|
|
وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 00:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي 16 أيلول سبتمبر 2026
من تمويل قناة السويس إلى تمويل المشروع الصهيوني: كيف تداخلت المصارف مع السياسة البريطانية وإنتهت إلى وعد بفلسطين؟
في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، كتب وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة قصيرة إلى اللورد والتر روتشيلد، أحد أبرز أفراد العائلة المصرفية اليهودية في بريطانيا. كانت الرسالة لا تتجاوز سبعاً وستين 67 كلمة، لكنها حملت وعداً سيغير تاريخ الشرق الأوسط: «تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية...» هنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة في إعلان بلفور: لماذا أُرسلت الرسالة إلى مصرفي؟ ولماذا كانت بريطانيا، وهي التي لم تكن تملك فلسطين قانونياً، تمنح وعداً يتعلق بمستقبلها إلى حركة سياسية مرتبطة بشبكات مالية يهودية في أوروبا؟ إذا وُضع الوعد في سياقه المالي والسياسي، يصبح من الصعب فصل الوعد عن المال الذي كان يتحرك خلف المشروع الصهيوني، وعن العلاقة الطويلة بين الدولة البريطانية وبيوت المال اليهودية. لم يكن وعد بلفور قراراً مالياً بالمعنى الضيق للكلمة، أي عقداً مكتوباً بين طرفين. لكنه كان نتاجاً لبيئة أصبحت فيها المصالح المالية والنفوذ السياسي والإستراتيجية الإمبراطورية أجزاء من صفقة واحدة.
بريطانيا في حاجة إلى المال
كانت بريطانيا عام 1917 تخوض حرباً إستنزفت جانباً هائلاً من مواردها المالية. الحرب العالمية الأولى لم تكن مجرد مواجهة عسكرية؛ كانت حرباً إقتصادية ضخمة. وقد إضطرت لندن إلى الإقتراض بصورة متزايدة، فيما أصبح تمويل المشتريات البريطانية من الولايات المتحدة مسألة حيوية لدعم المجهود الحربي. وكان مصرف جي. بي. مورغان JP Morgan في قلب هذه العملية. فقد شارك في ترتيب القروض للحلفاء، وأصبح أحد أهم الوسطاء في المشتريات البريطانية والفرنسية من السوق الأميركية. وبحلول عام 1917، كانت الضغوط المالية قد وصلت إلى مستوى خطير. وفي حزيران/يونيو من ذلك العام، حذّر بلفور ومستشارون ماليون بريطانيون، وفق برقية أميركية، من أن «كارثة مالية» باتت وشيكة بالنسبة إلى الحلفاء الأوروبيين ما لم تحصل بريطانيا على التمويل الأميركي اللازم. في هذه اللحظة بالذات، لم تعد السياسة البريطانية منفصلة عن عالم المال. كانت الإمبراطورية تحتاج إلى التمويل كي تستمر في الحرب، وكان المال جزءاً من قدرتها على رسم مستقبل الأراضي التي ستنتزعها من الدولة العثمانية. وهنا يصبح السؤال عن روتشيلد أكثر أهمية.
روتشيلد: المال قبل بلفور
لم تبدأ علاقة عائلة روتشيلد بالمصالح البريطانية في الشرق الأوسط عام 1917. ففي عام 1875، عندما أراد رئيس الوزراء بنيامين دزرائيلي شراء حصة الخديوي المصري في قناة السويس، إحتاجت الحكومة البريطانية إلى أربعة ملايين جنيه إسترليني بصورة عاجلة. توجه دزرائيلي إلى ناثانيل روتشيلد. قدّم مصرف إن. إم. روتشيلد وأولاده المبلغ، وتمكنت الحكومة البريطانية من شراء 176,602 سهماً في شركة قناة السويس. لم تكن هذه عملية مصرفية عادية. فقناة السويس كانت شريان الإمبراطورية البريطانية إلى الهند، والسيطرة على موقع إستراتيجي فيها كانت ذات قيمة سياسية وعسكرية هائلة. وهكذا أصبح بيت روتشيلد شريكاً مالياً في واحدة من أهم عمليات التوسع الإستراتيجي البريطاني في الشرق. وبعد ذلك بسنوات، دخل رأس المال المرتبط بالعائلة نفسها إلى مشروع الإستيطان اليهودي في فلسطين.
