أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الراغبين» (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....



ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الراغبين» (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 10:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر


إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف


22 تموز يوليو 2026

سؤال - في الثاني عشر من تموز/يوليو، أفادت القناة الإسرائيلية الثانية عشرة – في مصادفة لافتة للأرقام – بأن إيران حاولت، بحسب زعمها، تنفيذ عملية إغتيال ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة. ونعلم أن ترامب سبق أن تعرض لمحاولات إغتيال. من وجهة نظركم، هل يمكن الوثوق بالمعلومات التي تنقلها الإستخبارات الإسرائيلية، والتي تفيد بأن أولوية إيران اليوم هي تصفية الرئيس الأمريكي؟

ألكسندر دوغين - بادئ ذي بدء، أعتقد أنه بعد أن أقدم الرئيس الأمريكي على تصفية القيادة الدينية والسياسية والعسكرية لإيران، لم يعد هناك أي مبرر يدعو الإيرانيين إلى الإبقاء على ترامب على قيد الحياة. فعندما يقرر أحد الأطراف تجاوز الخطوط الحمراء، فما الذي يمنع الطرف الآخر من تجاوزها أيضاً؟ لقد هدد الإيرانيون ترامب مراراً بأنه سيكون هدفاً لهم، وأرى أنه من الطبيعي أن يكونوا قد فكروا بمحاولة تنفيذ ذلك.
لكن المسألة الأخرى تتعلق بالقدرة لا بالرغبة. فأنا أشك كثيراً في أن تمتلك الإستخبارات الإيرانية أو الدولة الإيرانية الأدوات والإمكانات الكافية لتنفيذ مثل هذا التهديد. من الناحية المنطقية، لو تمكن الإيرانيون من إغتيال ترامب، لكان الأمر يبدو وكأنه معادلة في ميزان الردع: بيدق مقابل بيدق، قلعة مقابل قلعة، وملكة مقابل ملكة. وكان العالم بأسره سيهز رأسه قائلاً: هذا مفهوم ومتوقع. فبعد ما إرتكبته الولايات المتحدة وإسرائيل بحق إيران، بات من حق إيران – وفق هذا المنطق – أن ترد بما تشاء ضد الأمريكيين، حتى لو إستهدف الرد أعلى مستويات القيادة السياسية، لأن الطرف الآخر هو من أزال بنفسه كل الخطوط الحمراء.
لذلك، لن أستغرب من حيث المبدأ وجود مثل هذه النية. أما إذا إنتقلنا من النوايا إلى الإمكانات، فأنا أكثر حذراً بكثير. لا أعتقد أن إيران تمتلك القدرة على تنفيذ عملية من هذا النوع، سواء في أنقرة أو داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر، ولهذا أرى أن إحتمال تحقق ذلك يظل ضعيفاً.
لكن دعونا ننظر إلى المشهد بصورة أكثر موضوعية. فترامب، رغم كل ما إتسمت به السياسة الأمريكية في هذه الحرب من عدوانية وعنف، يبقى، في ما يتعلق بالملف الإيراني، أكثر إعتدالاً نسبياً من إسرائيل. فالولايات المتحدة، بقيادته، تتصرف بدرجة من الضبط تفوق ما تفعله إسرائيل. ولهذا كثرت خلال الأسبوع الأخير الأحاديث عن فتور العلاقات بين ترامب وبنيامين نتنياهو، وعن "قطة سوداء" مرت بينهما، وأن العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية تشهد تراجعاً واضحاً.
وفي خضم هذه الأجواء، إرتكب ترامب، في تقديري، خطوة غير محسوبة عندما أعلن على الملأ أنه، في حال تعرضه للإغتيال على يد الإيرانيين، فقد ترك توجيهاً رسمياً لقيادة الولايات المتحدة يقضي بتدمير إيران بالكامل، وقصفها حتى تعود إلى "العصر الحجري". لقد كرر، حرفياً تقريباً، العبارات التي إستخدمتها هيلاري كلينتون ذات يوم في حديثها عن ليبيا ومعمر القذافي. حتى ليبدو وكأن الديمقراطيين والجمهوريين يتشاركون كاتب الخطابات نفسه؛ فالتعابير والصور البلاغية ذاتها تتكرر. والمفارقة أن ترامب كان في السابق يسخر من تصريحات كلينتون تلك ويهاجمها بعنف، ثم عاد اليوم ليعيد إنتاجها بالكلمات نفسها.
لكن أين تكمن خطورة هذه الخطوة؟
لنتخيل أن العلاقات بين ترامب وإسرائيل أخذت بالفعل في التدهور، بينما ترى إسرائيل أن إستمرار الحرب مع إيران ضرورة إستراتيجية لا بد منها، لأنها هي من دفع بإتجاه إشعالها منذ البداية. وفي هذه اللحظة يعلن ترامب أنه إذا إغتاله الإيرانيون، فهناك أمر مسبق يقضي بتدمير إيران بالكامل.
هنا قد يخطر ببال القيادة الإسرائيلية سؤال بالغ البساطة: لماذا لا يتم التخلص من ترامب؟
