أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نفسه















المزيد.....

مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نفسه


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 00:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


24 تموز يوليو 2026


لم يكن كأس العالم 2026 مجرد بطولة رياضية إستثنائية حفلت بالمفاجآت والنجوم والدراما الكروية المعتادة، بل تحول إلى مرآة واسعة عكست كثيراً من التناقضات السياسية والثقافية التي يعيشها العالم المعاصر. فبينما تابع الملايين المباريات بحثاً عن المتعة الرياضية، كانت البطولة تكشف في الخلفية عن أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والإنتماء والإرث الإستعماري والعلاقات العرقية داخل المجتمعات الغربية.
ولعل اللافت أن النقاشات التي رافقت البطولة تجاوزت كثيراً حدود المستطيل الأخضر. فبدلاً من التركيز على الخطط التكتيكية أو الأهداف الحاسمة فقط، إحتلت قضايا الهجرة والهوية الوطنية والعنصرية والتعددية الثقافية مساحة واسعة من الجدل الإعلامي والسياسي، الأمر الذي جعل المونديال يبدو في بعض اللحظات وكأنه إستفتاء عالمي على واقع الغرب ومستقبله.

كرة القدم بوصفها مختبراً سياسياً

لطالما كانت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة. فمنذ عقود تحولت البطولات الكبرى إلى منصات تعكس التوازنات السياسية والإجتماعية السائدة. وفي مونديال 2026 بدا هذا الأمر أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فالمواجهات الرياضية لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الفوز والخسارة، بل باتت تُحمّل بمعانٍ تتجاوز الرياضة نفسها. مباراة بين منتخب أوروبي وآخر من العالم النامي قد تُفسر بوصفها إمتداداً رمزياً لعلاقات تاريخية تعود إلى حقبة الإستعمار، بينما يتحول أداء لاعب أو منتخب إلى مادة لنقاشات واسعة حول الهوية والإنتماء والمواطنة.
هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، لكنها بلغت مستوى غير مسبوق خلال البطولة الأخيرة، حيث أصبحت الملاعب ساحة تتقاطع فيها السياسة والتاريخ والثقافة بصورة يصعب تجاهلها.

عودة الإرث الإستعماري إلى الواجهة

أحد أبرز الموضوعات التي فرضت نفسها خلال المونديال كان الحديث المتجدد عن الإرث الإستعماري الأوروبي. فنجاح عدد من المنتخبات القادمة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية أعاد إلى السطح أسئلة قديمة حول العلاقة بين أوروبا ومستعمراتها السابقة.
ورغم أن الإستعمار إنتهى رسمياً منذ عقود، فإن آثاره لا تزال حاضرة في البنية الإقتصادية والثقافية والسياسية للعالم. ولهذا وجد كثيرون في نتائج البطولة فرصة لإعادة قراءة تلك العلاقة من منظور جديد، حيث بدت بعض المواجهات الكروية وكأنها إعادة تمثيل رمزية لصراعات تاريخية لم تُحسم بالكامل.
كما أن وجود أعداد كبيرة من اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية أو العربية داخل المنتخبات الأوروبية فتح الباب أمام نقاشات إضافية حول تأثير الماضي الإستعماري في تشكيل المجتمعات الغربية المعاصرة، وحول الكيفية التي أعادت بها الهجرة رسم الخريطة الديموغرافية للقارة الأوروبية.

