|
|
ألكسندر دوغين - الحداثة المشوهة (الأركيومودرن)، النخب والعملية العسكرية الخاصة (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 14:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
3 أيلول سبتمبر 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
المذيع: لنبدأ بتحول جديد، أو على الأقل بتحول جديد نسبيًا. أقصد هنا الإنهيار الذي نشهده في البنية التحتية لجنوب أوكرانيا، وفي منظومتها اللوجستية، بما في ذلك النقل البحري وغير البحري، وهو أمر لا يخلو من مشاركة فاعلة من جانب القوات الجوية والفضائية الروسية. وهناك رأي، لا يقتصر على خبرائنا وحدهم، بل يشارك فيه أيضًا متخصصون غربيون، مفاده أن هذا التطور قد يؤدي إلى خسارة أوكرانيا مقاطعة أوديسا. دعنا نحاول أن نفهم كيف يمكن أن يحدث ذلك، خصوصًا أن خطوط الإمداد البرية بين المناطق الشمالية وأوديسا ما تزال قائمة من الناحية الرسمية. ومع ذلك، سيكون من المثير جدًا أن نسمع رأيك. ألكسندر دوغين: أولًا، لا أستعجل القول إن أوكرانيا تفقد الآن، في هذه اللحظة، مقاطعة أوديسا. لكن ما يحدث بالفعل، وبصرف النظر عن مصدر التحليل، سواء كان روسيًا أو غربيًا أو حتى أوكرانيًا، هو أن أوكرانيا تفقد بصورة لا لبس فيها منفذها إلى البحر. وهذا أمر بالغ الأهمية. فمهما بلغ التطور التكنولوجي والرقمي، ومهما تطورت الطائرات المسيّرة ووسائل الإتصال والنقل الحديثة، تظل اللوجستيات البحرية عاملًا أساسيًا. وبعبارة أخرى، فإن حرمان أوكرانيا من منفذها البحري، وإغلاق ميناء أوديسا، ووقف تدفق السلع والخدمات والأسلحة والمواد عبره، يمثل خطوة هائلة. فأوكرانيا بذلك تفقد منفذها إلى المحيط المفتوح، الذي كانت تحصل عبره بإستمرار على دعم هائل لبنيتها التحتية. وبالطبع، من الواضح أنه كان ينبغي القيام بذلك منذ وقت طويل، منذ البداية. لكن دعونا نمتنع نهائيًا عن إستخدام هذه الحجة؛ لأن روسيا، في كل شيء تقريبًا، تتأخر دائمًا. في كل شيء، ودائمًا! ومع ذلك، ينتهي الأمر في نهاية المطاف، بطريقة أو بأخرى، إلى أن تسير الأمور على النحو الذي نحتاج إليه، لأن الحقيقة في صفنا. نعم، نحن نرتكب الأخطاء. وهذا أصبح من قبيل «البديهيات التي لا تحتاج إلى من يذكّر بها»: لم يكن ينبغي أن ندخل أصلًا في صفقة الحبوب، ولم يكن ينبغي أن نتوصل إلى تفاهمات إسطنبول، ولم يكن ينبغي أن نبني شيئًا إسمه «روح أنكوراج»... لكننا نرتكب الخطأ مرة أخرى، ثم نعود فنصححه.
المذيع: عذرًا على المقاطعة. هل تقصد إذن أنه لم يكن ينبغي للرئيس بوتين أن يتحاور أصلًا مع ترامب؟
ألكسندر دوغين: لا، كان ينبغي له أن يتحاور مع ترامب. لكن ما لم يكن ينبغي فعله هو تضخيم التوقعات حول هذا الحوار، وإحاطته بسحابة من الآمال المبالغ فيها بشأن التوصل السريع إلى هدنة. أما الذهاب إلى أنكوراج أو إلى أي مكان آخر للقاء ترامب والتحاور معه، فهذا كان صحيحًا تمامًا. الرئيس يتخذ الخطوات الصحيحة، لكن خطواته الصحيحة تُغرق فورًا في سياق خاطئ، وهذا هو الأمر القاتل. فمهما فعل، سرعان ما تبدأ النخب في تفسير كلماته وأفعاله تفسيرًا مشوهًا. ومن هنا نشأت أنكوراج الصحيحة، ثم ظهرت «روح أنكوراج» الخاطئة. أما المحاولة نفسها لحل خطر المواجهة النووية المباشرة بين قوتين عظميين، من خلال الحوار مع ترامب، فهي خطوة صحيحة تمامًا. لكن ما أُضيف إليها من طبقات وتوقعات سياسية كان خاطئًا تمامًا. والأمر نفسه ينطبق على قضايا كثيرة أخرى. هناك من يقول لنا دائمًا: «ألم نقل لكم ذلك؟ لقد فعلتم الشيء نفسه مرة أخرى، وكان ينبغي أن تبدأوا قبل أربع سنوات، أو في عام 2014، بل في عام 1991». في رأيي، ينبغي أن نشطب هذه الحجة نهائيًا من حساباتنا. نعم، كان ينبغي ألا نسمح بتفكك الإتحاد السوفياتي عام 1991. وكان ينبغي أن نتعامل مع أوكرانيا بجدية طوال السنوات الست والعشرين التالية. وكان ينبغي أن نبدأ العملية العسكرية الخاصة عام 2014، بل وربما قبل ذلك. كل هذا كان ينبغي فعله، لكننا لم نفعله. وكان ينبغي أيضًا تدمير ميناء أوديسا منذ بداية العملية العسكرية الخاصة، عندما كنا لا نزال نسيطر على جزيرة الثعبان، تلك النقطة الإستراتيجية في غرب البحر الأسود. لكن دعونا نتعامل مع الأمر مرة واحدة وإلى الأبد بإعتباره حقيقة واقعة: روسيا تتأخر دائمًا في كل شيء. فنحن لا نجيد العمل بطريقة أخرى. إذن، سنواصل القيام بكل شيء متأخرًا، وربما لا يمكن إصلاح هذه العادة أصلًا. وإذا كنا عاجزين عن تغيير ميلنا إلى التحرك بعد فوات الأوان، فلنقبل الأمر بوصفه حقيقة. سنظل نتأخر بإصرار ومنهجية في كل شيء، ولعلنا، رغم ذلك، نصل إلى خط النهاية في الوقت المناسب. لقد حدث شيء من هذا القبيل في تاريخنا من قبل. كل هذه الإنتقادات صحيحة، لكنها لا تغير شيئًا. نحن نحب أن نقول إن الأوكرانيين يواصلون الوقوع في الحفر نفسها، نعم، إنهم يفعلون ذلك بإستمرار؛ وهذا هو قدرهم ولعنتهم. لكن ربما لدينا نحن أيضًا شيء مشابه. لذلك دعونا نتوقف عن إستخدام هذه الحجة. ما الذي يحدث الآن تحديدًا؟ إننا نقوم بخطوة بالغة الأهمية: نحول أوكرانيا إلى كيان بري محض، عبر قطع جميع صلاتها بالبحر. وهذا أمر جوهري. في الواقع، ينبغي شل النشاط البحري الأوكراني برمته، والوصول إلى نهايته. أما كيف ستتطور المرحلة التالية من العملية، فهذا ما سيظهره الوقت. هل سيكون هناك إنزال بحري؟ هل سندخل من البحر أم من البر؟ هل ستُمحى أوديسا من وجه الأرض عبر الضربات الجوية والصاروخية، بدءًا من الأهداف العسكرية والمنشآت والبنى التحتية؟ أعتقد أننا لم ندخل هذه المرحلة بعد. لكننا بدأنا الآن، وبشكل متسق إلى حد بعيد، العمل على عزل أوديسا وأوكرانيا بأكملها عن البحر. هذه خطوة جيوسياسية جوهرية ستجعل أوكرانيا تعتمد بصورة حصرية على صلاتها البرية بأوروبا. ومن منظور الجغرافيا السياسية، وقبل أن نتحدث عن تحرير مقاطعة أوديسا نفسها، من الضروري حيويًا تدمير البنية التحتية للموانئ بكل الوسائل المتاحة لنا. ثم تأتي المرحلة التالية: بعد فصل أوكرانيا عن البحر، ينبغي فصلها أيضًا عن البر، لأن عدد شرايين الإتصال البرية هناك محدود أيضًا، وليست بلا نهاية. إذا تصورنا الخريطة الجغرافية للحدود الغربية لأوكرانيا، فسيتضح أن عدد الممرات التي يمكن عبرها تقديم مساعدات عسكرية وطاقة بصورة منهجية وواسعة محدود للغاية. وبعبارة كبيرة، لدينا كل الموارد اللازمة لتدمير هذه الممرات. ويمكننا أن نتحرك هنا بصورة متدرجة ومنهجية، وبطريقة صحيحة. هذا الصباح قرأت مقالًا مثيرًا للإهتمام حول طريقة جديدة في برمجة الذكاء الإصطناعي تُعرف باسم «إدارة الرسوم البيانية». إنها فكرة دقيقة للغاية. جوهرها أن بالإمكان زيادة كفاءة العمل مع الذكاء الإصطناعي بدرجة كبيرة، أحيانًا عدة أضعاف، بل وربما مراتب كاملة، إذا جرى توزيع الوظائف المختلفة على وكلاء أو عملاء متعددين، أو إذا أسقطنا الفكرة على إدارة الدولة، على الوزارات والهيئات والمؤسسات المختلفة، بحيث تعمل بالتوازي بدلًا من إنتظار إنتهاء أحدها من مهمته كي تبدأ الجهة التالية عملها. وبالطبع، هناك حالات تكون فيها التسلسلية الصارمة ضرورية منطقيًا. وهذه هي ما يسمى في لغة الرسوم البيانية بـ الحواف (Edges)، أي الأسهم الموجهة التي لا يمكن عندها تفعيل المورد أو المرحلة التالية إلا بعد إكتمال المرحلة السابقة. لكن في حالات كثيرة لا توجد مثل هذه العلاقة الزمنية. ومع ذلك، فإننا، بحكم العادة، نواصل العمل بطريقة خطية: أولًا هذا، ثم ذاك، ثم الثالث. وهنا توضح لنا إدارة الرسوم البيانية بدقة أين تكون هذه التسلسلية ضرورية فعلًا، وأين يمكن تجاوزها. وإذا طبقنا هذا المبدأ على الإستراتيجية العسكرية، فربما لا ينبغي لنا أن ننتظر حتى نقطع أوكرانيا عن البحر بالكامل لكي نبدأ بالعمل على عزلها برًا. يمكننا أن نعمل على الأمرين بالتوازي. ينبغي أن نتحرك وفق مبدأ «الكيس» أو «الحقيبة»: أن نضع أوكرانيا داخل كيس محكم، ونغلق جميع منافذها، البحرية والبرية على حد سواء، من دون إنتظار إكتمال كل خطوة على حدة.
