أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حرب إختيارية وإنتصار إلزامي















المزيد.....

حرب إختيارية وإنتصار إلزامي


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 10:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي



في زمن يتسارع فيه إيقاع التوترات الدولية، يبرز المحلل السياسي الروسي البروفيسور فيودور لوكيانوف*، رئيس تحرير مجلة «روسيا في السياسة الدولية»، كصوت هادئ يقطع الضجيج بتحليل إستراتيجي عميق. في مقاله «حرب غير إلزامية، إنتصار إلزامي» المنشور على موقع المجلة، يرسم لوكيانوف ملامح حادة للسياسة الأمريكية تجاه إيران، متجاوزا سطح الأحداث اليومية، كاشفا عن تحول جوهري في طبيعة الهيمنة الأمريكية ذاتها.

يقول لوكيانوف بأسلوبه الدقيق المشوب بسخرية خفية: «تضع السياسة الأمريكية تجاه إيران منعطفات حادة مثيرة. دعونا نحاول الإبتعاد عن تقلبات الرئيس الأمريكي ونفهم ما أهمية التصادم الحالي في غرب آسيا من منظور الآفاق العالمية».

ينطلق المحلل الروسي من المنطق الظاهري للقرار الأمريكي، لكنه سرعان ما يكشف خلله الإستراتيجي الفادح. «بعد أن بدأت الولايات المتحدة حرباً ضد إيران، أخطأت في حساباتها بشأن الخصم»، يكتب لوكيانوف. كان الرهان على لحظة «الضعف الأقصى» لطهران: تصفية حساب تاريخي ممتد لنصف قرن، إسقاط نظام يُعتبر تهديداً وجودياً لإسرائيل، السيطرة على إحتياطيات نفطية هائلة، والتحكم في ممرات نقل إستراتيجية حيوية، مع «دق إسفين» في أي مشاريع أوراسية مستقبلية.
«اللعبة تستحق الشمع»* -- هكذا أُقنع بها ترامب، فوافق. لكن لوكيانوف يرد ببرود قاس: «مثل هذا الكنز الضخم لا يُمنح بسهولة».

يتابع لوكيانوف بتحليل بارد ومنهجي للعوامل التي تحول الحرب من «إختيارية» إلى «ملزمة بنتائجها».
أولاً، «الإمكانيات العسكرية لإيران تفوق بكثير موارد الخصوم الذين واجهتهم الولايات المتحدة خلال العقود الماضية».
ثانياً، قدرة طهران الهائلة على «ضرب مصالح أميركا وحلفائها من خلال تعطيل التدفقات التجارية والإقتصادية».
وثالثاً، «إستخدام القوة العارية naked power حتى دون محاولة تقديم تبريرات قانونية» كما إعتادت أمريكا في حروبها السابقة، ما أثار تردداً ملحوظاً لدى الحلفاء الذين كانوا سيشاركون بحماس في ظروف أخرى.

كانت الخطة الأمريكية الأولية تفترض «إستسلاماً سريعاً» لإيران — سواء إنهيار النظام، أو «الولاء المفروض» على الطريقة الفنزويلية، أو صفقة مقيدة. لكن الواقع خيّب التوقعات: «عندما طال الأمر، برز السؤال: ماذا نفعل الآن؟» — سؤال لا يعبر فقط عن مأزق عملي فحسب، بل عن أزمة مفاهيمية أعمق.

هنا يصل لوكيانوف إلى لب التحول الفلسفي في السياسة الخارجية الأمريكية. «أميركا أولاً» في البعد الخارجي لا تعني الإنعزالية، بل «القدرة على تحقيق أي أهداف تراها مناسبة مع تجنب أي مسؤولية، وفي المثالي دون أي تكاليف». يلخص المبدأ بسخرية لاذعة مستعيراً نكتة سوفياتية قديمة: «لكي يكون لدينا كل شيء، ولا يكون علينا تقديم شيء مقابل ذلك».

نجح هذا النهج في السنة الأولى لترامب في «ثني» الشركاء إقتصادياً، لكنه يتعثر اليوم أمام أزمة لا تستطيع واشنطن السيطرة عليها بالكامل. «إقناع الآخرين بالخضوع لأنه لا يمكنهم المواجهة أمر، وخلق أزمة حادة لا تستطيع إدارتها بنفسك وترك الجميع يتعامل معها مع مطالبتك بالمكاسب المادية — فهو أمر مختلف تماماً».

يرسم لوكيانوف مقارنة دقيقة بين عصر «النظام الليبرالي العالمي» الذي قدم أميركا كـ«المهيمن الخيّر» (benevolent hegemon) الذي ينشر القيم ويُدير العالم، وبين رؤية ترامب التي تتطلب «إفقار الآخرين» لأنهم — في روايته — إستغلوا الأميركيين طويلاً. ويستشهد بتصريح رئيس فنلندا ألكسندر ستويب، شريك ترامب في الغولف، الذي قال إن «المهيمن بقي، لكنه لم يعد يرغب في منح الخير لأحد».

ويخلص لوكيانوف إلى أن إيران أصبحت «الإختبار الحاسم» للهيمنة الأمريكية: «النتيجة ستحدد موقع الولايات المتحدة على الساحة العالمية في المرحلة المقبلة، بما يتجاوز حتى حقبة ترامب نفسها». الفرق الجوهري عن حروب العراق وأفغانستان؟ هذه «حرب إختيارية» لأميركا، وإن لم تكن كذلك لإسرائيل التي تملك مبررات أمنية مباشرة. «يمكن إختيار الحرب، لكن إختيار ما نعلنه إنتصاراً، كما يحب ترامب، أصعب بكثير». ويضيف: «الآن، على سبيل المثال، من المستحيل إعتبار ’الغضب الملحمي‘ ناجحاً إذا إحتفظت إيران بالسيطرة على مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي كشف عن أهميته الإستراتيجية للعالم بأسره».

الخلاصة التي يقدمها فيودور لوكيانوف قاسية وواضحة: «الولايات المتحدة في أمسّ الحاجة إلى إنتصار لا جدال فيه في هذه الحرب. ولكن شروط الصراع لا تسمح بتسوية ودّية. وبالتالي — التصعيد مستمر. والرهانات مرتفعة للغاية».

وفي خضم هذا التحليل الإستراتيجي العميق، تظهر صورة موازية من داخل أميركا: تظاهرات معارضة لترامب إجتاحت شوارع بوسطن ونيويورك وشيكاغو وفيلادلفيا وأتلانتا وسان فرانسيسكو ومدن أخرى تحت شعار «لا للملوك!». لم تُحسب الأعداد النهائية بعد، لكن الحجم يشير إلى أن الإستياء الداخلي يواكب التوترات الخارجية، كأن الشعب الأمريكي يرفض أن يصبح رهينة «إنتصار إلزامي» قد يُدفع ثمنه باهظاً.

بهذا التحليل الرصين والجريء، يقدم فيودور لوكيانوف أكثر من تعليق على أزمة إيران-أمريكية؛ إنه مرآة تعكس تحولاً أعمق في جوهر القوة الأمريكية: من «مهيمن خيّر» يوزع الخير إلى «لاعب يفرض قواعده الخاصة». والسؤال الذي يظل معلقاً في الهواء: هل ستكون النتيجة إنتصاراً حقيقياً، أم بداية لفوضى إستراتيجية لا تستطيع واشنطن السيطرة عليها؟

الزمن، كما يوحي لوكيانوف بين السطور، هو الحكم الوحيد.


هوامش

1) فيودور لوكيانوف
(مواليد 1 فبراير 1967 في موسكو) هو أحد أبرز الخبراء الروس في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. يشغل منصب رئيس تحرير مجلة «روسيا في السياسة العالمية» منذ تأسيسها عام 2002، وهي إحدى أبرز المنصات الروسية للنقاش الإستراتيجي، وشريكة لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية. كما يترأس مجلس السياسة الخارجية والدفاعية، ويشغل منصب مدير الأبحاث في منتدى فالداي الدولي للحوار، وأستاذ باحث في الجامعة الوطنية للبحوث «المدرسة العليا للاقتصاد». يُعد لوكيانوف صوتاً مؤثراً في النقاش الروسي حول الشؤون الدولية، وهو مؤلف العديد من المقالات والتحليلات في الإعلام الروسي والدولي.


2) "اللعبة تستحق الشمع"
عبارة تعود إلى القرن الـ17-18 في أوروبا (روسيا وإنجلترا وفرنسا)، حيث كانت ألعاب الورق تُلعب ليلاً تحت ضوء الشموع. كانت الشموع غالية الثمن، فإذا كان الربح المتوقع من اللعبة لا يكفي حتى لتغطية تكلفة الشموع المحترقة، يقولون: «اللعبة لا تستحق الشمع».
وعندما يكون الربح كبيراً بما يكفي، تصبح: «اللعبة تستحق الشمع».
الجهد لا يستحق الشمعة (Le jeu ne vaut pas la chandelle)،



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو ...
- مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف ...
- ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر ...
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
- كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
- إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
- ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب ...
- بعد قرنين ونصف على إعلان الإستقلال: كيف تعيد الولايات المتحد ...
- من مقعد مجلس الأمن إلى أزمة النفوذ: ماذا تكشف هزيمة ألمانيا ...
- من صفحات التاريخ - أسرار القصر البريطاني والرايخ الثالث... م ...
- ألكسندر دوغين: لماذا كان السلام بين إيران وواشنطن مستحيلاً؟


المزيد.....




- بعد أكثر من ألف عام على دمارها.. علماء آثار يرممون سقف قاعة ...
- صواريخ -بانتسير-أس- تحمي أجواء منطقة العملية العسكرية الروسي ...
- الضفة الغربية.. القوات الإسرائيلية تشن عملية عسكرية في بلدة ...
- البحر الأسود.. الطائرات المسيرة الروسية تستهدف ناقلة للشحنات ...
- مقتل 35 شخصاً وإصابة 30 في حادث سير على طريق دمشق–دير الزور ...
- سوريا.. وفاة 35 شخصا وإصابة 30 آخرين في تصادم باص ركاب وآخر ...
- الصيف يفاقم أزمة الكهرباء في ليبيا
- الحوثيون يعلنون تنفيذ عمليتين نوعيتين استهدفتا شركة -أرامكو- ...
- كوستاريكا: -إل ديابلو- أكبر تاجر مخدرات مطلوب بالبلاد في قبض ...
- الضفة الغربية بعد تل.. تصعيد إسرائيلي مفتوح على كافة الاحتما ...


المزيد.....

- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حرب إختيارية وإنتصار إلزامي