|
|
ألكسندر دوغين - بين السيادة والإكتفاء الذاتي
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 15:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
31 آب أغسطس 2026
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
لماذا يرى دوغين أن روسيا لا تستطيع تحدّي الغرب والإستمرار في الإندماج في شبكاته؟
يطرح ألكسندر دوغين، في نص قصير لكنه شديد الكثافة، واحدة من أكثر الأفكار وضوحاً في رؤيته الإستراتيجية الراهنة: لا يمكن لروسيا أن تتحدى الغرب الجماعي، وأن تطالب في الوقت نفسه بالحفاظ على موقعها داخل الشبكات الإقتصادية والسياسية والتكنولوجية التي أنشأها الغرب. ومن وجهة نظره، فإن التناقض بين الأمرين هو أحد الجذور العميقة للأخطاء الإستراتيجية الروسية، بل إن كثيراً من مشكلات روسيا الحالية، بما فيها مشكلات «العملية العسكرية الخاصة»، تعود في رأيه إلى عدم حسم هذا التناقض. ينطلق دوغين من تشخيص يعتبره «دقيقاً ومحدداً» لطبيعة الأخطاء الإستراتيجية الروسية: الخوف من مفهوم الإكتفاء الذاتي، أو الأوتاركية (Autarky). لكنه لا يستخدم المصطلح بمعناه الإقتصادي الضيق فقط، بل يقدمه بإعتباره أقصى درجات السيادة السياسية والإستراتيجية. ولذلك يقول إن «الأوتاركية» ليست، في جوهرها، سوى «سيادة جرى التفكير فيها حتى أقصى حدودها المنطقية». وهنا تبدأ أطروحته الأساسية.
1. الإندماج بوصفه شكلاً من أشكال الهيمنة
يرى دوغين أن المشكلة لا تكمن فقط في العقوبات أو قطع العلاقات أو الضغوط الغربية الراهنة، وإنما في طبيعة النظام العالمي الذي سبق هذه المواجهة. فالغرب، في تصوره، لا يفرض هيمنته بالقوة المباشرة وحدها؛ بل يبني شبكات عالمية إقتصادية وتكنولوجية ومالية ومؤسساتية، ثم يُدخل الدول الأخرى فيها. وما يجعل هذه العملية فعالة، في رأيه، أنها لا تبدو في البداية قسرية. بل على العكس: إنها مريحة. الدولة التي تدخل الشبكة تحصل على الأسواق والتكنولوجيا والإستثمارات وقواعد التجارة والمؤسسات الدولية، وتجد نفسها تعمل داخل منظومة تبدو مستقرة وقابلة للتنبؤ. ولهذا يصف دوغين عملية الإندماج بأنها شيء «مريح وملائم»، يسمح للمرء بألا «يبذل جهداً كبيراً»، لأن «كل شيء يبدو سهلاً ومفهوماً، وكل شيء يعمل، وكل شيء متناسق». وهنا يستدعي دوغين أنطونيو غرامشي ومفهوم الهيمنة. فالمقصود، في القراءة الدوغينية، ليس أن الهيمنة تعني الإكراه المستمر، وإنما أن النظام المهيمن يستطيع أن يجعل الخضوع له يبدو طبيعياً ومفيداً وحتى مرغوباً. ولذلك فإن القوة لا تظهر دائماً في صورة أوامر مباشرة؛ يكفي أن يصبح الخروج من المنظومة أكثر كلفة من البقاء فيها. وبهذا المعنى، فإن «الشبكة» نفسها تصبح أداة قوة.
2. اللحظة التي يتحول فيها الإندماج إلى قيد
لكن دوغين ينتقل من هنا إلى نقطة أكثر حدة. ما دام البلد يتحرك ضمن قواعد الشبكة، فإن العلاقة تبدو مريحة. أما عندما يحاول أن يتخذ قراراً مستقلاً يتعارض مع مصالح القوة المهيمنة، فإن طبيعة العلاقة تتغير. يقول دوغين إن الدولة المخالفة سوف تُواجَه أولاً بمحاولة «تصحيح» سلوكها، ثم «ردعها»، ثم «معاقبتها وإجبارها». ومن هنا يصوغ معادلته الأكثر إختصاراً: «إما الإندماج في الشبكات، يا صديقي، أو الحرية.» هذه العبارة هي مفتاح النص كله. فدوغين لا يرى أن هناك مساحة واسعة بين الخيارين؛ أي إنه لا يتصور بسهولة نموذجاً تستطيع فيه روسيا أن تكون جزءاً من المنظومة الإقتصادية والتكنولوجية الغربية، وفي الوقت نفسه تتمتع بسيادة إستراتيجية كاملة في القضايا التي يعتبرها الغرب أساسية. وبالتالي فإن المشكلة، في رأيه، ليست في سوء إدارة العلاقة مع الغرب فقط، وإنما في الإفتراض الخاطئ بإمكان الجمع بين الإندماج والسيادة المطلقة.
