|
|
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسرائيلي التركي إلى مواجهة؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 00:23
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
25 آب أغسطس 2026
لم تكن الضربة الإسرائيلية التي إستهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب، في أغسطس/آب 2026، مجرد عملية عسكرية محدودة في شمال سوريا. ففي خلفيتها يتبلور صراع أوسع على شكل سوريا الجديدة، وعلى من يملك حق تحديد حدود الحركة العسكرية فيها، وعلى طبيعة القوى التي ستملأ الفراغ الذي خلّفه سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. هذا هو المنظور الذي تنطلق منه الكاتبة الروسية البروفيسورة يلينا بانينا في مقالها المنشور في 20 أغسطس/آب 2026 بعنوان «إسرائيل تعرقل بالضربات الوجود العسكري التركي في سوريا». وترى بانينا أن الضربة الإسرائيلية تكشف إنتقال التنافس بين إسرائيل وتركيا إلى مرحلة أكثر حساسية، بعدما أصبحت أنقرة لاعباً عسكرياً وسياسياً مركزياً في سوريا، وبعد أن بات وجودها جنوباً أقرب إلى المجال الذي تعتبره إسرائيل جزءاً من أمنها المباشر. لكن فهم هذه المواجهة الجديدة يقتضي العودة خطوة إلى الوراء. فالمفارقة الكبرى في المشهد السوري هي أن إسرائيل وتركيا، رغم إختلاف أهدافهما وغياب الدليل على وجود تحالف عملياتي معلن بينهما، تحركتا خلال مراحل الحرب الأهلية السورية في إتجاهات تقاطعت موضوعياً عند إضعاف نظام الأسد وحلفائه. ثم، بعد سقوطه، ظهرت سريعاً حقيقة أكثر تعقيداً: القوتان اللتان إستفادتا بدرجات مختلفة من إنهيار النظام السابق لا تريدان أن تملأ القوة الأخرى الفراغ الذي خلّفه سقوطه.
سقوط الأسد ونهاية مرحلة
في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 إنهار نظام بشار الأسد بعد هجوم سريع شنته قوى المعارضة المسلحة، وإنتهى ذلك بإنسحاب الأسد من السلطة وخروجه من سوريا. كان الحدث نقطة تحول إستراتيجية لا بالنسبة إلى سوريا وحدها، بل بالنسبة إلى الإقليم بأكمله. فقد إنهار أحد أهم أعمدة المحور الذي ربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان، وتراجعت قدرة روسيا على الحفاظ على الموقع الذي بنته في سوريا منذ تدخلها العسكري عام 2015، بينما وجدت تركيا نفسها أمام فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها في الدولة السورية الجديدة. أما إسرائيل، فقد رأت في إنهيار النظام فرصة لتفكيك البنية العسكرية والأمنية التي كانت مرتبطة بإيران وحزب الله وتدمير قدرات الجيش السوري، لكنها في الوقت نفسه واجهت سؤالاً جديداً: من سيملأ الفراغ؟ وهنا بدأت المفارقة.
تقاطع المصالح قبل سقوط الأسد
بين الفينة والأخرى يثار سؤال مشروع: هل كان هناك تحالفاً سرياً بين إسرائيل وتركيا أو أنشأتا غرفة عمليات مشتركة لإسقاط الأسد؟ لكن غياب الدليل على وجود تحالف مباشر لا يعني غياب تقاطع موضوعي في المصالح. فتركيا كانت، منذ سنوات الحرب الأولى، واحدة من أهم الداعمين الخارجيين للمعارضة السورية المسلحة. وفرت لأنشطة المعارضة السياسية والعسكرية مساحة واسعة، وإستضافت مؤسسات المعارضة، وسمحت بمرور المقاتلين والإمدادات، ثم أصبحت لاعباً عسكرياً مباشراً في شمال سوريا. أما إسرائيل، فسلكت مساراً مختلفاً تماماً. فقد ركزت على منع إيران وحزب الله من تحويل سوريا إلى جبهة عسكرية متقدمة ضدها، وشنّت مئات الضربات على أهداف إيرانية أو مرتبطة بحزب الله داخل الأراضي السورية خلال سنوات الحرب. وبذلك، عمل الطرفان بأدوات مختلفة ولأسباب مختلفة، لكنهما كانا يتحركان في إتجاه أضعف البيئة التي إستند إليها نظام الأسد.