إنه رجل متقدم في السن، ولم يتبقَّ له الكثير في الحياة السياسية. وبعض الشخصيات المحيطة به بدأت تغادر المشهد بالفعل، مثل ليندسي غراهام، الذي – بحسب تعبير دوغين – "إنتقل أمس إلى الجحيم"، وكذلك ميتش ماكونيل، الذي يصفه بأنه في نهاية مسيرته السياسية، ومن أبرز المؤيدين لإسرائيل والمعارضين لروسيا. وبصورة عامة، فإن جيل "الصقور" الأمريكيين يقترب من نهايته الطبيعية، كما أن ترامب نفسه يقترب من الإنتخابات النصفية التي يرجح أن يخرج منها أضعف مما هو عليه اليوم، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الموقف الإسرائيلي.
وفي مثل هذا السياق، فإن التخلص من ترامب، ثم تحميل إيران المسؤولية عن إغتياله، قد يبدو – وفق هذا التحليل – خياراً يخدم المصالح الإسرائيلية إلى حد بعيد. فإسرائيل ستحقق بذلك أكثر من هدف دفعة واحدة: سيغيب ترامب، لكن وصيته السياسية ستبقى نافذة، وسيجري تنفيذ أمره بشن عملية عسكرية أمريكية واسعة لتدمير إيران، وهو بالضبط ما تسعى إليه إسرائيل.
ومن هنا يكتسب الحديث الإسرائيلي عن محاولة إيرانية مزعومة لإغتيال ترامب في أنقرة دلالة مختلفة؛ فهو يهيئ الأرضية النفسية والإعلامية لفكرة أن الإيرانيين حاولوا بالفعل، وأن لديهم النية والقدرة على تنفيذ ذلك.
لكنني، شخصياً، لا أعتقد أن لدى إيران تلك الإمكانات. أما جهاز "الموساد"، فالوضع مختلف تماماً. فما نراه اليوم هو أن إسرائيل تمارس نفوذاً واسعاً على القرار السياسي الأمريكي، بل إنها، إلى حد كبير، قادرة على التأثير في الرئيس الأمريكي نفسه، وربما ليس بنسبة مئة في المئة، ولكن بنسبة كبيرة جداً.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فترامب، بإعلانه عن وجود تلك الوثيقة، وضع نفسه في موقف بالغ الحساسية. فإذا حصلت أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية على ما يؤكد وجود هذا التوجيه المكتوب، الذي ينص على تدمير إيران إذا قُتل ترامب على يد الإيرانيين، فإن ذلك قد يحول الرجل – من حيث لا يدري – إلى هدف أكثر جاذبية.
لقد تصور ترامب، وهو يشعر بالتهديد، أن مثل هذا الإعلان سيردع إيران. لكن ما قد يحدث، وفق هذا التصور، هو العكس تماماً؛ إذ يكون قد وقع بنفسه على حكم إعدامه، ليس من جانب إيران، وإنما من جانب إسرائيل.
فمن وجهة نظر من يفكر بمنطق المصالح البحتة، من يكون ترامب؟ رجل متقدم في السن، يقترب من أن يصبح "بطة عرجاء" سياسياً، وتزداد خلافاته مع نتنياهو. والتضحية به، إذا كانت ستؤدي إلى إدخال الولايات المتحدة في حرب شاملة مع إيران، قد تبدو، بالنسبة لمن يتبنى هذا المنطق، ثمناً مقبولاً للغاية.
لهذا أرى أن المستفيد الأول، في مثل هذا السيناريو، لن يكون إيران، بل إسرائيل. والأهم من ذلك أن إسرائيل، بخلاف إيران، تمتلك – بحسب هذا الطرح – الإمكانات العملياتية والإعلامية اللازمة لتنفيذ مثل هذه العملية، ثم توجيه أصابع الإتهام إلى طهران، مستفيدة من نفوذها الكبير في الفضاء الإعلامي العالمي، بحيث يصبح تحميل إيران المسؤولية أمراً يسيراً. وقد شهد التاريخ الأمريكي والإسرائيلي، في رأيي، سوابق كثيرة من هذا النوع.
ولهذا أعتقد أننا نقف أمام إحتمال حقيقي لتصعيد بالغ الخطورة.
وبطبيعة الحال، لا أحد يعرف الحقيقة الكاملة. وحتى أجهزة الإستخبارات نفسها، ربما لا تمتلك جميعها الصورة الكاملة، أما من يعرف، فلن يفصح عنها أبداً. ولهذا أرى أن الجدل حول ما إذا كانت محاولة الإغتيال قد حدثت فعلاً أو لم تحدث، أو ما إذا كانت إيران قادرة على تنفيذها أو لا، ليس هو السؤال الأكثر أهمية.
الأهم هو فهم السياق الجيوسياسي الذي تصدر فيه مثل هذه التصريحات.
فنحن نعيش في عالم لا تكون فيه الوقائع وحدها هي التي تصنع السياسة، بل الطريقة التي تُقدَّم بها هذه الوقائع، وكيف تُفسَّر، وكيف تُبنى حولها الرواية الإعلامية. فإذا نجحت وسائل الإعلام العالمية في ترسيخ صورة ذهنية مفادها أن إيران كانت قادرة على إغتيال ترامب، فسيتعامل كثيرون مع هذه الصورة بوصفها حقيقة، بغض النظر عما جرى فعلاً على أرض الواقع.
ولهذا، فإن ما يصنع الأحداث في عصرنا ليس الواقع وحده، بل السردية التي تُبنى حوله، والتفسير الذي يُقدَّم للرأي العام، والصياغة الإعلامية التي تمنحه معناه السياسي.

