|
|
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8 - هل يحاول بوتين تغيير مآلات أغسطس آب 1991؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 00:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
31 آب أغسطس 2026
من لجنة الطوارئ إلى «حرب أوكرانيا»: فرضية التاريخ الذي لم يتوقف عن الصراع
هناك أفكار سياسية تبدو، للوهلة الأولى، إستفزازية أكثر مما تبدو تحليلية. لكنها تصبح جديرة بالإهتمام تحديداً لأنها تجبر القارئ على إعادة النظر في أحداث يعرفها من زاوية مختلفة.
من هذا النوع فكرة طرحها الكاتب الروسي دانييل تولينكوف، ثم إلتقطها وطورها السياسي والمستشرق إيغور ديميترييف في تعليق نشره على قناته. يقول ديميترييف إنه أعجب بفكرة وجدها لدى تولينكوف وعدد من الكتاب الآخرين، مفادها أن «حرب أوكرانيا» هي محاولة لتغيير مآلات لجنة الطوارئ الحكومية»، ثم يشرح الفكرة قائلاً إن الأهداف، في جوهرها، متقاربة: «إستعادة الإتحاد السوفياتي المتفكك، ولكن بواسطة مكتب سياسي جديد».
هذه ليست، بطبيعة الحال، وثيقة رسمية تكشف النية الحقيقية للقيادة الروسية، ولا دليلاً على أن الحرب صُممت فعلاً بوصفها نسخة جديدة من أغسطس آب 1991. إنها فرضية تفسيرية طرحها كتّاب روس، وتستمد أهميتها من أنها تقرأ الحرب من خلال تاريخ أطول بكثير من تاريخ فبراير 2022.
فبدلاً من أن يبدأ السؤال من أوكرانيا أو من العلاقات الروسية ــ الغربية في القرن الحادي والعشرين، يبدأ من إنهيار الإتحاد السوفياتي نفسه.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة: ماذا لو كانت بعض السياسات الروسية المعاصرة محاولة لتغيير نتائج تاريخية إعتبرت أجزاء من النخبة الروسية أن عام 1991 فرضها عليها، ولم تكن مستعدة لقبولها نهائياً؟
أغسطس آب 1991: اللحظة التي إنتصر فيها إتجاه التاريخ
كان أغسطس آب 1991 لحظة حاسمة في تاريخ القرن العشرين. فالإتحاد السوفياتي كان قد دخل مرحلة أزمة سياسية وإقتصادية وقومية عميقة. كانت السلطة المركزية تفقد قدرتها على فرض إرادتها، والجمهوريات السوفياتية تطالب بمزيد من الإستقلال، بينما كان الإصلاح السياسي والإقتصادي قد أطلق قوى لم يعد النظام القديم قادراً على السيطرة عليها. في هذا السياق جاءت محاولة لجنة الطوارئ الحكومية، التي هدفت إلى وقف المسار الذي كان يقود إلى إعادة تشكيل الإتحاد السوفياتي، ثم إلى تفككه. لكن المحاولة فشلت. وبعد أيام قليلة، لم يعد السؤال هو كيف يمكن إصلاح الإتحاد السوفياتي، بل كيف ومتى سينتهي. وفي ديسمبر كانون الأول 1991 إنتهى الإتحاد رسمياً. من هنا تأتي أهمية تشبيه تولينكوف وديميترييف. فإذا كان أغسطس آب 1991 يمثل محاولة لمنع تفكك الإتحاد، فإن «حرب أوكرانيا» ــ وفق هذه الفرضية ــ يمكن النظر إليها بإعتبارها محاولة لاحقة، بعد أكثر من ثلاثة عقود، لتغيير بعض النتائج التي ترتبت على ذلك التفكك. الفارق بين الحالتين هائل. في الأولى كانت الدولة تتفكك أمام أعين أصحاب القرار. أما في الثانية فقد مضى جيل كامل على إنهيارها. وهذا تحديداً هو ما يجعل التشبيه مثيراً للجدل.