إسرائيل وجرحى المعارضة: من المساعدات الطبية إلى الحسابات الأمنية
ومن الوقائع التي تكشف طبيعة الموقف الإسرائيلي أن إسرائيل لم تكتفِ بالعمل العسكري من بعيد. فمنذ عام 2013 بدأت الجيش الإسرائيلي في الجولان إستقبال جرحى سوريين ونقلهم إلى المستشفيات الإسرائيلية لتلقي العلاج، ثم تطورت العملية إلى ترتيبات أكثر تنظيماً للمساعدة الطبية والإنسانية. وتناولت مصادر وتقارير متعددة حالات لمقاتلين من فصائل المعارضة، بما في ذلك عناصر من جبهة النصرة، قبل أن تغير إسرائيل سياستها المتعلقة بعلاج مقاتلي التنظيم في عام 2015. وهذا يكشف أن إسرائيل كانت تتعامل مع البيئة المسلحة المناوئة للأسد بطريقة مختلفة عن الخطاب التقليدي الذي يصور تدخلها في سوريا بإعتباره مقتصراً على ضرب إيران وحزب الله. لقد كانت الحسابات الإسرائيلية أكثر براغماتية: منع إيران وحزب الله من ترسيخ وجود عسكري قرب الجولان، والحفاظ على منطقة حدودية لا تشكل تهديداً لإسرائيل، والتعامل مع المعارضة المسلحة وفق ما تقتضيه الإعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
تركيا والمعارضة: دعم أكثر مباشرة
في المقابل، كان الدور التركي أكثر وضوحاً ومباشرة في دعم المعارضة السورية. فقد أصبحت تركيا القاعدة الخلفية الأساسية لكثير من القوى المعارضة، ثم إنتقلت إلى تدخل عسكري مباشر في شمال سوريا، وأقامت علاقات وثيقة مع فصائل سورية مسلحة، وساهمت في إعادة تشكيل جزء من البنية العسكرية والسياسية التي واجهت نظام الأسد. أما العلاقة مع جبهة النصرة تحديداً، فهي أكثر تعقيداً من القول إن تركيا «تبنت النصرة» رسمياً. فقد كانت أنقرة داعماً رئيسياً لعدد من قوى المعارضة، بينما ظلت النصرة تنظيماً مرتبطاً بتنظيم القاعدة، وصنفتها تركيا لاحقاً منظمة إرهابية، فغيرت إسمها إلى جبهة تحرير الشام للإلتفاف على قرارات الحظر الدولية. لكن ذلك لا ينفي أن الحدود التركية كانت جزءاً أساسياً من البيئة التي تحركت فيها الجماعات الإرهابية المعارضة للنظام، ولا أن أنقرة كانت صاحبة نفوذ كبير في الشمال السوري، ولا أن قوى مرتبطة بجبهة النصرة وتياراتها لعبت لاحقاً دوراً محورياً في الهجوم الذي إنتهى بإسقاط الأسد.
