أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب أغسطس 1991: لماذا يرى خبير روسي أن نهاية الحرب الباردة لم تكن هزيمة لروسيا؟















المزيد.....

بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب أغسطس 1991: لماذا يرى خبير روسي أن نهاية الحرب الباردة لم تكن هزيمة لروسيا؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 14:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


25 آب أغسطس 2026

قراءة تحليلية في جدل نهاية الحرب الباردة، ورفض الغرب لروسيا «غير المهزومة»


بعد خمسة وثلاثين عاماً على الأحداث الدرامية التي شهدتها موسكو في أغسطس/آب 1991، يعود تيموفي بورداشوف* إلى واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الحديث: نهاية الإتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة. لكن الكاتب لا يتعامل مع تلك المرحلة بوصفها مجرد إنتقال من نظام دولي إلى آخر، ولا يرى أن الحرب الباردة إنتهت بإنتصار عسكري واضح لطرف على طرف آخر. بل يبني قراءته على فكرة أساسية مفادها أن الصراع إنتهى لأن الإتحاد السوفياتي، لأسباب داخلية بالدرجة الأولى، لم يعد قادراً على مواصلة المنافسة، وأنه خرج من المواجهة من دون أن يتعرض لهزيمة عسكرية أو سياسية مباشرة.
ومن هذه النقطة ينطلق بورداشوف لتفسير ما يعتبره مفارقة تاريخية: إذا كانت الحرب الباردة قد إنتهت سلمياً، فلماذا عادت المواجهة بين روسيا والغرب بعد ثلاثة عقود؟ ولماذا لم تتحول نهاية الحرب الباردة إلى نظام أمني أوروبي تشارك فيه روسيا بوصفها طرفاً متساوياً؟
إجابة الكاتب تقوم على أن الطريقة التي إنتهت بها الحرب الباردة تركت وراءها مشكلة لم تُحل. فالغرب، في تقديره، رأى في إنهيار الإتحاد السوفياتي تحقيقاً لهدف إستراتيجي أساسي، لكنه لم ير فيه نصراً نهائياً مكتمل الشروط، لأن الطرف الآخر لم يُهزم عسكرياً ولم يُفرض عليه نظام دولي جديد بالقوة.

نهاية الحرب الباردة: هزيمة أم إنسحاب من الصراع؟

يرى بورداشوف أن أغسطس/آب 1991 يمثل، من الناحية التاريخية، اللحظة التي أصبحت فيها مواصلة الحرب الباردة مستحيلة. ففشل المحاولة الأخيرة للحفاظ على الإتحاد السوفياتي أنهى عملياً البنية التي كانت تقوم عليها المواجهة بين القوتين العظميين.
أما ما جاء لاحقاً من إعلانات مشتركة وإتفاقات وتصريحات عن الشراكة والسلام، فيعتبره الكاتب، في جوهره، تعبيراً بروتوكولياً عن تغيير كان قد حدث بالفعل على الأرض.
ويتمثل التغيير الأساسي، وفق هذه القراءة، في أن الإتحاد السوفياتي لم يعد يمتلك القاعدة المادية والمؤسسية اللازمة لمواصلة المنافسة الإستراتيجية. ولم يكن السبب، كما يقدمه بورداشوف، هزيمة عسكرية أو إنهياراً أمام قوة خارجية، بل مجموعة من المشكلات الداخلية، يأتي في مقدمتها إستنفاد النموذج الذي قامت عليه إدارة الدولة السوفياتية وفقدانه قدرته على الإستمرار بكفاءة.
ومن هنا يميز الكاتب بين «الخسارة» و«الهزيمة». فالخسارة السياسية والإستراتيجية للإتحاد السوفياتي كانت واضحة، لكن ذلك لم يترافق مع إحتلال أو إستسلام عسكري أو فرض شروط إستسلام على موسكو.
وهذا، في رأيه، عنصر بالغ الأهمية لفهم التاريخ اللاحق.
فقرار إنهاء الصراع أتُّخذ في موسكو، وبدرجة كبيرة، بصورة طوعية. ولذلك كان الوضع مختلفاً عن النهايات التقليدية للحروب الكبرى، حيث يفرض المنتصر شروطه على المهزوم. الإتحاد السوفياتي، بحسب بورداشوف، لم يُسحق في ميدان المعركة، وإنما فقد القدرة والإرادة المؤسسية على الإستمرار في المنافسة.

