أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟















المزيد.....


من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 22:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


12 آب أغسطس 2026



ثمة صورة ساخرة ظهرت في الولايات المتحدة خلال إحدى الحملات الإنتخابية: مجموعة من الروس في منطقة ريفية يتابعون بإهتمام نتائج الإنتخابات الأميركية، ويتناقشون في الولايات التي إنتهى فيها الفرز وتلك التي لم يبدأ فيها بعد.
الفكرة التي أراد رسام الكاريكاتير إيصالها واضحة: الروس منشغلون بالعالم إلى درجة أنهم نسوا ما يحدث في بيتهم.
لكن الصورة تطرح سؤالاً أكثر جدية: لماذا يهتم المواطن الروسي بالسياسة الدولية والجيوبوليتيك إلى هذا الحد؟
يقدم بعض التحليل الغربي إجابة جاهزة: الإعلام الروسي يضخم السياسة الخارجية كي يصرف إنتباه الناس عن مشكلاتهم الداخلية. لكن هذا التفسير يبدو قاصراً. فالإعلام يستطيع التأثير في الجمهور، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يخلق من العدم إهتماماً راسخاً بقضية لا تجد صدى في الذاكرة والمصالح والمخاوف الإجتماعية.
ولفهم الظاهرة، ربما علينا أن نبدأ من مكان آخر: الجغرافيا والتاريخ.

روسيا ليست خارج أوروبا

روسيا ليست قوة آسيوية بعيدة تنظر إلى أوروبا من الخارج. إنها، جغرافياً وتاريخياً، جزء أساسي من أوروبا، والجزء الأوروبي منها وحده يمثل مساحة هائلة من القارة حوالي 40%. موسكو وسان بطرسبورغ، مركزا القوة التاريخيان للدولة الروسية، تقعان في أوروبا.
هذه الحقيقة لا تمنح روسيا حقاً تلقائياً في فرض إرادتها على جيرانها، ولا تلغي حق بولندا أو دول البلطيق أو غيرها في البحث عن ترتيبات أمنية تراها مناسبة.
لكنها تعني شيئاً أساسياً: لا يمكن بناء نظام أمني أوروبي مستقر من دون أن يؤخذ أمن روسيا في الحسبان.
وهنا تبدأ المعضلة.

بين الخطر والخطر الوجودي

لم يكن الخطر يأتي دائماً من الغرب. خاضت روسيا حروباً من الجنوب والشرق والشمال، وصراعات طويلة مع الدولة العثمانية وفارس والسويد وقوى آسيوية مختلفة.
لكن هناك فرقاً بين الخطر العسكري، وبين الخطر الذي يتحول إلى ذاكرة وجودية.
في التاريخ الروسي الحديث، جاءت أخطر الحملات التي وصلت إلى قلب الدولة الروسية من الغرب.
في عام 1812 غزا نابليون روسيا بجيش لم يكن فرنسياً فقط، بل كان قوة أوروبية متعددة القوميات شاركت فيها ما يزيد عن 20 دولة ومملكة.
وفي عام 1941 شن هتلر هجومه على الإتحاد السوفياتي ضمن حرب أوروبية هائلة شاركت فيها دول وقوات من رومانيا والمجر وإيطاليا وغيرها.
لهذا ليس دقيقاً القول إن الذاكرة الروسية تقول إن «الخطر يأتي دائماً من الغرب». الأدق هو أن أخطر الحملات التي هددت بقاء الدولة الروسية في العصر الحديث جاءت من الغرب، وهذا ما جعل الغرب في الذاكرة الروسية مصدراً للخطر الوجودي بصورة خاصة.
الشعور بالخطر شيء.
والخطر الوجودي شيء آخر.
والخطر الوجودي المحفور في الذاكرة التاريخية شيء ثالث.
وهنا تكمن إحدى مفاتيح فهم العقل السياسي الروسي.