سؤال - نعم، لقد إطلعتُ على ما تنشره بعض وسائل الإعلام الغربية، وهناك بالفعل مسؤولون وشخصيات ألمانية يتحدثون عن أن لدى إيران "قائمة للإنتقام" تضم أسماء مثل المستشار الألماني فريدريك ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأن هذا يستدعي تشديد الإجراءات الأمنية حولهما. وربما يكون ذلك أيضاً جزءاً من ماكينة إعلامية واحدة.

ألكسندر دوغين - نعم، ووفق هذا المنطق يمكن للإيرانيين أيضاً إستهداف ميرتس وماكرون وغيرهما. فمن وجهة النظر التي أطرحها، تُعد هذه أهدافاً مشروعة. فبعد أن نفذ الغرب، برأيي، عملاً عدوانياً غير مسبوق ولا يستند إلى أي مبرر ضد دولة ذات سيادة، وقام بتصفية قيادتها، ثم لم يُدن عمليات القتل التي نفذتها الولايات المتحدة، فإن يد إيران أصبحت طليقة. وأعتقد أن إيران باتت تعتبر نفسها مخولة بالرد بأي شكل من أشكال الإنتقام. وهذا ما يتكرر الحديث عنه في المؤتمرات، وفي خطابات القادة الإيرانيين، وفي التجمعات الجماهيرية داخل إيران.
لكن ثمة فارق بين الرغبة والقدرة، وبين الإمكان والإقدام. وهنا أرى أن إيران تتصرف بعقلانية كبيرة. فهي قادرة على الوصول إلى القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، كما تستطيع إستهداف المراكز الإقتصادية ومنشآت الطاقة في الدول الحليفة للولايات المتحدة، مثل الإمارات والبحرين والكويت والأردن، وبدرجة أقل قطر، وكذلك السعودية.
ولهذا فإن الضربات الإيرانية الأساسية تتجه، بحسب هذا التصور، نحو هذه الأهداف، في حين تستمر بعض الصواريخ أيضاً في الوصول إلى إسرائيل.
ومن هذا المنطلق، يرى دوغين أن إيران، لو إمتلكت القدرة، لكانت – بحسب منطقه – إستهدفت ترامب وربما بعض القادة الأوروبيين أيضاً، ولن يغيّر ذلك شيئاً في موقف الغرب، لأنه – كما يقول – إعتاد توجيه الإتهام إلى الضحية، بحيث يصبح القتلة والإرهابيون، في نظره، هم من يتهمون ضحاياهم بالإرهاب. وبرأيه، لا يمكن تغيير هذه المعادلة إلا بالقوة.
ويضيف أن إيران تمارس هذا النهج بالفعل، من خلال السعي إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر الإستراتيجي، سواء عبر إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه بالألغام. بل يذهب إلى حد توقع إستهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة في قاع الخليج باتجاه الكويت، بهدف توجيه ضربة إضافية إلى الإقتصاد العالمي.
ويرى أن إيران ستواصل القيام بكل ما تستطيع فعله، وستحقق من خلاله نتائج ملموسة، أما ما تعجز عن تنفيذه، فقد تكون راغبة فيه لكنها لا تمتلك الوسائل اللازمة لتحقيقه.
ومع ذلك، ولرفع المعنويات، تواصل إطلاق تصريحات من قبيل: "سنقتل ترامب".
وهنا – بحسب دوغين – تدخل إسرائيل على الخط، بما يسميه "جرأتها المعهودة"، لتقول إن الإيرانيين يريدون بالفعل إغتيال ترامب، وإنهم حاولوا ذلك من قبل، ويقتربون أكثر فأكثر من تنفيذ مخططهم. ويضيف أن وفاة ليندسي غراهام، الذي يصفه بأنه كان من أكثر خصوم إيران تشدداً، تُستغل أيضاً في هذا السياق، بل إنه لا يستبعد أن تدّعي إيران يوماً ما أنها كانت وراء مقتله، رغم أنه يرجح شخصياً أن ذلك غير صحيح.

سؤال - وبما أننا نتحدث عن ليندسي غراهام، فقد اطلعت، أثناء التحضير لهذه الحلقة، على عدد كبير من الروايات المختلفة حول أسباب وفاته؛ بعضها يتحدث عن أنه قُتل خلال ضربة روسية على كييف، وأخرى تزعم أن الأمر يرتبط بصراعات داخلية أمريكية لأنه كان يعلم الكثير عن الأموال المخصصة لأوكرانيا، ولذلك جرى التخلص منه. برأيكم، هل كانت الوفاة طبيعية؟ أم أنها نوع من "العدالة الكونية"؟ أم أن هناك جهة ما تقف وراءها؟

ألكسندر دوغين - في الحقيقة، هذا أيضاً من الأمور التي ربما لن يعرف أحد حقيقتها أبداً. فلو كانت لنا علاقة بالأمر، لما إعترفنا بذلك بطبيعة الحال.
لقد كان ليندسي غراهام، في رأيي، من أشد أعداء الإنسانية. صحيح أن التقاليد لا تستحسن الحديث بسوء عن الموتى، لكن موت الشخص لا يمحو أفكاره ولا يلغي أفعاله. فأسامة بن لادن، مثلاً، لم يتوقف عن كونه إرهابياً ومتطرفاً بعد وفاته، لأن المشروع الذي مثله إستمر بعده.
وبالمنطق نفسه، يرى دوغين أن غراهام يمثل تيار المحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري، الذين يدعون إلى قصف الروس والقضاء عليهم. ويستشهد بتصريحات سابقة لغراهام قال فيها إن "قتل الروس يعد أحد أفضل الإستثمارات التي يمكن أن تنفق فيها الولايات المتحدة أموالها".

سؤال - نعم، لقد وصف ذلك بالفعل بأنه "واحد من أفضل الإستثمارات".

