الخلايا هو: 2NaCl + 2H₂O → Cl₂ + H₂ + 2NaOH. يتصاعد الكلور عند المصعد (القطب الموجب)، ويتصاعد الهيدروجين عند المهبط (القطب السالب)، ويتكون هيدروكسيد الصوديوم في المحلول. يتم تجفيف الكلور وتنقيته وضغطه في أسطوانات فولاذية أو تسييله بالتبريد والضغط. الإنتاج العالمي من الكلور يبلغ حوالي 70-80 مليون طن سنوياً، وتستحوذ الصين على حوالي 40% من الإنتاج، تليها الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. الطريقة الثانية لإنتاج الكلور هي التحليل الكهربائي لكلوريد الصوديوم المنصهر (عملية داونز)، التي تنتج الكلور والصوديوم الفلزي، لكنها أقل شيوعاً لأنها تستهلك طاقة أكبر وتنتج صوديوم (وليس هيدروكسيد صوديوم). الطريقة الثالثة هي أكسدة كلوريد الهيدروجين HCl (الذي ينتج كناتج ثانوي في عمليات التكلور العضوي) إلى كلور، إما بالتحليل الكهربائي أو بالأكسدة الحفزية (عملية ديكون)، مما يسمح بإعادة تدوير الكلور وتقليل الطلب على الإنتاج الأولي.

الدور البيولوجي للكلور هو من أهم الأدوار الحيوية في جسم الإنسان والكائنات الحية. الكلور هو العنصر الحادي عشر من حيث الوفرة في جسم الإنسان، حيث يشكل حوالي 0.15% من الوزن، ويوجد معظمه في صورة أيون الكلوريد Cl⁻ في السوائل خارج الخلوية والدم واللمف. أيون الكلوريد هو الأنيون الرئيسي في هذه السوائل، ويلعب دوراً محورياً في تنظيم الضغط الأسموزي وتوازن السوائل وتوازن الحموضة والقاعدية (pH). الكلوريد ضروري لإنتاج حمض الهيدروكلوريك HCl في المعدة، الذي يهضم البروتينات ويقتل البكتيريا الضارة، ويدخل في تركيب العصارة المعدية. الكلوريد يشارك في نقل الإشارات العصبية، حيث يمر عبر قنوات الكلوريد في أغشية الخلايا العصبية لتنظيم الجهد الكهربائي الغشائي. الكلوريد ضروري لانقباض العضلات، ويساهم في تنظيم ضغط الدم وحجم الدم. يتراوح تركيز الكلوريد في بلازما الدم بين 98 و 107 ميلي مكافئ لكل لتر، وهو أعلى تركيز بين الأنيونات. يحتوي جسم الإنسان البالغ على حوالي 95 غراماً من الكلوريد، معظمه في السوائل خارج الخلوية. تتراوح الحاجة اليومية للكلوريد بين 2.3 و 3.6 غرام للبالغين، وتشمل المصادر الغذائية الغنية بالكلوريد ملح الطعام (كلوريد الصوديوم)، واللحوم، والأسماك، والبيض، والحليب، والخضروات. نقص الكلوريد في الدم (نقص كلوريد الدم hypochloremia) يحدث عندما يكون التركيز أقل من 98 ميلي مكافئ لكل لتر، وقد يسبب الجفاف، والضعف، وتشنجات العضلات، والغثيان، والقيء، والارتباك، والغيبوبة في الحالات الشديدة. يحدث نقص الكلوريد نتيجة فقدان السوائل (التعرق الشديد، القيء، الإسهال)، أو نتيجة تناول مدرات البول، أو نتيجة أمراض الكلى. ارتفاع الكلوريد في الدم (فرط كلوريد الدم hyperchloremia) يحدث عندما يكون التركيز أعلى من 107 ميلي مكافئ لكل لتر، وقد يسبب العطش، وجفاف الفم، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات في نظم القلب، والغيبوبة. يحدث ارتفاع الكلوريد نتيجة الجفاف، أو تناول كميات كبيرة من الملح، أو أمراض الكلى، أو الحماض الأيضي. في عالم النبات، الكلوريد هو عنصر مغذٍ صغري (micronutrient)، حيث يحتاجه النبات بكميات صغيرة (0.1-1% من الوزن الجاف) لأداء وظائف مهمة: تنظيم الضغط الأسموزي في الخلايا، والمساهمة في عملية البناء الضوئي (حيث يشارك في تفاعل أكسدة الماء في النظام الضوئي الثاني)، وتنشيط بعض الإنزيمات، وتنظيم فتح وإغلاق الثغور. نقص الكلوريد في النباتات نادر، لكنه يمكن أن يسبب ذبول الأوراق وتقزم النمو. بعض النباتات تتحمل تركيزات عالية من الكلوريد (مثل نباتات المانغروف والشاطئية)، بينما نباتات أخرى حساسة للكلوريد (مثل الحمضيات والأفوكادو). في الكائنات الدقيقة، يستخدم الكلور في التنفس اللاهوائي من قبل بعض البكتيريا التي تستخدم الكلورات (ClO₃⁻) أو البيركلورات (ClO₄⁻) كعوامل مؤكسدة نهائية بدلاً من الأكسجين. كما تنتج بعض الكائنات الحية مركبات كلورية عضوية (مثل الكلورامفينيكول، وهو مضاد حيوي تنتجه بكتيريا Streptomyces، والكلوريدات العضوية البحرية التي تنتجها الطحالب والمرجان). في جسم الإنسان، الكلور موجود أيضاً في صورة أيون الكلوريد في العرق (تركيز 30-60 ميلي مكافئ لكل لتر) وفي اللعاب (تركيز 5-40 ميلي مكافئ لكل لتر) وفي الدموع.

التطبيقات الصناعية للكلور ومركباته هائلة ومتنوعة، وتشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد العالمي. التطبيق الأكبر والأهم للكلور هو في إنتاج المركبات العضوية المكلورة، التي تشمل البلاستيك PVC (بولي فينيل كلوريد)، والمذيبات (مثل ثنائي كلورو الميثان، وثلاثي كلورو الإيثيلين، ورابع كلوريد الكربون)، والمبيدات الحشرية (مثل DDT، والليندان، والإندرين)، ومبيدات الأعشاب (مثل 2,4-D)، والمبيدات الفطرية. البلاستيك PVC هو ثاني أكثر البلاستيك إنتاجاً في العالم بعد البولي إيثيلين (PE)، حيث يبلغ إنتاجه السنوي حوالي 40 مليون طن. يتم إنتاج PVC ببلمرة كلوريد الفينيل VCM (CH₂=CHCl)، الذي ينتج من تفاعل الإيثيلين مع الكلور لإنتاج ثنائي كلورو الإيثان (EDC)، ثم تكسير EDC حرارياً لإنتاج VCM و HCl. يستخدم PVC في صناعة الأنابيب (للمياه والصرف الصحي والكيماويات)، والكابلات الكهربائية (للعزل)، والنوافذ والأبواب (بديلاً عن الخشب والألومنيوم)، والأرضيات، والجلود الصناعية، والملابس الواقية، والقوارب، والأنابيب الطبية. التطبيق الثاني هو في تنقية المياه وتعقيمها. يستخدم الكلور (في صورة غاز Cl₂، أو هيبوكلوريت الصوديوم NaOCl، أو ثاني أكسيد الكلور ClO₂، أو كلورامين NH₂Cl) لقتل البكتيريا والفيروسات والطفيليات في مياه الشرب ومياه المسابح ومياه الصرف الصحي. تعقيم المياه بالكلور هو أحد أعظم إنجازات الصحة العامة في التاريخ، حيث قضى على أمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والزحار، وأنقذ ملايين الأرواح. بدأ تعقيم المياه بالكلور في أوائل القرن العشرين، وأصبح إلزامياً في معظم الدول، وهو المسؤول عن انخفاض معدل وفيات الأمراض المنقولة بالمياه بنسبة تزيد عن 90%. التطبيق الثالث هو في إنتاج المبيضات ومنظفات المنازل. هيبوكلوريت الصوديوم NaOCl (المبيض المنزلي) هو محلول قلوي يحتوي على 3-6% من NaOCl، ويستخدم لتبييض الملابس، وتنظيف الأسطح، وقتل الجراثيم. ينتج NaOCl من تفاعل الكلور مع هيدروكسيد الصوديوم. التطبيق الرابع هو في إنتاج حمض الهيدروكلوريك HCl، الذي ينتج من تفاعل الكلور مع الهيدروجين، ويستخدم في تنظيف المعادن (إزالة الصدأ)، وفي معالجة المياه، وفي الصناعات الغذائية (لضبط الحموضة)، وفي استخلاص المعادن، وفي تحضير المركبات الكيميائية