إيران وحزب الله: الحلقة التي تربط المسارين
كان العامل المشترك الأهم بين المسارين الإسرائيلي والتركي هو إضعاف البيئة التي مكّنت الأسد من البقاء. فتركيا كانت تسعى إلى إسقاط نظام الأسد أو تغيير بنيته السياسية، وإسرائيل كانت تعمل على تقليص الوجود الإيراني وحضور حزب الله داخل سوريا. وبحلول عام 2024 كانت إيران وحزب الله قد تعرضا لضغوط عسكرية كبيرة نتيجة الحرب الإقليمية مع إسرائيل، في حين كانت روسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا. وعندما بدأت المعارضة هجومها الأخير، وجد نظام الأسد نفسه في وضع مختلف جذرياً عن السنوات التي سبقت ذلك. وهنا لا يتعلق الأمر بإسناد سقوط النظام إلى عامل واحد. فالسقوط كان نتيجة تراكم عوامل داخلية وخارجية وعسكرية وسياسية، لكن إضعاف الحلفاء الخارجيين للنظام، ولا سيما إيران وحزب الله وروسيا، ساهم في تغيير البيئة الإستراتيجية التي جعلت بقاءه ممكناً في السابق.
من التقاطع إلى التنافس
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية. ما إن سقط الأسد حتى إنتهى الجزء الأكبر من التقاطع الذي جمع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المصالح التركية والإسرائيلية. فتركيا لم تعد بحاجة إلى إضعاف نظام الأسد، بل أصبحت معنية ببناء نفوذ قوي داخل سوريا الجديدة. وإسرائيل لم تعد تواجه نظام الأسد وحلفاءه الإيرانيين وحزب الله بالطريقة نفسها، بل أصبحت تواجه سؤالاً مختلفاً: هل ستسمح بقيام سوريا جديدة ذات مؤسسة عسكرية قوية تحت نفوذ تركيا؟ بالنسبة إلى أنقرة، كان من الطبيعي أن تسعى إلى مساعدة السلطات السورية الجديدة على إعادة بناء مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية. أما إسرائيل، التي أضعفت البنية العسكرية السورية بعد سقوط الأسد ودمرت جزءاً كبيراً من القدرات التي كانت موجودة، فقد باتت تنظر بقلق إلى أي عملية لإعادة بناء هذه القدرات تحت رعاية قوة إقليمية مثل تركيا. وهكذا تحولت المصالح المتقاطعة إلى تناقض إستراتيجي.
إسرائيل ترسم الخطوط الحمراء
لم يكن موقف نتنياهو من الوجود العسكري التركي في سوريا معزولاً داخل الحكومة الإسرائيلية. فمنذ سقوط الأسد، صدرت سلسلة من التصريحات الإسرائيلية التي حذرت من أي تمدد عسكري تركي يمكن أن يغير ميزان القوى في سوريا أو يقترب من الحدود الإسرائيلية. حذر وزير الدفاع يسرائيل كاتس مراراً من الوجود العسكري التركي ونقل الأسلحة أو إقامة قواعد عسكرية، ووصف بعض التحركات التركية بأنها «مغامرات خطيرة». كما تحدث وزير الخارجية جدعون ساعر عن النفوذ التركي المتنامي في سوريا، وإنتقد وجود أنقرة العسكري هناك، مؤكداً أن إسرائيل ستدافع عن أمنها. أما رئيس الأركان إيال زامير، فأكد أن إسرائيل لن تسمح بتمركز قوات تعتبرها معادية بالقرب من حدودها، في حين تحدث مسؤولون إسرائيليون آخرون عن تفاهمات أمنية مع السلطات السورية الجديدة وعن «وضع قائم» وخطوط حمراء تتعلق بالوجود العسكري والقواعد والأسلحة. وتكشف هذه التصريحات عن تحول واضح في النظرة الإسرائيلية إلى تركيا: فأنقرة لم تعد مجرد دولة مجاورة لسوريا تمتلك مصالحها الخاصة، بل أصبحت قوة يمكن أن تؤثر مباشرة في ميزان القوى الذي يتشكل على الحدود الإسرائيلية.