ألكسندر دوغين - ولهذا السبب أعتُبر، في نظرنا، إرهابياً ومتطرفاً. ولم يُبدِ أي ندم قبل وفاته. مات وإنتهى الأمر، ولذلك لا أرى ما يدعو إلى الأسف عليه.
أما الأسباب الحقيقية لوفاته، فأعتقد أننا لن نعرفها أبداً.
وربما كانت، من زاوية أخرى، "رسالة تحذير سوداء" بعث بها الموساد إلى ترامب، وهو إحتمال ينسجم مع ما تحدثنا عنه في الجزء الأول من هذا التحليل.
فمن وجهة نظري، تمتلك إسرائيل القدرة على تنفيذ أي عملية من هذا النوع داخل الولايات المتحدة، بل وعلى تصفية أي شخصية تريدها، لأنها – بحسب تقديري – تؤثر في كثير من مفاصل القرار الأمريكي وفي العديد من العمليات على المستوى العالمي، مما يجعل مثل هذه العمليات ممكنة بالنسبة إليها.
أما بالنسبة لإيران، فالأمر أكثر تعقيداً.ءء
وبالنسبة لروسيا، يقول دوغين إنه لا يعتقد أن أجهزة الإستخبارات الروسية تقف وراء ذلك، مضيفاً أن هذه الأجهزة لم تُظهر في السنوات الأخيرة عمليات نوعية كتلك التي كانتءء تنفذها الإستخبارات السوفياتية في عهد جوزيف ستالين، حين كانت توجه ضربات مؤثرة لأعداء الإتحاد السوفياتي، على حد تعبيره، الأمر الذي كان يفرض عليهم الخوف والإحترام.
ويرى أن موسكو تخلت عن هذا الأسلوب، ويعتبر ذلك خطأً. ولهذا فإنه يستبعد، في تقديره، أي ضلوع روسي في وفاة غراهام، مع أنه يضيف، بصيغة شخصية، أنه لو إتضح لاحقاً أنه مخطئ في هذا التقدير فلن يشعر بالإنزعاج، لكنه لا يعتقد أن روسيا كانت وراء الحادث.
ثم ينتقل إلى ما يصفه بـ**"البعد الرمزي"** لوفاة ليندسي غراهام.
فبحسب دوغين، فإن غراهام كان يجسد كل ما يرفضه ويعاديه في الغرب المعاصر، إذ يصفه بأنه من دعاة الحروب، ومن أبرز المؤيدين للسياسات الإسرائيلية، ومن أشد خصوم روسيا، ومن المدافعين عن إستخدام القوة العسكرية، بل ويشير إلى أنه سبق أن دعا إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة.
ويرى أن وفاة شخصية تحمل هذه المواقف، إذا كانت طبيعية بالفعل، تمثل في نظره نوعاً من العدالة الإلهية، وإن كان يضيف بأسلوبه الخاص أنه كان يتمنى لو جاءت – بحسب تعبيره – "على يد قوى الخير"، ثم يستدرك قائلاً: "لكن لنترك الأمر عند هذا الحد."
ويختم بالقول إن ما يلفت إنتباهه ليس سبب الوفاة بقدر ما هو رمزيتها؛ إذ إن آخر ظهور علني لغراهام كان في كييف، وهو يحمل طائرة مسيّرة مزودة بمتفجرات، ويتحدث عن إستخدامها ضد روسيا، متوعداً بمقتل الروس، رجالاً ونساءً وأطفالاً.
ويضيف أن آخر مواقفه السياسية تمثلت أيضاً في وعده للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالعمل، عبر الكونغرس الأمريكي، على فرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، والسعي مع السيناتور ريتشارد بلومنثال إلى تصنيف روسيا دولة راعية للإرهاب، إلى جانب إجراءات أخرى يصفها بأنها كانت تستهدف موسكو.
ويخلص إلى أن وفاة غراهام جاءت، في نظره، بينما كان يواصل إطلاق خطاباته الحادة ضد روسيا، وهو ما يمنح الحدث، بحسب قراءته، بعداً رمزياً يتجاوز مجرد الوفاة بحد ذاتها.
وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، ووفقاً لما نقلته مصادر في الصحافة الغربية وكذلك وسائل الإعلام الأوكرانية، قامت الصواريخ الروسية بتدمير المنشأة التي كانت تُصنَّع فيها مكونات الطائرات المسيّرة، بما في ذلك أجزاء خاصة بطائرات "فلامينغو" وصواريخ وتقنيات أخرى أكثر تطوراً. وبذلك، يقول دوغين، إن المصنع الذي وقف فيه السيناتور الأمريكي مهدداً روسيا لم يعد موجوداً بعد مغادرته بوقت قصير، كما أن أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية لم تتمكن من حماية هذا الموقع الذي يعد مهماً بالنسبة لخصوم موسكو.
ويرى أن هذا يمثل، من وجهة نظره، "رمزية لافتة"، لكنه يضيف أن القصة لا تنتهي عند هذا الحد.
فالشخص الذي كان يتوعد روسيا بالهزيمة، ويدعو – بحسب وصفه – إلى قتل الروس وتحقيق المكاسب من دمائهم، عاد إلى الولايات المتحدة ثم توفي بعد ذلك مباشرة.
ويمضي دوغين في وصف ليندسي غراهام بعبارات شديدة القسوة، قائلاً إنه عاش وحيداً بلا زوجة ولا أبناء، وإنه كان – بحسب رأيه – سياسياً عدوانياً ومحرّضاً على الحروب. ثم يشير إلى أن الإعلان الرسمي تحدث عن "مرض مفاجئ" (Sudden Illness)، ساخراً من التعبير بالقول إن بعض المدونين الروس إقترحوا إطلاق اسم "المرض المفاجئ" على أحد الصواريخ الروسية، في إشارة ساخرة إلى سرعة الوفاة.
ويضيف أنه خلال فترة وجيزة، لم يعد هناك لا المصنع الذي تعرض للقصف ولا ليندسي غراهام نفسه.
ومن هنا ينتقل إلى الحديث عما يسميه "الحقل الرمزي" في الصراع الإعلامي.
فبحسب رأيه، فإن جانباً كبيراً من الحملات الغربية ضد روسيا بُني خلال السنوات الماضية على إستثمار الوقائع ذات البعد الرمزي، وتضخيم أي إخفاق أو حادثة صغيرة داخل روسيا وتحويلها إلى مادة إعلامية هدفها السخرية من موسكو وإضعاف صورتها.
ومن هذا المنظور، يعتبر دوغين أن قصة ليندسي غراهام تمثل إنتصاراً إعلامياً ورمزياً لروسيا، بل ولإيران والصين أيضاً.
ويضيف أن الخطأ، من وجهة نظره، سيكون أن تبادر روسيا إلى إصدار بيانات تعزية أو إظهار الأسف على وفاة غراهام، معتبراً أن الموقف الرمزي – بحسب تعبيره – يجب أن يكون مختلفاً تماماً.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يدعو إلى الشماتة، وإنما يعتبر الأمر جزءاً من الحرب الإعلامية والرمزية الدائرة بين الأطراف.
ويضيف أن هذا النهج يجب أن يُطبق، في رأيه، على جميع الشخصيات السياسية الغربية التي تتبنى مواقف عدائية تجاه روسيا، مشيراً إلى السيناتور الأمريكي ميتش ماكونيل بوصفه مثالاً آخر، ومعتبراً أن كل من يسعى – بحسب تعبيره – إلى إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا أو الإساءة إليها إعلامياً ينبغي أن يواجه الرد نفسه في ميدان الحرب المعلوماتية، لأن هذه المواجهة، كما يقول، "يمكن أن يلعبها الطرفان".

