|
|
أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 02:55
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
26 تموز يوليو 2026
قراءة تحليلية في أطروحة جيفري ساكس وسيبيل فارس حول «الحرب الأمريكية بالوكالة ضد روسيا»
في مقال مطول نشره الإقتصادي الأمريكي المعروف البروفيسور جيفري ساكس والباحثة سيبيل فارس تحت عنوان «Ukraine: America s Enduring Proxy War on Russia»، نشر في 21 تموز يوليو الجاري، يقدّم الكاتبان واحدة من أكثر القراءات راديكالية وإنتقادًا للسياسة الأمريكية تجاه الحرب الأوكرانية. فالنص لا ينظر إلى الحرب بإعتبارها مجرد مواجهة روسية ـ أوكرانية، ولا حتى صراعًا جيوسياسيًا بين موسكو والغرب، بل يطرح فرضية أشمل مفادها أن أوكرانيا تحولت إلى أداة ضمن مشروع أمريكي طويل الأمد للحفاظ على الهيمنة العالمية، وإلى «مختبر حي» لتطوير تقنيات الحروب المستقبلية القائمة على الذكاء الإصطناعي والطائرات المسيّرة. هذه الرؤية، التي تنتمي إلى المدرسة النقدية للسياسة الخارجية الأمريكية، تستند إلى سلسلة من الأفكار التاريخية والإستراتيجية تبدأ من تحذيرات الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور عام 1961، مرورًا بنظريات زبيغنيو بريجنسكي حول أوراسيا، وصولًا إلى الدور المتعاظم لشركات التكنولوجيا العسكرية مثل «بالانتير».
من أيزنهاور إلى وادي السيليكون
يفتتح الكاتبان تحليلهما بإستعادة التحذير الشهير الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خطاب وداعه عام 1961 عندما حذر من «المجمع الصناعي العسكري» ومن إحتمال أن تصبح السياسة العامة الأمريكية «أسيرة نخبة علمية وتكنولوجية». ويرى ساكس وفارس أن ما حذر منه أيزنهاور لم يتحقق فحسب، بل تطور إلى منظومة أكثر تعقيدًا تضم اليوم شركات التكنولوجيا العملاقة إلى جانب شركات السلاح التقليدية. وبحسب المقال، فإن مراكز النفوذ الأساسية في الولايات المتحدة لم تعد مقتصرة على البنتاغون أو شركات الدفاع، بل تشمل أيضًا: وول ستريت، شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون، شركات الطاقة الكبرى والمؤسسات الأمنية والإستخباراتية. ويذهب الكاتبان إلى أن هذه القوى مجتمعة تشكل ما يشبه «إئتلاف الهيمنة الأمريكية»، الذي يحدد إتجاهات السياسة الخارجية بغض النظر عن تغير الإدارات أو الأحزاب الحاكمة.
«التحكم بالأنظمة» كأداة للهيمنة
من الأفكار المحورية في المقال مفهوم يسميه الكاتبان «التحكم بالأنظمة» (Regime Control). فبدلًا من الإحتلال العسكري المباشر، تعتمد الولايات المتحدة ـ بحسب رؤيتهما ـ على مجموعة واسعة من الأدوات لإخضاع الدول أو التأثير على قراراتها، تشمل: العقوبات الإقتصادية، والضغوط المالية، والتحكم بالتكنولوجيا، والتدخل الإعلامي، ودعم الثورات الملونة، والإنقلابات، وتجميد الأصول، وصولًا إلى الحروب المباشرة عند الضرورة. ويعتبر الكاتبان أن هذه الأدوات ليست إستثناءات طارئة، بل جزء من إستراتيجية متكاملة تهدف إلى الحفاظ على التفوق الأمريكي ومنع ظهور قوى منافسة.
أوكرانيا في نظر بريجنسكي
ينتقل المقال بعد ذلك إلى المفكر الإستراتيجي الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي وكتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى» الصادر عام 1997. ويستشهد الكاتبان مرارًا بأطروحته الأساسية التي تعتبر أن السيطرة على أوراسيا هي مفتاح الهيمنة العالمية، وأن بعض الدول تؤدي دور «المحاور الجيوسياسية» أو Geopolitical Pivots. ومن بين هذه الدول كانت أوكرانيا تحتل الموقع الأهم. ويقتبس الكاتبان الفكرة الجوهرية لدى بريجنسكي بأن: «روسيا من دون أوكرانيا تتوقف عن كونها قوة عظمى.» ومن هنا، يرى ساكس وفارس أن السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا لم تكن وليدة الأزمة الحالية، بل إمتداد لمشروع بدأ منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي.