لكن التاريخ ليس رواية أحادية الإتجاه

في المقابل، سيكون من الخطأ أن نروي التاريخ وكأن روسيا كانت دائماً في موقع الدفاع.
كانت روسيا إمبراطورية كبرى، توسعت في محيطها الأوروبي والآسيوي، وخاضت حروباً كان لها فيها أهداف إستراتيجية وإقليمية واضحة.
لكن من الضروري التمييز بين التوسع الإمبراطوري في المناطق المتاخمة للدولة وبين شن حروب بهدف إخضاع قلب أوروبا الغربية.
وتكشف بعض الوقائع الأوروبية المنسية نسبياً أهمية هذا التمييز.
في حرب السنوات السبع، دخلت القوات الروسية أراضي بروسيا، ووصلت إلى برلين عام 1760. لم يكن ذلك مشروعاً روسياً دائماً لإحتلال ألمانيا أو الإستيلاء على مواردها؛ كانت روسيا طرفاً في حرب أوروبية كبرى ضد بروسيا وحلفائها. وكان وجودها في برلين مؤقتاً، لكنه كشف أن روسيا أصبحت في القرن الثامن عشر قوة أوروبية كبرى تستطيع نقل جيوشها إلى قلب الصراعات القارية.
وفي عام 1814 دخلت الجيوش الروسية باريس بعد أن كانت حملة نابليون على روسيا عام 1812 قد قلبت ميزان الحرب الأوروبية.
وفي عام 1849 تدخل الجيش الروسي في المجر إستجابة لطلب الإمبراطورية النمساوية للمساعدة في قمع الثورة المجرية.
هذه الوقائع لا تجعل السياسة الروسية تاريخياً سياسة دفاعية خالصة، لكنها تمنع أيضاً إختزال التاريخ في صورة روسيا التي تسعى بإستمرار إلى إحتلال أوروبا الغربية.
والتمييز هنا مهم، لأن التاريخ ليس مجرد قائمة بحروب، بل سياق يحدد دوافعها وطبيعتها.

لماذا لم تصبح روسيا «أوروبية» بما يكفي؟

ربما هنا تكمن عقدة أعمق.
في المخيال الغربي ظهرت روسيا، على إمتداد قرون، بإعتبارها نوعاً من «أوروبا الناقصة»: دولة تقع جغرافياً في أوروبا، لكنها مختلفة سياسياً وثقافياً ومؤسساتياً.
تغيرت الأوصاف مع تغير الأنظمة.
كانت روسيا قيصرية.
ثم سوفياتية.
ثم أصبحت «بوتينية».
لكن السؤال يبقى قائماً: إذا كانت المشكلة هي القيصرية، فلماذا لم تختفِ بسقوط القيصرية؟
وإذا كانت المشكلة هي الشيوعية، فلماذا لم تختفِ بسقوط الإتحاد السوفياتي؟
وإذا كانت المشكلة هي بوتين، فهل تصبح روسيا فجأة دولة أوروبية مقبولة بمجرد تغير الرئيس؟
لا يعني ذلك أن الأنظمة السياسية لا تهم، أو أن الغرب لا يملك أسباباً حقيقية لإنتقاد السياسات الروسية.
لكن السؤال يكشف إحتمالاً آخر: ربما لا يتعلق الخلاف فقط بشكل النظام الروسي، بل بمكانة روسيا في أوروبا نفسها.
روسيا لا ترى نفسها نسخة متأخرة من أوروبا الغربية.
إنها ترى نفسها دولة أوروبية كبرى ذات تاريخ ومسار خاصين، ومصالح مستقلة وقدرة على أن تكون قطباً في النظام الدولي.
ومن هنا ينشأ سوء الفهم: الغرب يميل إلى القول إن روسيا تصبح أوروبية كلما إقتربت من نموذجه السياسي والمؤسسي.
أما روسيا فتقول، بصورة أكثر بساطة: نحن أوروبيون، لكننا لسنا مضطرين لأن نصبح نسخة منكم.