سؤال - وتنشر وسائل الإعلام حالياً تفاصيل عديدة، حتى عن الكلمات الأخيرة المنسوبة إلى ليندسي غراهام، إذ يُقال إنه أعلن، قبل ساعات من وفاته، أنه لا ينوي أن يموت قبل فرض عقوبات جديدة على روسيا.
وفي الوقت نفسه، هناك خبر حديث يتعلق بالسيناتور الأمريكي الآخر، ميتش ماكونيل، الذي تحدثنا عنه سابقاً، إذ أعلن أنه لا يزال أمامه عمل لم ينجزه، وأنه سيواصل أداء مهامه، رغم أنه لن يحضر جلسات مجلس الشيوخ. ويبدو أن هناك أيضاً جانباً رمزياً في هذا التزامن.

ألكسندر دوغين - بالتأكيد.
فماكونيل، بحسب قوله، يرقد الآن في غيبوبة. وهو، في نظر دوغين، من أقرب السياسيين الأمريكيين إلى إسرائيل، ومن أبرز خصوم روسيا، ومن أكثر المؤيدين للعقوبات ضدها.
ويضيف بأسلوبه الخاص: "أحدهما رحل، والآخر لم يرحل بعد... فلننتظر ونرى."
ويرى أن هذا يخلق، من الناحية الرمزية، إطاراً جديداً للحرب الإعلامية؛ فكلما خرج سياسي غربي ليعلن أنه لن يموت قبل فرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، أو قبل هزيمتها إستراتيجياً، أصبح ذلك – في رأيه – مادة رمزية جديدة يمكن إستثمارها في الخطاب الروسي.
ثم ينتقل إلى فكرة يعتبرها أساسية، وهي أهمية الحرب الرمزية.
ويقول إن كثيرين يظنون أن الحروب تُحسم فقط في ميادين القتال أو عبر الإقتصاد والأرقام والخسائر والسيطرة على الأراضي، وكل ذلك صحيح ومهم، لكنه لا يكفي لفهم طبيعة الغرب المعاصر.
فبحسب تحليله، فإن الغرب الحديث لم يعد يمنح الأولوية للواقع المادي بقدر ما يمنحها للرواية التي تُبنى حول ذلك الواقع.
ويضيف أن فلسفة ما بعد الحداثة، إلى جانب نظريات الإعلام الحديث والحروب الشبكية (Network Warfare)، تقوم على تضخيم دور المعلومات والسرديات والنصوص والخطاب الإعلامي، بحيث يصبح الخطاب سابقاً للواقع، بل وأقوى تأثيراً منه أحياناً.
ولهذا، يرى أن النجاح لا يعتمد فقط على ما يحدث فعلاً، وإنما أيضاً على القدرة على صياغة قصة مقنعة، وصناعة صورة ذهنية، وربط أحداث قد لا تكون مترابطة في الأصل داخل سردية واحدة متماسكة. فإذا نُفذت هذه العملية في الوقت المناسب وبطريقة مؤثرة، فإنها تحقق – بحسب رأيه – نجاحاً إستراتيجياً كبيراً، حتى وإن لم تكن تعكس الواقع بصورة كاملة.
ومن هنا يؤكد أن الحرب الرمزية أصبحت إحدى أهم أدوات الغرب في مواجهته مع روسيا.
ويقول إن آلاف الرسائل الإعلامية والسرديات التي تصور روسيا بإعتبارها الطرف الخاسر، وتقدم الغرب وأوكرانيا بوصفهما الطرف المنتصر، أو تصف النظامين السياسي والإقتصادي الروسيين بالفشل، تنتقل بإستمرار عبر شبكات التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام والقنوات الدبلوماسية ومنظومات الإتصال العالمية، حتى تتسلل إلى داخل المجتمع الروسي نفسه، ويبدأ الروس أنفسهم في إعادة إنتاجها وترديدها.
وبرأيه، فإن هذه هي الإنتصارات الحقيقية في الحروب الشبكية؛ إذ قد يحقق طرف ما نجاحاً عسكرياً على الأرض، لكنه يخسر في الفضاء الإعلامي والإفتراضي.
ويضيف أن النصر الواقعي يظل ضرورياً، لكنه لا يكفي وحده، لأن الميدان الإفتراضي أصبح جزءاً لا يتجزأ من ساحات الحرب الحديثة.
ويختم هذا الجزء بالإشارة إلى حوار أجراه مع أحد أنظمة الذكاء الإصطناعي، إذ سأله سؤالاً يقول فيه: "لماذا خسرنا، نحن المدافعين عن الوطنية والسيادة وروسيا بوصفها دولة-حضارة، أمام الليبراليين وأنصار الغرب خلال تسعينيات القرن الماضي، وهم الذين فرضوا على روسيا، في رأينا، شكلاً من أشكال الوصاية الخارجية التي لا نزال نحاول التخلص من آثارها حتى اليوم؟"
لقد طرحتُ هذا السؤال على أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، فجاءني بعدة تفسيرات، لكن أحدها إستوقفني كثيراً.