الأخرى. التطبيق الخامس هو في إنتاج مركبات الكلور اللاعضوية الأخرى، مثل ثالث كلوريد الفوسفور PCl₃ (لإنتاج المبيدات ومضافات الزيوت)، وخماسي كلوريد الفوسفور PCl₅ (لإنتاج مركبات الفوسفور العضوية)، وثلاثي كلوريد الألومنيوم AlCl₃ (كحفاز في تفاعلات فريدل-كرافتس)، وكلوريد الكبريت S₂Cl₂ (للفلكنة)، وكلوريد التيتانيوم TiCl₄ (لإنتاج التيتانيوم النقي)، وكلوريد السيليكون SiCl₄ (لإنتاج السيليكون عالي النقاوة والألياف الزجاجية). التطبيق السادس هو في الصناعات الدوائية، حيث يستخدم الكلور في تخليق العديد من الأدوية (مثل الكلورامفينيكول، والمضادات الحيوية، ومضادات الفطريات، ومضادات الفيروسات، ومضادات الالتهاب)، وفي تعقيم المعدات الطبية. التطبيق السابع هو في صناعة المطاط واللدائن، حيث يستخدم الكلور في كلورة المطاط لإنتاج مطاط الكلوروبرين (النيوبرين)، الذي يقاوم الزيوت والمذيبات والحرارة، ويستخدم في الخراطيم والحشيات والملابس الواقية. التطبيق الثامن هو في الصناعات الغذائية، حيث يستخدم الكلور في غسل وتطهير الفواكه والخضروات واللحوم والدواجن، وفي تعقيم المياه المستخدمة في تصنيع الأغذية والمشروبات. التطبيق التاسع هو في الصناعات المعدنية، حيث يستخدم الكلور في تنقية الألومنيوم والمغنيسيوم، وفي إزالة الشوائب من المعادن المنصهرة، وفي استخلاص الذهب والفضة من خاماتها. التطبيق العاشر هو في الصناعات العسكرية، حيث استخدم الكلور كسلاح كيميائي في الحرب العالمية الأولى، ولا يزال يستخدم في إنتاج المتفجرات والقنابل الدخانية والذخائر. التطبيق الحادي عشر هو في صناعة الورق والنسيج، حيث يستخدم الكلور في تبييض لب الورق (رغم أن هذه العملية تنتج مركبات عضوية مكلورة سامة مثل الديوكسين، وقد تم استبدالها بطرق أكثر صداقة للبيئة مثل التبييض بالأكسجين والأوزون). التطبيق الثاني عشر هو في معالجة المياه الصناعية، حيث يستخدم الكلور لمكافحة الطحالب والبكتيريا في أنظمة التبريد ومحطات الطاقة.

من ناحية كيمياء التنسيق وحالات الأكسدة، يظهر الكلور حالات أكسدة متعددة ومتنوعة تتراوح من -1 إلى +7. في الكلوريدات (مثل NaCl، HCl، FeCl₃)، يكون الكلور في حالة الأكسدة -1، وهي الحالة الأكثر استقراراً والأكثر شيوعاً. في الكلور العنصري (Cl₂)، حالة الأكسدة صفر. في الهيبوكلوريتات (ClO⁻)، الكلور +1. في الكلوريتات (ClO₂⁻)، الكلور +3. في الكلورات (ClO₃⁻)، الكلور +5. في البيركلورات (ClO₄⁻)، الكلور +7. في أكسيد الكلور (Cl₂O)، الكلور +1. في ثاني أكسيد الكلور (ClO₂)، الكلور +4. في سداسي أكسيد ثنائي الكلور (Cl₂O₆)، الكلور +6. في سباعي أكسيد ثنائي الكلور (Cl₂O₇)، الكلور +7. في فلوريد الكلور (ClF)، الكلور +1 (لأن الفلور أكثر سالبية). في ثلاثي فلوريد الكلور (ClF₃)، الكلور +3. في خماسي فلوريد الكلور (ClF₅)، الكلور +5. في الكلورين ثلاثي فلوريد (ClF₃) وكلورين خماسي فلوريد (ClF₅) تستخدم كعوامل مفلورة قوية. في كيمياء التنسيق، يمكن للكلوريد أن يكون ربيطة أحادية السن (ترتبط بذرة فلز واحدة)، أو ربيطة جسرية (تربط بين ذرتي فلز أو أكثر)، أو ربيطة ثنائية السن (ترتبط بذرتي فلز عبر ذرة كلور واحدة). معقدات الكلوريد مع المعادن الانتقالية شائعة جداً، وتشمل الأمثلة [CuCl₄]²⁻ (أخضر)، [CoCl₄]²⁻ (أزرق)، [FeCl₄]⁻ (أصفر)، [TiCl₆]²⁻ (أرجواني)، [PtCl₄]²⁻ (وردي). ألوان هذه المعقدات تختلف حسب الفلز وعدد الربيطات وهندسة التناسق، وتستخدم في الكيمياء التحليلية للكشف عن المعادن. حمض الهيدروكلوريك HCl هو حمض قوي (يتأين كلياً في الماء)، وهو أساس الكيمياء اللاعضوية. حمض الهيبوكلوروس HClO هو حمض ضعيف (pKa = 7.5) ومؤكسد قوي، وهو العامل الفعال في التبييض والتعقيم. حمض الكلوروس HClO₂ وحمض الكلوريك HClO₃ وحمض البيركلوريك HClO₄ هي أحماض قوية ومؤكسدات قوية (البيركلوريك هو أقوى حمض معروف، pKa ≈ -10).

من ناحية التحديات والاتجاهات المستقبلية، يواجه الكلور عدة تحديات بيئية وصحية خطيرة، لكنه يحمل أيضاً فرصاً واعدة في مجالات جديدة. التحدي الأول والأكبر هو التلوث البيئي الناتج عن المركبات العضوية المكلورة، وخاصة ثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCBs)، والديوكسينات، والفيورانات، والمبيدات الحشرية المكلورة (مثل DDT). هذه المركبات سامة، وثابتة في البيئة، وتتراكم في الأنسجة الدهنية للكائنات الحية (التضخم الحيوي)، وتسبب السرطان، وتشوهات خلقية، واضطرابات في الغدد الصماء، وتلف الكبد والكلى، وتثبيط المناعة. الديوكسينات، التي تنتج كمنتج ثانوي في حرق النفايات وعمليات التبييض بالكلور وصناعة المبيدات، هي من أكثر المواد سمية التي صنعها الإنسان (بعض أنواعها سامة للفئران بجرعة 0.00001 غرام لكل كيلوغرام). PCBs، التي استخدمت كمبردات في المحولات والمكثفات، وكمضافات في البلاستيك والدهانات، وكمذيبات في المبيدات، تبين أنها شديدة السمية وتتراكم في السلسلة الغذائية، وتسبب مشاكل صحية خطيرة. لذلك، تم حظر إنتاج واستخدام PCBs في معظم دول العالم منذ سبعينيات القرن العشرين (بموجب اتفاقية ستوكهولم للملوثات العضوية الثابتة)، وتم حظر DDT لاستخدامه الزراعي (لكنه لا يزال يستخدم في بعض الدول لمكافحة الملاريا). التحدي الثاني هو تدمير طبقة الأوزون بواسطة مركبات الكلوروفلوروكربون (CFCs)، التي استخدمت كمبردات في الثلاجات والمكيفات، وكمادة دافعة في بخاخات الأيروسول، وكمذيبات في الصناعات الإلكترونية. عندما تصل CFCs إلى الستراتوسفير، تتحلل بالأشعة فوق البنفسجية وتطلق ذرات الكلور، التي تشارك في تفاعل سلسلي يدمر جزيئات الأوزون: Cl• + O₃ → ClO• + O₂، ثم ClO• + O → Cl• + O₂، مما يسمح لذرة كلور واحدة بتدمير آلاف جزيئات الأوزون. أدى هذا إلى ظهور "ثقب الأوزون" في أنتاركتيكا (التي تصل مساحته إلى 25 مليون كيلومتر مربع)، وزيادة الأشعة فوق البنفسجية الضارة على سطح الأرض، مما يسبب سرطان الجلد، وإعتام عدسة العين، وتثبيط المناعة، وتلف المحاصيل والعوالق البحرية. لحسن الحظ، أدى بروتوكول مونتريال (1987) إلى حظر إنتاج CFCs تدريجياً، وتم استبدالها ببدائل أقل ضرراً (HCFCs و HFCs)، وبدأت طبقة الأوزون تتعافى تدريجياً. التحدي الثالث هو سمية الكلور نفسه، حيث يتسبب التعرض للكلور في تهيج الجهاز التنفسي، والربو، والتهاب الشعب الهوائية، وفي التراكيز العالية يسبب الوذمة الرئوية والموت. لذلك، تفرض التشريعات الصحية حدوداً صارمة للتعرض للكلور في أماكن العمل، وتلزم المصانع باستخدام أنظمة مراقبة وتحكم متطورة. التحدي الرابع هو النواتج الثانوية لتعقيم المياه بالكلور، وخاصة ثلاثي هالو ميثان (THMs) مثل الكلوروفورم