أبو الظهور: عندما تحولت الخطوط الحمراء إلى صواريخ
في 19 أغسطس/آب 2026، قال نتنياهو إن إسرائيل لن تقبل بالتوسع العسكري التركي المتجه جنوباً داخل سوريا، لأن ذلك يمثل تهديداً لأمنها. وأكد أن إسرائيل كانت قد حذرت تركيا، لكن التحذير لم يُفهم، على حد تعبيره، ولذلك جاءت الضربة لكي تكون الرسالة أكثر وضوحاً. وبحسب مكتب نتنياهو، فقد إتفقت إسرائيل وسوريا على الحفاظ على «وضع قائم» في المسائل الأمنية، وأن السماح بإنتشار قوات تركية في قاعدة أبو الظهور قرب حلب كان سيشكل خرقاً لهذا الترتيب. هنا ينبغي التوقف عند نقطة مهمة: الحديث الإسرائيلي يتعلق بتفاهمات أمنية مع السلطات السورية الجديدة بعد سقوط الأسد، وليس بإتفاق إسرائيلي ـ تركي سابق على تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ. وهذا التمييز أساسي لفهم التطور. فما تؤكده التصريحات الإسرائيلية هو وجود خطوط حمراء وتحذيرات وتفاهمات أمنية، وليس وجود إتفاق معلن أو موثق بين إسرائيل وتركيا على تقاسم الأراضي السورية.
تركيا ودمشق ترفضان الرواية الإسرائيلية
رفضت تركيا بشدة التبرير الإسرائيلي للضربة، واعتبرت إستهداف قاعدة سورية تصعيداً غير مقبول. كما قالت دمشق إن القاعدة المستهدفة ليست قاعدة تركية بالمعنى الذي قدمته إسرائيل، وإن الوجود التركي لا يعني إنشاء قاعدة عسكرية دائمة مستقلة عن الدولة السورية. وهنا تظهر مشكلة جوهرية في المشهد: إسرائيل تتعامل مع الوجود التركي بإعتباره مسألة أمن قومي إسرائيلي، بينما تعتبر تركيا أن وجودها جزء من علاقتها بالدولة السورية الجديدة. وهذان التصوران يصعب التوفيق بينهما. فإذا أصرت أنقرة على المساعدة في إعادة بناء الجيش السوري، ورأت إسرائيل أن إعادة بناء الجيش تحت نفوذ تركي تمثل خطراً، فإن سوريا ستصبح بطبيعتها نقطة إحتكاك بين الطرفين.
هل نحن أمام مواجهة إسرائيلية ـ تركية؟
ترى يلينا بانينا أن إحتمال الصدام المباشر بين إسرائيل وتركيا إرتفع بصورة كبيرة. وتستشهد في هذا السياق بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، الذي تحدث في فبراير/شباط عن تركيا بإعتبارها التحدي التالي بعد إيران. كما ترى أن الضربة الأخيرة على أبو الظهور تأتي في سياق هذا التحول، أي الإنتقال من التعامل مع تركيا بإعتبارها قوة إقليمية منافسة إلى التعامل معها بإعتبارها إحتمالاً أمنياً مباشراً. لكن إرتفاع إحتمال المواجهة لا يعني أنها أصبحت حتمية. فتركيا لا تملك مصلحة واضحة في حرب مع إسرائيل، وإسرائيل تدرك بدورها أن مواجهة تركيا ستكون مختلفة جذرياً عن عملياتها ضد جماعات مسلحة أو ضد إيران في ظروف معينة. كما أن الولايات المتحدة لا تريد رؤية صراع بين إسرائيل وتركيا، وهما طرفان مرتبطان بدرجات مختلفة بالإستراتيجية الأمريكية. لذلك، فإن الخطر الأكبر في المرحلة الحالية ليس قراراً واعياً بالحرب، وإنما تراكم الإحتكاكات وسوء الحسابات.