فقد أجاب بأن أقلية صغيرة جداً، تمثل شريحة من النخبة المدينية ذات التوجهات الغربية، إلى جانب شبكات النفوذ الغربية والمنظومات الإجرامية، إستطاعت خلال تسعينيات القرن الماضي أن تستولي على المجال الرمزي داخل روسيا.
فهذه الأقلية – بحسب هذا التحليل – نجحت في تقديم إنهيار الإتحاد السوفياتي، والإصلاحات التي وصفها دوغين بالمدمرة، وتفكيك الصناعة الروسية، وإدخال البلاد في تبعية مالية وإقتصادية وسياسية كاملة للغرب، على أنها إنجازات وتقدم وإصلاح وتحديث.
وبعبارة أخرى، فإن أقلية محدودة تمكنت من إحتكار تفسير الواقع وصياغة الرواية السائدة، رغم أن الأغلبية كانت ترى واقعاً مختلفاً تماماً ولم توافق على ذلك التوصيف.
ويرى دوغين أن هذا يقدم درساً بالغ الأهمية، وهو أن الأغلبية التي تسيطر على الواقع قد تخسر الحرب إذا فقدت السيطرة على المجال الرمزي والإعلامي.
ومن وجهة نظره، فإن أحد الأسباب الرئيسية لهزيمة التيار الوطني الروسي في تسعينيات القرن الماضي لم يكن ضعفه العددي أو قصوره الواقعي، بل نجاح ما يسميه "شبكات النفوذ الغربية" في السيطرة على المجال الرمزي داخل روسيا.
ويضيف أن الخصخصة، ومزادات بيع أصول الدولة، ونظام القسائم (الڤاوتشر)، وظهور طبقة الأوليغارشية، وما رافق ذلك من تفكيك الدولة والإستيلاء على ثمار عمل أجيال كاملة من المواطنين السوفيات، لم تكن لتتحقق – في رأيه – بمجرد السيطرة الإقتصادية أو السياسية، وإنما لأن تلك الأقلية نجحت أولاً في السيطرة على عالم الصور والرموز والمعاني، ثم أعادت تشكيل وعي المجتمع بما يخدم مصالحها.
ويضرب مثالاً ببعض وسائل الإعلام الروسية الليبرالية في تلك المرحلة، معتبراً أنها لعبت دوراً محورياً في تشكيل هذا المجال الرمزي، الأمر الذي أدى – بحسب وصفه – إلى إنتصار تلك الأقلية في ما يعتبره "الحرب الأهلية الفكرية والسياسية" التي شهدتها روسيا خلال عقد التسعينيات.
ومن هنا يشدد على أن روسيا يجب ألا تكرر تلك الأخطاء.
فالمواجهة، برأيه، لا تدور فقط في الميدان العسكري، بل أيضاً في الميدان الإعلامي والرمزي، فيما يسميه "الحرب الإدراكية" أو "الحرب المعرفية".
ويقول إن هناك إستراتيجيات متكاملة وخططاً بعيدة المدى، يصبح فيها نشر خبر معين أو إخفاء خبر آخر جزءاً من خطة عسكرية وإعلامية متكاملة، وليس مجرد إجتهادات فردية من الصحفيين.
ولهذا يرى أن الصحافة الغربية، والدبلوماسية الغربية، وأنشطة المؤسسات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية، تعمل – بحسب تصوره – ضمن منظومة واحدة تشارك فيها الأجهزة الإستخباراتية والبنتاغون والجهات التي تخطط للعمليات العسكرية.
ويضيف أن أي عملية عسكرية في العصر الحديث لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون غطاء إعلامي وسردية مرافقة، كما أن العمل الإعلامي قد يصبح، في بعض الأحيان، أكثر تأثيراً من العمليات العسكرية نفسها.
ولهذا يؤكد أن الحرب على الصور والسرديات والأفكار والوعي والتعليم والبحث العلمي أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع بين الدول والحضارات.
ويرى أن ميدان الرموز يتمتع بإستقلالية كبيرة إلى درجة أن الصورة الإعلامية قد تطغى على الواقع نفسه؛ فقد يحقق جيش ما تقدماً عسكرياً، بينما توحي الرواية الإعلامية بأنه يتراجع، أو ينجح في صد الهجمات، بينما يظهر في وسائل الإعلام وكأنه تلقى هزيمة.
ولهذا يدعو إلى عدم التقليل من أهمية المجال الرمزي، وعدم إختزال الحروب في القوة العسكرية أو الإمكانات المادية وحدها، لأن الصراع على الأفكار والصور والوعي يحتل، في رأيه، المرتبة الأولى في الحروب المعاصرة.

