|
|
حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 00:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
28 تموز يوليو 2026
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط من أجل الأرض أو العقيدة أو حتى الموارد الطبيعية بالمعنى التقليدي. ففي القرن الحادي والعشرين أصبحت السيطرة على تدفقات التجارة والطاقة والمال أكثر أهمية أحياناً من السيطرة على الآبار والحقول نفسها. وفي هذا السياق تبدو المواجهة الأمريكية الإيرانية الجديدة أقل ارتباطاً بالملف النووي وأكثر إرتباطًا بالسؤال الأكثر حساسية في الإقتصاد العالمي: من يملك مفاتيح المرور في شرايين الإقتصاد الدولي؟ هذا ما أشار اليه الكاتب الروسي فلاديمير بافيرين 16 تموز يوليو الجاري في مقال نشره في صحيفة فزغلياد الاكترونية بعنوان:«الهجوم الأمريكي على إيران يتجدد... والسبب مليارات الدولارات». من هنا يمكن فهم التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران بإعتباره صراعاً على الجغرافيا الإقتصادية أكثر منه نزاعاً تقليدياً حول تخصيب اليورانيوم أو توازنات الردع الإقليمي.
هرمز: المضيق الذي يحكم العالم
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، فضلاً عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال والسلع الإستراتيجية القادمة من الخليج بإتجاه آسيا وأوروبا. ولهذا السبب لم يكن المضيق مجرد ممر مائي، بل تحول منذ سبعينيات القرن الماضي إلى أحد أعمدة النظام الإقتصادي الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. في العقود السابقة كانت المعادلة واضحة: الولايات المتحدة توفر الأمن البحري، ودول الخليج تضمن تدفق الطاقة، والأسواق العالمية تحصل على الإستقرار الذي تحتاجه للنمو. لكن هذه المعادلة بدأت بالتصدع تدريجياً مع تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة، وصعود الصين، وعودة روسيا لاعباً دولياً، وتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس بين مشاريع إقليمية ودولية متعددة. اليوم لم يعد السؤال يتعلق فقط بحرية الملاحة، بل بمن يملك حق تعريف هذه الحرية، ومن يملك حق فرض الرسوم السياسية أو الإقتصادية عليها.
من الحرب على النووي إلى الحرب على الإيرادات
لسنوات طويلة جرى تقديم الأزمة الإيرانية للعالم بإعتبارها أزمة تخصيب يورانيوم وأجهزة طرد مركزي وإتفاقات رقابة دولية. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن جوهر الصراع أخذ ينتقل تدريجياً نحو قضية مختلفة تماماً: الموارد المالية اللازمة لإستمرار النفوذ الإقليمي والصمود الإقتصادي. بالنسبة لواشنطن، فإن إيران التي تملك موارد مالية كبيرة تستطيع تمويل برامجها العسكرية وشبكاتها الإقليمية وتطوير قدراتها الصاروخية والبحرية. أما بالنسبة لطهران، فإن أي نظام سياسي يتعرض لعقوبات طويلة الأمد وحصار مالي يحتاج إلى إيجاد منافذ إقتصادية بديلة للبقاء. وهكذا أصبح المال نفسه ساحة الحرب الجديدة. فالعقوبات لم تعد مجرد وسيلة ضغط سياسية، بل تحولت إلى سلاح إستراتيجي يهدف إلى تقليص قدرة الخصم على الإستمرار في الصراع. وفي المقابل تحاول إيران تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة إقتصادية وسياسية يعوض جزءاً من الخسائر الناتجة عن العقوبات.
ترامب وعقلية الصفقة الكبرى
سواء إتفق المراقبون أو إختلفوا مع سياسات دونالد ترامب، فإن الرجل ينظر إلى السياسة الدولية بعين رجل الأعمال أكثر مما ينظر إليها بعين المدرسة التقليدية في العلاقات الدولية. في هذا المنطق تصبح الحروب إستثمارات، والتحالفات عقوداً، والممرات البحرية أصولاً إستراتيجية يجب أن تحقق عائداً مالياً أو سياسياً. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تظهر في الخطاب الأمريكي أفكار تتعلق بتحميل الحلفاء كلفة الحماية العسكرية، أو مطالبة الدول المستفيدة من الأمن البحري بالمساهمة في تمويله. هذه المقاربة تمثل تحولاً مهماً عن الفلسفة الأمريكية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، حين كانت واشنطن تعتبر حماية النظام التجاري العالمي جزءاً من مسؤوليات القيادة الدولية الأمريكية. أما اليوم فإن السؤال داخل الولايات المتحدة أصبح مختلفاً: لماذا يدفع دافع الضرائب الأمريكي فاتورة أمن التجارة العالمية وحده؟
الحرب البحرية الجديدة
إذا كانت الحرب الباردة قد دارت حول الصواريخ النووية والقواعد العسكرية، فإن الصراعات القادمة قد تدور حول الموانئ والمضائق وخطوط الشحن البحري. هرمز وباب المندب وقناة السويس وملقا لم تعد مجرد نقاط جغرافية على الخرائط، بل أصبحت مراكز ثقل إستراتيجية قادرة على تغيير أسعار الطاقة وإرباك الأسواق المالية خلال ساعات قليلة. ولهذا السبب فإن أي تصعيد في الخليج لا يبقى أزمة إقليمية، بل يتحول فوراً إلى قضية عالمية تمس أسعار النفط والتضخم والنمو الإقتصادي وسلاسل التوريد. إن إغلاق مضيق واحد لبضعة أيام قد يؤدي إلى تأثيرات إقتصادية تفوق في بعض الأحيان تأثير معارك عسكرية تستمر شهوراً.