واشنطن أمام معضلة حليفين
ظهر هذا التعقيد في الموقف الأمريكي من الضربة. فالمبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق توم باراك وصف العملية بأنها «تصعيد غير ضروري»، وحذر من مخاطر المواجهة المباشرة بين إسرائيل وتركيا. لكن الموقف الأمريكي لا يمكن فصله عن حقيقة أن واشنطن إنسحبت من جزء كبير من وجودها العسكري في سوريا، فاتحة مجالاً أوسع للقوى الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تبقى تركيا عضواً أساسياً في حلف الناتو وشريكاً مهماً للولايات المتحدة، بينما تمثل إسرائيل أحد أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. وهكذا تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تسمح لتركيا بتوسيع دورها في سوريا من دون أن تصطدم بذلك الدور مع الخطوط الحمراء الإسرائيلية؟
روسيا: الخاسر الصامت في المعادلة الجديدة؟
من منظور بانينا، فإن التغير الأكثر أهمية بالنسبة إلى روسيا هو فقدان جزء كبير من الموقع الإستراتيجي الذي بنته خلال سنوات الحرب السورية. فوجود موسكو العسكري في حميميم وطرطوس كان جزءاً من منظومة نفوذ روسية أوسع في الشرق الأوسط. أما اليوم، وبعد سقوط الأسد وإعادة ترتيب العلاقة مع دمشق، فإن وضع هذه المنشآت أصبح موضع تفاوض وإعادة تعريف. وتشير بانينا إلى مذكرة التفاهم الجديدة بين موسكو ودمشق، التي تنص، بحسب قراءتها، على تغيير وضع بعض المنشآت الروسية، وإنتقال بعض عناصر البنية المدنية إلى الإدارة السورية، وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة خلال فترة زمنية محددة. لكن المشكلة، في نظر الكاتبة، ليست فقط في الشكل الإداري للمنشآت. المشكلة الحقيقية هي غياب العمق الإستراتيجي.
حميميم وطرطوس بلا عمق إستراتيجي
تقع المنشآت الروسية في سوريا بعيداً عن الأراضي الروسية، وتعتمد على خطوط إتصال وإمداد طويلة. وفي حال إندلاع أزمة كبيرة مع السلطات السورية الجديدة، أو مواجهة إقليمية واسعة تشمل تركيا أو إسرائيل، أو صدام مع حلف الناتو، فإن قدرة روسيا على حماية وتعزيز قواتها قد تصبح أكثر صعوبة. وتشير بانينا إلى المضائق التركية ومضيق جبل طارق بإعتبارها نقاط إختناق يمكن أن تؤثر في طرق الإمداد الروسية. فإذا أغلقت خطوط العبور، فقد تجد القوات الروسية نفسها في سوريا معزولة عن العمق الذي تحتاجه للحفاظ على قدرتها العسكرية. وتصل الكاتبة إلى أقصى السيناريوهات حين ترى أن الدفاع عن قوة روسية معزولة جغرافياً قد يضع موسكو أمام خيارات شديدة الخطورة، بما فيها الإعتماد على الردع النووي. لكن هذا يظل، مرة أخرى، سيناريو إفتراضياً في تحليل بانينا، وليس توقعاً حتمياً أو دليلاً على أن روسيا ستستخدم السلاح النووي في حال تعرضت قواعدها للخطر.
المفارقة التي صنعتها الحرب السورية
تكمن المفارقة الكبرى في أن القوى التي ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تغيير البيئة التي حكم فيها الأسد، أصبحت اليوم تتنافس على نتائج ذلك التغيير. تركيا دعمت قوى المعارضة وسعت إلى إسقاط النظام وإعادة صياغة سوريا وفق مصالحها الأمنية والإقليمية. إسرائيل أضعفت إيران وحزب الله داخل سوريا، وقدمت خلال سنوات الحرب علاجاً ومساعدات لبعض عناصر المعارضة الذين وصلوا إلى حدود الجولان، وفي الوقت نفسه عملت على منع تشكل جبهة إيرانية متقدمة ضدها. أما بعد سقوط الأسد، فقد أصبح السؤال مختلفاً تماماً: من يملك سوريا الجديدة؟ تركيا تريد نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً. إسرائيل تريد سوريا ضعيفة عسكرياً، غير قادرة على تشكيل تهديد على حدودها، ولا تتحول إلى قاعدة نفوذ لقوة إقليمية منافسة. والولايات المتحدة تريد منع الإنفجار بين حليفين وشريكين. أما روسيا، فتريد الحفاظ على موطئ قدم إستراتيجي يسمح لها بالبقاء لاعباً في شرق المتوسط.