في برمجة الرسوم البيانية للذكاء الإصطناعي، هناك مفهوم يُعرف باسم «الألماسة» أو «المعين»: نبدأ أولًا بتوزيع الوظائف وتشتيتها على مسارات متوازية، ثم نجمع النتائج التي تم التوصل إليها في نهاية المطاف، بدلًا من جرّ العملية كلها يدويًا خطوة بعد أخرى. وإذا نقلنا هذا المبدأ «الألماسي» إلى الإستراتيجية العسكرية، فقد نحصل على نتائج مذهلة. بدأ الجميع الآن تقريبًا يقرّ بأن المبادرة تنتقل تدريجيًا إلى جانبنا. قبل شهرين أو ثلاثة فقط، حين كانت الآمال معلقة على تلك الهجمات التي إستمرت أربعين يومًا، والتي شنها زيلينسكي على المناطق الداخلية من روسيا، كان هناك من يعتقد أنها ستقلب موازين الوضع لمصلحة كييف. لكنها لم تُحدث أثرًا إستراتيجيًا. نعم، ألحقت بنا الألم وتسببت في خسائر جسيمة، لكنها لم تغير الوضع الإستراتيجي. أما الآن، فإننا نحن من يصنع هذا التحول. كيف يمكن تثبيت هذا التحول، الذي لم يصل بعد إلى مرحلة الحسم النهائي؟ هنا تحديدًا يمكن الإستفادة من مبدأ توزيع الوظائف. نفعل شيئًا في إتجاه معين، وبالتوازي تعمل قوات أخرى في إتجاه ثانٍ، وثالث، ورابع. نحن بحاجة إلى تزامن مطلق؛ إلى تحقيق النصر من خلال مجموعة كبيرة من الجهود المتضافرة والمتجهة بصورة تكاملية نحو هدف واحد، بحيث لا يكون هناك شيء يمكن إعتباره ثانويًا، بما في ذلك المجال المعلوماتي. أنظروا إلى السياسة الداخلية. إبعاد حزب «يابلوكو» الخائن، المؤيد للمرحلين إلى الخارج والمدرج في قوائم «العملاء الأجانب»، عن الإنتخابات؛ والحد من عرض الأفلام الغربية البغيضة؛ والتصدي للشبكات المعادية داخل روسيا، بالتوازي مع توجيه ضربات قوية جدًا إلى البنية التحتية الأوكرانية. في السابق لم نكن نتحرك بهذه الكثافة. كنا نراعي بعض الأهداف ونحجم عن إستهدافها، على أمل أننا سنضطر نحن أنفسنا لاحقًا إلى إعادة بناء كل شيء. أما الآن، فنحن نتخلص من هذه الغشاوات الداخلية، ومن أسر الإستراتيجيات التي أثبتت عدم جدواها. عنادنا الروسي سلاح ذو حدين. إذا نظرنا إلى الأوكرانيين، نجد أن عنادهم يحمل طابعًا تدميريًا، لكنه يمنحهم في الوقت نفسه قدرًا من الصمود. ولدينا نحن أيضًا هذا العناد. فإذا لم ينجح شيء، نحاول إختراق الجدار حتى النهاية، كما حدث مع ما سمي بـ«روح أنكوراج»، التي ظللنا نؤمن بها إلى أن تبددت تمامًا. لكن ينبغي أن نفهم شيئًا: الغرب، سواء كان ترامب أو غيره، لا يأخذ في الحسبان إلا الأقوياء، ولا يحترم إلا المنتصرين. لن يكون من الممكن الحفاظ على البنية التحتية للمجتمع الأوكراني في ظل هذه الحرب المروعة. سيتعين إعادة بناء كل شيء من جديد، وسيتعين علينا نحن وحدنا أن نقوم بذلك، إذ لم يعد هناك من يمكن التعويل عليه. وبالتالي، لا بد لنا من الإنتصار بأي وسيلة، وأن نتحرك بنشاط بالغ وفي جميع الإتجاهات في آن واحد، وفق مبدأ إدارة الذكاء الإصطناعي عبر الرسوم البيانية: نوزع الجهود، ونوجه ضربة ساحقة من جميع الجهات، ثم نراقب النتيجة، وبعد ذلك سنعيد البناء.
المذيع: لكن الأمر يشبه، كما تعلم، ما يحدث في السينما. فالمشاهد لا تُصوَّر بالضرورة وفق التسلسل الزمني؛ قد يصور المخرج المشهد الأخير أولًا، ثم مشهد البداية، ثم الوسط، وفق ما يراه مناسبًا وما يتطلبه العمل. لكن القضية ليست هنا أصلًا. ما رأيك في إفتراض آخر؟ ربما كانت كل هذه الأحاديث عن «روح أنكوراج» في الحقيقة حيلة ذكية ومتعمدة من جانب سلطاتنا، حتى لا يجري دفعنا إلى توقيع أي وثائق غير مواتية لنا. أي أننا، بفضل «روح أنكوراج» هذه، نواصل ببساطة القيام بما ينبغي علينا القيام به: التقدم على خط الجبهة وإنجاز المهام، ومنها تحديدًا تلك التي تحدثت عنها للتو. أليس الأمر كذلك؟ أوكرانيا لا تنفذ شيئًا ولا تريد تنفيذ شيء، ونحن نواصل بهدوء عملنا، وفي الوقت نفسه نستمر في الحديث عن أنكوراج. أم أن الأمر ليس كذلك؟ هل كنا فعلًا نؤمن بكل هذا؟
ألكسندر دوغين: المسألة أن الرئيس، وهذا أمر واضح تمامًا، يفهم دائمًا كل شيء ويمسك بزمام الوضع. لكن المشكلة أننا خلقنا، حول فكرة «روح أنكوراج»، توقعات غير صحية ووهمية لدى جزء معين من مجتمعنا. كان الناس يعتقدون بصدق أن إتفاقًا سيُبرم قريبًا بين القيادات العليا، وأن الحرب ستنتهي، وأن كل شيء سيعود إلى ما كان عليه قبل الحرب. لكن هذا لن يحدث أبدًا. الحرب لم تدخل بأي حال من الأحوال مرحلتها النهائية. وما يزال أمامنا بذل جهود هائلة. ومثل هذه الأوهام لا تؤدي إلا إلى إرخاء عزيمة الناس، وخلق رسالة خاطئة تمامًا داخل المجتمع وعلى الجبهة. لقد كان الضرر الناجم عن هذه المسألة أكبر بكثير من فائدتها. أما إرسال مثل هذه الإشارات عبر القنوات الدبلوماسية المغلقة، بواسطة المبعوثين والقنوات الخاصة، فلا بأس بذلك. لكن لم يكن ينبغي لمجتمعنا أن يعرف عنها. فالخدعة العسكرية سُميت خدعة لأنها موجهة إلى الخصم. أما ما حدث لدينا فكان العكس تمامًا: الخصم لا يصدق هذه الرواية، وقد فهم منذ زمن ما يجري، بينما نواصل نحن «إغراق» مواطنينا بهذه القضية الفارغة والفاشلة. صحيح أن هذا يعكس، من ناحية، إصرارنا وإتساقنا؛ فإذا بدأنا في فعل شيء، نحاول المضي به حتى النهاية. لكن في مرحلة ما، لا بد للمجتمع من إجراء اختبار للواقع (Reality Check): أن يفهم إلى أين نتجه أصلًا، وهل نحن نفعل الشيء الصحيح أم لا. من الواضح أن الشعب يتحول أحيانًا إلى ما يشبه القط الذي ينظر إلى التلفاز ويحرك ذيله، لكن هل يفهم حقًا ما يجري حتى النهاية؟ كنت أتمنى أن تكون تحركاتنا الإعلامية قادرة فعلًا على تضليل أولئك الذين نخطط لخداعهم، لا أن تخدع أبناءنا، والأسوأ من ذلك، أن تخدعنا نحن أنفسنا. وهنا تكمن المسألة الأساسية.