دولة عظمى يمكن أن تسقط من الداخل

يربط الكاتب هذه النتيجة بطبيعة الحرب الباردة نفسها، التي يعتبرها حالة إستثنائية في التاريخ الدولي.
فالدول النووية الكبرى، مثل الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والصين، لا يمكن، وفق منطقه، أن تتعرض بسهولة لخطر وجودي من قوة خارجية، حتى لو كانت تلك القوة منافسة لها في الحجم والقدرات. فإمتلاك السلاح النووي يجعل فكرة الحسم العسكري الكامل شديدة الخطورة وغير واقعية.
لكن ذلك لا يعني أن هذه الدول محصنة من الإنهيار. الخطر الأكبر، في نظره، يمكن أن يأتي من الداخل: ضعف الدولة، سوء الإدارة، عدم كفاءة الحكومة، الأزمات الإجتماعية أو فقدان القدرة على إدارة الموارد والمؤسسات.
وهنا يرى بورداشوف أن تجربة الإتحاد السوفياتي تقدم المثال الأوضح على ذلك. فلم تسقط الدولة نتيجة إجتياح عسكري، وإنما نتيجة تراكم مشكلات داخلية جعلت إستمرار المنافسة الدولية أكثر صعوبة.
ويستشهد الكاتب، في السياق نفسه، بالولايات المتحدة والصين في الحاضر. فهو يرى أن تراجع القدرة الأمريكية على ممارسة نفوذ عالمي لا يرتبط فقط بموازين القوى الخارجية، وإنما يتأثر أيضاً بالإضطرابات والإنقسامات الداخلية التي يمكن أن تجعل السياسة الخارجية أقل فاعلية، حتى عندما تحقق الولايات المتحدة نجاحات في بعض الملفات.
وفي المقابل، يشير إلى أن القيادة الصينية تعتبر الإستقرار الداخلي والتنمية من أهم أولوياتها، بما يضمن إستمرار قوة الدولة والحزب الشيوعي الصيني وقدرته على إدارة البلاد.
وبذلك تصبح إحدى خلاصات المقال أن قوة الدولة العظمى في النظام الدولي لا تتحدد فقط بحجم قواتها المسلحة أو إقتصادها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي ومؤسساتها وفاعلية إدارتها.

«الإحتواء» كان حرباً بوسائل أخرى

ينتقل بورداشوف بعد ذلك إلى طبيعة الحرب الباردة نفسها.
فبعد أن إمتلكت الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي ترسانات نووية ضخمة، أصبح الصدام العسكري المباشر بينهما خياراً غير عقلاني؛ لأن الحرب الشاملة كانت ستؤدي إلى كارثة للطرفين.
لكن عدم خوض حرب مباشرة لم يكن، في رأيه، يعني غياب الحرب.
ويستعيد الكاتب مفهوم «الإحتواء» الذي صاغه الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان في عام 1946. فالحرب الباردة، وفق هذا التصور، قامت على مواجهة الإتحاد السوفياتي في مختلف المجالات، والحد من قدرته على التوسع والنمو وتعزيز مصالحه الخارجية، ولكن بطريقة تتجنب الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين القوتين النوويتين.
وهنا يضع بورداشوف خطاً فاصلاً بين «الحرب الساخنة» و«الحرب الباردة». الأولى تعتمد على الجيوش والمعارك المباشرة، بينما الثانية تستخدم أدوات سياسية وإقتصادية وأمنية وأيديولوجية وجيوسياسية متعددة.
ومن وجهة نظره، فإن إختلاف الأدوات لا يغير جوهر الصراع.
ولهذا يرفض وصف الحرب الباردة بأنها مجرد نموذج للتعايش السلمي أو نظام لإدارة العلاقات بين قوتين متنافستين. بل يرى أنها كانت حرباً حقيقية، وإن جرت من دون مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي.