منع الإنهيار آنذاك... وتصحيح نتائجه الآن
الكلمة الروسية «pere-igrat» التي يستخدمها ديميترييف مهمة جداً. فهي لا تعني هنا حرفياً «إعادة اللعب»، بل تعني، في سياق سياسي، إعادة خوض الموقف بطريقة مختلفة أملاً في الوصول إلى نتيجة أخرى. ولهذا فإن التعبير العربي الأدق ليس «إعادة لعب دور لجنة الطوارىء»، بل: «محاولة تغيير مآلات أغسطس آب 1991». وهذا فارق جوهري. فالمؤلف لا يقول إن روسيا تستطيع إعادة الزمن إلى الوراء بالمعنى الحرفي، وإنما يفترض أن القيادة الحالية تحاول إعادة فتح الحساب التاريخي الذي أُغلق في عام 1991. بمعنى آخر: كان السؤال عام 1991: كيف نمنع إنهيار الإتحاد؟ أما السؤال المفترض اليوم فهو: كيف نغير العالم الذي نشأ بعد إنهياره؟ وهذا التحول هو قلب النظرية كلها.
«مكتب سياسي جديد»... جيل تعلم من أخطاء السلف
يصف ديميترييف الجيل الحالي من صناع القرار بعبارة ساخرة لكنها تحمل مضموناً سياسياً مهماً. يقول: «هذا الجيل من المسؤولين إستطاع أن يعيش حياة جيدة، وإكتسب خبرة غربية متقدمة، وتغلب على نقاط ضعف النظام السوفياتي». المقصود هنا ليس أن روسيا عادت إلى النظام السوفياتي حرفياً. على العكس. النظرية تقوم على أن روسيا الحالية تختلف عن الإتحاد السوفياتي تحديداً لأنها تعلمت من فشله. فالنظام السوفياتي المتأخر كان يعاني من أزمة إقتصادية حادة، ونقص في السلع، وتراجع في الإنتاجية، ونظام إعلامي مغلق، ومؤسسات سياسية عاجزة عن إستيعاب التعددية المتزايدة. أما روسيا في القرن الحادي والعشرين فقد إحتفظت بدولة مركزية قوية، ولكنها لم تعد دولة إشتراكية مخططة. لقد إستفادت من إقتصاد السوق، ومن التكنولوجيا الغربية، ومن الإستثمارات والأسواق العالمية، ومن الخبرة التي إكتسبتها نخبها خلال الحقبة ما بعد السوفياتية. ومن هنا تأتي عبارة «مكتب سياسي جديد». إنها ليست وصفاً مؤسسياً حرفياً، وإنما إستعارة عن نخبة دولة تعتقد، وفق هذه القراءة، أنها تعرف لماذا إنهار النظام السابق وكيف يمكن تجنب تكرار إنهياره.
الدرس الأول: لا تدع رفوف المتاجر تصبح سياسية
من أكثر عبارات ديميترييف إختصاراً لفكرته قوله: «آنذاك كانت رفوف المتاجر فارغة، أما الآن فالمواطنون السوفيات هادئون». الجملة ساخرة، لكنها تضع الإصبع على عامل بالغ الأهمية في إنهيار الإتحاد السوفياتي. فالأزمة السياسية لا تحدث في فراغ. إنها تصبح خطيرة عندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد قادرة على إدارة حياته اليومية. في أواخر الإتحاد السوفياتي، تداخلت الأزمة السياسية مع أزمة إقتصادية ونقص في السلع وإضطراب في نظام التوزيع، الأمر الذي أضعف الثقة بالمؤسسات. أما روسيا في القرن الحادي والعشرين فقد دخلت الصراع وهي تمتلك إقتصاداً مختلفاً جذرياً، ومجتمعاً إستهلاكياً، وقطاعاً خاصاً واسعاً، وبنية مالية وأسواقاً أكثر مرونة من الإقتصاد السوفياتي المتأخر. ومن منظور ديميترييف، يمثل هذا أحد الدروس التي تعلمتها الدولة. فإذا كان الهدف هو الحفاظ على الإستقرار السياسي أثناء صراع طويل، فلا بد من منع الأزمة الخارجية من التحول إلى إنهيار داخلي.
الدرس الثاني: لا تسمح بإنفجار المجال العام
ينتقل ديميترييف إلى الثقافة والسياسة والإعلام. يقول: «آنذاك إنفلت المنشقون وموسيقيّو الروك وغيرهم، أما الآن فهم على ميزانية الدولة أو في الهجرة». العبارة ذات طبيعة هجومية واضحة، لكنها تعكس فكرة تاريخية مهمة. ففي أواخر الثمانينيات لم تكن المشكلة السوفياتية مجرد وجود معارضين سياسيين. المشكلة كانت أن المجال العام نفسه إتسع بسرعة هائلة. صحافة أكثر حرية، أدب أكثر جرأة، موسيقى مستقلة، حركات قومية، ناشطون، مثقفون، ومجموعات سياسية بدأت تتحرك في فضاء لم يعد النظام القديم قادراً على ضبطه. وبذلك لم يعد التغيير السياسي مشروعاً للنخبة فقط. لقد أصبح ظاهرة إجتماعية. ومن منظور الكاتب، تعلّمت الدولة الروسية المعاصرة هذا الدرس أيضاً: السيطرة على المجال السياسي لا تنفصل عن السيطرة على المجال الإعلامي والثقافي.