المذيع: هناك نقطة أخرى مهمة جدًا أثارت إعجابي منذ بداية العملية العسكرية الخاصة. فقد أظهر مجتمعنا قدرًا كبيرًا من الوحدة، وإن لم تكن وحدة كاملة بنسبة مئة في المئة. كنت أعتقد أن الأمر قد يشهد إضطرابات وإنقسامات، وأن تظهر ظواهر مختلفة ليست بالضرورة إيجابية. لكن الآن، ومن وجهة نظرك، وبعد مرور كل هذه السنوات، هل مجتمعنا موحد فعلًا؟ وما العمليات أو الإتجاهات التي تجري في داخله وربما تعوق هذه الوحدة أو تساعد عليها؟ ألكسندر دوغين: المثير للإهتمام أن أشد من رفض العملية العسكرية الخاصة منذ بدايتها لم يكونوا من عامة الشعب، بل من ممثلي النخبة. بين المرحّلين إلى الخارج و«العملاء الأجانب»، يكاد لا تجد أشخاصًا عاديين؛ يمكن أن تجد واحدًا أو اثنين، وربما هرب بعضهم لمجرد أنهم رأوا الآخرين يهربون، وفق مبدأ: «الجميع يركض، وأنا أركض معهم». لكن الغالبية كانت من النخبة. في الحقيقة، حدثت الخيانة الأساسية ليس في صفوف الشعب، بل في القمة. أولئك الذين شاركوا في وقت من الأوقات في تفكيك الإتحاد السوفياتي، وصفقوا للإصلاحات الإجرامية في تسعينيات القرن الماضي، وشكلوا جزءًا كبيرًا من نخبنا السابقة؛ هؤلاء تحديدًا هم الذين رفضوا التحول نحو السيادة الكاملة لبلدنا، ذلك التحول الذي حدده الرئيس. إذن، المسألة ليست مسألة المجتمع. هؤلاء هم الذين صنعوا وهم وجود حركات إحتجاجية، ونوعًا من الإستياء الليبرالي الديمقراطي من نهج رئيسنا.
المذيع: لكن النخب هي أيضًا جزء من المجتمع، أليس كذلك؟ أم لا؟
ألكسندر دوغين: إنها جزء خاص من المجتمع. إنها أقلية. في أفضل الحالات، تمثل النخبة أفضل ما في الشعب، لكن هذا لا يحدث دائمًا. فأحيانًا تتسلل إليها كميات هائلة من العناصر الرديئة. وللأسف، هذا تحديدًا ما حدث في أواخر الحقبة السوفياتية وفي تسعينيات القرن الماضي. نخبتنا هي المشكلة. إنها ليست مرآة للشعب، وإنما مرآته المشوهة. وهناك تحديدًا كانت تتركز مشاعر المعارضة، وليس في المجتمع ككل. وعندما غادر هؤلاء المرحّلون روسيا، فإن ما بقي، أي المجتمع والجزء المتبقي من النخبة، بدا أكثر صحة وتماسكًا بكثير. تسألني كيف يتعامل الناس اليوم مع العملية العسكرية الخاصة. أعتقد أنهم لم يعودوا يشعرون بالإرهاق من العملية العسكرية الخاصة نفسها، بقدر ما يشعرون بالإرهاق من حالة عدم اليقين، ومن التأخير والتردد. يمكننا أن نميز في المجتمع إتجاهين رئيسيين. ▪️الأول يضم أشخاصًا يدركون اللحظة التاريخية إدراكًا كاملًا، ويقولون: دعونا ننتصر، دعونا نخوض الحرب فعلًا. وهؤلاء يشكلون جزءًا كبيرًا من مجتمعنا. وهم غير راضين عن بطء تطور الأحداث، ويريدون تحركات أكثر حسمًا. ▪️أما الإتجاه الثاني فيضم أشخاصًا أكثر سذاجة، وأقل عمقًا في فهم حدة اللحظة التاريخية. كل ما يريدونه هو أن تنتهي الأمور بأسرع وقت ممكن، من دون أن تكون لديهم إجابة واضحة عن السؤال الأساسي: ما حجم التضحيات والجهود اللازمة لتحقيق ذلك؟ ومع ذلك، هناك اليوم إجماع كامل داخل المجتمع. أولًا، الجميع يدركون مشروعية العملية العسكرية الخاصة ويدعمون الرئيس. والجميع يدركون خطورة التحدي الحضاري الذي أطلقناه في مواجهة الغرب الجماعي. هذا إدراك عام وشامل. ومع ذلك، تتراكم لدى الناس تدريجيًا أسئلة موجهة إلى الدولة. وكان من الممكن تبديد هذه الأسئلة لو أننا أسرعنا قليلًا، ودخلنا في حالة من الإنسجام مع التوقعات الحقيقية للشعب.