خاتمة
وهكذا فإن قصة أبو الظهور لا تبدأ في أغسطس/آب 2026، ولا تنتهي بصاروخ أطلق على قاعدة جوية. جذورها تمتد إلى سنوات الحرب السورية، وإلى إنهيار تحالفات قديمة، وإلى سقوط الأسد، وإلى الفراغ الذي خلفه سقوطه. فما جمع إسرائيل وتركيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مواجهة نظام الأسد، لم يعد موجوداً. وما بقي هو السؤال الأصعب: هل تستطيع القوتان إدارة تنافسهما داخل سوريا من دون أن تتحول البلاد مرة أخرى إلى ساحة حرب إقليمية؟
آخر خبر
إجتماع سوري-إسرائيلي في الأردن بوساطة أميركية لخفض التصعيد بعد قصف مطار أبو الظهور
عقد وفد سوري رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، وبمشاركة رئيسي جهازي الإستخبارات العامة والعسكرية، إجتماعاً مع وفد إسرائيلي رفيع المستوى في الأردن يوم الأحد، بوساطة أميركية وإستضافة أردنية، في إطار جهود خفض التصعيد عقب الغارات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية وتصاعد التوترات في الجنوب. وركزت المناقشات على وضع آليات عملية لوقف الإعتداءات والإعتقالات وعمليات الإستهداف الإسرائيلية، وإحياء مسار التفاوض للتوصل إلى إتفاق أمني يمكن أن يشكل أساساً لإتفاق مستقبلي أشمل. وأكدت دمشق خلال اللقاء سيادتها وحقها في إعادة بناء جيشها الوطني وتحديد تحالفاتها دون قيود، مشددة على أن الجولان المحتل أرض سورية، وأن الأولوية المباشرة تتمثل في إنسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر 2024 وإعادة تفعيل إتفاق فض الإشتباك لعام 1974 بالكامل، مع بحث سبل دعم إستقرار سوريا والأمن الإقليمي وتقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل لمنع إنعكاس التوتر بينهما على الأراضي السورية. ووصفت مصادر إسرائيلية اللقاء بـ«الإيجابي». ! ! بإنتظار الحيثيات والنتائج.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
-
فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
-
الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي
...
-
روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
-
ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب
...
-
روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
-
ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع
...
-
غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك
...
-
بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع
...
-
من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
-
من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا
...
-
من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
-
بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك
...
-
من صفحات التاريخ - كيف بدأت الحرب الباردة؟ الرواية الروسية ب
...
المزيد.....
-
مرتزقة كولومبيون وقود لحرب نظام كييف
-
اليمن.. الحوثيون يحذرون دول المنطقة من المشاركة في العقوبات
...
-
بعد زيارتها لأوكرانيا.. رئيسة وزراء الدنمارك تنتقد نصائح جرا
...
-
نيبينزيا: روسيا لن تقبل تجميد النزاع تحت ستار وقف النار ولن
...
-
بن سلمان في باريس.. مدن ملاهي واستثمارات سعودية بالمليارات ف
...
-
تفاؤل وترحيب في دمشق برفع سوريا من قائمة -الدول الراعية للإر
...
-
عون: ماضون بالتفاوض ونرفض الوصاية
-
وزير الخارجية الأمريكي يبحث مع نظيره الألماني النزاع الأوكرا
...
-
السلطات الأمريكية تخدع 6 مرحلين إلى ليبيريا رفضوا الخروج من
...
-
عمان.. لقاء سوري إسرائيلي لخفض التوتر
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|