من إذاعة الحرية إلى الإنترنت
يختصر ديميترييف هذه المقارنة بعبارة لافتة: «راديو الحرية في نسخته الجديدة: متطرفون وإرهابيون». إنها مقارنة بين عصرين. في الحقبة السوفياتية كانت إذاعات أجنبية، بينها «راديو أوروبا الحرة/راديو الحرية»، تمثل مصدراً للمعلومات خارج سيطرة الدولة. أما اليوم فقد أصبح الفضاء الإعلامي رقمياً. لم تعد المسألة تتعلق فقط بإذاعة تبث من الخارج. إنها تتعلق بشبكات التواصل، والمواقع الإلكترونية، والمنصات الرقمية، وقنوات المراسلة، ومصادر المعلومات العابرة للحدود. وهكذا، فإن ما تغير هو التكنولوجيا، بينما بقي الصراع الأساسي حول من يملك القدرة على التأثير في المجال العام. وفي روسيا المعاصرة تطورت منظومة قانونية وإدارية تستخدم تصنيفات مثل «عميل أجنبي» و«منظمة غير مرغوب فيها» و«متطرف»، إضافة إلى الحجب والقيود على المنصات والمواقع. وبالتالي، فإن قراءة ديميترييف ترى في هذه السياسة محاولة لتجنب ما حدث في نهاية الإتحاد السوفياتي: تحول المجال العام إلى قوة مستقلة عن الدولة.
أوكرانيا: من رمز الإنهيار إلى مركز محاولة عكس نتائجه
لكن التشبيه يصبح أكثر حساسية عندما ينتقل إلى أوكرانيا. يقول ديميترييف: «يمكن إعادة جمهورية أوكرانيا السوفياتية، وبعدها ستجري الجمهوريات السوفياتية الأخرى وراءها». هذه العبارة هي قلب البعد الجيوسياسي في النظرية. فأوكرانيا، في هذا التصور، ليست مجرد دولة مجاورة. إنها واحدة من أهم النتائج السياسية والجغرافية لإنهيار الإتحاد السوفياتي. ومن ثم فإن إستعادة السيطرة أو النفوذ عليها يمكن، في منطق أصحاب الفرضية، أن تكون خطوة في إتجاه إعادة ترتيب بعض نتائج عام 1991. لكن هنا يجب أن يكون التحليل حذراً. لا يقدم ديميترييف وثيقة تثبت وجود خطة رسمية لإعادة جميع الجمهوريات السوفياتية. وحتى عبارته نفسها تأتي في سياق تعليق سياسي، لا في صورة كشف عن وثيقة إستراتيجية. لذلك فإن ما أمامنا هو قراءة تفسيرية، لا حقيقة مثبتة.
المشكلة التي يواجهها هذا التصور: الزمن لم يتوقف
ربما تكون أكبر مشكلة في فكرة «تغيير مآلات 1991» أن الجمهوريات السوفياتية لم تبقَ في المكان الذي تركها فيه الإتحاد السوفياتي. لقد مرت خمسة وثلاثون عاماً. خلال هذه الفترة نشأت دول مستقلة، وتغيرت النخب، وتبدلت الأنظمة الإقتصادية، وتطورت المؤسسات العسكرية، وتشكلت هويات وطنية جديدة، وولد جيل كامل لم يعش الإتحاد السوفياتي أصلاً. ولهذا فإن إستعادة وضع سابق ليست عملية ميكانيكية. يمكن للدول أن تغير حدوداً. يمكنها أن تفرض ترتيبات سياسية. يمكنها أن توسع نفوذها. لكنها لا تستطيع ببساطة إعادة إنتاج المجتمع الذي كان قائماً قبل ثلاثة عقود. وهنا تظهر المفارقة المركزية: كل محاولة للعودة إلى الماضي تصنع حاضراً جديداً.