المذيع: في ختام الموضوع الذي تطرقنا إليه، قلت إن النخب التي لم تتقبل العملية العسكرية الخاصة قليلة العدد، بل إن كثيرًا منها غادر البلاد أصلًا. وهذا، بالمناسبة، يمكن إعتباره أيضًا نتيجة إيجابية للعملية العسكرية الخاصة، أي تطهير المجتمع الروسي، كما يبدو لي. لكنكم تكتبون في الوقت نفسه عن إحتمال نشوء نوع من عدم التوافق بين أجزاء مختلفة من مجتمعنا، بحيث تبدأ هذه الأجزاء في التطور والعمل بصورة منفصلة عن بعضها، الأمر الذي قد يقود في نهاية المطاف إلى التفكك، بل إنكم تستخدمون المصطلح نفسه. إلى أي مدى ترون هذا الخطر كبيرًا اليوم؟ وكيف يمكن تقييمه؟
ألكسندر دوغين: أعتقد أن الحديث هنا يدور حول ما يسمى في الطب «التشوّه الخِلقي» (Malformation). والتشوه الخِلقي هو نمو غير سليم لأعضاء الجنين البشري، يؤدي إلى أشكال مختلفة من التشوه، بحيث توجد الأعضاء في غير مواضعها الطبيعية. أي أن المخطط الأصلي، صورة الإنسان، ومسار تطوره عبر جميع المراحل من لحظة الحمل إلى الولادة، ينحرف عن الغاية التي كان ينبغي أن يصل إليها. أما الغاية من ولادة الطفل وتربيته، فهي تكوين شخصية متكاملة، يكون فيها كل شيء في موضعه الصحيح: في الجسد، وفي الروح، وفي الوعي. تلك هي الحالة الطبيعية. لكن حركة نمو الجنين وتكوينه لا تسير أحيانًا وفق الخطة المرسومة. ويحدث خلل في تلك العملية الهائلة التي ينبغي خلالها أن تنتظم جميع الأعضاء في ترتيبها الصحيح. فتفقد المنظومة تكاملها، وتبدأ بعض أجزائها في التطور وفق منطق مستقل تمامًا. وفي الطب يُطلق على هذه الحالة اسم التشوه الخِلقي. وإذا أسقطنا هذا المفهوم على تجربتنا التاريخية، وعلى روسيا تحديدًا، نجد أن شيئًا مشابهًا لاحظه كل من شبنغلر وعدد من المراقبين الخارجيين، وكذلك مفكرو التيار السلافي الروسي في القرن التاسع عشر. لقد تحدثوا عن عملية تجري في روسيا يمكن تسميتها بـ**«التشكل الزائف» (Pseudomorphosis)**، أو، وفق المصطلح الذي أفضل إستخدامهُ أنا، «الأركيومودرن» أو الحداثة المشوهة. ماذا يعني ذلك؟ لقد تدخلت النزعة التغريبية في عملية نضج مجتمعنا، وفي التوازن المعقد للغاية بين الشعب والسلطة؛ وهو توازن لم يكن بسيطًا في أي وقت، بل ظل يتشكل ويُعاد تشكيله ويتعرض للتشويه بإستمرار. لقد تدخلت فيه تجربة الغرب، أي تجربة كيان مختلف تمامًا وحضارة مختلفة تمامًا، فأدت إلى تشويه عميق للعمليات الداخلية لمجتمعنا. في القرن التاسع عشر، أدرك مفكرو التيار السلافي الروسي، وبصورة أكثر وضوحًا فيودور دوستويفسكي، أن هذا الأمر يمثل مرضًا. إن تغريب المجتمع الروسي هو حالة مرضية، إنه تشوه في بنية المجتمع. إنه أشبه بأن يصبح العضو الموجود في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه الرأس عضوًا آخر، وأن تحل ساق محل الذراع. وقد جسّد دوستويفسكي هذا الكائن الاجتماعي المشوه في رواياته، ولا سيما في «الشياطين» و**«الإخوة كارامازوف»** وغيرها. المجتمع مصاب بمرض التغريب، ودوستويفسكي وضع له تشخيصًا دقيقًا. وفي شخصية سميردياكوف في «الإخوة كارامازوف»، رسم دوستويفسكي صورة صافية للغربي الروسي. فسميردياكوف، رغم كونه روسيًا من الناحية الشكلية، مخلص تمامًا للغرب؛ بل إنه يتمنى صراحة أن تهزم روسيا وأن تنتصر «الأمة الفرنسية المتحضرة» على «الأمة الروسية غير المتعلمة والمتخلفة». أما غريغوري، الخادم العجوز، وهو رجل طيب ومخلص، فيتحدث عنه بوصفه تنينًا، أو شيئًا أشبه بـ«رطوبة الحمّام»، في إشارة إلى إختلاط الطبائع فيه، بل يطلب حتى ألا يُعمَّد سميردياكوف. إنه يدرك أننا نمنح صفة الإنسان السوي لكائن منحرف، لكائن مرضي، سيعود يومًا ليحاسبنا على كل شيء. وهذا ما يحدث بالفعل؛ إذ يصبح سميردياكوف قاتلًا، رغم أن ميتيا هو الذي يُحاكم في النهاية. وسميردياكوف هو الابن غير الشرعي لكارامازوف نفسه. وهكذا فإن نخبتنا الليبرالية، والنزعة التغريبية الروسية، بوصفها حاملة لهذا التشوه، بما في ذلك بنياتها السياسية مثل حزب «يابلوكو» الذي أُبعد مؤخرًا عن الإنتخابات، تمثل تشوهًا داخليًا وإختلالًا وظيفيًا في مجتمعنا. إنها تعرقل عملية تشكل التاريخ الروسي بصورة سليمة، وإن كانت هذه العملية صعبة ومأساوية. إنها ثغرة في بنيتنا، وتدمير لتكاملها. وهذه النخبة الليبرالية، المعادية لروسيا في جوهرها، والتي بلغ فيها هذا التشوه مرحلته النهائية، هي التي نحاربها اليوم في أوكرانيا. أوكرانيا هي إنعكاسنا نحن. إنها صورتنا البشعة والمشوهة والمقلوبة، لكنها في الوقت نفسه صورة شديدة الحدة والتركيز لذواتنا في ذلك الجانب «السميردياكوفي» المنحرف. ولهذا تحديدًا تبدو المسألة