سؤال - ولهذا السبب أيضاً نواصل نحن وزملاؤنا العمل في المجال الإعلامي.

وبالإنتقال إلى التطورات الجارية، يُعقد اليوم، بالتزامن مع هذه الحلقة، إجتماع ما يسمى "تحالف الراغبين*". وقد علق المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، على هذا الإجتماع، واصفاً تلك الدول بأنها "ائتلاف محرّضي الحرب"، مؤكداً أنها لن تتمكن من إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا.
فهل ما يجري اليوم في باريس مجرد محطة جديدة في مسار قائم منذ فترة، أم أننا نقترب من مرحلة قد ينتقل فيها هذا الائتلاف من الأقوال إلى الأفعال المباشرة؟

ألكسندر دوغين - أعتقد أن الإجابة هنا واضحة تماماً.
فأولاً، الأمر لم يعد مجرد تصريحات، بل أصبح أفعالاً منذ وقت طويل.
فإئتلاف الراغبين، بحسب رأيه، يخوض بالفعل حرباً ضد روسيا، ومستوى التصعيد لا يتوقف عن الإرتفاع بصورة متواصلة، ولا يشهد أي تراجع حقيقي.
أما السؤال حول موعد تحول هذا التصعيد إلى هجمات مباشرة ومنظمة لقوات حلف الناتو على الأراضي الروسية، فهو – في نظره – ليس سؤالاً عن إمكانية حدوث ذلك، وإنما عن توقيته فقط.
ويضيف أن المشكلة الأساسية، من وجهة نظره، تكمن في أن روسيا تتعامل مع هذا التصعيد بمنطق دفاعي، بينما يحتفظ الغرب بحرية تحديد مستوى التصعيد وسرعته، فيرفع وتيرته متى شاء، أو يبطئها، أو يوقفها مؤقتاً، وفقاً لحساباته الخاصة.
ويرى أن الهدف النهائي للدول الغربية هو الإستعداد لحرب شاملة ومباشرة ضد روسيا، وأنها لا تخفي ذلك، بل تتحدث عنه بصورة متزايدة.
أما ما يؤخر الإنتقال إلى هذه المرحلة، بحسب تحليله، فهو إنتظار الغرب اللحظة التي يقتنع فيها بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة ومضمونة النتائج.
وحين يصل إلى هذا الإقتناع، فإنه سينتقل إلى المرحلة التالية، أي الهجوم العسكري المباشر على روسيا.
ويؤكد أن الغرب يستعد لهذا الإحتمال بصورة علنية، ولا يخفي نواياه، ولذلك يعتقد أن المواجهة المباشرة مسألة وقت.
أما بالنسبة إلى كيفية تعامل روسيا مع هذا الواقع، فيقدم دوغين رؤيته الشخصية، قائلاً إنه ينبغي لروسيا أن تدخل هي الأخرى في منطق التصعيد.
ويضيف أن التصعيد، بطبيعته، لعبة تقوم على رفع السقف بإستمرار.
ولو كانت هناك، برأيه، إمكانية حقيقية لخفض التصعيد، لكان ذلك الخيار الأفضل، لكنه يعتقد أن روسيا لا تمتلك الوسائل التي تسمح بذلك.
ولهذا، إذا كان أحد طرفي الصراع يواصل التصعيد بإستمرار، فإن الطرف الآخر لا يبقى أمامه – وفق تصوره – سوى خيارين: إما الإستسلام، وهو خيار يعتبره غير مقبول إطلاقاً، أو السعي إلى فرض معادلته الخاصة عبر الدخول في مسار التصعيد نفسه ومحاولة إنتزاع زمام المبادرة.
ويختتم هذا الجزء بالقول إن روسيا، في رأيه، لا تملك سوى هذا الخيار، لأنها لا تستطيع الإستسلام، ولا ترى نفسها أصلاً في وضع يسمح حتى بالتفكير في ذلك.
لذلك أرى أن على روسيا أن تتعامل بجدية كاملة مع مسار التصعيد الذي يفرضه عليها، بحسب رأيه، أولئك الذين يسعون إلى هزيمتها.
ويضرب مثالاً إفتراضياً قائلاً: إذا توجه أحد المشاركين إلى إجتماع ذلك الائتلاف ولم يصل إلى وجهته، فإن أحداً لن يستطيع إثبات مسؤولية روسيا عن ذلك؛ فقد يكون الأمر مجرد حادث، كخروج قطار عن السكة أو وقوع حادث آخر، في إطار ما يصفه بـ"الرمزية".
ويرى أن على موسكو أن تتفاعل مع الإستعدادات الغربية للحرب بطريقة تجعل هذه الإستعدادات أكثر صعوبة وتعقيداً، لا من خلال التصريحات وحدها، وإنما عبر إجراءات يراها أكثر تأثيراً.
ويضيف أن التصريحات السياسية الروسية مهمة، لكن الخصوم، بحسب تقديره، لاحظوا أن كثيراً منها لا يتبعها، في الظاهر على الأقل، ما يغيّر موازين القوى أو يفرض أثراً عملياً ملموساً. وربما تكون هناك خطوات لا يُعلن عنها، وربما يعرفها الخصوم ولا يتحدثون عنها، لكن الإنطباع العام، في رأيه، هو أن الكلمات كثيراً ما تبقى بلا نتائج واضحة.
ومن هنا يرى أن مرحلة الإكتفاء بالتحذيرات اللفظية للغرب قد إنتهت، إذا لم تقترن كل رسالة سياسية بخطوة عملية تمنحها المصداقية.
ويقول إن غياب هذا الترابط يؤدي إلى تآكل قيمة الخطاب السياسي نفسه.
ويقارن ذلك بما يصفه بسلوك الدول الغربية، التي تقرن تصريحاتها، وفق رأيه، بإجراءات عملية متواصلة، سواء من خلال زيادة إمدادات الأسلحة الفتاكة إلى أوكرانيا، أو توسيع نطاق الدعم العسكري، أو السماح بإستهداف العمق الروسي.
ويشير في هذا السياق إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال قمة الناتو في أنقرة، منح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ضوءاً أخضر لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية.
ولهذا يرى أن الغرب يجمع بين الخطاب والفعل، بينما إكتفت موسكو، لفترة طويلة، بالدعوة إلى التعايش السلمي وعدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الغرب.
ويضيف أن الخطاب الروسي أصبح أكثر تشدداً في الآونة الأخيرة، لكنه ما زال، في رأيه، لا يوازي مستوى الإجراءات الغربية على الأرض.
ويؤكد أن الحفاظ على التوازن بين الرسالة الإعلامية والفعل العملي أمر بالغ الأهمية؛ فكل تصريح يجب أن يقترن، بحسب تصوره، بحدث يجعل الطرف الآخر يشعر بأن لهذه التصريحات تبعات حقيقية.
ويرى أن الغرب، عندما يطلق تهديداته، تتبعها إجراءات مؤلمة بالنسبة إلى روسيا، بينما أصبحت التصريحات الروسية، في نظر خصومها، أقرب إلى بيانات متكررة إعتادوا سماعها دون أن يترتب عليها تغيير ملموس.
ويضيف أن هذه الصيغة فقدت تأثيرها، وأن دول "إئتلاف الراغبين" لم تعد تأخذها بالجدية نفسها لأنها، بحسب رأيه، لا ترى خلفها أفعالاً كافية.
ثم يقول إن الغرب نجح بالفعل في إلحاق أضرار بروسيا؛ إذ يتهمه بالمسؤولية عن مقتل مواطنين روس، وبدعم عمليات تخريب وهجمات داخلية، ومحاولات إستهداف البنية التحتية للطاقة، مؤكداً أن كثيراً من هذه العمليات أُحبط، بينما نجح بعضها الآخر في إحداث خسائر، وإن لم تحقق أهدافها الإستراتيجية.
ويضيف أن الدول الغربية، رغم مشاركتها – بحسب رأيه – في تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعلومات الإستخباراتية، لا تزال بعيدة عن ساحة الحرب المباشرة وتعيش في أمن داخل أراضيها.

سؤال - ومن الأمثلة على ذلك إعلان تزويد أوكرانيا أخيراً بعشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة.