«غكيتشب» أكثر إستعدادًا... ولكن بكلفة أكبر
في النص الأصلي الذي إستند إليه ديميترييف، تظهر فكرة أخرى أكثر حدة. فصاحب الطرح يرى أن «حرب أوكرانيا» تمثل نسخة أكثر إعداداً من محاولة أغسطس 1991، وأن القيادة الجديدة أخذت بعين الإعتبار أخطاء الجيل السابق. لكن المفارقة أن المشروع الذي كان يفترض، بحسب هذه القراءة، أن يكون أكثر إحكاماً وأقل كلفة، تحول إلى عملية طويلة ومكلفة. وهنا يظهر سؤال جوهري: إذا كانت إحدى مشكلات النموذج السوفياتي هي سوء تقدير القدرة على تحمل الأزمة، فهل يؤدي الصراع الطويل نفسه إلى إعادة إنتاج المشكلة التي كان يفترض أنه جاء لتجنبها؟ هذه ليست إجابة يقدمها النص بصورة مباشرة، لكنها إحدى أهم التناقضات التي تكشفها فرضيته. فمحاولة تغيير نتائج التاريخ تحتاج إلى موارد. وكلما طال الصراع، زادت الموارد المطلوبة. وكلما زادت الموارد، أصبحت كلفة المشروع جزءاً من المشكلة نفسها.
من يدفع ثمن «التصحيح التاريخي»؟
هنا ينتقل النص من الجغرافيا السياسية إلى المجتمع. يستخدم الكاتب تعبير «النيّوسوفياتية» لوصف ما يراه نموذجاً روسياً جديداً يجمع بين عناصر من الدولة السوفياتية وبعض أدوات النظام ما بعد السوفياتي. ويقول إن هذه المنظومة، في رأيه، تعتقد أنها تعلمت درساً آخر من 1991: عدم جعل تكلفة الحرب موزعة بالطريقة نفسها على المجتمع كله. ومن هنا يبرز الإعتماد على المتعاقدين والمتطوعين، وكذلك على فئات إجتماعية هامشية في مراحل مختلفة من الحرب. وهذه ليست فكرة نظرية مجردة؛ فدانييل تولينكوف نفسه كان من مقاتلي وحدة «شتورم زد» بعد خروجه من السجن، وقد تحدث في مقابلات عن إنتقاله من السجن إلى الجبهة. لكن الكاتب الأصلي يستخدم هذه التجربة لإثارة سؤال مختلف تماماً: هل يمكن للدولة أن تتعامل مع بعض مواطنيها بإعتبارهم قوة بشرية أقل تكلفة من غيرهم؟
«المورد البشري» وطبقات المجتمع
هذا هو أحد أكثر أجزاء النص حساسية. فالكاتب يرفض، في جوهر حجته، فكرة أن يكون هناك مواطنون أكثر قيمة من مواطنين آخرين. ويصوغ ذلك بعبارة شديدة القسوة، حين يتحدث عن «المورد الديموغرافي» للبلاد بإعتباره ملكاً للمجتمع والدولة، لا ملكاً خاصاً للنخبة. ثم يستخدم تعبيراً ساخراً عن «تعاونية أوزيرو» في إشارة إلى النخبة المرتبطة بالرئيس فلاديمير بوتين. لكن المعنى الأعمق لا يتعلق بهذه التسمية وحدها. إنه يتعلق بمفهوم المواطنة المتساوية. إذا كانت حياة الإنسان ذات قيمة متساوية، فلا ينبغي أن تصبح الطبقة الإجتماعية معياراً لتحديد مقدار الخطر الذي يجوز تحميله لهذا الإنسان. العامل والجندي المحترف والسجين السابق وابن الأسرة الغنية جميعهم، من حيث المبدأ، أعضاء في المجتمع نفسه. وهذا يقود إلى سؤال سياسي وأخلاقي بالغ الأهمية: هل المواطن مورد للدولة، أم أن الدولة مؤسسة أنشأها المواطنون لحماية حقوقهم ومصالحهم؟
المشكلة النهائية: هل يمكن إعادة الزمن إلى الوراء؟
في النهاية يعود النص إلى إستعارة النهر. فالكاتب يتحدث عن أولئك الذين قرروا «تحدي نهر الزمن». وهذه العبارة ربما تكون أفضل مفتاح لقراءة المقال كله. فالفكرة ليست أن الإتحاد السوفياتي سيعود بالضرورة كما كان. وليست أن روسيا ستعيد ببساطة إنشاء النظام الذي إنهار في 1991. الفكرة الأعمق هي أن جزءاً من الصراع السياسي الحالي يمكن قراءته بوصفه صراعاً مع النتائج التاريخية لإنهيار ذلك النظام. لكن المشكلة أن الزمن لا يعمل بهذه الطريقة. فالتاريخ ليس ملفاً يمكن فتحه وحذف آخر صفحة منه. إن إنهيار الإتحاد السوفياتي أنتج ثلاثة عقود من التطورات. والتطورات أنتجت دولاً ومجتمعات جديدة. وتلك المجتمعات أنتجت مصالح وهويات وذاكرات سياسية جديدة. لذلك فإن تغيير نتائج عام 1991 لا يعني إستعادة عام 1991. إنه يعني، بالضرورة، خلق واقع جديد فوق أنقاض الواقع الذي نشأ بعده.