فرنسا نموذجاً لأزمة الهوية الأوروبية

إذا كان هناك منتخب جسد هذه الإشكالية أكثر من غيره، فهو المنتخب الفرنسي.
ففرنسا، التي تقدم نفسها بوصفها نموذجاً للجمهورية المدنية التي لا تميز بين مواطنيها على أساس العرق أو الدين، وجدت نفسها مجدداً في قلب نقاش حاد حول الهوية الوطنية. فغالبية نجوم المنتخب الفرنسي ينحدرون من أصول أفريقية أو عربية، وهو واقع يعكس التحولات الديموغرافية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.
من الناحية القانونية لا يثير الأمر أي إشكال، فجميع هؤلاء اللاعبون فرنسيون ويحملون الجنسية الفرنسية. لكن الجدل الذي رافق مشاركة المنتخب أظهر أن جزءاً من المجتمع الأوروبي لا يزال ينظر إلى الهوية الوطنية بإعتبارها مسألة تتجاوز الوثائق الرسمية لتشمل عناصر ثقافية وتاريخية وإثنية أكثر تعقيداً.
وقد تجلى ذلك في التعليقات الساخرة التي إنتشرت عقب خروج فرنسا من البطولة، والتي وصفت المنتخب بأنه "منتخب أفريقي"، في إشارة إلى أصول عدد كبير من لاعبيه. وبينما رأى البعض في هذه التعليقات شكلاً من أشكال العنصرية، إعتبرها آخرون تعبيراً عن أزمة هوية حقيقية تعيشها المجتمعات الأوروبية.

التعددية الثقافية تحت الإختبار

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تبنت أوروبا الغربية نموذجاً يقوم على الإنفتاح والتعددية الثقافية ودمج المهاجرين في المجتمعات المحلية. لكن مونديال 2026 أظهر أن هذا النموذج لا يزال يواجه تحديات كبيرة.
فالنقاشات التي دارت حول المنتخبات الوطنية كشفت أن مسألة الإندماج لم تُحسم بالكامل، وأن التوترات المرتبطة بالأصل العرقي أو الخلفية الثقافية ما زالت حاضرة تحت السطح.
وفي الوقت الذي ترى فيه النخب السياسية الأوروبية أن التنوع مصدر قوة للمجتمع، يعتقد منتقدو هذا النموذج أن الهويات الفرعية أصبحت في بعض الحالات أقوى من الهوية الوطنية الجامعة. وبين هذين الموقفين تستمر حالة الجدل التي أصبحت جزءاً من المشهد السياسي الأوروبي المعاصر.

العنصرية ومعضلة المعايير المزدوجة

من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال البطولة مسألة العنصرية. فالمؤسسات الرياضية الدولية رفعت منذ سنوات شعار "لا للعنصرية"، وفرضت عقوبات صارمة على كل أشكال التمييز العرقي داخل الملاعب.
غير أن بعض المراقبين يرون أن تطبيق هذه المبادئ لا يتم دائماً بصورة متوازنة. فقد أثارت حملات الإساءة التي تعرض لها بعض اللاعبين الأوروبيين البيض، وخاصة بعد خروج منتخباتهم من المنافسة، نقاشاً واسعاً حول ما إذا كانت جميع أشكال العنصرية تحظى بالمستوى نفسه من الإدانة.
وفي الحالة الفرنسية تحديداً، برزت قضية المدافع لوكا دينييه الذي تعرض لهجوم عنيف بعد الخسارة أمام إسبانيا. وقد تجاوزت بعض الإنتقادات حدود الأداء الرياضي لتأخذ طابعاً عرقياً واضحاً، ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول مفهوم "العنصرية المعكوسة" ومدى صلاحيته لوصف هذه الظواهر.
ورغم الخلاف الكبير حول هذا المصطلح، فإن القضية الأساسية تبقى واحدة: أي تمييز ضد فرد بسبب أصله أو لون بشرته يظل شكلاً من أشكال العنصرية، بغض النظر عن هوية الضحية أو الجاني.

وسائل التواصل وصناعة الإنقسام

لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دوراً محورياً في تضخيم هذه النقاشات. فخلال البطولة تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للسجالات السياسية والثقافية، وإنتشرت آلاف التعليقات والنكات والميمات التي تناولت الخلفيات العرقية للاعبين والمنتخبات.
وفي كثير من الأحيان لم يعد الهدف من النقاش هو تحليل الأداء الرياضي، بل تأكيد مواقف أيديولوجية مسبقة. وهكذا تحولت كرة القدم إلى مادة خام لصراعات الهوية التي تشهدها المجتمعات الغربية.
كما ساهمت هذه البيئة الرقمية في إنتشار نظريات المؤامرة التي طالت بعض أبرز نجوم البطولة. فالشائعات التي ربطت نجاح ليونيل ميسي بمؤامرات سياسية أو أيديولوجية لم تكن سوى إنعكاس لحالة أوسع من فقدان الثقة في المؤسسات والروايات الرسمية.