على هذا القدر من الخطورة. قد تبدو كلمات مثل التشوه الخِلقي، والحداثة المشوهة، والتشكل الزائف معقدة؛ فهي مصطلحات علمية. لكن هذه هي بالضبط المهمة التي يُفترض أن ننجزها من خلال العملية العسكرية الخاصة. علينا أن نخرج إلى فضاء وجودنا التاريخي الرحب، في ظروف شديدة التعقيد، وتحت ضغط غربي هائل ومستمر. فالغرب لا يتغلغل فينا بالقوة المادية وحدها، محاولًا غزوَنا والسيطرة علينا، كما حدث في عهد نابليون وهتلر، أو كما يحدث، وفق هذا الطرح، في ظل السياسة الحالية لإدارة ترامب. إنه يتغلغل من الداخل أيضًا: من خلال تقنياته، وعملياته، وصوره، وأنماطه الثقافية، وقوة التأثير الناعمة (Soft Power). الغرب يفرض علينا عمدًا نموذجًا معينًا للتحرك في التاريخ، لأنه يخدم مصالحه، بحيث نضعف ونتفكك. وهو ما يشبه، إلى حد ما، ما حدث في الصين خلال حروب الأفيون، حين فتح الغرب الأسواق الصينية بالقوة وتحت التهديد العسكري، بهدف إفساد المجتمع الصيني وتفكيكه. هذا هو التأثير الغربي الداخلي الذي وجدنا أنفسنا في مواجهته. ولهذا تحديدًا فقدنا توازننا في تسعينيات القرن الماضي، وتخلينا عن دولتنا، وإتجهنا نحو عدونا الرئيسي، وإرتكبنا عددًا هائلًا من الأخطاء والجرائم؛ جرائم مكثفة، يمكن القول إنها من خصائص هذا التشوه. لكننا، في رأيي، وصلنا الآن إلى لحظة الشفاء العظيم. ينبغي لمجتمعنا أن يستعيد إنسجامه مع قيمه التقليدية. ولهذا تحديدًا تصدر المراسيم الرئاسية المتعلقة بالقيم التقليدية والتثقيف التاريخي. علينا أن نفهم بوضوح من نحن، ومن أين أتينا، وما طبيعتنا وهويتنا الحضارية، وماذا يعني أن نكون روسًا. هذه الحرب تجبرنا على تقديم أعمق الإجابات عن أسئلة لم نكن قادرين ببساطة على طرحها في أوقات السلم والراحة. في أيام السلم، نتفتت بسبب التفاصيل الصغيرة، ونغرق في شؤون الحياة اليومية والفردانية، من دون أن نلاحظ كيف تتسلل السموم المدمرة إلى وعي مجتمعنا، فتجعله أعزل وضعيفًا. أما اليوم، فقد وجدنا أنفسنا أمام صورة مرضنا الداخلي وقد أُخرجت إلى الخارج. فالنظام الأوكراني الحالي، وفق هذا المنظور، هو مرضنا نحن. تذكروا: نحن أنفسنا كنا نندفع نحو الغرب، نحو أوروبا وحلف الناتو، ونحلم بالسفر من دون تأشيرة وبمنطقة شنغن. كانت نخبتنا في تسعينيات القرن الماضي تحتقر الشعب الروسي وتكرهه، وتصف أنصار العدالة الإجتماعية والفكرة الوطنية بأنهم «حمر-بُنيون». كانت الروسوفوبيا سائدة هنا، داخل روسيا نفسها. ومن هذه البيئة تحديدًا نشأت تلك النخب التي إنفصلت عن البلاد وهربت منها بعد بدء العملية العسكرية الخاصة. أنتم محقون تمامًا: نحن نتحدث هنا عن إستعادة صحة مجتمعنا ونخبتنا. نحن ندفع ثمنًا هائلًا مقابل ذلك، لكن عملية التعافي مستمرة. ومن المهم جدًا أن ندرك حجم المشكلة. فنحن لا نتحدث عن خلل تقني عابر. إن العملية العسكرية الخاصة، وما ستقود إليه — وهي، في المستقبل القريب، لن تفعل إلا أن تتوسع — تمثل أعظم إختبار لشعبنا. لكنها في الوقت نفسه تمثل أعظم فرصة، وفرصة فريدة لإستيقاظنا الروحي، ولترسيخ وجودنا على طرقنا التاريخية والروحية الأصيلة.
المذيع: لكن من حسن الحظ أن الحرب تجري في جميع المجالات. ولا أقصد فقط الجو والبر والبحر؛ إنها تجري أيضًا في العقول والأرواح، وفي الإقتصاد، وبالطبع في ميدان المعركة. وهنا، ولحسن الحظ، تضطر الولايات المتحدة إلى تشتيت قواتها ومواردها، لأن بؤر مقاومة ظهرت في أكثر من مكان: الصين، بشكل أو بآخر، وإيران بالطبع، وغيرهما. أي أننا لسنا وحدنا، وإيران، بمقاومتها، تساعدنا. ومع ذلك، أعلن دونالد ترامب بالفعل عن هزيمة ساحقة للجانب الإيراني، وقال إن مضيق هرمز سيصبح جزءًا من الولايات المتحدة، وينتقل إلى الولاية القضائية الأمريكية. كيف تبدو الأمور على هذه الجبهة من وجهة نظرك؟
ألكسندر دوغين: هنا، كما في كل شيء آخر، أعتقد أنه ينبغي تجنب التصريحات الخفيفة والمستخفة بالواقع. من الواضح تمامًا أن ترامب ببساطة يخلط بين ما يتمناه وما هو واقع فعلي. لا توجد أي إنتصارات أمريكية، ولا أي سيطرة أمريكية على مضيق هرمز، حتى من قريب. المضيق يخضع حاليًا لسيطرة مزدوجة من إيران والأمريكيين في الوقت نفسه: من تسمح إيران بمروره توقفه الولايات المتحدة، ومن لم يتوصل إلى تفاهم مع إيران تتولى إيران نفسها إيقافه أو إعادته أو إغراقه. وبعبارة أخرى، نشأ هناك حصار مزدوج يكاد لا يمر عبره أحد. ولكي تحصل الولايات المتحدة على السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، عليها أن تسحق إيران سحقًا كاملًا، ونحن ما زلنا بعيدين جدًا عن مثل هذا الإحتمال، إن حدث أصلًا، في