ما الذي تفسره فرضية «تغيير مآلات 1991»؟
إذا تعاملنا مع الفكرة بوصفها عدسة تحليلية، فإنها تساعد في تفسير عدة ظواهر في السياسة الروسية المعاصرة. ▪️أولاً، الحساسية الروسية الشديدة تجاه إنهيار الإتحاد السوفياتي وما ترتب عليه من خسارة المكانة والنفوذ. ▪️ثانياً، أهمية المجال السوفياتي السابق في التفكير الجيوسياسي الروسي. ▪️ثالثاً، إعادة بناء الدولة المركزية بعد عقد التسعينيات. ▪️رابعاً، التشدد المتزايد تجاه المعارضة والإعلام المستقل، كما يراه أصحاب هذه الفرضية. ▪️خامساً، التركيز على قدرة الدولة على تحمل صراع طويل من دون إنهيار داخلي. ▪️وسادساً، وربما الأهم، تحويل قضية عام 1991 من مسألة تاريخية إلى مسألة سياسية معاصرة. لكنها لا تفسر كل شيء مع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه العدسة إلى تفسير شامل. فالحرب الروسية ــ الأوكرانية ذات جذور وعوامل متعددة، ولا يمكن إختزالها في الرغبة في إعادة الإتحاد السوفياتي. كما أن روسيا الحالية ليست الإتحاد السوفياتي، وقيادتها لا تعلن رسمياً مشروعاً لإعادة النظام السوفياتي السابق. بل إن بعض مواقف تولينكوف نفسه اللاحقة تُظهر تعقيداً داخل هذه الرؤية؛ فقد كتب في يونيو 2026 مثلاً أن بقاء «عيد 12 يونيو» في روسيا مع إستمرار «حرب أوكرانيا » يعكس، في رأيه، «طابعاً هجيناً وإنتقائياً» في تصور الدولة لتاريخها وهويتها، وهو ما يشير إلى أنه لا يرى المشروع الروسي الحالي نسخة سوفياتية صافية. وهذه نقطة مهمة. فالتفسير الأدق ليس أن روسيا تحاول ببساطة إستعادة الإتحاد السوفياتي، وإنما أن بعض عناصر النخبة الروسية قد تنظر إلى مرحلة ما بعد 1991 بإعتبارها نتيجة تاريخية غير مكتملة أو غير عادلة، وتحاول إعادة ترتيب بعض نتائجها. وهذا أكثر تعقيداً من مجرد «عودة السوفياتية».
من هم أصحاب هذه الفكرة؟
إيغور ديميترييف
إيغور ديميترييف سياسي ومستشار سياسي ومعلّق روسي ذو خلفية في التاريخ والإستشراق، ويدير قناة «المستشرق الروسي» على تلغرام. وقد جاء تعليق «حرب أوكرانيا هي محاولة لتغيير مآلات غكيتشب» في سياق نقاشه السياسي حول الحرب ومستقبل روسيا. والأهم أن ديميترييف لا ينسب الفكرة إلى نفسه حصراً؛ بل يقول صراحة إنه وجدها لدى دانييل تولينكوف وعدد من الكتّاب الآخرين.
دانييل تولينكوف
دانييل تولينكوف مؤرخ من حيث التكوين، وكاتب ورجل أعمال ومقاتل سابق في وحدة «شتورم زد». وُلد عام 1979، ودرس التاريخ في جامعة الأورال الحكومية. وفي عام 2023 إنتقل من السجن إلى المشاركة في الحرب ضمن «شتورم زد»، ثم عاد إلى الكتابة والتعليق على الحرب والمجتمع الروسي. وقد تحدث بنفسه عن تجربته في الوحدة وظروف إنتقاله إلى الجبهة. وتكتسب وجهة نظره أهمية إضافية لأن نقده للحرب ليس من خارج التجربة العسكرية تماماً؛ فهو يكتب من موقع شخص شارك فيها، وإن كان ذلك لا يجعل تحليله بالضرورة أكثر صحة أو أقل انحيازاً.