توسع الناتو: مسار متواصل عبر ست إدارات أمريكية
إحدى النقاط الأساسية في الدراسة هي التأكيد على وجود إستمرارية إستراتيجية بين الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين. فبحسب المقال، لم تختلف الإدارات الأمريكية جوهريًا في الملف الأوكراني رغم إختلاف شعاراتها السياسية. ويعرض الكاتبان تسلسلًا تاريخيًا يبدأ مع: بيل كلينتون وتوسيع الناتو شرقًا، جورج بوش الابن ودعم إنضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف عام 2008، باراك أوباما ودعم التحولات السياسية التي أعقبت أحداث الميدان عام 2014، دونالد ترامب وتسليح كييف بصواريخ جافلين، جو بايدن ورفض المقترحات الأمنية الروسية أواخر 2021ثم ترامب في ولايته الثانية وإستمرار الدعم العسكري والإستخباراتي. ويرى الكاتبان أن هذه السلسلة تكشف وجود سياسة دولة عميقة أكثر منها سياسة إدارات متعاقبة.
الحرب التي لم يوقفها ترامب
من أكثر أجزاء المقال إثارة للجدل الهجوم المباشر على الرئيس دونالد ترامب. فالكاتبان يعتبران أن ترامب، رغم حملته الإنتخابية التي وعد فيها بإنهاء «الحروب الأبدية»، لم يغير جوهر السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا. بل يذهبان إلى أن عام 2025 شهد تصعيدًا نوعيًا في المشاركة الأمريكية عبر: توسيع دعم برامج الطائرات المسيّرة، مشاركة استخباراتية أعمق، دعم الضربات بعيدة المدى داخل العمق الروسي وتعزيز التعاون العملياتي بين واشنطن وكييف. ومن وجهة نظرهما، فإن الخطاب الداعي للسلام كان مجرد غطاء سياسي لإستمرار النهج نفسه.
أوكرانيا كمختبر عالمي للحرب بالذكاء الإصطناعي
هنا يصل المقال إلى فكرته الأكثر أهمية والأكثر أصالة. فالكاتبان يريان أن السبب الحقيقي لإستمرار الحرب لم يعد سياسيًا فقط، بل تكنولوجيًا أيضًا. إذ أصبحت أوكرانيا، بحسب وصفهما: «مختبرًا حيًا للحرب المعتمدة على الذكاء الإصطناعي.» ويستندان إلى عدة معطيات: ملايين طلعات الطائرات المسيّرة، كميات هائلة من البيانات القتالية، بيئة مواجهة مباشرة بين تقنيات الحرب الإلكترونية الروسية والأنظمة الغربية والتطور المستمر للخوارزميات العسكرية. وفي هذا السياق يسلطان الضوء على شركة بالانتير بإعتبارها المستفيد الأكبر من هذه البيئة القتالية. ويشير المقال إلى تصريحات مسؤولي الشركة الذين تحدثوا عن مساهمة برمجياتها في جزء كبير من عمليات الإستهداف الأوكرانية. ومن وجهة نظر الكاتبين، فإن البيانات التي تنتجها الحرب الأوكرانية أصبحت موردًا إستراتيجيًا لا يقل قيمة عن النفط أو المعادن النادرة.
الربط بين أوكرانيا وإيران
لا يتوقف التحليل عند الساحة الأوكرانية. فكما وضع بريجنسكي أوكرانيا في قلب الصراع على أوراسيا، وضع إيران في قلب الصراع على الخليج وبحر قزوين. ولهذا يرى ساكس وفارس أن الأزمتين الأوكرانية والإيرانية ليستا منفصلتين، بل تعبران عن منطق إستراتيجي واحد هدفه تثبيت الهيمنة الأمريكية على المناطق المفصلية في العالم. وبحسب المقال فإن تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة التي جرى تطويرها في أوكرانيا بدأت تنتقل إلى ساحات الشرق الأوسط، ما يعزز فكرة الترابط بين الجبهتين.