باب المندب يدخل المعادلة
الخطر الأكبر في أي مواجهة طويلة لا يكمن في هرمز وحده، بل في احتمال إنتقال التوتر إلى مضيق باب المندب أيضاً. فإذا تعرض الممران البحريان معاً للإضطراب، فإن العالم سيواجه أزمة مزدوجة تمس حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وطرق تصدير الطاقة الخليجية في آن واحد. عندها لن تكون المسألة أزمة شرق أوسطية، بل أزمة إقتصادية عالمية كاملة الأركان. وهذا ما يفسر القلق المتزايد في العواصم الأوروبية والآسيوية أكثر من القلق الموجود أحياناً داخل المنطقة نفسها.
إسرائيل لم تعد مركز المشهد
في المراحل الأولى من التصعيد كان يُنظر إلى إسرائيل بإعتبارها المحرك الرئيسي للمواجهة مع إيران. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن مركز الثقل الإستراتيجي بدأ ينتقل تدريجياً من تل أبيب إلى واشنطن. فالولايات المتحدة أصبحت تنظر إلى الأزمة من زاوية تتجاوز الأمن الإسرائيلي إلى إعادة رسم قواعد السيطرة على طرق الطاقة والتجارة العالمية. وبهذا المعنى لم تعد إيران خصماً إسرائيلياً فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الأمريكي في النظام الدولي بأكمله.
لماذا تبدو التسوية صعبة؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن الطرفين ينطلقان من منطق متناقض تماماً. الولايات المتحدة تريد أولاً ضمانات أمنية وإستراتيجية ثم تقدم التنازلات الإقتصادية. أما إيران فتطالب أولاً برفع العقوبات وإستعادة قدرتها الإقتصادية قبل تقديم أي تنازلات جوهرية. بعبارة أخرى، يريد كل طرف من الآخر أن يدفع الثمن مقدماً. وهذه المعضلة تجعل أي إتفاق هشاً وقابلاً للإنهيار عند أول أزمة أو تغير سياسي داخلي. لذلك تبدو المنطقة متجهة نحو نموذج جديد يقوم على دورات متكررة من التصعيد والتهدئة، وليس نحو تسوية نهائية وشاملة.
المستفيدون والخاسرون
في العادة تؤدي أزمات الخليج إلى إرتفاع أسعار النفط، وهو ما يمنح الدول المصدرة للطاقة مكاسب مالية كبيرة. لكن الصورة هذه المرة أكثر تعقيداً. فإرتفاع الأسعار يقابله إرتفاع في تكاليف التأمين والشحن والنقل، فضلاً عن إضطراب الأسواق العالمية وإحتمال دخول الإقتصاد الدولي في موجة تضخم جديدة. أما الولايات المتحدة نفسها فقد تجد أن إدارة الصراع أكثر كلفة من المكاسب المتوقعة منه، خصوصاً إذا طال أمد المواجهة أو توسعت جغرافياً. وفي المقابل تراهن إيران على عامل الزمن، وعلى قدرة خصومها على تحمل الكلفة السياسية والإقتصادية للحرب لفترة أطول.
عالم ما بعد الهيمنة
ربما تكون أهم دلالة في الأزمة الحالية أنها تكشف طبيعة النظام الدولي الجديد. فالعالم الذي تشكل بعد عام 1991 كان قائماً على هيمنة أمريكية شبه مطلقة ضمنت أمن البحار والتجارة الدولية.
أما اليوم فإن هذا النظام يواجه إختبارًا حقيقياً.
فكل أزمة في هرمز أو باب المندب أو البحر الأحمر تطرح السؤال ذاته: هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة وحدها على إدارة النظام العالمي، أم أننا دخلنا بالفعل عصر التنافس بين القوى الكبرى على إدارة الممرات الإستراتيجية؟ قد لا تقدم الحرب الحالية جواباً نهائياً عن هذا السؤال، لكنها تكشف بوضوح أن الصراع لم يعد على النفط ذاته، بل على من يملك مفاتيح الطريق الذي ينقل النفط إلى العالم. وفي عالم تتحكم فيه سلاسل الإمداد والأسواق المالية والممرات البحرية بموازين القوى، قد تصبح السيطرة على المضائق أكثر أهمية من السيطرة على الحقول نفسها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم
...
-
أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
-
حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
-
ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو
...
-
مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف
...
-
ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر
...
-
«المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا
...
-
ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
-
أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
-
عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا
...
-
روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما
...
-
إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم
...
-
نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
-
ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام
...
-
المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف
...
-
ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
-
كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
-
إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
-
ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب
...
-
بعد قرنين ونصف على إعلان الإستقلال: كيف تعيد الولايات المتحد
...
المزيد.....
-
دعوات لتطبيق تأشيرة السفر الإلكترونية في مصر.. كيف تتأثر الس
...
-
جنرال أمريكي متقاعد عن حرب إيران: -علينا إما أن ندخل ونقاتل
...
-
الجيش الإسرائيلي ينشر لقطات لتدمير مسار تحت أرضي تابع لحماس
...
-
لو خُيّرت بين 50 ألف جنيه مضمونة وفرصة للفوز بمليون جنيه، فأ
...
-
الحرب مع إيران تدخل مرحلة أكثر تعقيداً.. هل يصعّد ترامب أم ي
...
-
مع اقتراب الانتخابات.. مسؤولون إسرائيليون يتهمون تركيا بمحاو
...
-
الزيدي يوجه بالتحقيق في استهداف السعودية بمسيرات انطلقت من ا
...
-
ترامب: مخزونات الذخائر الأمريكية وفيرة رغم منح بايدن كميات ك
...
-
موقع: أوكرانيا باشرت باستخدام صواريخ هولندية مجنحة طراز روتا
...
-
بيسكوف: هناك اتصالات لاستعادة عمل تطبيق -تلغرام- في روسيا
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|