الخلاصة: هل نحن أمام «غكيتشب» جديد؟
الجواب المحايد هو: لا يمكن إثبات ذلك بإعتباره حقيقة تاريخية أو هدفاً رسمياً معلناً. لكن يمكن التعامل معه بوصفه فرضية تحليلية قوية ومثيرة للإهتمام. ففي أغسطس 1991 حاولت مجموعة من قادة الإتحاد السوفياتي منع المسار الذي كان يقود إلى إنهيار الدولة. أما بعد أكثر من ثلاثة عقود، فتفترض قراءة تولينكوف وديميترييف أن جزءاً من القيادة الروسية حاول، بوسائل مختلفة وبخبرة أكبر، تغيير بعض مآلات ذلك الإنهيار. الفرق أن الإتحاد السوفياتي عام 1991 كان لا يزال موجوداً. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبح الإتحاد السوفياتي تاريخاً. وهذه هي المفارقة الأساسية. يمكن للدولة أن تحاول تغيير الحدود، ويمكنها أن تعيد تشكيل التحالفات، ويمكنها أن تستعيد نفوذاً فقدته، لكنها لا تستطيع أن تعيد المجتمع إلى اللحظة التي سبقت إنهياره. ولهذا فإن عبارة «pere-igrat» ــ إذا أردنا نقل معناها الحقيقي ــ لا تعني ببساطة «إعادة اللعب». إنها تعني محاولة تغيير النتيجة التي إنتهت إليها مباراة تاريخية قبل جيل كامل. لكن التاريخ لا يمنح اللاعبين دائماً فرصة العودة إلى الملعب نفسه. فمنذ أغسطس 1991 تغير الملعب، وتغير اللاعبون، وتغيرت القواعد، بل تغيرت طبيعة المباراة نفسها. ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر دقة ليس: هل تحاول روسيا إعادة الإتحاد السوفياتي؟
بل: «هل تحاول روسيا تغيير مآلات عام 1991، وهل يمكن تغيير نتائج حدث تاريخي بعد مرور خمسة وثلاثين عاماً من دون تغيير الدولة والمجتمع اللذين يخوضان هذه المحاولة؟»
وهنا تصل فرضية تولينكوف وديميترييف إلى مفارقتها النهائية: محاولة العودة إلى الماضي قد لا تعيد الماضي؛ قد تصنع تاريخاً جديداً تماماً. والثمن، في هذه الحالة، لا يقاس فقط بالأراضي أو الحدود أو النفوذ، وإنما أيضاً بالموارد الإقتصادية، والإستقرار الإجتماعي، والأجيال التي تدفع كلفة القرار، وبالسؤال الأوسع الذي يطرحه النص كله: هل يملك أي جيل سياسي حق تحويل البشر إلى ثمن لمشروع يستهدف تصحيح مسار التاريخ؟ هذا هو السؤال الذي يجعل تشبيه «حرب أوكرانيا» بمحاولة تغيير مآلات أغسطس 1991 أكثر من مجرد إستعارة سياسية. إنه يصبح سؤالاً عن حدود قدرة الدولة على مقاومة الزمن، وحدود حق السلطة في تحديد الثمن الذي ينبغي للمجتمع أن يدفعه مقابل رؤيتها للتاريخ.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6
...
-
بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4
...
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
-
فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
-
الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي
...
-
روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
المزيد.....
-
روسيا تهدد بقصف منشآت الطاقة الأوكرانية
-
عاجل: الولايات المتحدة تشن غارات على إيران لأول مرة منذ شهر
...
-
الولايات المتحدة تشن ضربات على إيران لأول مرة منذ أسابيع
-
هلسنكي: لا نوايا لروسيا لمهاجمة الناتو
-
قائد الجيش اللبناني في عمان لبحث التعاون
-
إسرائيل.. التصعيد بالضفة وقرب الانتخابات
-
مصر وأمريكا تبحثان إطلاق حوار سوداني شامل
-
ميرتس يعجز عن تحديد القطاع الذي سيحل محل صناعة السيارات في أ
...
-
وسائل إعلام عبرية: الجيش يعلن عن اغتيال فلسطينيين اثنين في م
...
-
وزير التعليم العالي ومحافظ السويس ورئيس جامعة السويس يفتتحون
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|