CHCl₃، والحمض الهالوأستيك، والكلورامينات. هذه المركبات تنتج من تفاعل الكلور مع المواد العضوية الطبيعية في المياه، وهي مشتبه في كونها مسرطنة. لذلك، تعمل محطات معالجة المياه على تحسين عملياتها (مثل إزالة المواد العضوية قبل الكلورة، واستخدام الكلورامين بدلاً من الكلور الحر، واستخدام الأوزون أو الأشعة فوق البنفسجية كبدائل للكلور). في الجانب الإيجابي، هناك فرص واعدة للكلور في مجالات جديدة. في مجال الطاقة المتجددة، يستخدم الكلور في إنتاج السيليكون عالي النقاوة للألواح الشمسية، وفي إنتاج البطاريات (مثل بطاريات الصوديوم-كلوريد النيكل، وبطاريات الليثيوم-ثيونيل كلوريد)، وفي خلايا الوقود. في مجال الطب، تستخدم مركبات الكلور في تطوير أدوية جديدة (مضادات حيوية، مضادات فيروسية، مضادات للسرطان)، وفي التصوير الطبي (النظير المشع ³⁸Cl)، وفي العلاج بالحرارة (الجسيمات النانوية الكلورية). في مجال المواد المتقدمة، تستخدم بوليمرات الكلور (مثل PVC الكلوريني، والكلوروبرين) في صناعة مواد مقاومة للحرارة والزيوت والمذيبات. في مجال الزراعة، تستخدم مركبات الكلور كأسمدة (كلوريد البوتاسيوم)، ومبيدات حشرية وفطرية وأعشاب، ومنظمات نمو. في مجال معالجة المياه، تستخدم تقنيات جديدة مثل الكلورة بالتحفيز الضوئي، والكلورة الكهروكيميائية، والكلورة بالبلازما، لتحسين كفاءة التعقيم وتقليل النواتج الثانوية الضارة.

ختاماً، الكلور هو عنصر التناقضات المطلقة، وهو الذي يعقم مياه الشرب وينقذ ملايين الأرواح، وهو الذي ينتج البلاستيك الذي يغلف الكابلات ويصنع الأنابيب، وهو الذي يدخل في تركيب الأدوية والمبيدات، وهو نفسه الذي استخدم كسلاح كيميائي وقتل الآلاف، وهو الذي يدمر طبقة الأوزون ويسبب الأمطار الحمضية، وهو الذي ينتج الديوكسينات السامة. الكلور هو العنصر الذي جعل الماء آمناً للشرب، والطعام محفوظاً، والمستشفيات نظيفة، والمسابح صالحة للسباحة، لكنه أيضاً جعل الهواء ملوثاً، والتربة مسمومة، والأوزون مثقوباً، والحياة البرية مهددة. من اكتشاف كارل فلهلم شيله في عام 1774، إلى إثبات همفري ديفي في عام 1810، إلى استخدامه كسلاح كيميائي في الحرب العالمية الأولى، إلى استخدامه في تنقية المياه والصناعة، إلى أزمة ثقب الأوزون والديوكسينات، قطع الكلور شوطاً طويلاً في خدمة البشرية وإيذائها. في عصر يتسارع فيه الطلب على المياه النظيفة والمواد المستدامة والطاقة المتجددة، يبرز الكلور كعنصر لا غنى عنه في تعقيم المياه وإنتاج الأدوية والمواد المتقدمة، لكنه أيضاً يحمل مخاطر بيئية وصحية تتطلب إدارة حكيمة ومسؤولة. كما قال الكيميائي السويدي كارل فلهلم شيله، مكتشف الكلور: "لم أكن أعلم أن هذا الغاز الجميل سيكون نعمة ونقمة للبشرية". الكلور، بأبسط تركيب إلكتروني (مجرد سبعة إلكترونات في الغلاف الخارجي)، يذكرنا بأن العلم سلاح ذو حدين، وأن الكيمياء يمكن أن تخدم الحياة أو تهددها، وأن الخيار في كيفية استخدام العناصر هو خيار أخلاقي وإنساني قبل أن يكون علمياً. في عالم يتغير بسرعة، يبقى الكلور ثابتاً في خواصه، متغيراً في تطبيقاته، ومتجدداً في أهميته، شاهداً على عبقرية الكيمياء وقدرتها على تحويل أبسط المواد إلى أدوات للحياة والرفاهية، أو إلى أسباب للدمار والتلوث. الخيار لنا، والعلم في خدمتنا، والطبيعة في انتظار حكمتنا.