حلم «البيت الأوروبي المشترك»

في أواخر الثمانينيات، بدا أن التاريخ قد يفتح نافذة مختلفة.
طرح ميخائيل غورباتشوف مفهوم «البيت الأوروبي المشترك» في إطار «التفكير الجديد»، الذي سعى إلى تجاوز منطق الحرب الباردة وبناء نظام أوروبي لا يقوم على إنقسام دائم بين كتلتين.
كان الحلم في جوهره بسيطاً: أوروبا ليست ساحة صراع بين الشرق والغرب، بل فضاء مشترك للأمن والتعاون.
وكان يمكن أن يمتد هذا التصور، مجازياً وجغرافياً، من لشبونة إلى فلاديفوستوك.
وبالنسبة إلى كثير من الروس لم يكن ذلك مجرد شعار دبلوماسي.
لقد كان حلماً حقيقياً.
وأنا أذكر ذلك من تجربة شخصية. بين عامي 1985 و1995 زرت موسكو مرات عدة، وشاهدت عن قرب السنوات الأخيرة من الإتحاد السوفياتي ثم إنهياره والتحولات القاسية التي عاشتها روسيا في التسعينيات.
ما بقي في الذاكرة ليس الإنهيار وحده.
كان هناك أيضاً الأمل.
كثيرون كانوا يريدون ببساطة أن تصبح روسيا جزءاً من أوروبا الجديدة: علاقات طبيعية، إقتصاد مفتوح، تعاون مع الغرب، وحياة أقل صداماً.
لم يكن الحلم هو إستعادة الإتحاد السوفياتي.
كان الحلم هو بيت أوروبي مشترك.

«نهاية التاريخ»

في اللحظة نفسها تقريباً ظهر أحد أكثر التعبيرات الفكرية دلالة على المزاج الغربي الجديد: أطروحة فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ».
لم يكن فوكوياما يقول إن الأحداث أو الحروب ستتوقف، بل إن الصراع الأيديولوجي الكبير الذي ميز القرن العشرين ربما وصل إلى نهايته، وإن الديمقراطية الليبرالية وإقتصاد السوق بديا النموذج الأكثر رسوخاً لتنظيم الدولة والمجتمع.
كان ذلك منطقياً في سياق اللحظة.
سقط جدار برلين.
إنهار الإتحاد السوفياتي.
إختفى حلف وارسو.
وخرجت الولايات المتحدة من الحرب الباردة بوصفها القوة العظمى الوحيدة.
لكن هنا ظهر خطر فكري بالغ الأهمية: الخلط بين نهاية نظام سياسي ونهاية الجيوبوليتيك.
الإتحاد السوفياتي إنتهى.
الشيوعية تراجعت.
لكن روسيا لم تختفِ.
الجغرافيا لم تتغير.
الثروات لم تختفِ.
السلاح النووي لم يختفِ.
والمصالح الأمنية لم تختفِ.
يمكن للدولة أن تغير نظامها السياسي، لكنها لا تستطيع تغيير موقعها على الخريطة.
ولهذا إصطدمت «نهاية التاريخ» سريعاً بعودة الجغرافيا.

روسيا التي طرقت باب الغرب

واللافت أن روسيا لم تدخل التسعينيات من موقع العداء الحتمي للغرب.
في عهد بوريس يلتسين طُرحت مسألة إنضمام روسيا إلى الناتو، ثم نشأت أشكال مختلفة من التعاون المؤسسي مع الحلف.
وفي بداية عهد فلاديمير بوتين أيضاً لم تكن فكرة التعاون مع الناتو مستحيلة من حيث المبدأ.
هذه الحقيقة لا تعني أن الغرب كان ملزماً بقبول روسيا عضواً، ولا أن روسيا كانت ستصبح بسهولة عضواً طبيعياً في الحلف.
لكنها تكشف أمراً بالغ الأهمية: روسيا ما بعد السوفياتية لم تبدأ من عقيدة تقول إن الغرب عدو يجب مواجهته.
كانت هناك، لفترة، إمكانية لمسار مختلف.
ثم بدأت النافذة تضيق.

توسع الناتو: روايتان متعارضتان

بالنسبة إلى دول أوروبا الوسطى والشرقية، كان الإنضمام إلى الناتو خياراً أمنياً مفهوماً. تلك الدول خرجت من عقود من الهيمنة السوفياتية، وكانت تريد ضمانات مؤسسية تمنع عودة تجربة الماضي.
هذه المخاوف لا يمكن إلغاؤها من التاريخ.
بولندا لديها ذاكرتها.
ودول البلطيق لديها ذاكرتها.
ودول أوروبا الشرقية عموماً لديها أسبابها الخاصة للنظر إلى القوة الروسية بحذر
لكن روسيا كانت تمتلك ذاكرتها أيضاً.
فالتحالف الذي تأسس لمواجهة الإتحاد السوفياتي لم يختف بعد سقوط خصمه، بل أعاد تعريف نفسه وتوسع شرقاً.
ومن وجهة النظر الغربية كان ذلك توسيعاً لمنظومة الأمن والإستقرار.
ومن وجهة النظر الروسية كان إنتقال البنية العسكرية والسياسية الغربية بإتجاه حدودها.
ولا يحتاج المرء إلى إختبار إحدى الروايتين بالكامل كي يفهم المعضلة.
يمكن أن يكون لدى بولندا حق مشروع في البحث عن حماية، وأن ترى موسكو في الخيار نفسه تحولاً إستراتيجياً يهدد أمنها.
المشكلة هي أن الأمن الذي يراه طرف دفاعياً قد يراه الطرف الآخر تهديداً.
وهذه هي «المعضلة الأمنية» في أبسط صورها.

السؤال «السّام»

وهنا يأتي السؤال الذي ربما يختصر جانباً كبيراً من المشكلة.
الولايات المتحدة تقع خلف المحيط الأطلسي، على آلاف الكيلومترات من أوروبا، ومع ذلك تعتبر أمن أوروبا جزءاً من أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية.
ولا يبدو ذلك غريباً في السياسة الدولية.
فالدول الكبرى تهتم بالمناطق التي تؤثر في أمنها ومصالحها، حتى عندما تكون بعيدة جغرافياً.
لكن إذا كان هذا المبدأ مقبولاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فلماذا يصبح غير مشروع عندما يتعلق الأمر بروسيا؟
إذا كان البعد الجغرافي لا يلغي المصالح الأمنية الأميركية في أوروبا، فلماذا ينبغي أن يلغي القرب الجغرافي المصالح الأمنية الروسية؟
هذا السؤال لا يمنح موسكو حقاً مطلقاً في تحديد تحالفات جيرانها.
ولا ينبغي أن يفعل.
لكن الإعتراف بحق الدول الصغيرة في إختيار تحالفاتها لا يتطلب إنكار حق الدول الكبرى في إدراك أثر هذه الخيارات على أمنها.
بولندا تستطيع أن تقول: «من حقي اختغيار تحالفي».
وموسكو تستطيع أن تقول: «لكن هذا التحالف يغير البيئة الأمنية على حدودي».
يمكن أن تكون العبارتان صحيحتين في الوقت نفسه.
وهنا يبدأ دور السياسة: كيف نجعل أمن أحد الطرفين لا يتطلب بالضرورة إنعدام أمن الطرف الآخر؟

عقدة التسعينيات

ربما لا يمكن فهم التحول الروسي من دون فهم التسعينيات.
كانت روسيا آنذاك دولة خارجة من إنهيار إمبراطورية ونظام إقتصادي وسياسي كاملين.
وكان هناك أمل كبير في التعاون مع الغرب، لكن التجربة الداخلية كانت قاسية: إنهيار إقتصادي، خصخصة مضطربة، ضعف مؤسسات الدولة، صعود نفوذ مجموعات مالية، وتراجع شديد في القوة الدولية.
ليس من الدقة إختزال ذلك كله في عبارة «الغرب نهب روسيا».
فروسيا نفسها كانت مسؤولة عن قراراتها، والنخب الروسية لعبت دوراً مركزياً في إعادة تشكيل البلاد.
لكن من الخطأ أيضاً تجاهل الشعور الذي نشأ لدى قطاعات واسعة من الروس بأن الغرب لم يتعامل معهم دائماً كشركاء متساوين، بل مع بلد ضعيف يمكن توجيهه وإعادة تشكيله.
هنا حدث التحول النفسي.
لم يعد السؤال: كيف تصبح روسيا جزءاً من الغرب؟
بل: كيف تستعيد روسيا القدرة على تحديد مستقبلها بنفسها؟
ومن هذه النقطة بدأ مفهوم السيادة يرتبط في الوعي الروسي بمفهوم الكرامة.

من «الشرف» إلى القوة

هنا يمكن فهم فكرة «الشرف» في السياسة الروسية بصورة أكثر واقعية مما يوحي به المصطلح.
يرى الباحث أندريه تسيغانكوف أن مسألة المكانة والإعتراف بإهتمامات روسيا الإستراتيجية عنصر مهم في سلوكها الدولي.
لكن يمكن تبسيط الفكرة أكثر: الدولة التي تظهر عاجزة عن الدفاع عن مصالحها تشجع الآخرين على إختبار حدودها.
ومن ثم تصبح القوة والسمعة أدوات للردع، لا مجرد إستعراض.
قد يختلف المرء مع هذا المنطق، لكنه ليس غريباً عن المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية.
وهنا تتقاطع الذاكرة الروسية مع الجيوبوليتيك.
فالدولة التي عاشت حروباً كبرى على أراضيها، ثم عاشت إنهيار إستراتيجياً وإقتصادياً في التسعينيات، ستكون أكثر حساسية تجاه مسألة القوة والمكانة من دولة لم تختبر التجربة نفسها.
وهذا يساعد على تفسير لماذا ينظر الروسي إلى خبر يتعلق بالناتو أو أوكرانيا أو بولندا أو الولايات المتحدة بطريقة قد تبدو للمراقب الخارجي مبالغاً فيها.
بالنسبة إليه، ليست الخريطة مجرد خريطة.

هل مات «البيت الأوروبي»؟

كان يمكن أن تنتهي الحرب الباردة بطريقة مختلفة.
ليس بإنتصار روسيا على الغرب، ولا بإنتصار الغرب على روسيا، بل ببناء نظام أوروبي جديد لا يحتاج فيه أي طرف إلى الشعور بأن أمنه يتحقق على حساب الآخر.
كان يمكن تصور أوروبا تمتد، إقتصادياً وسياسياً وأمنياً بدرجات مختلفة، من لشبونة إلى فلاديفوستوك.
لكن ذلك لم يحدث.
كانت هناك مصالح أميركية.
وكانت هناك مخاوف شرق أوروبية حقيقية.
وكانت هناك مصالح روسية.
وكانت هناك إختلافات سياسية وقيمية عميقة.
وفي النهاية لم يُبنَ نظام أمني أوروبي جديد تشعر موسكو بأنها شريكة كاملة في صياغته.
إختفت الحرب الباردة، لكن بعض مؤسساتها الأمنية إستمرت.
إختفى حلف وارسو، بينما توسع الناتو.
إنتهت الثنائية القطبية، لكن نظاماً أحادي القطبية ظهر لفترة.
ثم عادت المنافسة الكبرى.
لم ينتهِ التاريخ؛ إنتهت مرحلة منه فقط.

