أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر















المزيد.....

ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


24 آب أغسطس 2026

في السادس والعشرين من يوليو 2026، وفي مرحلة هدوء نسبي من الصراع الأمريكي-الإيراني، نشر الرئيس دونالد ترامب على منصة «تروث سوشيال» سلسلة صور مولّدة بالذكاء الإصطناعي. الأولى بعنوان «ضربة على خارك»، تُظهر مقاتلات أمريكية تدمّر منشآت الجزيرة النفطية وسط إنفجارات هائلة. والأخريات تحمل عبارة «الناقلة صارت لنا الآن»، وفيها يقف ترامب نفسه على سفينة إيرانية رافعاً العلم الأمريكي، بينما يقفز رجال بثياب بيضاء إلى البحر في مشهد مذلّ متعمّد في إشارة للبحارة الإيرانيين.

هذه الصور لم تكن مشاهد حقيقية، بل رسائل بصرية فجّة تقوم على تعظيم الذات وإهانة الخصم بأبشع الصور النمطية. الأسلوب يذكر بتقنيات الدعاية الكلاسيكية التي إعتمدها غوبلز، حيث يُبنى الفخر على إذلال الآخر. الأدوات تغيّرت، لكن الجوهر بقي متشابهاً: شعور بالفوقية لدى طرف، وإحتقار تجاه الطرف المقابل.

هنا يدخل الذكاء الإصطناعي كتحوّل نوعي في الحرب النفسية. سابقاً كانت صناعة صورة دعائية مؤثرة تحتاج وقتاً وموارد وفرقاً متخصصة. اليوم يمكن لشخص واحد، أو لحساب رئاسي، أن ينتج خلال دقائق مشاهد عالية الجودة تُظهر دماراً واسعاً أو إذلالاً جماعياً، دون الحاجة إلى أي عملية عسكرية حقيقية. الذكاء الإصطناعي يسرّع الإنتاج ويزيد الكثافة، فيسمح بنشر سلسلة متتالية من المشاهد المتشابهة لتعزيز التكرار الذي يرسّخ الرسالة عاطفياً. كما يطمس الحدود بين الواقع والخيال؛ حتى عندما يُعلن لاحقاً أن الصور مصطنعة، يكون الأثر الأولي قد تحقق. والأهم أنه يتيح وضع القائد شخصياً داخل المشهد، فيحوّل الدعاية من خطاب مؤسسي إلى دراما فردية تزيد الإرتباط العاطفي، سواء كان إيجابياً لدى المؤيدين أو سلبياً لدى المعارضين.

ما تكشفه هذه الصور يتجاوز الموقف السياسي. العظمة الظاهرة والحاجة إلى مشهد يُذل فيه الخصم تبدو تعبيراً عن قوة، لكن القراءة الطبية-السلوكية تراها مؤشراً على هشاشة. كثير من الأطباء والمراقبين يلاحظون أن الإستعراض الصاخب للتفوق غالباً ما يخفي شعوراً داخلياً بالنقص. الحاجة المستمرة لتأكيد العظمة، والحساسية المفرطة للنقد، وصعوبة الإعتراف بالخطأ، كلها أنماط شائعة تدل على أن الثقة الظاهرة قد تكون دفاعاً نفسياً أكثر مما هي شعور راسخ بالذات. ما يُقدَّم على أنه قوة شخصية يبدو في جوهره ضعفاً داخلياً يحتاج إلى جمهور يصفّق وإذلال مستمر للآخر كي يستمر.

من منظور علم النفس السياسي، تؤدي هذه الصور والتصريحات وظائف متعددة.
أولاً، تعزيز الهوية الجمعية عبر تقسيم حاد بين «نحن» المنتصرين و«هم» المهزومين، ما ينشّط التحيز للجماعة الداخلية ويسهّل تبرير السياسات المتشددة. ثانياً، إدارة القلق الجمعي؛ ففي أوقات التوتر يبحث جزء من الجمهور عن صورة قائد مسيطر تمنحه شعوراً بالإطمئنان الرمزي.
ثالثاً، الحفاظ على صورة الذات القيادية لدى من تُشكل العظمة الظاهرة جزءاً أساسياً من إحساسه بنفسه. العلاقة بين القائد والأتباع هنا تبادلية: القائد يقدّم سردية بسيطة وعاطفية، والجمهور يمنحه التأييد الذي يحتاجه، فتتكون حلقة مفرغة يصعب كسرها من الداخل.

لم يتوقف الأمر عند صور تموز يوليو. في أغسطس 2026، تصاعد الأسلوب نفسه. نشر ترامب خريطة تُظهر مضيق هرمز كـ«إقليم أمريكي جديد»، مع إختفاء قطر والبحرين منها، وهما دولتان تستضيفان قواعد أمريكية كبرى. ثم جاء تهديده المباشر بقصف سلطنة عمان إذا «وقفت في الطريق»، رغم أنها دولة صديقة ووسيطة تقليدية. وأكد مراراً أنه لا توجد مفاوضات جارية مع إيران، بينما يتحدث في أوقات أخرى عن قنوات خلفية مع الحرس الثوري. هذا التناقض ليس زلّة عابرة، بل جزء من نمط أوسع يعتمد على الإرباك والمبالغة.