أ. حسين علي حياوي المؤذن



#حسين_علي_حياوي_المؤذن (هاشتاغ)       Hussein_Ali_Hayawi_Al-mu’adhin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفوسفور | عنصر الحياة والموت - من بول الخيميائيين إلى أسمدة ...
- الكبريت | عنصر النار والبركان والحضارة - من كبريتات الكتاب ا ...
- الحوثيون| من صعدة إلى العالم
- بين الظلام والفقر | العراق في مواجهة أزمة الكهرباء والتقشف ا ...
- الألمنيوم | الفلز الفضي الذي غزا السماء والأرض - من حلي المل ...
- السيليكون | شبه الفلز الذي بنى الحضارة الرقمية - من رمال الص ...
- الصوديوم | الفلز القلوي الذي أضاء الشوارع وأشعل الثورات - من ...
- المغنيسيوم | الفلز القلوي الترابي الذي يربط بين خضرة الحياة ...
- الفلور | الشيطان الأصفر الأكثر عدوانية في الجدول الدوري - من ...
- النيون | ضوء المدينة الخالد والغاز النبيل الأكثر تمرداً على ...
- العراق بين انهيار الدولة وسقوط الإنسان | قراءة في الأزمة الا ...
- النيتروجين | العنصر الخامل الذي يغذي الحضارة ويهدد النظم الب ...
- الأكسجين | روح الاحتراق ونبض الحياة - من ثورة لافوازييه إلى ...
- البورون | شبه الفلز المعجزة - من تبلور الجلاميد إلى تسطير ال ...
- الكربون | عمود الحياة الفقري - من رحم النجوم إلى ذروة التكنو ...
- البيريليوم | الفلز الغامض بين الخفة والقوة - من الزمرد إلى ا ...
- الليثيوم | الفلز الخفيف الذي شحن العالم - من معادن البغماتيت ...
- الهيليوم | غاز الكون العزيز - من أطياف الشمس إلى موارد الأرض ...
- الهيدروجين | البروتون الأول - رحلة موسوعية من نشأة الكون إلى ...
- السيد السيستاني آخر العظماء


المزيد.....




- -الحرية لفلسطين- تشعل أزمة.. انسحاب جماعي من جولة إد شيران ت ...
- فيديو منسوب لهجوم حوثي على مطار جدة.. هذه حقيقته
- الحوثيون يعرضون مشاهد توثق -إسقاط مقاتلة F-15 سعودية- وحطامه ...
- اجتماع -سريّ- بين واشنطن والحوثيين في مسقط.. و-تعهّد- بشأن ا ...
- بكين تدخل على خط المواجهة بين طهران وواشنطن.. الصين تطالب بف ...
- حريقٌ هائلٌ في إقليم فالنسيا يلتهم 690 هكتاراً بعد أشدّ صيفٍ ...
- -نتلقى الضربات في وجوهنا-.. جنود أمريكيون يسرّبون صوراً صادم ...
- بعد تهديدات -البديل- بترحيلهم.. القلق يخيّم على السوريين في ...
- فوكس نيوز: سفينة متعاقدة مع الولايات المتحدة تعرضت لضربة إير ...
- واشنطن تتجه للموافقة على صفقة أسلحة لإسرائيل بـ2,8 مليار دول ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين علي حياوي المؤذن - الكلور | الغاز الأصفر المخضر الذي عقم المياه وأشعل الحروب - من حمض الهيدروكلوريك إلى البلاستيك وثقب الأوزون