ألكسندر دوغين- نعم، لكن أين، يتساءل، الدعم الروسي لأعداء الغرب؟

ويطرح سلسلة من الأسئلة الإستنكارية حول سبب عدم تقديم روسيا، بحسب تصوره، دعماً مماثلاً للجهات التي تعادي الغرب، ثم يستدرك قائلاً إن موسكو ربما تمتلك مثل هذه الإمكانات، أو ربما تكون بحاجة إلى هذه الموارد لنفسها.
ويرى أن الغرب يختبر بإستمرار نقاط الضعف الروسية ويعمل على إستغلالها، بينما لا تتبع موسكو النهج نفسه تجاه خصومها، الأمر الذي يعتبره تشجيعاً للغرب على مواصلة التصعيد من طرف واحد.
ويضيف أن روسيا ترصد هذه التطورات وتتابعها وترد عليها، إلا أنه يرى أن الوقت قد حان لأن تقترن الرسائل الروسية، في نظر خصومها، بإجراءات تجعل الجميع يدرك معنى الدخول في مواجهة مع روسيا.
ويقول إن الروس باتوا يدركون جيداً معنى الحرب مع الغرب، لأنها، بحسب رأيه، أصبحت واقعاً قائماً، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو القنابل الجوية أو غيرها من وسائل الهجوم التي تستهدف الأراضي الروسية.
ولهذا يؤكد أن روسيا، في تقديره، لا تواجه أوكرانيا وحدها، وإنما تخوض مواجهة مع الغرب بأسره، الذي يسعى إلى إلحاق هزيمة إستراتيجية بها.
ثم يشير إلى أن روسيا تمتلك، كما يعتقد، أوراق قوة متعددة، تماماً كما يمتلك الغرب ترسانته النووية وأوراقه الإستراتيجية.
غير أنه يلاحظ أن الغرب يعتمد سياسة التصعيد التدريجي والمحسوب، مستفيداً من مجموعة واسعة من الأدوات الواقعة بين العمل التقليدي والردع النووي.
ويرى أن روسيا تمتلك بدورها وسائل ضغط عديدة ضمن هذا المستوى المتوسط من التصعيد، لكنها، بحسب رأيه، لا تستخدمها بالشكل الكافي.
ويؤكد أن اللجوء إلى السلاح النووي، سواء الإستراتيجي أو التكتيكي، يجب أن يبقى الخيار الأخير، بينما توجد، في إعتقاده، مساحة واسعة من الوسائل الأخرى القادرة على توجيه ضربات مؤثرة إلى الخصوم دون الوصول إلى تلك المرحلة.
ويضيف أن الوقت قد حان، في رأيه، للإستفادة من هذه الوسائل، معتبراً أن هذا المطلب يحظى بتأييد واسع داخل الجبهة الروسية وداخل المجتمع الروسي.
ويختتم حديثه بالقول إن "إئتلاف الراغبين" يتحرك وفق خطة واضحة، وأن كل إجتماع يعقده يمثل خطوة جديدة ضمن خارطة طريق تقوم على تصعيد المواجهة مع روسيا.
ولهذا يرى أن موسكو ينبغي أن تقابل كل خطوة جديدة من جانب هذا الإئتلاف بإجراءات يعتبرها ذات أثر واضح، ثم يتوقف عن الخوض في التفاصيل، ويختتم بقوله إن عملية التصعيد، إذا بدأت، لا ينبغي أن تبقى حكراً على طرف واحد.

*****

هوامش

"إئتلاف الراغبين" (Coalition of the Willing) الذي يدعم أوكرانيا، والذي وصفه دميتري بيسكوف بأنه "إئتلاف محرّضي الحرب"، فإن أبرز الدول المشاركة في إجتماعاته الأخيرة هي:

بريطانيا (من أبرز قادة الإئتلاف)، فرنسا (من أبرز قادة الإئتلاف)، ألمانيا، أوكرانيا، بولندا، إسبانيا، إيطاليا، هولندا، بلجيكا، الدنمارك، السويد، النرويج، فنلندا، رومانيا، التشيك، النمسا، اليونان، كرواتيا، سلوفينيا، لاتفيا، إستونيا، لوكسمبورغ، ألبانيا، مولدوفا


كما شارك أو أرسل ممثلين كل من: كندا، أستراليا، اليابان، نيوزيلندا، تركيا، البرتغال، ليتوانيا، سلوفاكيا، أيرلندا، قبرص، آيسلندا، الجبل الأسود، مقدونيا الشمالية.

وشاركت أيضاً مؤسسات دولية، أبرزها:

حلف شمال الأطلسي (الناتو)، المجلس الأوروبي، المفوضية الأوروبية.

ويُقاد هذا الائتلاف سياسياً بصورة رئيسية من فرنسا وبريطانيا، ويهدف إلى تنسيق الدعم العسكري والأمني لأوكرانيا، بما في ذلك التدريب، وتقديم المساعدات العسكرية، والإعداد لضمانات أمنية مستقبلية في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
- كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
- إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
- ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب ...
- بعد قرنين ونصف على إعلان الإستقلال: كيف تعيد الولايات المتحد ...
- من مقعد مجلس الأمن إلى أزمة النفوذ: ماذا تكشف هزيمة ألمانيا ...
- من صفحات التاريخ - أسرار القصر البريطاني والرايخ الثالث... م ...
- ألكسندر دوغين: لماذا كان السلام بين إيران وواشنطن مستحيلاً؟
- ألكسندر دوغين - العملية العسكرية الخاصة أصبحت حرباً مفتوحة.. ...
- ما بعد هرمز والسويس... كيف يعيد الشرق الأوسط رسم خريطة التجا ...
- ألكسندر دوغين: إيران خرجت من المواجهة الأولى أكثر قوة وصلابة ...


المزيد.....




- فيديو ما فعله شاب خلف ترامب بخطاب جورجيا يلقى رواجا
- شاهد.. قط يُضبط متلبساً بمحاولة تهريب مخدرات إلى سجن روسي
- الجيش الكويتي يعلن التصدي لهجمات إيرانية جديدة بالطائرات الم ...
- وحدة من -المارينز- ساهمت بفرض الحصار على إيران تعود لليابان. ...
- أبيي السودانية: -ليست الانتخابات ولا الاستفتاء أمراً مهماً.. ...
- لماذا تخاطر إيران بالكثير من أجل مضيق هرمز؟
- مأزق الأردن.. بين الاستهداف الإيراني وعبء التحالف مع واشنطن ...
- -كش ملك-! هل تفقد روسيا نفوذها في عرش لعبة الشطرنج لصالح ألم ...
- نمر يقتحم متجرا في الهند ويهاجم صاحبه (فيديو)
- علماء روس يطورون سلالات قمح أرجوانية غنية بالبروتين ومضادات ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الراغبين» (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)