المستقبل المنظور. وهذا لا يعني أن مثل هذا التطور مستحيل؛ فأمريكا وحلف الناتو يمتلكان قوة هائلة. لكن إيران تواجههما بنجاح إستثنائي، وتقاتل ببراعة كبيرة. فبعد أن تلقت الضربة الأولى، أعادت تنظيم صفوفها، وأصبحت مستعدة لحرب طويلة مع الغرب بأسره. وقد بدأت في تحديد أكثر النقاط إيلامًا. وأعتقد أنها، عاجلًا أم آجلًا، ستبدأ بقطع الكابلات البحرية واحدًا تلو الآخر، وهي الكابلات التي تحمل معلومات حساسة بالنسبة للإقتصاد العالمي، وتمتد في قاع الخليج ومحيط مضيق هرمز. ولدى إيران ترسانة كاملة من الوسائل التي تستطيع من خلالها إيلام الغرب وأمريكا إلى حد يجعلهم يصرخون ويتلوون من الألم. بالطبع، ما زال من المبكر الحديث عن إنتصار إيراني كامل، رغم أن إيران إنتصرت أخلاقيًا ومعنويًا وصمدت بالفعل. أما النصر الإستراتيجي فما يزال بعيدًا عنها، وإن كان الغرب أبعد منه بكثير، وليس هناك ما يضمن أصلًا أنه سيتمكن من تحقيقه. لقد فشلت إسرائيل والولايات المتحدة في تنفيذ عملية سريعة داخل إيران، على خلاف ما حدث، مثلًا، في فنزويلا. لقد تعثرت الأمور، وأصبح المسار اللاحق للأحداث غير قابل للتنبؤ إطلاقًا. إيران تقاتل ببسالة من أجل سيادتها، وتوجه في الوقت نفسه صفعة هائلة إلى سائر الدول الإسلامية التي تتذلل أمام إسرائيل والولايات المتحدة. لقد أصبح نفوذ إيران ومكانتها في العالم الإسلامي، بل وفي العالم كله، أقوى من أي وقت مضى. أنتم محقون تمامًا: هذا يساعدنا إستراتيجيًا بصورة كبيرة، لأن الغرب مضطر إلى خوض الحرب على جبهتين، ومع فتح جبهة تايوان سيصبح أمام ثلاث جبهات. وكل شيء يسير في هذا الإتجاه. إنها معركة من أجل عالم متعدد الأقطاب، حيث نمثل نحن والصين وإيران وكوريا الشمالية الصيغة الأكثر جذرية للتعددية القطبية. أما الحضارات والدول الكبرى الأخرى، مثل الهند، وبقية العالم الإسلامي، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، فما تزال تؤدي دور اللاعبين المحايدين، القادرين على الميل إما نحو التعددية القطبية وإما نحو الأحادية القطبية. ولو أُتيحت لها الحرية الكاملة في الإختيار، لاختارت التعددية القطبية بالتأكيد، لكنها ليست مستعدة بعد لخوض الحرب بالضراوة التي نقاتل بها نحن أو الإيرانيون. المهم هو أن ندرك أن هذه الحرب العالمية تجري بالفعل الآن. ومن نتيجتها سيتحدد شكل النظام العالمي: هل سيكون متعدد الأقطاب أم أحادي القطب؟ هل يمكننا القول إننا إنتصرنا؟ بصراحة، لا. فنحن لم ننتصر بعد، ولا الإيرانيون، ولا الصينيون. لكن هل يستطيع الغرب أن يقول إنه إنتصر؟ بالتأكيد لا! بل على العكس، بدأ الغرب يكشف عن أضعف جوانبه. لكن إذا لم نستوعب الأمر، وإذا لم ندرك أن كل شيء جوهري، بالنسبة إلينا وللإيرانيين وللغرب، ما يزال أمامنا... فإذا إنتصرنا بالفعل على الغرب، فسوف ينهار مثل برج بابل، وبضجيج سيسمع صداه في أرجاء الأرض كلها. وعندها لا نعرف حتى ما إذا كان الغرب سيحاول جرّ البشرية بأسرها معه إلى الهاوية. وحتى المعجزة الصينية، التي جعلت من الصين قوة عالمية عملاقة، ستتعرض في هذه الظروف لأعظم إختبار لها. نحن نرى الصين اليوم بوصفها القائد الذي لا ينافسه أحد، وهذا صحيح. فقد إنتقلت من موقع ثانوي إلى موقع متقدم في التاريخ، وفي الذكاء الإصطناعي، والإقتصاد، والمال، وحققت نتائج مذهلة. لكن، في نهاية المطاف، حدث كل ذلك بفضل لعبة شديدة الدقة والحذر. وبمجرد أن يقرر الغرب التوقف عن الإلتزام بالقواعد التي كانت تحكم هذه اللعبة، ستضطر الصين أيضًا إلى خوض إمتحان النضج التاريخي. وستكون تايوان هي حجر الإختبار الذي لا يزال عليها أن تواجهه. ومن المهم جدًا الآن أن ندرك خطورة ما يحدث بالنسبة إلينا وبالنسبة إلى إيران، وأن نفهم أن الإيرانيين هم أهلنا، وكوريا الشمالية من جانبنا، والصين أيضًا من جانبنا. في هذه الحرب بين عالم متعدد الأقطاب وهيمنة أحادية القطب، يجب أن ننظر إلى الصورة على مستوى عالمي. علينا أن نحاول تحويل الدول والحضارات الأخرى إلى شركاء لنا، وفي الوقت نفسه أن نبحث عن حلفاء داخل الغرب نفسه. فالغرب الليبرالي والعولمي، أو الغرب الترامبي الذي أصبح، وفق هذا الطرح، مكشوفًا في توجهاته النازية الجديدة، ليس بأي حال موضع إجماع داخل المجتمعات الغربية. هناك مقاومة هائلة تتنامى من اليمين واليسار على حد سواء، سواء تجاه الإتحاد الأوروبي أو تجاه النظام الأمريكي القائم على الحزبين، والذي يهيمن عليه المحافظون الجدد. أما برميل البارود الحقيقي اليوم فهو إسرائيل، التي أعلنت الحرب على العالم الإسلامي بأسره، وتواصل إتخاذ خطوات شديدة الخطورة والعدوانية، وتستمر في