هل كانت الحرب الباردة حرباً ضد الإتحاد السوفياتي أم ضد روسيا؟

هذه واحدة من أكثر أفكار المقال إثارة للجدل.
يرى بورداشوف أن الإتحاد السوفياتي كان، من الناحية السياسية والتاريخية، الشكل الذي ظهرت فيه روسيا كقوة دولية خلال الحرب الباردة. ولذلك فإن الصراع الغربي مع الإتحاد السوفياتي كان، في تقديره، صراعاً مع روسيا في صيغة الدولة السوفياتية.
ومن هنا يذهب إلى إستنتاج أكثر حدة، مفاده أن الهدف الغربي الأساسي لم يكن مجرد التعايش مع الإتحاد السوفياتي أو إدارة المنافسة معه، وإنما تحييده وإضعافه وصولاً إلى الإنتصار عليه.
ومع ذلك، لا ينكر الكاتب أن الردع النووي أنتج، للمفارقة، نوعاً من الإحترام المتبادل بين الطرفين، وأجبرهما على البحث عن حلول سلمية للأزمات الخطيرة.
لكن هذا الإحترام، بحسب قراءته، لم يلغِ الهدف الإستراتيجي الأساسي.
فالطرفان كانا يدركان أن أي صدام مباشر قد يؤدي إلى دمار متبادل، ولذلك نشأت قواعد لإدارة الصراع، وإتصالات، ومفاوضات للحد من الأسلحة، وإتفاقات لتجنب سوء التقدير.
لكن إدارة الصراع شيء، وإنهاء الصراع شيء آخر.
وهذا التمييز هو الذي يسمح للكاتب بالقول إن الحرب الباردة لم تكن، في المنظور الغربي الذي يعرضه، مشروعاً لتأسيس نظام دائم للتعايش بين الغرب والإتحاد السوفياتي، وإنما إستراتيجية طويلة المدى لتحقيق نتيجة سياسية في مواجهة الخصم.

إنتصار غربي... لكنه غير مكتمل

من هنا يصل المقال إلى النقطة المركزية في تفسيره للعلاقات الروسية الغربية بعد 1991.
فالغرب، في رأي بورداشوف، إعتبر إنهيار الإتحاد السوفياتي نجاحاً إستراتيجياً هائلاً، لكنه لم يعتبره إنتصاراً نهائياً من النوع الذي يحدث عندما تُهزم دولة عسكرياً وتُجبر على قبول شروط المنتصر.
وهذه الإزدواجية، بحسب الكاتب، أصبحت عاملاً مهماً في تشكيل السياسة الغربية تجاه روسيا خلال العقود التالية.
فلو كانت روسيا قد خرجت من الحرب الباردة بوصفها دولة مهزومة عسكرياً، لكان من الطبيعي، في هذا المنطق، أن تُفرض عليها ترتيبات جديدة وأن تدخل النظام الدولي الذي أنشأه المنتصرون بشروط واضحة.
لكن الأمر لم يحدث بهذه الطريقة.
روسيا، كما يرى الكاتب، إنسحبت من المنافسة بإرادتها، بينما بقيت قدراتها العسكرية، ولا سيما قدرتها النووية، قائمة. ولم يكن هناك جيش أجنبي يحتل أراضيها أو سلطة خارجية تفرض عليها شكل نظامها السياسي أو إتجاه سياستها الخارجية.
ومن هنا نشأت مشكلة أساسية: كيف يمكن إدماج دولة كبرى لم تُهزم عسكرياً في نظام دولي كانت مؤسساته الأساسية قد نشأت أصلاً في سياق مواجهة معها؟