أوكرانيا تدفع الثمن
في خاتمة مؤثرة، يستعيد الكاتبان المقولة المنسوبة إلى هنري كيسنجر: «قد يكون من الخطر أن تكون عدوًا للولايات المتحدة، لكن أن تكون صديقًا لها قد يكون قاتلًا.» ويعتبران أن أوكرانيا تمثل المثال الأوضح على ذلك. فبعد ثلاثة عقود من الصراع الجيوسياسي حول موقعها، تجد البلاد نفسها ـ بحسب توصيفهما ـ: منهكة ديموغرافيًا، متضررة إقتصاديًا، فاقدة لجزء من أراضيها ومعتمدة بصورة شبه كاملة على الدعم الخارجي. ومن هنا يخلصان إلى أن السلام لا يتطلب هزيمة روسيا أو إنتصارها، بل يتطلب تخلي الولايات المتحدة عن فكرة تحويل أوكرانيا إلى منصة إستراتيجية ضد موسكو، والعودة إلى مفهوم الدولة المحايدة التي تشكل جسرًا بين روسيا وأوروبا.
الخلاصة
لا ينظر جيفري ساكس وسيبيل فارس إلى الحرب الأوكرانية بإعتبارها مجرد نزاع حدودي أو صراع بين روسيا والغرب، بل بإعتبارها تعبيرًا عن أزمة أعمق في النظام الدولي. ففي رؤيتهما، أصبحت أوكرانيا نقطة التقاء بين ثلاثة مسارات كبرى: مشروع الهيمنة الأمريكية الذي تشكل بعد الحرب الباردة، والصراع التاريخي على موقع أوراسيا في موازين القوى العالمية، والثورة التكنولوجية العسكرية التي جعلت من الذكاء الإصطناعي والطائرات المسيّرة أدوات مركزية في حروب القرن الحادي والعشرين. وبغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع إستنتاجاتهما، فإن المقال يطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل تستمر الحروب الحديثة فقط بسبب الحسابات الجيوسياسية التقليدية، أم أن ظهور إقتصاد الحرب الرقمية وشركات التكنولوجيا العسكرية خلق مصالح جديدة تجعل إنهاء الصراعات أكثر صعوبة مما كان عليه في الماضي؟ هذا السؤال ربما يكون أكثر أهمية من الجدل الدائر حول أوكرانيا نفسها، لأنه يتعلق بمستقبل الحروب الدولية في عصر الذكاء الإصطناعي.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
-
ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو
...
-
مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف
...
-
ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر
...
-
«المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا
...
-
ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
-
أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
-
عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا
...
-
روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما
...
-
إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم
...
-
نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
-
ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام
...
-
المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف
...
-
ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
-
كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
-
إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
-
ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب
...
-
بعد قرنين ونصف على إعلان الإستقلال: كيف تعيد الولايات المتحد
...
-
من مقعد مجلس الأمن إلى أزمة النفوذ: ماذا تكشف هزيمة ألمانيا
...
-
من صفحات التاريخ - أسرار القصر البريطاني والرايخ الثالث... م
...
المزيد.....
-
حرائق الغابات خارج السيطرة في فرنسا ورئيس الحكومة: ساعات صعب
...
-
خيارات واشنطن وطهران.. الحرب أو التفاوض
-
شمس حمراء وسماء برتقالية مدريد تواجه أسوأ حريق غابات في تاري
...
-
فض -مسيرة الفخر- للمثليين في برلين إثر حادث دهس بسيارة وحدوث
...
-
سوريا.. الأمن الداخلي في اللاذقية يعلن تنفيذ عملية ضد خلية إ
...
-
فيتسو: العضوية في تحالف الراغبين تتعارض مع سياسة سلوفاكيا
-
مدعي عام الجنائية الدولية السابق يطعن في قرار عزله ويتهم الج
...
-
الخارجية الإيرانية تستدعي القائم بالأعمال الأوكراني في طهران
...
-
صدمة جديدة للمصريين.. جواز السفر يتراجع في التصنيف العالمي
-
الحرس الثوري الإيراني: بريطانيا ستصبح هدفا مشروعا إذا دعمت ا
...
المزيد.....
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
المزيد.....
|