3. نقد المرحلة الروسية منذ يلتسين
ينقل دوغين هذا التحليل من المستوى النظري إلى التاريخ السياسي الروسي الحديث. وهو يقسم المسار، بصورة ضمنية، إلى مرحلتين. في المرحلة الأولى، بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، يرى أن السلطة الروسية كانت مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة مقابل القبول بها داخل المنظومة الغربية. ويختصر ذلك بعبارة شديدة الدلالة: «كانت سلطتنا في البداية مستعدة للموافقة على كل شيء، فقط لكي يسمحوا لنا بالدخول.» ثم يربط هذه المرحلة بما يسميه «العائلة» ومركز يلتسين، في إشارة إلى النخبة السياسية والإقتصادية التي إرتبطت بمرحلة بوريس يلتسين وبعملية التحول الليبرالي في روسيا خلال التسعينيات. أما المرحلة التالية، المرتبطة ببوتين، فقد شهدت، وفق قراءة دوغين، إنتقالاً من طلب القبول إلى المطالبة بالسيادة. لكن المشكلة، في نظره، أن موسكو حاولت تحقيق هذه السيادة من داخل الشبكات القائمة نفسها. وهنا تحديداً يرى دوغين الخطأ الإستراتيجي الأكبر: «طالبت بالسيادة داخل هذه الشبكات.» وبالنسبة إليه، هذه الصيغة غير قابلة للإستمرار.
4. «إما هذا أو ذاك»
يكرر دوغين في النص فكرة «إما... أو» بصورة متعمدة. إما الإندماج في الشبكات العالمية، وإما الإكتفاء الذاتي. إما القبول بقواعد النظام الذي تهيمن عليه القوى الغربية، وإما بناء منظومة مستقلة قادرة على الإستمرار خارج تلك الشبكات. ومن هنا يصل إلى إستنتاجه الأكثر إثارة للجدل: «لا يمكن تحدّي العولمة والغرب الجماعي والإستمرار في التعويل على الإندماج.» وبالتالي فإن البديل، في رأيه، ليس مجرد تنويع الشركاء أو تقليل الإعتماد على الغرب، بل الأوتاركية أي الإكتفاء الذاتي. ويضيف دوغين تعبيراً لافتاً حين يساويها، بصورة ساخرة أو إستفزازية، بـ«جوتشيه». وهذه المقارنة مهمة لأنها تكشف حجم التحول الذي يدعو إليه. فالمقصود ليس مجرد سياسة حماية صناعية، ولا مجرد إحلال الواردات، وإنما تصور لنظام يستطيع أن يعيش، إلى حد كبير، إعتمادًا على موارده الداخلية ومجاله الجغرافي والحضاري الخاص.
5. من «روسيا المنعزلة» إلى «إكتفاء ذاتي للمجالات الكبرى»
غير أن قراءة دوغين لا تتوقف عند فكرة الدولة المغلقة. وهذه نقطة أساسية ينبغي عدم إغفالها. فهو يتحدث عن «الأوتاركية للمجالات الكبرى». أي أن الوحدة القادرة على تحقيق الإستقلال، في تصوره، ليست بالضرورة الدولة القومية الصغيرة أو المتوسطة، وإنما الفضاء الجغرافي والحضاري الكبير القادر على جمع الموارد والطاقة والمواد الأولية والسكان والأسواق والقدرات العسكرية والتكنولوجية. وهذه الفكرة منسجمة مع البناء الأوسع في الجيوبوليتيكا الدوغينية، حيث ينظر إلى العالم بوصفه مؤلفاً من «مجالات كبرى» أو كتل حضارية وجيوسياسية، لا من دول متساوية ومنفصلة تماماً. كما أن طرحه الإقتصادي المنشور في موقعه يربط صراحة بين «أوتاركية المجالات الكبرى» وبين ضرورة تحقيق قدر من الإكتفاء الإقتصادي داخل المجال الأوراسي. وبذلك تصبح الأوتاركية عند دوغين مشروعاً جيوسياسياً، لا مجرد سياسة إقتصادية.
6. ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى «العملية العسكرية الخاصة»؟
هنا ينتقل النص من التنظير إلى تفسير الحرب. يرى دوغين أن جزءاً من المشكلات المرتبطة بـ«العملية العسكرية الخاصة» ناتج عن عدم إستعداد الكرملين للذهاب منذ البداية إلى منطق الأوتاركية. أي أن روسيا، وفق هذا التفسير، أرادت أن تتحدى الغرب، لكنها لم تكن مستعدة تماماً للتخلي عن الروابط التي كانت تربطها بالنظام الغربي. وهذا التناقض، في نظره، جعل موسكو تتحرك بصورة متأخرة، فتتخذ إجراءات الإستقلال بعد أن أصبحت مضطرة إليها، لا قبل أن تصبح ضرورية. ومن اللافت أن هذا الإستنتاج يتقاطع مع تصريحات أخرى حديثة لدوغين، يرى فيها أن روسيا دخلت تدريجياً في مواجهة مع «الغرب الجماعي»، وأنها كانت في البداية تتصور إمكانية تحقيق أهدافها داخل النظام العالمي القائم من دون قطع كامل مع الغرب. وبذلك فإن نصه الأخير ليس فكرة منفصلة، وإنما جزء من إعادة تفسير أوسع لمسار الحرب.
7. «نورد ستريم» بوصفه رمزاً
يستشهد دوغين بخطوط أنابيب «نورد ستريم» بوصفها مثالاً على الثمن الذي تدفعه روسيا عندما تعتمد على بنية تحتية وروابط إستراتيجية تقع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضمن منظومة يمكن للخصم التأثير فيها. يقول إن روسيا تشعر بالألم عندما «يتم فصلها» عن الشبكات، بدءاً من «نورد ستريم» وما تلاه. لكن الجملة التالية أكثر أهمية: «وما كان ينبغي لنا أن نشعر به.» أي أن المشكلة، في نظره، ليست في عملية الفصل نفسها، وإنما في أن روسيا لم تكن مستعدة نفسياً وإستراتيجياً لحدوثها. لو كانت قد بنت منظومتها المستقلة مسبقاً، لما أصبح الإنفصال صدمة. وهنا تظهر الفكرة المركزية للنص بأوضح صورة: الأوتاركية ليست بالنسبة إلى دوغين رد فعل على العقوبات؛ بل وسيلة لمنع العقوبات من التحول إلى أداة إبتزاز إستراتيجية أصلاً.
8. المشكلة الأكبر: التأخر
لكن دوغين لا يقدم رؤيته بإعتبارها خطة ستنفذ بسلاسة. بل على العكس، نبرة النص تشاؤمية للغاية. يقول: «نحن جميعاً ــ نعم، جميعنا بلا إستثناء ــ نفعل كل شيء، ويبدو أننا سنواصل فعل كل شيء، بعد فوات الأوان.» ومن وجهة نظره، فإن روسيا ستصل في النهاية إلى الأوتاركية، ولكن بعد تأخر «هائل» و«أحمق إلى حد كبير». وهذا التأخر ليس مجرد خطأ إداري؛ إنه، في تحليله، خطأ إستراتيجي ناتج عن عدم الرغبة في مواجهة الحقيقة الأساسية التي يراها: إذا كان الصراع مع الغرب قد أصبح بنيوياً، فلا يمكن الإستمرار في بناء الأمن القومي على شبكات الخصم نفسه.
9. النقطة الأكثر إثارة للجدل: «والقمع أيضاً»
في نهاية النص يضيف دوغين عبارة قصيرة لكنها شديدة الأهمية: «وإلى القمع أيضاً. وكيف يمكن أن يكون الأمر من دونه؟» وهذه الجملة لا ينبغي تجاوزها، لأنها تكشف أن مفهوم الأوتاركية عنده ليس إقتصادياً فقط. فإذا كانت الدولة ستنتقل من الإندماج في منظومة عالمية إلى منظومة إكتفاء ذاتي، فإن ذلك ــ في تصوره ــ سيحتاج إلى إعادة تنظيم داخلية عميقة. وقد يعني ذلك، في منطقه، تشديد السيطرة السياسية والإجتماعية، وتحمل تكاليف التعبئة، وربما تضييق المجال أمام القوى أو المصالح التي يُنظر إليها بوصفها مرتبطة بالنظام السابق. ولا يقدم دوغين هنا تفصيلاً مؤسسياً لكيفية حدوث ذلك، لكنه يضع «القمع» إلى جانب الأوتاركية بإعتباره نتيجة يتوقعها أو يعتبرها شبه ملازمة لها. وهذه النقطة بالذات تجعل مشروعه يتجاوز بكثير مفهوم «الإستقلال الإقتصادي».