لماذا لا تصلح تجربة فرنسا وألمانيا للمقارنة؟

يعترض بورداشوف على مقارنات شائعة بين روسيا بعد 1991 وبين فرنسا بعد هزيمة نابليون أو ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.
فالظروف، في رأيه، مختلفة جذرياً.
بعد هزيمة نابليون، دخلت فرنسا نظاماً أوروبياً جديداً أنشأته القوى المنتصرة، وفي مقدمتها روسيا وبريطانيا والنمسا وبروسيا. لكن هذه القوى لم تبقَ متحدة طويلاً، بل سرعان ما ظهرت بينها خلافات ومنافسات، وأصبحت فرنسا نفسها جزءاً من توازن أوروبي جديد.
ويعتبر الكاتب أن هذا العامل كان مهماً، لأن فرنسا لم تُطلب منها ممارسة دور قيادي في النظام الجديد، بل كان يمكن إستخدامها كطرف داخل توازن القوى الأوروبي.
أما في بداية التسعينيات، فقد كان الوضع مختلفاً تماماً.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون كانوا أكثر وحدة من أي وقت مضى، وكانت منظمة حلف الناتو تعمل ضمن منظومة متكاملة تقودها الولايات المتحدة. ولم تكن هناك إنقسامات كبرى بين القوى المنتصرة يمكن أن تجعل روسيا شريكاً ضرورياً لتحقيق التوازن بينها.
وبالتالي، لم يكن هناك، وفق تحليل بورداشوف، سبب إستراتيجي قوي يدفع الغرب إلى منح روسيا دوراً مركزياً في هندسة النظام الأوروبي الجديد.
ألمانيا الغربية: حالة مختلفة جذرياً
يعتبر الكاتب أن المقارنة مع ألمانيا الغربية أكثر بعداً عن الواقع.
فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كانت دولة مهزومة عسكرياً، وخاضعة للإحتلال الأجنبي، وكانت سيادتها الخارجية محدودة عندما نشأت المؤسسات الغربية التي أصبحت لاحقاً أساس النظام الأوروبي والأطلسي.
أما روسيا في التسعينيات فلم تكن دولة محتلة، ولم تُهزم عسكرياً، ولم تكن تحت إدارة قوة أجنبية.
ومن ثم فإن إنضمام ألمانيا الغربية لاحقاً إلى حلف الناتو والمؤسسات الأوروبية لا يمكن، بحسب الكاتب، أن يكون نموذجاً مباشراً لما كان يمكن فعله مع روسيا بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.
فالحالتان تنتميان إلى سياقين تاريخيين مختلفين: الأولى كانت جزءاً من ترتيبات ما بعد هزيمة عسكرية شاملة، والثانية جاءت نتيجة تفكك داخلي وإنسحاب طوعي من منافسة دولية.

من نهاية الحرب الباردة إلى عودة المواجهة

يصل بورداشوف من خلال هذا المسار إلى تفسيره الأساسي للعودة إلى الصراع بين روسيا والغرب.
فإذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قد إعتبروا إنهيار الإتحاد السوفياتي إنتصاراً، لكنهم لم يتعاملوا مع روسيا بوصفها دولة مهزومة، فقد ظل السؤال مفتوحاً: ماذا سيكون موقع روسيا في النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة؟
يرى الكاتب أن الإجابة الغربية لم تكن إدماج روسيا كشريك مساوٍ في النظام الأمني الأوروبي، وإنما بدأت، تدريجياً، تتجه نحو توسيع البنية الأمنية الغربية.
وهنا يضع توسع حلف الناتو شرقاً في مركز تفسيره.
ففي يناير/كانون الثاني 1994، إتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها خطوة مهمة بإتجاه توسيع سياسة «الأبواب المفتوحة» للحلف، أي فتح المجال أمام دول أوروبا الشرقية للإنضمام إليه.
ويرى بورداشوف في ذلك بداية تحول إستراتيجي بالغ الأهمية، لأن توسع الحلف لم يكن، من منظوره، مجرد عملية سياسية لدمج دول جديدة في مؤسسة أمنية، وإنما أدى أيضاً إلى توسيع القاعدة الجغرافية والعسكرية التي يمكن إستخدامها في مواجهة مستقبلية مع روسيا.
وبذلك يربط الكاتب بين حدثين يفصل بينهما أقل من ثلاث سنوات: إنهيار الإتحاد السوفياتي من جهة، ثم بدء سياسة توسع الحلف شرقاً من جهة أخرى.