في هذا السياق، ظهرت تكهنات وتصريحات مثيرة للقلق حول إحتمال إستخدام السلاح النووي. تحدث نائب الرئيس جي دي فانس عن «وسائل لم تُستخدم بعد»، بينما ادّعت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين أن مسؤولين يناقشون الخيار النووي في إجتماعات إستراتيجية، واصفة الأمر بـ«شر محض» ومقارنةً إياه بهيروشيما وناغازاكي. البيت الأبيض نفى ذلك بشدة ووصف إدعاءها بـ«أخبار كاذبة». أما زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر، فقد هاجم السياسة برمّتها واصفاً مذكرة التفاهم بـ«فشل ذريع» و«واحدة من أكبر الكوارث في السياسة الخارجية»، وربط الحرب بإرتفاع أسعار الوقود ومعاناة الأمريكيين.

هذه التصريحات، سواء كانت تكهنات أو إنتقادات أو دفاعاً، تكشف أن النقاش داخل الولايات المتحدة نفسها لم يعد يقتصر على تكتيكات الحرب، بل إمتد إلى طبيعة القرار الرئاسي وحدوده. ومع ذلك، يظل المعيار المزدوج في الإعلام الغربي لافتاً. فالإعلام نفسه الذي لم يتردد في وصف قادة مثل القذافي وصدام حسين وكيم جونغ أون بـ«المجانين» و«غير العقلانيين»، يتعامل مع ترامب بلغة أكثر تحفظاً: «غير مستقر»، «متقلب»، «إريتيك». الفرق ليس في شدة السلوك، بل في موقع الزعيم داخل المنظومة الغربية أو خارجها.

وهنا يبرز سؤال المستشارين والمؤسسات. في البيئات التي تُكافئ الولاء أكثر من الصراحة، يصبح المستشار أمام خيار التكيّف أو الخروج. الرئيس الذي يعتمد الإستعراض الدرامي كأداة حكم نادراً ما يرحّب بمن يذكّره بأن هذا الإستعراض قد يكون علامة ضعف لا قوة. ومع الوقت تتشكل دائرة ضيقة تغذي الأسلوب بدلاً من أن تصححه، سواء كان ذلك بدافع الخوف أو المصلحة أو الإقتناع الحقيقي.

في زمن الأزمات، تحتاج القيادة إلى أكثر من فرض الإرادة أو السيطرة على الدورة الإعلامية. تحتاج إلى ثقة داخلية لا تضطر إلى إذلال الآخرين كي تثبت وجودها، ولا إلى خرائط خيالية وتهديدات مبالغ فيها كي تُشعر أنصارها بالقوة. الصور التي نُشرت في تموز يوليو، والخرائط والتصريحات التي تلتها في أغسطس، تكشف، ربما أكثر مما أراد صاحبها، أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى كل هذا الضجيج البصري واللفظي.

ما نراه ليس مجرد سياسة خارجية متشددة، بل نمط سلوكي متكرر يجمع بين التعظيم الذاتي والإهانة الممنهجة للآخر. سواء سمّيناه هذياناً سلطوياً أو نرجسية تعويضية أو إستعراضاً يخفي هشاشة، فإن النتيجة واحدة: قيادة تعتمد على الدراما أكثر مما تعتمد على الحساب الهادئ، وعلى الإذلال أكثر مما تعتمد على الإقناع. وفي عالم معقّد ومشحون، يبقى هذا الأسلوب مصدر قلق لا مصدر طمأنينة.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
- من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا ...
- جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع ...
- غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
- من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة ...
- فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
- الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي ...
- روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
- ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب ...
- روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
- ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع ...
- غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك ...
- بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع ...
- من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
- من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا ...
- من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
- بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك ...
- من صفحات التاريخ - كيف بدأت الحرب الباردة؟ الرواية الروسية ب ...
- حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك ...
- حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك ...


المزيد.....




- أرقام الدين الأمريكي تتضاعف خلال 10 سنوات.. فكم بلغ في 2026؟ ...
- الصين تحذّر: العقوبات الجديدة على إيران ستؤدي لـ-زيادة التوت ...
- هل حذفت مصر اسم إسرائيل من مناهجها التعليمية؟.. خارطة تثير ...
- لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالم ...
- الولايات المتحدة تستعد لإلغاء نحو 200 ألف تأشيرة.. من المسته ...
- شاهد: إعادة صنع مرساة من عصر الفايكنغ بالمطرقة والمنفاخ في ا ...
- حصيلة ضحايا زلزالَي فنزويلا تتخطى 6500 قتيلًا.. والحكومة تسل ...
- الشرع: سوريا -تمزّق صفحة من ماضيها الأليم- بعد شطبها من قائم ...
- قاليباف: لا أحد يصدق هراءات الأمريكيين
- بوتين يعين سفيرا روسيا جديدا في العراق


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر