|
|
ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 17:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
30 آب أغسطس 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
المذيع: وقعت جريمة مروعة أخرى في أوكرانيا. وحتى الآن لم تُحدَّد المسؤولية عنها رسمياً، لكن المعروف أن هجوماً مسلحاً إستهدف دير سفياتو-أوسبينسكي سفياتوغورسك التابع للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، وأسفر عن مقتل أحد الرهبان. وقد نشرت المصادر الأرثوذكسية تفاصيل الحادث على نطاق واسع. سيد ألكسندر، هل تعتقد أنهم سيبحثون عن المسؤولين، أم أنهم يعرفونهم جيداً أصلاً، لكنهم سيتسترون عليهم، بالنظر إلى الوضع البائس والتجريد من الحقوق الذي آلت إليه الكنيسة الروسية اليوم في الأراضي الأوكرانية؟
ألكسندر دوغين: كما تعلمون، فإن الحرب الدائرة الآن في أوكرانيا هي، في جانب منها، حرب من أجل الأرثوذكسية وضد الأرثوذكسية. والأمر، في الحقيقة، لا يتعلق فقط بالجهة التي تخضع لها هذه الجماعة الأرثوذكسية أو تلك من الناحية الكنسية. صحيح أن الكنيسة واحدة، وهي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التقليدية، وأن الغالبية الساحقة من الأوكرانيين ما زالت تنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، فيما تُعد الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية جزءاً منها وفرعاً لا ينفصل عنها. لكن المسار الذي إختارته السلطات الأوكرانية هو، في جوهره، مسار نحو الغرب، ونحو العولمة وما بعد الحداثة. وهذا يتعارض بصورة مطلقة مع الأرثوذكسية. أما الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، أي فرعها القانوني المتمثل في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، فتتعرض لحرب مفتوحة وحقيقية. ولذلك، لن يبحث أحد عن الجناة. وقد يقال إن الأمر مجرد «تجاوز من جانب المنفذين»، لكن الحقيقة أن الأرثوذكسية نفسها أُعلنت، عملياً، خارجة عن القانون في أوكرانيا. لقد أُعلن أنها عدو، وأصبح الأرثوذكس يُنظر إليهم بإعتبارهم أدوات لـ«العالم الروسي». ومن ناحية ما، هم محقون في ذلك؛ فهؤلاء الناس لا يعملون من أجلنا، وإنما يعملون من أجل الرب. فالمؤمنون الأوكرانيون يعملون من أجل يسوع المسيح، الذي أقسم شعبنا له العهد عند المعمودية في كييف، في نهر الدنيبر، في عهد الأمير الأكبر فلاديمير. نحن والأوكرانيون جماعة واحدة لا تنفصم، تاريخياً ودينياً وثقافياً، وهي الجماعة التي قطعت يومها عهداً للمسيح. أما القوميون الأوكرانيون، والعولميون، والغربيون، والنازيون الجدد الذين وصلوا إلى السلطة في أوكرانيا، فقد نقضوا ذلك العهد ومزقوه. وإتهموا الأرثوذكسية الروسية وروسيا نفسها، التي هم جزء منها، بكل الخطايا. ومن الطبيعي، في هذا السياق، أن يكون قتل الرهبان في دير سفياتوغورسك مجرد جزء من تلك الروح الشيطانية التي إجتاحت أوكرانيا. هذه الأرض تقع اليوم، بالمعنى الحرفي للكلمة، تحت سلطة الشيطان. وبالمناسبة، فإن الشيطانية محظورة في الإتحاد الروسي وتُعد تياراً ممنوعاً. لكن يمكن حظر الشيطانية، أما الشيطان نفسه فلا يمكن حظره؛ لأنه إذا لم يكن موجوداً أصلاً، فما الذي نحظره إذن؟ وهنا تكمن حدة اللحظة التاريخية: إنها معركة بين الله والشيطان. وهذه المعركة تجري من خلالنا؛ من خلال الروس والأوكرانيين، ومن خلال الدول الغربية والشرقية. ونحن اليوم في قلب هذه المعركة. وعندما يُقتل الرهبان، فإن ذلك ليس سوى تأكيد على خطورة ما يجري. إنهم، بالتأكيد، مشاركون في الأعمال القتالية؛ لكن ليس لأنهم جواسيس، بل لأنهم يصلّون إلى الله، لا أكثر. بل أعتقد أن مسائل العلاقات بين الكنائس هي بالنسبة إليهم أمور ثانوية مقارنة بأداء رسالتهم العليا في خدمة الله وخلاص النفس. وإذا كنت تسعى إلى خلاص نفسك، فكما قال القديس سيرافيم: «خلّص نفسك، وحولك سيخلص الآلاف». وهؤلاء يحملون الخلاص، ولذلك أصبحوا أعداء. والعدو يختار هدفاً مقدساً، هدفاً رمزياً. وأنا مقتنع تماماً بأن هذه الجريمة ستبقى من دون كشف، لأن وراءها تقف أوكرانيا المعاصرة بأسرها.
المذيع: بالتوازي مع ذلك، وقبل فترة قصيرة، جرى في روسيا العثور على رفات دميتري دونسكوي. وقد لفت ممثلو الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، من بين آخرين، الإنتباه إلى رمزية حدوث ذلك في مثل هذا الوقت العصيب الذي تمر به البلاد. فقد أشار فاختانغ كيبشيدزه، على سبيل المثال، إلى أننا خلال العملية العسكرية الخاصة ندافع عن سيادتنا، مستحضرين في ذلك مقارنات تاريخية مع عهد دميتري دونسكوي. من وجهة نظرك، ما دلالة أن يحدث ذلك الآن تحديداً؟
ألكسندر دوغين: إنه ببساطة معجزة حقيقية. نحن كثيراً ما لا نؤمن بالمعجزات، ونحاول تفسير كل شيء من خلال العمليات العقلانية، لكن ذلك لا ينجح دائماً. أحياناً تكون المعجزة مجرد معجزة. إنها واقعة مدهشة. فقد كنت هناك بنفسي، وتبركت بالرفات خلال تلك الفترة القصيرة جداً التي فُتح فيها التابوت، قبل أن يُغلق من جديد. وقد شرح لنا ماكاروف وباتالوف، اللذان يشرفان على أعمال التنقيب الأثري في الكرملين، كيف جرت الأمور، أمام مجموعة صغيرة من الأشخاص. ظهرت في تابوت والد دميتري دونسكوي، الأمير الأكبر إيفان الأحمر، شقوق. ففي القرن التاسع عشر، أُدخل نظام للتدفئة في الكاتدرائية، ولم تُعامل مدافن قديسينا وأمرائنا الكبار بالقدر الكافي من العناية. وكان يُعتقد أن هناك تابوتين فوق بعضهما: تابوت الأب، وتابوت دميتري دونسكوي نفسه. وعندما ظهر الشرخ في أغسطس من هذا العام، بدأ الخبراء بفحص البناء، فإكتشفوا أنه لا يوجد تحت تابوت الأب أي تابوت آخر؛ بل إن تابوت دميتري كان إلى جواره. وعندما فُتح التابوت لإنقاذ البناء بأكمله من خطر الإنهيار، نتيجة أعمال الترميم والتدفئة العنيفة التي أُجريت في القرن التاسع عشر، عُثر على الرفات الأصلية للأمير الأكبر دميتري دونسكوي، وقد تأكدت هويتها بصورة قاطعة من خلال الفحوص الجينية. والأهم من ذلك كله أنها كانت محفوظة. لقد رأيت الجثمان بنفسي. فبعد أكثر من ستة قرون، كان من الممكن أن يتحول كل شيء إلى تراب، ومع ذلك بقيت الرفات محفوظة بصورة عجيبة. وعلى الجمجمة يمكن رؤية أثر ضربة تلقاها من أحد المحاربين التتار؛ إذ من المعروف أنه كان يقاتل في الصفوف الأمامية في ميدان كوليكوفو. وقد جاء قداسة البطريرك كيريل، بطريرك موسكو وسائر روسيا، ليتبرك بهذه الرفات. كما جاء الرئيس أيضاً وتبرك بها في 20 أغسطس، في ذلك التاريخ الرمزي تحديداً الذي قُتلت فيه إبنتي على أيدي الإرهابيين الأوكرانيين. أما أنا، فقد جئت في اليوم التالي، في 21 أغسطس، برفقة صديقي العزيز قسطنطين مالوفييف ونيكيتا ميخالكوف. ووصلنا إلى الكرملين قبل نحو ساعة فقط من إغلاق التابوت نهائياً وإلى الأبد، بعدما كانت جميع أعمال الترميم قد إكتملت. لكن المدهش حقاً هو ما حدث في اليوم التالي لتبرك رئيسنا بالرفات... ففي 21 أغسطس عام 1380، أي في اليوم نفسه تماماً، خرج دميتري دونسكوي من موسكو متوجهاً إلى معركة كوليكوفو، تلك المعركة التي إنتصرنا فيها بعد مشقة بالغة، والتي أصبحت نقطة تحول في مسيرة التحرر من نير القبيلة الذهبية، وفي صعود موسكو بوصفها قوة عالمية. وكان ذلك إيذاناً، بعد نحو قرن، بنشوء نظرية «موسكو ـ روما الثالثة»، حين إنتقلت إليها رسالتنا التاريخية. إنه تطابق مذهل حقاً. فقد أدى ترميم المدفن وظهور الشق إلى اكتشاف رفات الأمير الأكبر دميتري دونسكوي مصادفةً؛ وهو الذي أُعلن قديساً عام 1989، ولذلك يمكن إعتبار ما حدث «إكتشافاً ثانياً» لرفاته. أما تبجيل الرئيس والبطريرك لهذه الرفات، فيعيد إلى الأذهان نموذج «التناغم الحقيقي بين السلطتين»؛ وكل ذلك يحدث في لحظة تاريخية تتطابق مع تاريخ خروج دميتري دونسكوي من موسكو متوجهاً إلى ميدان كوليكوفو، في 21 آب أغسطس. ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة. وكان نيكيتا ميخالكوف، الذي وقف يصلي أمام التابوت الذي فُتح في اللحظة الأخيرة ــ إذ سيُغلق من جديد لقرن كامل ــ يخاطب القديس، في كنيسة تكاد تكون خالية، ولا يحضر فيها سوى بضعة أشخاص، قائلاً: «ساعدنا أيها القديس. نحن بحاجة إلى مساعدتك، وإلى صلواتك، وإلى مشاركتك». إن روسيا تقف اليوم أمام وضع بالغ الصعوبة، ويُطرح عليها سؤال «أن تكون أو لا تكون»؛ وربما يكون الأمر شبيهاً بما كان عليه الحال آنذاك، وربما أشد خطورة مما كان عليه في ميدان كوليكوفو. إننا نتجه إلى كوليكوفو الخاص بنا. وبحسب شهود عيان، خرج الرئيس في 20 أغسطس من كاتدرائية رئيس الملائكة، بعد التبرك بالرفات، وقد بدا عليه صفاء وإشراق غير عاديين. وبفضل هذه المعجزة، ترسخ لديه، بقوة جديدة، الإيمان بأن إنتصار روسيا، وإنتصار روحها وشعبها ودولتها، أمر لا مفر منه. إنها معجزة حقيقية ومنعطف عميق للغاية، وإن كانت قوى الظلام قد إستنفرت هي الأخرى. فالعديد من أهم الأحداث الرمزية في تاريخنا، سواء أكثرها مأساوية أو تلك التي شكلت نقاط تحول، تقع تحديداً في هذه الأيام من آب أغسطس، بين التاسع عشر والحادي والعشرين منه. وإن الإصطفاف الشامل ضد إكتشاف رفات القديس الأمير الأكبر دميتري دونسكوي، من جانب الجميع ــ الغرب، والأوكرانيين، وليبراليينا، والمشككين، والملحدين، والماديين، واليساريين واليمينيين ــ يثبت أن ما حدث ليس حدثاً عادياً. إنه علامة سماوية حقيقية. فالقديسون لا يخرجون من مخابئهم إلا في الأزمنة الحرجة. وفي الوقت نفسه، وصلت إلى روسيا، بطريقة تكاد تكون عجائبية، رفات القديس سبيريدون التريميثوسي. وهو قديس عظيم يحظى بمكانة رفيعة في روسيا، وهذه هي المرة الأولى التي تصل فيها رفاته إلى بلادنا. ويتوافد أبناء الوطن إليها، فيما يتبرك بها مئات الآلاف من المؤمنين في المدن التي تُنقل إليها. فالقديس سبيريدون يحتل مكانة بالغة الأهمية في تقاليدنا الروحية. وكما كتب أكيم أباتشيف مؤخراً بدقة شديدة، فإننا نشعر الآن وكأننا فارسان من أبطال الملاحم الروسية يخوضان المعركة الأخيرة: لقد تعبنا، والغرب تعب، والأوكرانيون أستُنزفوا، ونحن أيضاً أصابنا قدر كبير من الإنهاك. إننا نشعر بأن نهاية هذه المعركة تقترب، وأننا نلمس إرهاصات إنتصارنا. وبالطبع، لن يأتي هذا النصر من دون ثمن؛ فنحن دفعنا بالفعل ثمناً باهظاً، وما زلنا ندفعه، ونحن نفقد أحباءنا ونواصل فقدانهم. ولذلك فإن مساعدة شفيع روسيا المقدسة في السماء، الأمير الأكبر دميتري دونسكوي، المنتصر في معركة كوليكوفو المصيرية، أصبحت اليوم ضرورة لا غنى عنها. علينا أن نتلقى هذا العهد الآتي من السماء إلى روسيا المقدسة بإمتنان عميق.
المذيع: لدينا سؤال من أحد المستمعين حول هذا الموضوع، وسأقتبسه الآن: «هل تعتقد أننا سنعيش حتى نرى اللحظة التي تقدم فيها الشياطين ــ والمقصود هنا السلطات الأوكرانية ــ على إعلان قداسة رفات من يسمونهم أبطالاً من البانثيون الجديد للمتعاونين مع النازية؟»
ألكسندر دوغين: يكاد هذا الأمر يحدث بالفعل. إنهم يمجدون بانديرا، ويعيدون دفن الجلادين والقتلة والساديين والمغتصبين؛ أناساً يرفعونهم إلى مرتبة الأبطال، ويمارسون، في واقع الأمر، نوعاً من العبادة تجاههم. وعندما نقول إن أوكرانيا تحولت إلى مجتمع شيطاني، فهذه لم تعد إستعارة، ولا مبالغة، ولا مجرد قالب دعائي. ففي أرضنا الروسية، في جزئها الأوكراني، يحدث شيء رهيب، يجعل المرء يستحضر النبوءات المظلمة لغوغول، وأشد الحكايات الجهنمية رعباً. وأعتقد أن الأمر قد يصل بالفعل إلى حد إعلانهم قديسين بصورة رسمية. فالناس يُجبرون اليوم على تبجيل رفات هؤلاء المجرمين، وهذا يمثل تشويهاً حقيقياً لكل التقاليد الكنسية، بل إنه أشبه بـ«رفات شيطانية» حقيقية. إن الجسد القذر المظلم للقتلة والمهووسين، الذي تحلل حتى النهاية، يُستخدم ــ بحسب هذا التصور ــ لفتح أبواب الجحيم وإستمداد القوة منها. إن قتل رهبان سفياتوغورسك، وكل ما يفعلونه... ومقتل الأطفال الصغار في روضة الأطفال في كراسنودار... كل ذلك حلقات في سلسلة واحدة، وعناصر من قداس شيطاني لا ينتهي، من «الفصح الدموي» المزعوم الذي يُحتفل به بلا نهاية في أوكرانيا. وهنا، علينا جميعاً أن نتعامل مع ما يحدث بمنتهى الجدية. إن وعي الإنسان العلماني، والملحد أو المتشكك، يخضع اليوم لإختبار هائل. فعلى مدى قرون من عصر التنوير، ظلت الثقافة تحت ضغط شديد من أفكار تقول إنه لا وجود لأي شيء متعالٍ، وإن الإلحاد هو الحقيقة العلمية الوحيدة، وإن الله مجرد أسطورة، وإن جميع الأسرار الكنسية والمعجزات والرفات ليست سوى خداع و«أفيون للشعوب». لكن عندما نواجه باقة كاملة من المعجزات ــ سواء تلك التي تُقدَّم بوصفها معجزات سماوية حقيقية، أو ما يُقدَّم بوصفه معجزات سوداء للشيطان ــ وعندما تصطدم هذه المعجزات وجهاً لوجه، يجد الإنسان العلماني نفسه أمام مأزق بالغ الصعوبة. فيضطر إلى تشغيل آلية الشك لديه، مردداً: «كل هذا مزيف، هذا مستحيل». والنتيجة أن فهمه للواقع ينكمش، ويصبح عاجزاً تماماً عن إستيعابه. وإذا إستبعدنا التاريخ المقدس، ومنطق الفكر والفلسفة الروسية، وتجاهلنا عمق تعاليم كنيستنا الأرثوذكسية الروسية بشأن معنى التاريخ ورسالة الشعب الروسي، وإذا رفضنا حتى الرؤية المسيحية لنهاية التاريخ كما يعبّر عنها «سفر الرؤيا» في العهد الجديد، وإعتبرنا كل ذلك مجرد هراء وخرافات، فإن ما يجري اليوم في أوكرانيا، وفي سياستنا، وفي عالم التكنولوجيا، وفي الشرق الأوسط، وفي الحرب التي نخوضها نحن، يصبح أمراً يستحيل تفسيره. فمن المنظور المادي، تبدو كل هذه الأحداث غير عقلانية؛ إذ إن التصرف «العقلاني» كان يقتضي ببساطة الإنشغال بشؤون الحياة اليومية، والمضي قدماً نحو التقدم التقني، وعدم الإلتفات إلى أي شيء آخر. لكن الخلفية الدينية لما يجري، والنبرة الأخروية التي تطبع لحظتنا التاريخية، لا يمكن التخلص منهما أو تجاهلهما. فالإنسان التعيس المحروم من الثقافة الدينية يصبح اليوم الفريسة الأسهل لهذه القوى المظلمة. ولهذا تحديداً تكتسب إشارات رئيسنا، وبطريركنا، وقادة الرأي العام، والشخصيات الروحية والثقافية، الذين يتوجهون علناً إلى الله، أهمية بالغة. لم يعد الأمر شعاراً ولا إستعارة؛ بل هو دعوة مباشرة إلى الذهاب إلى الكنيسة، والعودة إلى الكتاب المقدس والتقاليد، والتفكير في خلاص النفس. لأن ما هو مطروح اليوم ليس أمراً هامشياً، وإنما روح كل واحد منا، والمصير ذاته لروسيا المقدسة.
المذيع: تحدثنا كثيراً في النصف الأول من الحلقة عن الشيطانية. وقد ذكرتَ أنها تيار محظور، ومن المهم أن نضيف هنا أنها مدرجة أيضاً على قائمة التيارات المتطرفة ــ ونحن، بطبيعة الحال، ملتزمون بالقانون. وفي ختام هذا الموضوع الواسع المرتبط بالكنيسة والرفات، إلى أي مدى تستطيع الدول الغربية، عموماً، أن تتقبل وتفهم الطريقة التي ننظر بها إلى مستقبل وجودنا، إنطلاقًا من مثل هذه الرؤية للعالم؟ هل سيتسع الصراع بين أيديولوجيتنا وموقفهم أم يتراجع؟ أم أننا سنصل في نهاية المطاف إلى نوع من التوافق؟
ألكسندر دوغين: للأسف الشديد، لن يفعل هذا الصراع سوى أن يتصاعد. فقد نشرت مجلة «سبيكتاتور» مؤخراً مقالاً مثيراً للإهتمام للكاتب الألماني دويفنر، أوضح فيه بصورة جلية أن الغرب هو فكرة. إنها فكرة لا تتوافق إطلاقاً مع وجود روسيا مستقلة، ولا الصين المستقلة، ولا إيران المستقلة. الغرب ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو أيديولوجيا صارمة معادية للمسيحية، ومعادية للتقاليد، وذات نزعة هيمنية، لا تسمح بوجود أي مراكز أخرى ذات سيادة للقوة خارج حدودها. وهنا يُقال الأمر بمنتهى الصراحة: إما نحن أو هم، ومعنا بقية العالم الذي يصنفونه ضمن أعدائهم؛ الأرثوذكس، والصينيون، والمسلمون، وكل من يحمل رؤية مختلفة للحياة. إنها حرب من أجل البقاء بين حضارتنا والحضارة الغربية. وأريد أن أؤكد أمراً مهماً: نحن لا نتحدث هنا عن خلافات تكتيكية أو إستراتيجية أو إقتصادية بسيطة، وهي خلافات يمكن أن تنشأ بين أي دولتين. نحن اليوم في مواجهة جذرية ومطلقة وميتافيزيقية ومسيحانية مع الغرب، لأن الغرب يمثل فكرة زائفة وضارة وخطيرة ومفروضة علينا. وإذا أردنا الحفاظ على سيادتنا والإنتصار، فعلينا أن نرسم هذا الخط بوضوح بالغ. نحن مستعدون للحوار مع الغرب، ولكن وفق شروطنا نحن؛ أي على أساس الإعتراف بسيادتنا الروحية والفكرية والسياسية والإقتصادية. لكن الغرب الجماعي يرفض علينا تحديداً هذا الأمر. لذلك علينا أن نجمع قوانا، وأن ندرك ما ينتظرنا في المستقبل؛ فربما نكون مقبلين على أعظم إنتصار في تاريخنا الروسي، ومن المؤكد أن الطريق السهل لن يكون متاحاً. لقد إنجذبنا إلى الغرب طويلاً جداً؛ ليس خلال العقود الأخيرة فحسب، بل على إمتداد قرون. أما اليوم، فقد تحول الغرب إلى التجسيد النهائي لذلك الشر المطلق، وأوكرانيا ليست سوى أحد أذرعه.
المذيع: تحدثنا كثيراً في النصف الأول من الحلقة عن الشيطانية. وقد ذكرتَ أنها تيار محظور، ومن المهم أن نضيف هنا أنها مدرجة أيضاً على قائمة التيارات المتطرفة ــ ونحن، بطبيعة الحال، ملتزمون بالقانون. وفي ختام هذا الموضوع الواسع المرتبط بالكنيسة والرفات، إلى أي مدى تستطيع الدول الغربية، عموماً، أن تتقبل وتفهم الطريقة التي ننظر بها إلى مستقبل وجودنا، إنطلاقًا من مثل هذه الرؤية للعالم؟ هل سيتسع الصراع بين أيديولوجيتنا وموقفهم أم يتراجع؟ أم أننا سنصل في نهاية المطاف إلى نوع من التوافق؟
ألكسندر دوغين: للأسف الشديد، لن يفعل هذا الصراع سوى أن يتصاعد. فقد نشرت مجلة «سبيكتاتور» مؤخراً مقالاً مثيراً للإهتمام للكاتب الألماني دويفنر، أوضح فيه بصورة جلية أن الغرب هو فكرة. إنها فكرة لا تتوافق إطلاقاً مع وجود روسيا مستقلة، ولا الصين المستقلة، ولا إيران المستقلة. الغرب ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو أيديولوجيا صارمة معادية للمسيحية، ومعادية للتقاليد، وذات نزعة هيمنية، لا تسمح بوجود أي مراكز أخرى ذات سيادة للقوة خارج حدودها. وهنا يُقال الأمر بمنتهى الصراحة: إما نحن أو هم، ومعنا بقية العالم الذي يصنفونه ضمن أعدائهم؛ الأرثوذكس، والصينيون، والمسلمون، وكل من يحمل رؤية مختلفة للحياة. إنها حرب من أجل البقاء بين حضارتنا والحضارة الغربية. وأريد أن أؤكد أمراً مهماً: نحن لا نتحدث هنا عن خلافات تكتيكية أو إستراتيجية أو إقتصادية بسيطة، وهي خلافات يمكن أن تنشأ بين أي دولتين. نحن اليوم في مواجهة جذرية ومطلقة وميتافيزيقية ومسيحانية مع الغرب، لأن الغرب يمثل فكرة زائفة وضارة وخطيرة ومفروضة علينا. وإذا أردنا الحفاظ على سيادتنا والإنتصار، فعلينا أن نرسم هذا الخط بوضوح بالغ. نحن مستعدون للحوار مع الغرب، ولكن وفق شروطنا نحن؛ أي على أساس الإعتراف بسيادتنا الروحية والفكرية والسياسية والإقتصادية. لكن الغرب الجماعي يرفض علينا تحديداً هذا الأمر. لذلك علينا أن نجمع قوانا، وأن ندرك ما ينتظرنا في المستقبل؛ فربما نكون مقبلين على أعظم إنتصار في تاريخنا الروسي، ومن المؤكد أن الطريق السهل لن يكون متاحاً. لقد إنجذبنا إلى الغرب طويلاً جداً؛ ليس خلال العقود الأخيرة فحسب، بل على إمتداد قرون. أما اليوم، فقد تحول الغرب إلى التجسيد النهائي لذلك الشر المطلق، وأوكرانيا ليست سوى أحد أذرعه.
المذيع: في النصف الأول من حديثنا، تذكرنا إبنتكم داريا دوغينا، وتحدثنا عن مرور أربعة أعوام على رحيلها. كيف يتذكرها الناس اليوم؟ ففي إيطاليا، على سبيل المثال، كُشفت لوحة تذكارية تخليداً لذكراها. وهناك أناس لا يزالون يحملون لها مشاعر خاصة ويحافظون على ذكراها... ماذا يكتبون إليك؟ وكيف يتذكرونها، سواء هنا في بلادنا أم في الخارج؟
ألكسندر دوغين: إنه حقاً نوع غريب من المعجزات.
كانت داريا إنسانة إستثنائية، وكان أمامها مستقبل هائل ومشرق. كانت شديدة النشاط، بالغة الذكاء، ومسيحية أرثوذكسية مؤمنة بصدق وحرارة، ووطنية مخلصة. وعندما بدأ العالم كله يتجه نحو هذا المسار، قُتلت. لكن ربما تكون إمكاناتها التي لم تتح لها فرصة تحقيقها بالكامل، قد بدأت تتحقق الآن بطريقة أخرى. فكتبها تُطبع لدينا وفي أنحاء العالم، وقد تُرجمت إلى الإنجليزية والإسبانية والإيطالية. وصدرَت كتبها الخمسة جميعاً، كما تُكتشف نصوص جديدة لها بإستمرار. والناس يبحثون عن مقابلاتها، ويعيدون نشرها وتوزيعها. إن ذكراها لا تخبو ولا تتلاشى عاماً بعد عام، بل تنمو وتتسع، وتكتسب ألواناً ونبرات جديدة. قبل عام، في 20 أغسطس 2025، في زاخاروفو، بالقرب من متحف بوشكين، حيث أُقيم مهرجان «التقليد» الذي كانت قد شاركت فيه قبل أن يقتلها الإرهابيون الأوكرانيون بوحشية، كُشف عن نصب تذكاري رائع لها. يتغير النصب مع تغير الفصول، ويندمج بصورة مدهشة في الطبيعة الروسية، ويتفاعل مع الضوء والظلال. ويأتي الناس إليه حاملين الزهور. يأتي إليه تلاميذ الصفوف الأولى في بداية العام الدراسي، ويأتي إليه الطلاب بعد تخرجهم من الجامعات. وأصبح النصب بالنسبة إلى كثيرين مكاناً حياً يجذب الناس إليه. وفي هذا العام، في إيطاليا، وأنا ممتن للغاية لمسؤولي إحدى مناطق توسكانا، كُشفت لوحة تذكارية تخليداً لذكرى داريا. وفي مدينة فاريزي الإيطالية أُقيم مهرجان مدهش وعميق حمل اسم Daria Aletheia، أي «داريا ــ الحقيقة»، والإسم مأخوذ من اليونانية. قرأت إحدى الممثلات قصائدها وملاحمها الشعرية باللغة الإيطالية... كما قُدّمت كانتاتا أوبرالية من تأليف الموسيقار الإيطالي أنجيلو إنغليزيه. كما قرأت إحدى الممثلات، باللغة الإيطالية، عملاً من أعمال داريا بعد ترجمته، وهو مذكراتها «أعماق قلبي ومرتفعاته»، إضافة إلى ملاحظاتها عن رحلتها في إيطاليا. لقد أدهش الناس مدى رهافة وصفها للثقافة الإيطالية والطبيعة والرحلة بالقارب من روما إلى صقلية. كم من فتياتنا الجميلات، المثقفات، شديدات الملاحظة، يسافرن في أنحاء العالم، لكن رحلة داريا تحولت إلى رمز حقيقي. كانت تكتب عن أهم أعلام الثقافة الإيطالية، وتزور القصور، وكانت، على سبيل المثال، تعرف الأميرة الرائعة فيتوريا ألياتا دي فيلافْرانكا، صاحبة فيلا فالغوارنيرا الساحرة. لقد جالت داريا في هذه إيطاليا المقدسة، وتركت لنا عنها نصوصاً مدهشة. ولها كتاب بعنوان «نظرية أوروبا»، يحظى اليوم بشعبية كبيرة، وقد تُرجم إلى معظم اللغات الأوروبية. وفيه تقول: كنت أود أن أرى أوروبا أخرى؛ أوروبا التقاليد، أوروبا المقدسة، والروحانية، والمسيحية، والثقافة والفلسفة. أنا أحب هذه أوروبا، وأحلم بها، وأراها من خلال الرعب الذي يسود أوروبا المعاصرة. كانت داريا تقول: «هذه أوروبا تختفي... أنقذوا أوروبا الخاصة بي». وعندما قرأ الإيطاليون هذه النصوص ــ وكانت الممثلة تقرأ بالفعل مقتطفات من مذكراتها وكتابها «أعماق قلبي ومرتفعاته» بإحتراف شديد ــ بكى الناس ببساطة. لقد أصيب الحاضرون بالذهول أمام ذلك النداء العميق النافذ الموجه إلى الأوروبيين: «إستيقظوا! عودوا إلى ذواتكم! نحن الروس نخوض هذا الطريق الصعب، ونعود إلى جذورنا المقدسة؛ فإفعلوا أنتم الشيء نفسه». لقد هزتهم هذه الكلمات بعمقها المدهش، وبما حملته من نبرة نبوئية. واليوم، بدأت داريا تظهر لنا من زاوية لم نكن نحن، والديها، ولا حتى أصدقاءها، نعرفها بالكامل من قبل. فعندما تعيش إلى جانب شخص ما، غالباً ما تحجب التفاصيل اليومية الصغيرة الأشياء الأكثر أهمية. أما الآن، فقد بدأ ذلك الجوهر الأعمق يظهر إلى السطح. كثيرون يسمونها اليوم «داريا المفكرة». وفي نصبها التذكاري في زاخاروفو، تحمل داريا كتاباً بين يديها، والناس الذين يأتون إلى هناك يتساءلون: ما هذا الكتاب؟ هل هو أفلاطون؟ أم أنه عملها المستقبلي؟ فمعظم كتبها لم ننشرها إلا بعد وفاتها المأساوية، الشهيدة. إن الكتاب الذي تحمله بين يديها يبدو كأنه رمز لعمل لم يُكتب بعد، لكتاب لم يأتِ أوانه بعد. لقد تحولت داريا إلى رمز للمستقبل، ورمز للسيادة الروحية، وإلى علامة فارقة لشبابنا الروسي الحقيقي؛ الشباب المثقف، والروحي، والأرثوذكسي والوطني. لقد أصبحت بالنسبة إليهم بوصلة ومرشداً. نعم، لدينا كوكبة من المحاربين، ولدينا قديسون، ولدينا حكام وعباقرة، لكن داريا إحتلت مكانها الخاص في هذا الصف، وجسدت في شخصها ما تحدث عنه فيودور دوستويفسكي منذ القرن التاسع عشر. كان دوستويفسكي يتحدث عن الشبان الروس؛ عن أناس يمتلكون حساً أخلاقياً بالغ الحدة والنفاذ. قد لا يكونون بارعين أو ماهرين أو متقدمين أو ناجحين مثل شباب البلدان الأخرى، وقد يشعرون أحياناً بالخجل أو الإرتباك أمام الخطابات الصاخبة والمتعالية والمغرورة، لكنهم يمتلكون الشيء الأهم: عمق القلب الروسي ونقاءه، وذلك الحس الأخلاقي النافذ. لقد أصبحت داريا، بالنسبة إلى الأجيال الجديدة، تجسيداً لهذا النوع تحديداً من الشباب الروسي. ليس بالضرورة كما يبدو على السطح، بكل ما قد يعتريه من نقاط ضعف عابرة، وكسل، وفوضى، وطموحات، ونقائص قد ترسم أحياناً صورة مشوهة عنه. لكن في أعماق كل إنسان روسي، وفي أعماق كل فتاة روسية وكل شاب روسي، تتوهج شرارة روسية نقية. وفي لحظة معينة، تنكشف هذه الشرارة وتظهر إلى الوجود. لقد أصبحت داريا دعوة إلى تلك العوالم، ودليلاً يقود إلى فضاء النقاء والوفاء والروح. وهذا ما يشعر به الناس أيضاً هنا في روسيا؛ فذكراها تُصان بطريقة عفوية تماماً. إنها ليست دعاية رسمية، ولا مجرد قاسم مشترك مبتذل، بل تخاطب أعمق طبقات الروح الإنسانية.ة وكأن داريا توقظ في الناس الإيمان بالنصر، والوفاء، وتدعوهم إلى القول: قاتلوا، تمسكوا بمواقفكم، أحبوا، كوّنوا الأسر، وكونوا أوفياء لروسيا، وللكنيسة، ولرسالتنا، وسننتصر حتماً. كان يعيش فيها ذلك التفاؤل الذي نسميه ــ إستمراراً لأفكارها ونصوصها هي نفسها ــ «التفاؤل الأخروي». إنه اليقين بإنتصارنا حتى عندما يحيط بنا الظلام من كل جانب، وحتى لو كان الثمن معاناة وتضحيات لا تُحتمل. هذه هي وصية داريا دوغينا: آمنوا بالمستقبل، ولا تستسلموا أبداً، حتى عندما يصبح كل شيء صعباً ولا يُطاق؛ واصلوا الكفاح. والأشخاص الذين أحاطوا بها في بدايات العملية العسكرية الخاصة أصبحوا هم أيضاً شهداء؛ فلادلين تاتارسكي، الذي كانت تربطها به علاقة طيبة جداً، وبافيل كانيشيف، زعيم إتحاد الشباب الأوراسي، الذي قُتل أثناء تحرير قرية كونستانتينوبولسكويه، وهو أمر يحمل بدوره رمزية خاصة. وبالنسبة إلى هذا العالم الروحي للشباب الروسي، الذين تعاملوا مع المعركة الأخيرة في التاريخ المقدس بإعتبارها قضية شخصية تخصهم، أصبحت داريا رمزاً مطلقاً ومصدراً للنور. وقد أنجز الفنان الرائع دميتري سيفير جدارية جميلة مكرسة لها، تتشابك فيها الأشكال من حروف الكلمات، وكتب عليها عبارة: «نحن بحاجة إلى ثورة الروح». كانت داريا تجسد هذه الثورة الروحية وهذا الإستيقاظ. وربما لم تكن هي نفسها، وهي على قيد الحياة، تدرك حتى النهاية حجم رسالتها المستقبلية، لكن الجميع يراها الآن، ويحدث ذلك بصورة طبيعية تماماً. أنا ممتن بلا حدود للملايين من الناس في أنحاء العالم الذين يتذكرون داريا ويحفظون ذكراها. إن عدد الرسائل وكلمات الدعم التي تصلني هائل، وهذه التعازي لا تنقطع. بالنسبة إليّ، ظلت هذه السنوات الأربع، كل يوم فيها، هي العشرين من أغسطس نفسه. وسيظل الأمر كذلك في المستقبل؛ فهذا شيء لا يمكن التغلب عليه. لكن الناس يشعرون بذلك، ويرسلون آلاف الرسائل من مختلف أنحاء العالم، وداريا تعيش حقاً. في حياتها، كان الناس يعرفونها ويعاملونها بإحترام وإعجاب كبيرين. وكانوا يقولون لها كثيراً: «أنت مثل والدك تماماً، لكنك أفضل». وكان هذا يسعدني كثيراً، كما كان يسعد داريا نفسها؛ فقد كانت تشعر بأنها تواصل وتطوّر ما لم نتمكن نحن من إنجازه. أما الآن، فهي تؤدي هذه المهمة على مستوى مختلف تماماً. لقد أصبحت أعلى وأنقى منا جميعاً بأضعاف، لكنها تواصل ما كرسنا له حياتنا، وتنوّر وتحول ما وهبناه نحن ــ والديها والمقربين منها ــ حياتنا من أجله. إنها لم ترحل، ولم تغادر صفوفنا؛ بل إنها، بالمعنى الروحي، تقدمت صفوفنا.
المذيع: وبالحديث تحديداً عن التفاؤل الأخروي الذي كانت داريا تتحدث عنه... إن حلقتنا اليوم تقوم إلى حد كبير على التناقضات: فمن جهة، لدينا بيانات وزارة الدفاع الروسية، والضربات التي تستهدف الأهداف العسكرية والمخازن في منطقة ميناء أوديسا؛ ومن جهة أخرى، الهجوم على مركز للأطفال في كراسنودار، حيث قُتل، وفقاً لما أعلنه أمين المظالم لدينا، ثلاثة مراهقين. هل هناك أصلاً إدراك ــ نحن لدينا هذا الإدراك، لكن هل هو موجود لدى أولئك في أوكرانيا الذين يصدرون هذه الأوامر، ولدى الذين يمولون كل ذلك بالمال ــ بأن ما يحدث، بلغة مخففة، أمر خاطئ؟ أم أن الأمر ليس مجرد «خطأ إلى حد ما»، بل فظيع بكل معنى الكلمة؟
ألكسندر دوغين: إن التفاحة لا تسقط بعيداً عن الشجرة.
فنحن نرى جيداً من يقف وراء النظام الأوكراني ومن يدعمه. ونحن نتذكر الضربات التي إستهدفت المدارس التي تضم أطفالاً، والتي نفذها الأمريكيون والإسرائيليون في بداية الحرب مع إيران، كما نتذكر آلاف الأطفال الذين قتلوا في غزة تحت وطأة قصف بالغ الوحشية والقسوة وإنعدام الإنسانية. فهل ننتظر منهم أي قدر من الضمير؟ بعد كل ذلك السيل من الأكاذيب، وبعد عمليات قتل الأطفال الجماعية التي يرتكبها الغرب ووكلاؤه في مناطق مختلفة من العالم، لا شيء يدعو إلى الدهشة. لن نستطيع محاسبتهم ما لم نهزمهم. وسيظلون دائماً يجيبوننا بإزدواجية المعايير وبالسخرية، قائلين: «أنتم الروس تتحملون المسؤولية عن كل شيء، أنتم من بدأ كل شيء». إن إنتظار التوبة أو الإعتذار أو تغيير موقفهم أمر عبثي تماماً. إنهم يريدون تدميرنا بالكامل، جميعاً من دون إستثناء، ومعنا أطفالنا. ولهذا حان الوقت لكي ندرك أن هذه الحرب تُخاض حرب حياة أو موت. فالأمر لا يتعلق بتحسين جزئي للمواقع الجيوسياسية، ولا بالحدود، ولا بالسيطرة على مناطق معينة. المطروح على المحك هو وجود روسيا نفسها أو زوالها. ونحن ندفع ثمناً باهظاً ومروعاً لقاء ذلك؛ فموت الأطفال يمثل أقصى حدود الألم، ويثبت إلى أي مدى بلغ ما يحدث من خطورة تتجاوز كل الحدود. إن العالم لا يصغي إلا إلى المنتصرين. هناك قاعدة صارمة تقول: «المنتصرون لا يُحاكمون، أما المهزومون فيُحاكمون دائماً، لأنهم يُفترض أنهم كانوا مخطئين دائماً». وإذا لم ننتصر، فسوف يقدّمون لنا فاتورة عن تضحياتنا ومعاناتنا نحن. لذلك ينبغي تأجيل الحديث عن التوبة أو الإعتذار إلى ما بعد النصر. علينا أن نركز بالكامل على الأمر الأساسي: توجيه الضربات إلى المنشآت الحيوية والبنى التحتية ذات الأهمية الإستراتيجية لدى الخصم، وتحرير كامل أراضي أوكرانيا. لا يمكن أن نترك هذا الورم السرطاني؛ وإلا فإنه سيواصل الإنتشار. علينا أن نخلص جسدنا الروسي من هذا الظاهرة شديدة السمية، أي النازية الأوكرانية، ومن الغرب الذي يدعمها. أما الوصول إلى الغرب نفسه، فقد لا نتمكن من ذلك بصورة مباشرة ــ رغم أن هذه الحرب قد تتحول إلى حرب عالمية، ونحن سبق أن أنهينا حروباً عالمية في عواصم القوى الأوروبية المهزومة، وإن كان من الأفضل بالطبع ألا يصل الأمر إلى ذلك. لكن علينا أن نحرر أوكرانيا بأكملها. إنها مسألة «أن تكون روسيا أو لا تكون». وبعد النصر، سيُحاسب كل إنسان على أفعاله وفقاً للعدالة.
المذيع: كيف يستطيع الأشخاص الذين واجهوا بأنفسهم ــ لا سمح الله ــ موت أقاربهم أو إصابتهم، أو فقدان ممتلكاتهم أو أعمالهم، أن يحافظوا في مثل هذه الظروف على ذلك التفاؤل الذي كانت تتحدث عنه داريا؟
ألكسندر دوغين: أرأيت كيف يمكن أن يكون ثمن التفاؤل؟
ثمن الموقف الثابت، الروحي، الأخلاقي والوطني. إن ثمن آرائنا وأفكارنا ومعتقداتنا، وللأسف الشديد، هو الموت. الموت يأتي إلى الجميع: إلى من خاطر، وإلى من حاول الإختباء، وإلى من خسر الكثير، وإلى من كان، على العكس، لا يزال يحقق المكاسب. وربما تكمن هنا أعظم أشكال العدالة. إن الشيء الذي يخيفنا ويرعبنا ونكرهه، قد يكون، في الحقيقة، أهم حدث وأعمقه في حياتنا. فإذا كان هذا الموت موتاً كريماً، وإذا كنا ندفع حياتنا ثمناً لما آمنا به، ولما أحببناه ودافعنا عنه... فكما يقول المثل الروسي: «في سبيل الجماعة، حتى الموت يصبح جميلاً»؛ عندها يتحول الموت إلى موت جميل. ويصبح إرتقاءً إستشهادياً، وإنتصاراً حقيقياً. أما إذا ظل الإنسان طوال حياته مختبئاً، يفر من هنا إلى هناك، منشغلاً فقط بصغائر شؤون الحياة اليومية، فإن الموت سيلاحقه عاجلاً أم آجلاً. وسينظر إليه ويسأله: «ماذا كنت تفعل طوال حياتك؟ كنت تنتقل من شيء إلى آخر، تبحث عن المكان الأكثر راحة والأكثر ملاءمة؟ يا لك من مخلوق تافه!» وعندها ستنغلق صفحتك، ولن يبقى منك شيء. ولأن الموت سيأتي إلى كل إنسان، فإن أسمى الفضائل هي أن نتذكره، وأن نحمل في وعينا ذكرى الموت.
وأعتقد أن على الإنسان أن يتذكر ذلك، وأن يعيش ما مُنح له من وجود على هذه الأرض بكرامة، وبصدق، وبالصورة التي تليق بالإنسان الروسي الأرثوذكسي.
*****
هوامش
1) ميدان كوليكوفو موقع معركة كوليكوفو الشهيرة عام 1380، حيث هزم جيش الأمير الروسي دميتري دونسكوي قوات القبيلة الذهبية بقيادة ماماي. وتُعد المعركة في الذاكرة التاريخية الروسية رمزاً لبداية تحرر الأراضي الروسية من الهيمنة المغولية وصعود موسكو.
2) دميتري دونسكوي (1350–1389) كان أمير موسكو الأكبر، وأحد أبرز حكام روسيا في العصور الوسطى. اشتهر بانتصاره على قوات القبيلة الذهبية في معركة كوليكوفو عام 1380، التي أصبحت رمزاً في التاريخ الروسي لمقاومة التتار وصعود موسكو.
3) القديس سبيريدون التريميثوسي (نحو 270–348م) أسقف تريميثوس في قبرص، ومن أبرز قديسي الكنيسة الأرثوذكسية، شارك في مجمع نيقية الأول عام 325م. اشتهر في التقليد الأرثوذكسي ببساطته وتقواه ونسبت إليه معجزات كثيرة، ولا تزال رفاته محفوظة في جزيرة كورفو باليونان وتحظى بتكريم واسع. بحسب الرواية التي يتحدث عنها النص، نُقلت رفات القديس سبيريدون التريميثوسي إلى موسكو في إطار زيارة دينية استثنائية، لإتاحة الفرصة للمؤمنين الروس للتبرك بها، باعتبار أن للقديس مكانة كبيرة في التقليد الأرثوذكسي الروسي.
والأدق أن نقول إنها لم تُنقل بصورة دائمة إلى موسكو؛ بل جرى إحضارها مؤقتاً في إطار جولة دينية، وكانت تُعرض في مدن روسية مختلفة ليتبرك بها المؤمنون.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6
...
-
بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4
...
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
-
فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
-
الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي
...
-
روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
-
ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب
...
المزيد.....
-
شادي جميل يعتذر للسوريين بسبب غنائه لبشار الأسد
-
إيران: إعادة فتح مضيق هرمز مرهونة بشروط رغم التفاهمات مع سلط
...
-
قادة عسكريون أمريكيون يحذرون: العمليات ضد إيران تستنزف جاهزي
...
-
الكويت تسمح بتعيين غير الكويتيين المسحوبة جنسيتهم كضباط صف ف
...
-
في اليوم العالمي للاختفاء القسري: من يساعد عائلات الضحايا عل
...
-
مصر تحظى بإجماع دولي على استضافتها فعالية أممية كبرى في 2028
...
-
-هدية حب وأمل-.. مادورو يرسل صورا من سجنه إلى أحفاده
-
المشير حفتر يرحب باتفاق 4+4 ويؤكد دعمه لإنهاء الانقسام وإجرا
...
-
سوريا.. توغل إسرائيلي جديد في محافظة درعا وسط تحليق للمروحيا
...
-
-التعاون الرقمي- توسّع عضويتها إلى 24 دولة بانضمام لبنان وسو
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|