إدموند روتشيلد: المال الذي سبق الوعد
منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأ البارون إدموند دي روتشيلد في تمويل المستوطنات اليهودية في فلسطين. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين والتر روتشيلد الذي تلقى رسالة بلفور، وإدموند دي روتشيلد الذي كان من أهم الممولين الأوائل للمشروع الإستيطاني اليهودي في فلسطين. كان إدموند يمول شراء الأراضي، وإنشاء المستوطنات، وتطوير الزراعة، وتوفير البنية التحتية اللازمة لبقائها. أي أن المال لم يصل إلى فلسطين بعد صدور وعد بلفور. المال كان موجوداً قبل بلفور بسنوات طويلة. كان يشتري الأرض ويؤسس المستوطنات ويمهّد لبناء واقع جديد على الأرض. وعندما جاء الإعتراف البريطاني عام 1917، لم يبدأ المشروع من الصفر؛ بل وجد أمامه قاعدة مادية وسياسية كانت قد تشكلت جزئياً بفضل التمويل. وهذه نقطة أساسية لفهم العلاقة بين المال وبلفور.
وايزمان: ليس مصرفياً بل مفتاحاً سياسياً
أما حاييم وايزمان فكان دوره مختلفاً تماماً. لم يكن مصرفياً من عائلة روتشيلد، ولم يكن ممثل رأس المال المصرفي. كان كيميائياً يهودياً مولوداً في روسيا، وأصبح أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية. لكن الحرب العالمية الأولى منحته نفوذاً من نوع آخر. فقد ساهم في تطوير عملية لتخمير الأسيتون، وهي مادة مهمة في صناعة الكوردايت المستخدم في الذخائر البريطانية. هذه المساهمة العلمية فتحت له أبواباً لم تكن متاحة لغيره، وأوصلته إلى دوائر عليا في الحكومة البريطانية، من بينها لويد جورج وبلفور. وهنا يصبح الفرق بين الرجلين حاسماً: روتشيلد يمثل قناة المال والنفوذ المالي؛ وايزمان يمثل قناة الحركة الصهيونية والإتصال السياسي بالحكومة البريطانية.
الأول لم يكن بحاجة إلى إختراع مشروع صهيوني؛ المال كان يمول جذوره بالفعل. والثاني لم يكن بحاجة إلى إمتلاك مصرف؛ كان بحاجة إلى الوصول إلى مركز القرار. عندما التقت القناتان، المال من جهة، والسياسة من جهة أخرى، أصبح المشروع الصهيوني قادراً على الإنتقال من المستوطنات والمبادرات الخاصة إلى مستوى السياسة الإمبراطورية.
لماذا إحتاجت بريطانيا إلى الحركة الصهيونية؟
كانت لندن تنظر إلى الشرق الأوسط بعد الحرب بإعتباره جزءاً من مستقبل إمبراطوريتها. وفلسطين تحديداً كانت ذات أهمية إستثنائية بسبب موقعها بالقرب من مصر وقناة السويس، وعلى الطريق المؤدي إلى آسيا والهند. لذلك لم يكن دعم المشروع الصهيوني مجرد مسألة تعاطف ديني مع اليهود. كان هناك حساب إمبراطوري. وكان هناك أيضاً إعتقاد لدى بعض صناع القرار البريطانيين بأن الحركة الصهيونية يمكن أن تكون ذات فائدة سياسية لبريطانيا، خصوصاً في الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا. وهنا دخلت الأموال والنفوذ الصهيونيان في الحساب البريطاني. فالحركة الصهيونية كانت تمتلك شبكات دولية، ورجال أعمال، وممولين، ومنظمات سياسية، وقدرة متزايدة على التأثير في الرأي العام. وكانت بريطانيا، التي تحتاج إلى كل حليف ممكن في الحرب، ترى في هذه الشبكات قيمة سياسية.
ثلاث وعود وأرض واحدة
المفارقة أن بلفور لم يأتِ في فراغ دبلوماسي. فبريطانيا كانت قد فتحت، عبر مراسلات حسين ـ مكماهون، باب الوعود للعرب بشأن الإستقلال. وفي الوقت نفسه، عقدت اتفاقية سايكس ـ بيكو السرية مع فرنسا لتقسيم مناطق النفوذ في المشرق. ثم جاءت رسالة بلفور لتمنح الحركة الصهيونية وعداً ثالثاً يتعلق بفلسطين. ثلاثة مسارات، وثلاثة أطراف، وأرض واحدة. لكن الطرف الفلسطيني لم يكن حاضراً في صياغة أي من هذه الترتيبات. وهنا تظهر القوة الحقيقية للمال السياسي والإمبراطوري: من يملك النفوذ لا يحتاج بالضرورة إلى إمتلاك الأرض كي يقرر مستقبلها.
هل كانت صفقة مصرفية؟
إذا كان المقصود بالصفقة المصرفية وجود وثيقة سرية تقول إن بريطانيا حصلت على مبلغ محدد مقابل إصدار إعلان بلفور، فهذه ليست الطريقة التي تعمل بها الصفقات الكبرى بين المال والسياسة. أما إذا كان المقصود أن المال والنفوذ المالي كانا جزءاً من البيئة التي أنتجت الإعلان، وأن المشروع الصهيوني كان يعتمد على رأس المال قبل أن يحصل على الإعتراف البريطاني، وأن علاقات بيوت المال بالدولة البريطانية كانت عميقة وقديمة، فإن الصورة تصبح مختلفة تماماً. فالمال لم يكن تفصيلاً هامشياً. كان أحد الأعمدة التي وقف عليها المشروع الصهيوني. والسياسة البريطانية لم تكن غافلة عن ذلك. والأهم أن الإعلان نفسه لم يأتِ من مؤسسة يهودية إلى حكومة بريطانية، بل صدر عن الحكومة البريطانية موجهاً إلى رجل من أبرز وجوه المال والنفوذ اليهودي في بريطانيا. لهذا يمكن فهم «الصفقة» بمعناها الأوسع: رأس مال يمهّد، وحركة سياسية تضغط، وإمبراطورية تبحث عن مصالحها، وحكومة تصدر الوعد في اللحظة التي تتقاطع فيها هذه المصالح.
67 كلمة غيّرت التاريخ
لم يكن إعلان بلفور مجرد جملة عابرة في تاريخ الدبلوماسية البريطانية. لقد أعطى المشروع الصهيوني شيئاً بالغ الأهمية: الغطاء السياسي لإمبراطورية كبرى. وبذلك إنتقل المشروع من مرحلة التمويل والهجرة والإستيطان إلى مرحلة جديدة أصبح فيها مدعوماً بوعد صادر عن القوة الإمبراطورية التي ستسيطر على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى. أما الفلسطينيون، أصحاب الأرض، فلم يكونوا طرفاً في الصفقة السياسية التي أعادت تعريف مستقبل بلادهم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا قالت رسالة بلفور؟ بل: من كان يملك المال، ومن كان يملك النفوذ، ومن كان يملك القدرة على تحويل الوعد إلى واقع؟ عندما نضع روتشيلد ووايزمان وبريطانيا والحرب واالمال في المشهد نفسه، يصبح إعلان بلفور أقل شبهاً بوعد أخلاقي وأكثر شبهاً بلحظة إلتقاء مصالح كبرى، كان ثمنها في النهاية أرضاً لم تكن بريطانيا تملكها، وشعباً لم يُستشر في مصيره.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ
...
-
جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
-
حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
-
إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
-
ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ
...
-
نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال
...
-
«الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ
...
-
ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على
...
-
جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي
...
-
ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا
-
هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟
-
الصهيونية الليبرالية في مرآة كيتلين جونستون
-
من باب المندب إلى القطب الشمالي: حين تعود الجغرافيا لتصنع طر
...
-
بين الحياد المستحيل و«إقتصاد الحرب»: لماذا يقترب رأس المال ا
...
-
ألكسندر دوغين و«الحرب الحضارية» ضد الغرب
-
تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع
...
-
ستة أشهر من الحرب على إيران: كيف إنقلب الرهان الأمريكي على إ
...
-
ألكسندر دوغين - الحداثة المشوهة (الأركيومودرن)، النخب والعمل
...
-
الولايات المتحدة الإسرائيلية؟
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1
...
المزيد.....
-
-الحرية لفلسطين- تشعل أزمة.. انسحاب جماعي من جولة إد شيران ت
...
-
فيديو منسوب لهجوم حوثي على مطار جدة.. هذه حقيقته
-
الحوثيون يعرضون مشاهد توثق -إسقاط مقاتلة F-15 سعودية- وحطامه
...
-
اجتماع -سريّ- بين واشنطن والحوثيين في مسقط.. و-تعهّد- بشأن ا
...
-
بكين تدخل على خط المواجهة بين طهران وواشنطن.. الصين تطالب بف
...
-
حريقٌ هائلٌ في إقليم فالنسيا يلتهم 690 هكتاراً بعد أشدّ صيفٍ
...
-
-نتلقى الضربات في وجوهنا-.. جنود أمريكيون يسرّبون صوراً صادم
...
-
بعد تهديدات -البديل- بترحيلهم.. القلق يخيّم على السوريين في
...
-
فوكس نيوز: سفينة متعاقدة مع الولايات المتحدة تعرضت لضربة إير
...
-
واشنطن تتجه للموافقة على صفقة أسلحة لإسرائيل بـ2,8 مليار دول
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|