10. هل الأوتاركية عند دوغين تعني الإنغلاق الكامل؟
ليس بالضرورة. فالمصطلح في هذا السياق يحتاج إلى قدر من الدقة. دوغين لا يقول إن روسيا يجب أن تتوقف عن التجارة مع العالم أو أن تعيش في عزلة مطلقة. بل إن مفهومه عن «المجالات الكبرى» يفترض وجود فضاء واسع يمكن أن يكون له تفاعل خارجي، لكن على أساس الإستقلال الإستراتيجي وعدم الإرتهان. وهنا يمكن التمييز بين مفهومين: العزلة تعني تقليل العلاقات الخارجية. أما الأوتاركية الدوغينية فتشير إلى القدرة على الإستمرار حتى لو جرى قطع العلاقات الأساسية. وهذا فارق مهم. فالدولة المكتفية ذاتياً، في هذا التصور، تستطيع أن تتاجر وتتعاون، لكنها لا تجعل بقاءها الإقتصادي والتكنولوجي والسياسي مشروطاً بإستمرار تلك العلاقات.
11. التساؤل الذي يثيره المشروع
من الناحية التحليلية، تطرح رؤية دوغين سؤالاً صعباً: هل يمكن تحقيق إكتفاء ذاتي حقيقي في عالم شديد الترابط؟ حتى الإقتصادات الكبرى تحتاج إلى سلاسل توريد دولية، وتكنولوجيا متقدمة، وأسواق خارجية، ورؤوس أموال، ومكونات صناعية، ومعرفة علمية موزعة جغرافياً. لذلك فإن الإنتقال من «الإندماج» إلى «الأوتاركية» ليس قراراً سياسياً بسيطاً، بل عملية مكلفة للغاية.
12. مع ذلك، ما الذي يجعل أطروحة دوغين مهمة؟
وهنا فإن النص يطرح سؤالاً إستراتيجياً حقيقياً: إلى أي حد تستطيع دولة كبرى أن تتحدى النظام الذي تعتمد عليه في الوقت نفسه؟ وهذا السؤال يتجاوز روسيا. فالدول الكبرى التي تعتمد على الخارج في التكنولوجيا أو الطاقة أو التمويل أو الأسواق قد تكتشف، في ظروف الصراع الجيوسياسي، أن الإعتماد الإقتصادي يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية. ومن هذه الزاوية، فإن بعض عناصر أطروحة دوغين تتقاطع مع نقاش عالمي أوسع حول المرونة الإقتصادية، والأمن التكنولوجي، وسلاسل الإمداد، والسيادة الصناعية، والمواد الخام الإستراتيجية. لكن دوغين يذهب أبعد من ذلك بكثير: فهو لا يريد فقط تقليل نقاط الضعف، بل إعادة بناء النظام الروسي على أساس الاستقلال عن الغرب.
13. ما الذي يقوله النص عن بوتين والكرملين؟
يبرز تساؤل مشروع: هل يوجه دوغين سهامه نحو الغرب فقط؟ ولكن النقد الأكثر مباشرة في النص موجه، في الحقيقة، إلى القيادة الروسية نفسها. فدوغين يقول إن الخطأ يكمن في «الإصرار العنيد للكرملين» على عدم إتخاذ قرار صريح بالإنتقال إلى الأوتاركية. أي أنه يرى أن المشكلة ليست أن الغرب قطع العلاقات مع روسيا، بل أن روسيا لم تستعد مبكراً بما يكفي لإحتمال قطعها. ومن هذه الزاوية، فإن النص يحمل نقداً داخلياً واضحاً: روسيا، بحسب دوغين، كانت تتصرف دائماً بعد وقوع الحدث، بدلاً من الإستعداد له مسبقاً. ولهذا يختم: «كان من الأفضل أن نبدأ في وقت أبكر، وأن نتخذ هذا المسار عن وعي وإستباقاً للأحداث.» لكن توقعه النهائي ليس متفائلاً: «لكن ذلك ضرب من ضروب المستحيل. لذلك سنفعل الأمر، كما نفعل دائماً، بعد فوات الأوان.»
14. الخلاصة: من «السيادة داخل النظام» إلى «السيادة خارج النظام»
يمكن إختصار أطروحة دوغين كلها في إنتقال واحد: روسيا حاولت أولاً أن تكون دولة ذات سيادة داخل النظام العالمي الذي تقوده القوى الغربية؛ أما دوغين فيرى أن التجربة أثبتت، أو ستثبت، أن السيادة الحقيقية تتطلب القدرة على البقاء خارج ذلك النظام. ومن هنا تصبح الأوتاركية بالنسبة إليه المرحلة النهائية للسيادة. فالسيادة ليست، في هذا التصور، مجرد حق قانوني في إتخاذ القرار. إنها إمتلاك القدرة المادية على تنفيذ القرار المستقل وتحمل تكلفته. وهذه نقطة جوهرية في فهم فكرته. إذا كان قرار الدولة المستقل يؤدي فوراً إلى إنهيار إقتصادها أو توقف صناعتها أو عجزها التكنولوجي أو فقدان أسواقها الأساسية، فإن إستقلالها السياسي يصبح، من منظور دوغين، محدوداً. أما الدولة التي تستطيع تحمل الإنفصال، فهي الدولة التي تمتلك، في منطقه، السيادة الفعلية. لكن هذا التصور يحمل في المقابل ثمناً ضخماً: تقليص الإعتماد الخارجي قد يعني إنخفاض الكفاءة الإقتصادية، وإرتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع بعض مستويات الرفاه، وزيادة الحاجة إلى تدخل الدولة، وربما ــ كما يعترف دوغين نفسه بصورة لافتة ــ إتساع القمع الداخلي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في النص.
دوغين يقدّم الأوتاركية بوصفها الطريق إلى الحرية والسيادة في مواجهة الخارج، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأنها قد تقود إلى مزيد من الإنضباط والقسر في الداخل. وهكذا يصبح السؤال النهائي الذي يتركه النص مفتوحاً: هل يمكن لدولة أن تحقق أقصى درجات السيادة الخارجية من دون أن تدفع ثمناً كبيراً من حريتها وتنوعها وإنفتاحها في الداخل؟ دوغين يميل بوضوح إلى إعطاء الأولوية للسيادة والإستقلال الإستراتيجي. أما تقييم هذا الخيار، ومدى قابليته للتطبيق، وحجم تكلفته الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، فهي مسائل لا يحسمها النص نفسه. وهذا تحديداً ما يجعل مقالته مهمة: فهي لا تقدم مجرد تعليق على العقوبات أو الحرب، بل تكشف عن تصور أوسع لمستقبل روسيا؛ تصور ينتقل من محاولة «الإندماج بشروط روسية» في النظام العالمي إلى بناء فضاء جيوسياسي وإقتصادي قادر على الإستمرار حتى في حال الإنفصال عنه. وبهذا المعنى، فإن العبارة الأهم في نص دوغين ليست «الأوتاركية» وحدها، وإنما العلاقة التي يقيمها بين الحرية والسيادة والإعتماد: إما أن تكون جزءاً من شبكة يضع الآخر قواعدها، أو أن تمتلك القدرة على العيش خارجها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8
...
-
ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6
...
-
بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4
...
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
-
فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
-
الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي
...
المزيد.....
-
أول رد إيراني على رواية أمريكا بشأن ألغام مضيق هرمز.. ماذا ت
...
-
فيضانات نيبال: أكثر من 900 قتيل و4 آلاف مفقود، وسباق للوصول
...
-
الإمارات تدين الهجوم -العدواني- لإيران وتعتبره تصعيدا خطيرا
...
-
بعد شهر من الهدوء.. إيران وأمريكا في أول مواجهة مباشرة
-
دعوى قضائية هي الأولى من نوعها ضد -غروك- بشأن المواد الإباحي
...
-
بريطانيا تتحرك لإنقاذ ناشطها المعتقل في الضفة الغربية (فيديو
...
-
جمعية مزارعي الكروم الروس: النبيذ الخالي من الكحول سيصبح جزء
...
-
الاستخبارات الروسية: الأوروبيون يخططون لزعزعة الانتخابات في
...
-
الجيش الروسي يكبد القوات الأوكرانية خسائر بشرية ومادية فادحة
...
-
الجيش السوداني يحبط هجوما في جنوب كردفان.. ويدمر 30 دراجة نا
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|