لماذا يهتم الروس بالجيوبوليتيك؟

بعد كل هذا يمكننا العودة إلى السؤال الأول.
لماذا يراقب الروسي الإنتخابات الأميركية؟
لماذا يتابع الناتو؟
لماذا يهتم بما يحدث في أوكرانيا أو بولندا أو تركيا أو الشرق الأوسط؟
ربما لأن التاريخ علمه أن السياسة الدولية تستطيع أن تصل إلى عتبة البيت.
وصل نابليون.
ووصل هتلر.
وعبرت جيوش أوروبية أخرى الحدود الروسية في مراحل مختلفة.
وفي العصر الحديث لم يعد التهديد يعني بالضرورة جيشاً يعبر الحدود؛ يمكن أن يكون تحالفاً، أو تحولاً في ميزان القوى، أو ضغطاً إقتصادياً، أو تغييراً في البيئة الأمنية المحيطة بالدولة.
وهذا لا يعني أن كل مخاوف روسيا صحيحة، أو أن كل تحرك غربي عدائي.
إنه يعني فقط أن الإهتمام بالجيوبوليتيك يمكن أن يكون نتيجة عقلانية لتجربة تاريخية، وليس بالضرورة مرضاً سياسياً أو هروباً من المشكلات الداخلية.

لا ضحية مطلقة ولا مذنب مطلق

هنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً من الروايات الجاهزة.
روسيا كانت إمبراطورية وتوسعت.
والإتحاد السوفياتي فرض هيمنته على أجزاء من أوروبا الشرقية.
ومخاوف جيران روسيا ليست وهماً.
لكن الولايات المتحدة ليست قوة محلية في أوروبا، بل قوة عالمية لها مصالحها الخاصة.
ودول أوروبا الشرقية ليست مجرد أدوات في يد واشنطن، بل دول لها حساباتها وذاكرتها.
وفي المقابل، روسيا ليست دولة آسيوية دخيلة على أوروبا، ولا يمكن تجاهل مصالحها الأمنية بسبب تاريخها السياسي.
كل هذه الحقائق يمكن أن تكون صحيحة في الوقت نفسه.
وهذا هو الإختبار الحقيقي للحياد: أن نستطيع حمل الحقائق المتعارضة في أذهاننا دون أن نضطر إلى إلغاء بعضها لإثبات بعضها الآخر.

البيت الذي لم يُبنَ

ربما كانت المأساة الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة أن الجميع اعتقد أن السؤال قد حُسم.
الغرب إعتقد أنه إنتصر.
روسيا إعتقدت، لفترة، أنها تستطيع الإندماج.
أوروبا الشرقية إعتقدت أن الناتو سيكون ضمانتها النهائية ضد عودة القوة الروسية.
ثم إكتشف الجميع أن التاريخ لم ينته.
فوكوياما لم يقل إن الجغرافيا ستختفي، لكن روح «نهاية التاريخ» جعلت بعض النخب تتعامل مع إنتصار النموذج الغربي وكأنه نهاية المنافسة الكبرى نفسها.

لكن الجغرافيا لم توافق.

يمكن أن تنتهي الأيديولوجيا ولا تنتهي الجغرافيا.
يمكن أن يسقط نظام سياسي ولا تسقط المصالح الوطنية.
يمكن أن تتغير الحدود السياسية ولا تتغير الذاكرة.
ويمكن لدولة مهزومة أن تعود، بعد سنوات، للمطالبة بمكانتها.
وهكذا عاد السؤال الذي بدا أن الحرب الباردة دفنته: كيف يمكن بناء أمن أوروبي لا يحتاج فيه أحد إلى أن يشعر بأن أمن الآخر تهديد له؟
ربما لم تكن المشكلة أن روسيا لم تصبح غربية بما يكفي.
وربما لم يكن الحل في أن تصبح أوروبا روسية.
المشكلة الأعمق أن الطرفين لم ينجحا في تصور أوروبا تستطيع أن تضم روسيا من دون أن تكون روسيا نسخة من الغرب، ومن دون أن تصبح دول أوروبا الشرقية رهينة للقوة الروسية.
ذلك هو التحدي الذي لم يُحل.
ومن هنا تبدو عبارة «من لشبونة إلى فلاديفوستوك» اليوم أقل شاعرية وأكثر مأساوية.
لقد كان هناك وقت بدا فيه أن الحرب الباردة يمكن أن تنتهي ليس بإنتصار كتلة على أخرى، بل بإلغاء فكرة الكتل نفسها.
لكن الفرصة ضاعت.
وعندما عادت الجيوبوليتيك، عادت معها الذاكرة، والشك، والأحلاف، والردع، والحدود.
ولهذا ربما يكون الجواب عن سؤال «لماذا يهتم الروس بالجيوبوليتيك؟» أبسط مما يبدو: لأن الروس لا يرون الجغرافيا السياسية لعبة بعيدة عن حياتهم.