أغسطس 1991 بإعتباره نقطة بداية لا خاتمة

القراءة التي يقدمها بورداشوف لا ترى أغسطس/آب 1991 بإعتباره مجرد لحظة إنهيار لدولة عظمى، وإنما بإعتباره لحظة أعادت تشكيل شروط الصراع الدولي.
فمن وجهة نظره، كانت المحاولة الأخيرة للحفاظ على الإتحاد السوفياتي هي آخر فرصة لمنع إنتقال النظام الدولي إلى مرحلة جديدة. ومع فشلها، أصبح تفكك الإتحاد السوفياتي واقعاً لا يمكن عكسه.
لكن نهاية الإتحاد السوفياتي لم تعنِ، في هذه القراءة، نهاية التنافس بين روسيا والغرب بصورة نهائية.
بل إن الطريقة التي إنتهت بها الحرب الباردة زرعت بذور عودة التنافس في المستقبل: طرف غربي يرى أنه حقق هدفه التاريخي، وطرف روسي يرى أنه تخلى عن الصراع بإرادته ولم يُهزم.
ومن هنا يصبح الخلاف حول معنى عام 1991 أكثر من خلاف على تفسير حدث تاريخي؛ فهو خلاف حول طبيعة النظام الدولي الذي نشأ بعده.
هل كان عام 1991 لحظة انتصار غربي كامل؟ أم كان إنهياراً داخلياً للإتحاد السوفياتي أنهى مرحلة من المنافسة دون أن يحسم بصورة نهائية موقع روسيا في النظام الدولي؟

بين روايتين لنهاية الحرب الباردة

تكمن أهمية أطروحة بورداشوف في أنها تعيد طرح سؤال ما زال حاضراً في النقاش حول العلاقات الروسية الغربية: هل كانت نهاية الحرب الباردة تسوية تاريخية، أم إنتصاراً غربياً لم يُستكمل حتى نهايته؟
الرواية الغربية التقليدية تميل إلى إعتبار إنهيار الإتحاد السوفياتي دليلاً على فشل النموذج السوفياتي وإنتصار الديمقراطية الليبرالية والإقتصاد الغربي. أما الرواية التي يعرضها بورداشوف فتركز على عنصر مختلف: الإتحاد السوفياتي إنهار من الداخل، لكنه لم يُهزم في حرب تقليدية، ولم تُفرض على روسيا ترتيبات ما بعد الحرب بالطريقة التي فُرضت على دول مهزومة عسكرياً.
وهذا، في نظره، هو مفتاح فهم المسار اللاحق.
فروسيا التي خرجت من عام 1991 كانت دولة أضعف بكثير من الإتحاد السوفياتي، لكنها بقيت قوة نووية كبرى، ولم تفقد، من الناحية القانونية والسياسية، موقعها كدولة ذات سيادة. وفي المقابل، كان الغرب قد خرج من الحرب الباردة وهو يمتلك مؤسسات وتحالفات واسعة، وفي مقدمتها حلف الناتو، الذي لم يفقد وظيفته بعد إختفاء الخصم الذي أنشئ أصلاً لمواجهته.
ومن هنا، وفق تحليل الكاتب، لم يتحول النظام الدولي الجديد إلى نظام مشترك بين روسيا والغرب، بل أصبح نظاماً تقوده الولايات المتحدة ومؤسساته الغربية، فيما بقي السؤال الروسي بلا حل نهائي.