أزمة الغرب المزدوجة

ما يجعل مونديال 2026 حدثاً جديراً بالدراسة ليس فقط مستواه الرياضي، بل كونه كشف عن أزمتين متزامنتين تواجهان الغرب المعاصر.
الأزمة الأولى خارجية، وتتعلق بالإرث الإستعماري والعلاقة التاريخية المعقدة بين أوروبا والعالم غير الغربي.
أما الأزمة الثانية فداخلية، وترتبط بأسئلة الهوية والإنتماء والهجرة والتعايش داخل المجتمعات الأوروبية نفسها.
وفي الحالتين تبدو كرة القدم مجرد واجهة لصراعات أعمق بكثير. فالخلافات التي ظهرت في الملاعب وعلى المدرجات وفي الفضاء الرقمي ليست منفصلة عن التحولات السياسية والثقافية الكبرى التي يشهدها العالم.

خاتمة

أثبت كأس العالم 2026 مرة أخرى أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تُحسم نتائجها بالأهداف. فخلف المباريات المثيرة والنجوم اللامعين واللحظات التاريخية، ظهرت أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل المجتمعات الغربية وبقدرتها على التوفيق بين الماضي والحاضر، وبين الهوية الوطنية والتعددية الثقافية، وبين شعارات المساواة والواقع الإجتماعي المعقد.
لقد كشف المونديال أن الغرب لا يزال يعيش نقاشاً مفتوحاً حول ذاته وحول علاقته بالعالم. وربما كانت هذه هي المفارقة الأهم: ففي الوقت الذي جاءت فيه البطولة للإحتفاء بعالمية كرة القدم، تحولت في كثير من الأحيان إلى منصة تكشف حجم الإنقسامات التي تعبر العالم المعاصر. وهكذا لم يكن مونديال 2026 مجرد بطولة رياضية، بل وثيقة سياسية وثقافية غير مكتوبة عن مرحلة تاريخية لا تزال تتشكل ملامحها أمام أعين الجميع.
*****
المراجع:

1. أفلاطون بيسيدين، «مونديال 2026 والإرث الاستعماري في كرة القدم المعاصرة»، موقع مؤسسة الثقافة الاستراتيجية، 24 تموز يوليو 2026.
2. أفلاطون بيسيدين، «كرة القدم بلا عنصرية؟ هذا ليس عندهم!» موقع مؤسسة الثقافة الاستراتيجية، 18 تموز يوليو 2026.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر ...
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
- كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
- إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
- ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب ...
- بعد قرنين ونصف على إعلان الإستقلال: كيف تعيد الولايات المتحد ...
- من مقعد مجلس الأمن إلى أزمة النفوذ: ماذا تكشف هزيمة ألمانيا ...
- من صفحات التاريخ - أسرار القصر البريطاني والرايخ الثالث... م ...
- ألكسندر دوغين: لماذا كان السلام بين إيران وواشنطن مستحيلاً؟
- ألكسندر دوغين - العملية العسكرية الخاصة أصبحت حرباً مفتوحة.. ...
- ما بعد هرمز والسويس... كيف يعيد الشرق الأوسط رسم خريطة التجا ...


المزيد.....




- -الموساد- يكشف عن -مخطط إيراني لاستهداف مسؤولين كبار داخل إس ...
- الكويت.. المؤبد لمواطن بتهمة التخابر مع إيران وحزب الله
- ترامب: الاتفاق النووي مع السعودية مرهون بالاعتراف بإسرائيل
- إلى أين وصلت جهود احتواء حرائق الغابات في تونس والجزائر؟
- بيانات: رصد 5 طائرات صهريج وطائرة إنذار أواكس تابعة للجيش ال ...
- الجيش الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على قطاع غزة (فيديو)
- ماكرون يرد على تصريحات سفير بلاده لدى الجزائر بشأن التأشيرات ...
- عراقجي: شخصيات مخترقة في الإدارة الأمريكية تتجاهل الواقع وتد ...
- الأزهر يهاجم إسرائيل مجددا بسبب بن غفير
- قلق بشأن صحة راشد الغنوشي بعد تعرضه لإغماء بالسجن


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نفسه