إنها، في ذاكرتهم، تاريخ من الحروب، وتجربة من الإنهيارات، وسؤال عن السيادة، ومشكلة أمنية لم تُحل منذ نهاية الحرب الباردة.
لكن فهم ذلك لا يعني تبرير كل ما تفعله روسيا.
كما أن فهم مخاوف بولندا أو دول البلطيق لا يعني إعتبار كل هواجسها حقائق مطلقة.
التحليل الحقيقي يبدأ عندما نفهم أن أمن طرف قد يكون، من دون أن يقصد، مصدر إنعدام أمن لطرف آخر.
وعندها يصبح السؤال الحقيقي ليس: من إنتصر ومن إنهزم؟
بل:
هل نستطيع أخيراً بناء البيت الأوروبي الذي حلمت به شعوب أوروبا، بحيث لا يحتاج أحد إلى طرد الآخر كي يشعر بالأمان؟
من لشبونة إلى فلاديفوستوك، كانت هناك فرصة.
لم تتحول إلى واقع.
وربما لهذا السبب تحديداً ما زال الروس ينظرون إلى خريطة العالم بهذه الجدية.
فبالنسبة إليهم، الجغرافيا ليست خريطة على الحائط؛ إنها ذاكرة، وأمن، وكرامة، ومستقبل.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا ...
- من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
- بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك ...
- من صفحات التاريخ - كيف بدأت الحرب الباردة؟ الرواية الروسية ب ...
- حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك ...
- حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك ...
- العودة إلى السوفيات؟
- الأخطاء العسكرية التي كشفتها الحرب على إيران
- روسيا وحيدة في ساحة المعركة: دروس التاريخ في مواجهة واقع الح ...
- ناجي العلي... الرصاص الذي لم يقتل حنظلة
- من فندق الملك داود إلى الليكود: كيف صعد قادة التنظيمات الإره ...
- لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟
- ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا و ...
- من «إبتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030»... كيف تعيد واشنطن هند ...
- «النصر على الذات قبل العدو»
- حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
- من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم ...
- أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
- حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
- ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو ...


المزيد.....




- شاهد.. حرائق الغابات تُخلّف دمارًا واسعًا في بريتش كولومبيا ...
- مصر.. تشديد الرقابة على المشروعات العقارية لضمان حقوق المشتر ...
- وسط غموض بشأن هويتها.. قتلى إثر استهداف حوثي لسفينة في باب ا ...
- سيارة تصطدم بطائرة خاصة على مدرج مطار ميلانو الإيطالي
- -قصفها حقّق كل أحلامي-.. رئيس سابق للموساد يكشف دخول عملاء إ ...
- -انتهاك صارخ-.. سوريا تندّد باعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل ...
- ترامب يعلن إفراج روسيا عن جندي أميركي سابق بوساطة شخصية مع ب ...
- البعثة الأممية تدين اشتباكات الزاوية وصرمان وتحذر من استخدام ...
- أزمة داخل البرلمان المصري.. خلاف بين نائبين يفتح ملف الذمم ا ...
- أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يجدد شروط طهران لفت ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