الخلاصة: سلام بلا تسوية نهائية

في جوهر مقاله، لا يقول تيموفي بورداشوف إن الحرب الباردة إنتهت في عام 1991 ثم عادت ببساطة بعد سنوات، بل يقدم تفسيراً أكثر تعقيداً: الطريقة التي إنتهت بها الحرب الباردة هي نفسها التي جعلت عودة الصراع ممكنة.
فالإتحاد السوفياتي لم يسقط أمام جيش أجنبي، ولم توقّع موسكو وثيقة إستسلام، ولم تُفرض عليها شروط المنتصر. وإنما أدت أزماته الداخلية إلى فقدان القدرة على مواصلة المنافسة، فإختار قادته إنهاء الصراع.
لكن الغرب، وفق أطروحة الكاتب، لم يتعامل مع ذلك بوصفه مجرد تسوية تاريخية بين طرفين، بل رأى فيه إنتصاراً إستراتيجياً، من دون أن يحصل في الوقت نفسه على الضمانات التي تنتج عادة عن هزيمة عسكرية كاملة للخصم.
ومن هنا جاءت، في تفسير بورداشوف، المعضلة التي حكمت العلاقات الروسية الغربية بعد ذلك: روسيا إعتبرت نفسها دولة أنهت الحرب بإرادتها، بينما رأى الغرب أنه إنتصر في الحرب الباردة وأن روسيا أصبحت مطالبة بالتكيف مع النظام الذي إنتصر.
وبين هاتين الرؤيتين نشأ فراغ إستراتيجي لم يُملأ بإتفاق أمني شامل.
ويضع الكاتب توسع حلف الناتو شرقاً منذ منتصف التسعينيات في مقدمة المؤشرات على أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة لم تتحول إلى شراكة روسية غربية مستقرة، وإنما أخذت، تدريجياً، شكل إعادة تنظيم للمجال الأمني الأوروبي من دون مشاركة روسية كاملة فيه.
وهكذا يصبح أغسطس/آب 1991، في قراءة بورداشوف، ليس فقط ذكرى لإنهيار الإتحاد السوفياتي، بل لحظة تأسيسية في قصة أطول: قصة نهاية حرب لم تُحسم بالطريقة التقليدية، وإنتصار لم يتحول إلى تسوية نهائية، ونظام دولي جديد نشأ من دون إتفاق واضح على المكان الذي ستشغله روسيا داخله.
هذه هي الفكرة المركزية التي يبني عليها الكاتب تفسيره: السلام الذي أنهى الحرب الباردة لم يكن، في نظره، تسوية بين منتصر ومهزوم، لأن روسيا لم تكن دولة مهزومة؛ ولذلك ظل سؤال العلاقة بين الطرفين مفتوحاً، إلى أن عاد التنافس الإستراتيجي في العقود التالية إلى الواجهة.

*****

هوامش

▪️تيموفي بورداشوف
عالم سياسة روسي ومتخصص في العلاقات الدولية، يشغل منصب المشرف العلمي على مركز الدراسات الأوروبية والدولية الشاملة في كلية الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية بجامعة «المدرسة العليا للاقتصاد»، كما يشغل منصب مدير البرامج لمنتدى فالداي. وهو حاصل على درجة دكتوراه العلوم في العلوم السياسية.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر ...
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو ...
- ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
- ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
- من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا ...
- جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع ...
- غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
- من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة ...
- فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
- الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي ...
- روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
- ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب ...
- روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
- ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع ...
- غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك ...
- بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع ...
- من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
- من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا ...
- من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
- بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك ...


المزيد.....




- فيديو منسوب لـ-هجوم حوثي ضد ناقلة نفط سعودية-.. ما حقيقته؟
- نتنياهو يصعّد ضد تركيا في سوريا.. مناورة أمنية أم انتخابية؟ ...
- خطب جلل: ركب البحر لينتشل جثامين مهاجرين ليتفاجأ بجثة أخيه! ...
- البوندسليغا في ثوب جديد.. بين بريق الأمس وتحديات اليوم!
- رئيسة فريق التحقيق في لوكربي: تأجيل المحاكمة سيخيب آمال عائل ...
- هل تدخل مصر عالم النووي العائم؟.. -روساتوم- تكشف مفاجأة
- الخارجية الروسية: موسكو لن تتوسل إلى الغرب من أجل التعاون في ...
- روسيا تبني لمصر مركزا للعلاج بالنووي
- بعد سلفه كوتشاريان.. الرئيس الأرميني السابق سركسيان يواجه ته ...
- دراسة: معدلات المواليد في العالم انخفضت إلى ما دون مستويات ا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب أغسطس 1991: لماذا يرى خبير روسي أن نهاية الحرب الباردة لم تكن هزيمة لروسيا؟