إرتكاب الإبادة الجماعية في غزة. إنها لعبة حقيقية بالنار، ولا سيما أنها لم تعد تكترث عمليًا بأحد أو بشيء، بل تحاول حتى داخل المجتمع الأمريكي أن تفرض إرادتها بالقوة على السياسيين الذين لا يوافقون توجهات القيادة الإسرائيلية. لقد أصبح كل شيء مطروحًا على الطاولة. نحن أمام لحظة فريدة في توزيع القوى العالمية: كفة الميزان متوقفة عند خمسين مقابل خمسين، وقد تكون ذرة غبار أو ريشة كفيلة بقلب الوضع بأكمله. الغرب يفقد هيمنته بلا شك، لكنه يقاتل بيأس من أجل إطالة أمدها، وهو مستعد للذهاب بعيدًا جدًا في سبيل ذلك. ومن ناحية أخرى، لا يمكن إعتبار إنتصار أي من الطرفين أمرًا مضمونًا أو مسلمًا به (Taking for granted). إنه وضع فريد من التوازن العسكري ـ الإستراتيجي. خطوة واحدة إضافية — سواء كانت ضرباتنا الفعالة، أو تحركًا إيرانيًا حاسمًا، أو إندلاع صراع جديد في منطقة المحيط الهادئ — يمكن أن تغير كل شيء في لحظة. المهم هنا هو الصمود حتى النهاية. في الإنجيل وفي تقاليدنا كلمات عظيمة تقول: «من يصبر إلى النهاية يخلص.» ومن يصمد حتى النهاية هو الذي ينجو. ولهذا تحديدًا تكتسب الروح الصلبة والحاسمة هذه الأهمية. ومن هنا تأتي خطورة كل الأحاديث عن هدنة قريبة، وعن ضرورة إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، وعن وجوب التوصل إلى إتفاق مع هذا الطرف أو ذاك، وهي النقطة التي بدأنا منها أصلًا. فهذه الأحاديث تؤدي إلى إرخاء العزيمة في اللحظة التي نحتاج فيها إلى بذل الجهد الحاسم، وإلى حشد الشجاعة والفكر والإرادة والقدرات التنظيمية، من أجل توجيه الضربة القصوى والفاصلة في هذه المعركة الإنسانية الأشد قسوة ومأساوية. وفي هذه اللحظة تحديدًا يبدأ البعض في إقناعنا بأن كل شيء سينتهي من تلقاء نفسه قريبًا. لكن الحقيقة بسيطة: ما لم ننتصر، فلن ينتهي شيء. وإيران في الوضع نفسه تمامًا. والولايات المتحدة أيضًا، بالمناسبة. أنتم محقون: عندما يلوّح أحد بالضربة، فعليه أن يتحمل الرد. ترامب لوّح بالضربة، لكنه الآن لا يرد إلا عبر منشوراته على وسائل التواصل الإجتماعي، التي أصبحت أكثر إضطرابًا وأقل ترابطًا. بل إن بعض أتباعه الأكثر إخلاصًا بدأوا يتحدثون علنًا عن علامات إضطراب معرفي، فيما أصبح سلوكه، على نحو متزايد، يشبه تشخيصًا طبيًا. حسنًا، هذه شؤونهم الداخلية، ولن نتدخل فيها. لكن هذا، من حيث المبدأ، لا يلغي هيمنتهم. وفي نهاية المطاف، يستطيعون مواصلة نهجهم حتى مع وجود مثل هذا الممثل على رأسه. لقد خاض ترامب الإنتخابات بشعارات رائعة، ووعد بتغيير كل شيء. لكن كل ذلك إنهار. ولا أحد يتذكر الآن تلك الوعود؛ لا ملفات إبستين، ولا مبادرات السلام. ولم يعد هناك، في إطار هذا المسار المحافظ الجديد، أي فرق حقيقي بين الديمقراطيين والجمهوريين. ينبغي أن نفهم بوضوح: الغرب لا يعتمد إطلاقًا على نتائج الإنتخابات الرئاسية، لا في أمريكا ولا في أوروبا. لقد أُغلق هذا الملف نهائيًا. إنها قوة نحن في حالة حرب مباشرة معها؛ حرب مع الغرب ومع النزعة التغريبية. وليس أمامنا في هذه الحرب سوى طريق واحد: الإنتصار.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الولايات المتحدة الإسرائيلية؟
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1
...
-
ألكسندر دوغين - He did it his way – لقد فعلها على طريقته - ب
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 9
...
-
ألكسندر دوغين - بين السيادة والإكتفاء الذاتي
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8
...
-
ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6
...
-
بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4
...
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
المزيد.....
-
تحليل لتصريحات بوتين عن -عالم القرش- وآمال ترامب المتعلقة با
...
-
وزير سلاح الجو الأمريكي السابق لـCNN: هيغسيث يُلحق -ضرراً فع
...
-
ملاذ هادئ بإندونيسيا مخصص للسياح الذين يشعرون بالملل في جزر
...
-
سوريا.. لطيفة الدروبي في إطلالة جديدة وهذا ما قاله أحمد الشر
...
-
بوتين: ثمة فرص للتسوية مع أوكرانيا والحل يتطلب حصرا حوارا مب
...
-
-رويترز-: نيبال تعمل على إعادة تشغيل نظام الإنذار المبكر على
...
-
ليبيا.. مسيرة FPV تستهدف مستودع طرابلس النفطي
-
تركيا تواصل البحث عن 10 مفقودين بعد غرق سفينة تجارية قرب إسط
...
-
رحلة البحث عن قطرة ماء في غزة.. كيف أصبح شريان الحياة معركة
...
-
تصعيد الحرب مع إيران يفاقم المخاوف بعد سقوط مدنيين في غارات
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|